← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

ذلك أعظم من فراره يوم الزحف [والفرار من الزحف] (١) منصوص عليه دون هذه. وكذلك نفضل على هذا القول الذي حكيناه من أن الكبيرة ما رتب عليها اللعن، أو الحد، أو الوعيد. فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، فما ساوى أقلها فهو كبيرة، وما نقص عن ذلك فليس بكبيرة. تذنيب: الإِصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وقد روي عن عمر وابن عباس وغيرهما "لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار"، ومعناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإِصرار، قال الشيخ عز الدين في ["قواعده"] (٢) والإِصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة، بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر. وقال ابن الصلاح في "فتاويه" الإِصرار التلبس بضد التوبة باستمرار العزم على المعاودة. [واستدامة] (٣) الفعل بحيث يدخل (٤) به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا [(٥)] عظيمًا وليس [لزمان] (٦) ذلك وعدده حصر.

стр. 4692

الرابعة. العقوق مأخوذ من العق وهو القطع وعدم وصله الرحم. قال صاحب (المحكم) (١): رجل عُقَقٌ وعُقُق وعَقٌ وعاقٌّ بمعنى واحد وهو الذي شق عصى الطاعة لوالديه وقد أسلفنا الكلام على هذه المادة في الحديث الثاني من باب الذكر عقب الصلاة كما سلف في الباب الإِشارة إليه. وأما حقيقة العقوق المحرم شرعًا [فقل] (٢) من ضبطه وضبط الواجب [والمحرم] (٣) من [الطاعة لها والمحرم] (٤) من العقوق لهما فيه عسر ورتب العقوق مختلفة، وقد قال الشيخ عز الدين (٥) كما حكيناه عنه ثم لم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، أي وإنما طاعتهما تبع لطاعة الشرع، لهذا قال ﵊: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقال: "إنما الطاعة في المعروف" (٦)،

стр. 4693

وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما (١) لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، وقد ساوى الولدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكن. وقال ابن الصلاح في "فتاويه" (٢) العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما [في ذلك] (٣) عقوق. وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما مخالفًا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، ونقل الغزالي عن أكثرُ العلماء وجوب طاعتهما في الشبهات. وقال الطرطوشي (٤): إذا نهياهُ عن سنَّة راتبة المرة بعد المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا، لما فيه من إماتة الشرائع. وقال الشيخ تقي الدين (٥) القشيري: الفقهاء قد ذكروا

стр. 4694

صورة جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط كلي، فليس يبعد أن يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن تقاس المصالح في طرف الثبوت بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرف العدم بالمفاسد التي حرمت لأجلها. الخامسة: أن عقوق الوالدين أكبر الكبائر، ولا شك في عظم مفسدته لعظم حق الوالدين. السادسة: تحريم الإِشراك بالله تعالى وهو كفر بالإِجماع. السابعة: انقسام الكبائر إلى كفر وغيره. الثامنة: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. التاسعة: تحريم شهادة الزور في معناها كل ما كان زورًا من لبس وشبع وتعاطي أمرٍ ليس هو له أهلًا. العاشرة: التحريض على مجانبة الذنوب. [الحادية عشرة] (١): الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين وتمني عدم غضبهم.

стр. 4695

الحديث السادس ٣٩٢/ ٦/ ٧٤ - عن ابن عباس ﵄: أن [رسول الله] (١) ﷺ قال: "لو يُعطَى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢). هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، ولا يضر كونه روي موقوفًا، فإن الراوي قد ينشط فيرفع، وقول الأصيلي: إنه لا يصح رفعه إنما هو من قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مردود عليه، فقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما مرفوعًا وكذا أرباب السنن، وقد رفعه نافع عن عمر الجمحي أيضًا، كما رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه حديث حسن صحيح. ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه: أحدها: اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ مسلم، ولفظ

стр. 4696

البخاري في تفسيره سورة آل عمران من صحيحه (١) "لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم"، وفي آخره قال النبي - صلي الله عليه وسلم - "اليمين على المدعى عليه"، ولهذا لما ساقه المصنف في "عمدته الكبرى" باللفظ المذكور قال: رواه مسلم, والبخاري نحوه, ورواه البيهقي بإسناد جيد بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر". ثانيها: الحديث دال على أنه لا يقبل قول الإِنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة أو يصدق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بيَّن ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى لمجرد دعواه, لأنه لو [أعطي] (٢) بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستباحها, ولا يمكن المدعى عليه أن يصون دمه وماله. وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة. ثالثها: الأظهر من قولي الشافعي أن حد المدعي من يخالف قوله الظاهر والمدعى عليه من يخالفه ومحل البسط في ذلك كتب الفروع فإنه أليق به. رابعها: إنما جعلت البينة على المدعي؛ لأنها حجة قوية بانتفاء التهمة, لأنها [لا] (٣) تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضرر. وجانب المدعي ضعيف, لأن ما يقوله خلاف الظاهر، فكلف

стр. 4697

الحجة القوية، ليقوّي بها ضعفه. واليمين حجة ضعيفة, إذ الحالف متهم يجلب النفع لنفسه. وجانب المدعى عليه قوي، إذ الأصل فراغ ذمته، فاكْتُفِي منه بالحجة الضعيفة. خامسها: يُستثنى من قاعدة الدعاوى القسامة، فإنه يقبل منها قول المدعي لترجحه باللوث، وقد جاء استثناؤها في حديث آخر "إلَّا القسامة"، وقبول قول الأمناء في التلف، لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات، فتفوت المصالح، أو قبول قول الحاكم في الجرح والتعديل لئلا] (١) تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام، وقبول قول الزوج في اللعان, لأن الغالب اتقاء الشخص الفحش عن زوجته، فإذا أقدم على ريها به قدم وضم إلى ذلك أيضًا قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه، لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس. سادسها: الحديث دال لمذهب الشافعي وجمهور الأمة سلفها وخلفها: أن اليمين على المدعى عليه مطلقًا في كل حق، سواء أكان بينه وبين المدعي اختلاط أم لم يكن. وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة وبه قضى علي ﵁: أن اليمين لا يتوجه إلَّا على من بينه وبينه خلطة، لئلا يبنذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد فاشْتُرِطَتِ الخُلطة منعًا لهذه المفسدة. واختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين.

стр. 4698

وقيل: يكفي الشهرة، وقيل: هى أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: هي أن يليق به أن يعامله بمثلها، وقريب من هذا قول الاصطخري من الشافعية أن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه. مثل أن يدعي المدني استئجار الأمير والفقيه لعلف الدواب وكنس بيته. ومثل دعوى المعروف بالتعنت وصبر ذوي الأقدار إلى القضاة وتحليفهم ليفتدوا منه بشيء، ودليل الجمهور إطلاق هذا الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع. وهذه تصرفات لتخصيص العموم بغير أصل، ومن تصرفاتهم أيضًا أن من ادعى شيئًا من أسباب القصاص لم تجب به اليمين إلَّا أن يقيم على ذلك شاهدًا فيجب اليمين. ومنها: إذا ادعى الرجل على امرأته نكاحًا لم يجب له عليها اليمين في ذلك. قال سحنون منهم: إلَّا أن يكونا طارئين. ومنها: أن بعض الأمناء من يجعل القول قوله، لا يوجبون عليه يمينًا. ومنها دعوى المرأة الطلاق على الزوج لا يجب عليه اليمين، وعموم هذا الحديث راد على ذلك كله. سابعها: استدل بعضهم بقوله ﵊ "دماء رجال" على إبطال قول مالك في التدمية ووجه استدلاله: أنه ﵊ قد سوَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعي لا يُسمع قوله فيها فماذا لم يُسمع قولُ المدَّعي في مرضه: لي عند فلان كذا، كان أحرى، وأولى أن لا يسمع قوله: دمي عند فلان، لحرمة الدماء، ولا حجة لهم كبيرة كما نبَّه عليه القرطبي (١)؛ لأن مالكًا

стр. 4699

-﵀ لم يُسند القصاصَ أو الدية لقول المدعي دمي عد فلان، بل للقسامة على القتل والتدمية لوث يقوي جنبة المدعي في بداءتهم بالأيمان كسائر أنواع اللوث. ثامنها: أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في غيرها على قولين: أحدهما: إلحاق الطلاق والنكاح والحدود والعتق بذلك أخذًا بظاهر الحديث، فإن نكل حَلف المدعي وثبتت دعواه، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور. ثانيهما: إلحاق ما عدا الحد به، فإن نكل لزمه ذلك، قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الثوري والشعبي: لا يستحلف في الحد والسرقة، وقال: بنحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السرقة إلَّا إذا كان متهمًا، ولا في الحدود والنكاح والطلاف والعتق إلَّا أن يقوم شاهد واحد، يستحلف المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى. واختلف قوله إذا نكل هل يحكم عليه بما ادعى عليه أو يسجن حتى يحلف أو حتى يطول سجنه؟

стр. 4700

كتاب الأطعمة

стр. 4701

٧٥ - باب الأطعمة ذكر فيه ﵀ عثرة أحاديث: الحديث الأول ٣٩٣/ ١/ ٧٥ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت [النبي] (١) ﷺ يقول -[وأشار] (٢) النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات: استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٣).

стр. 4702

هذا الحديث جمع على عِظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، قال جماعة: هو ثلث الإِسلام، وقال أبو داود: ربعه كما أسلفنا ذلك في الطهارة، وسبب عظم موقعه أنه ﵊ نبَّه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي [أن يكون حلالًا وأرشد إلى معرفة الحلال والحرام] (١) وأنه ينبغي ترك الشبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذَّر من مواقعة الشبهات، وأوضح بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، فإن بصلاحه يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه، بل لو أمعن الأئمة النظر في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها، كما نبه عليه القرطبي (٢)، فإنه مشتمل على الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب، وما يفسدها، وتعلق أعمال الجوارح بها ... فيستلزم إذن معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلها: أصولها وفروعها. ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا إلحديث رواه عن النبي - صلي الله عليه وسلم - غير النعمان، رواه علي بن أبي طالب وابنه الحسن وابن مسعود وجابر بن عبد الله (٣)

стр. 4703

وابن عمر (١) وابن عباس (٢) وعمار بن ياسر (٣) أفاده ابن منده الحافظ، وأما أبو عمرو الداني فقال في كلامه على أحاديث قواعد الإِسلام الأربعة: "إنما الأعمال بالنيات"، وهذا الحديث و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، و"لا يؤمن أحدكم"، وقيل [...] (٤) حديث "أزهد" لا أعلم رَوَى هذا الحديث عن النبي - صلي الله عليه وسلم - غير النعمان، ولا رواه عنه غير الشعبي، ثم اتفق على روايته عن الشعبي عن النعمان مرفوعًا متصلًا عبد الله بن عون وغيره. هذا كلامه، وقد علمت أنه رواه جماعات غير النعمان فاستفده. ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الصفوت، وهذا الحديث فيه التصريح بسماعه من النبي - صلي الله عليه وسلم -، وهو الصواب الذي قاله أهل العراق وجماهير العلماء فإنه ﵊ مات. وعمره ثمان سنين فكان مميزًا صحيح السماع، ولهذا أكد السماع بإشارته بأصبعيه إلى أُذنيه، [قال القاضي] (٥): وخالف أهل المدينة فلم يصححوا سماعه من رسول الله ﷺ ، كما حكاه يحيى بن معين عنهم. قال النووي (٦): وهذه الحكاية ضعيفة أو باطلة، وقال

стр. 4704

أبو عمرو الداني، في الكتاب السالف المشار إليه: الحديث الذي يتداوله أهل المدينة يشهد بسماعه من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو قضية ما نحله أبوه فوعاها وحفظها فدل على سماعه، وقد صرح في هذا الحديث بالسماع، وقيل: إنه كان سمع هذا الحديث وله سبع سنين. قال: ويقال المثل المضروب فيه هو من قول الشعبي. ثالثها: في ضبط ألفاظه ومعانيه قوله: "إن الحلال بين" معناه أنه بَيِّنٌ في عينه، ووصفه واضحٌ لا يخفى حله كالمأكولات من الفواكه والحبوب والزيت والعسل والسمن واللبن من مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكالنظر والمشي والكلام وغير ذلك من التصرفات الحلال التي لا شك فيها، وكالاكتساب بالعقود الصحيحة الواضحة شرعًا وبالتبرعات المأذون فيها شرعًا ونحو ذلك من البين الواضح الذي لا شك في حله. وقوله: "والحرام بين" معناه أنه بين في عينه ووصفه أيضًا، واضح كالخمر والميتة والخنزير والبول والدم المسفوح. وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك البين الواضح الذي لا شك في حرمته. وقوله: "وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" معناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة. فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، وأما العلماء فيفرقون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال

стр. 4705

البين، يكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء فهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو بحرمته أم يتوقف؟ فيه ثلاث مذاهب حكاها القاضي عياض، قال النووي (١): والظاهر أنها [(٢)] على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب، أصحها: أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلَّا بالشرع. وثانيها: أن حكمها التحريم. وثالثها: الإِباحة. ورابعها: التوقف. وقوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرضه": معناه أتقاها على الوصف الذي ذكرنا من اقوقف عن الأشياء حتى يعلم حلها وحرمتها، فيعمل بها أو يمسك عنها، فإذا فعل ذلك وإن دينه عن الوقوع في المحذور، وعرضه عن كلام الناس فيه. والعرض هنا هو النفس، أي: استبرأ لنفسه من أن يلام على ما أتى به، وإنْ كَانَ العرضُ يطلق على أمور أخرى منها الحسب والجسد وفي صفة أهل الجنة: "إنما هو عرق يجري من أعراضهم" (٣)، أي: من أجسادهم، وعلى رائحة الجسد أيضًا طيبة

стр. 4706

كانت أو خبيثة، كما نصَّ عليه الجوهري (١). وقوله: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" يحتمل أن يكون معناه أن من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير ويحتمل أن يكون معناه أن من كثر تعاطيه الشبهات اعتاد التساهل وتمرن عليه، فيجسر بفعل شبهة على فعل شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه، عافانا الله من جميع البلايا. وهذا أورده القرطبي (٢) حديثًا مرفوعًا وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. "ويوشك" بضم الياء وكسر الشين مضارع أو شك، أي: يسرع ويقرب، وهي أحد أفعال المقاربة. و"يرتع" بفتح التاء مضارع رتع بفتحها أيضًا، وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق. ومعناه أكل الماشية من الشرعي، وأصله إقامتها فيه وتبسيطها في الأ كل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [وذكر أبو سعد السمعاني (٣) في ترجمة أبي الغنائم

стр. 4707

النرسي (١) الحافظ من "ذيله" (٢)، قال: قرأت بخط والدي الإِمام (٣) سمعت أبا الغنائم محمَّد بن علي بن ميمون النرسي، يقول في قوله ﵊: "ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يجشر (٤) -بالشين المعجمة- في قولهم جشر (٥) إذا رعى] (٦). وقوله: "ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه"

стр. 4708

هو من باب التشبيه والتمثيل والمعنى: إن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم من دخوله، فمن دخله منهم أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفًا من الوقوع في عقوبته، فكذلك لله تعالى حمى وهي محارمه التي حرمها كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك من المعاصي، فكل هذا حمى لله تعالى من دخله باعتقاد حله أو غيره استحق العقوبة، ومن قاربه أوشك أن يقع فيه، ومن احتاط لنفسه بعدم المقاربة لشيء من ذلك لم يدخل في شيء من الشبهات، ويسمى هذا العدم عدم الاستدراج، والنفس بطبعها أمارة بالسوء إلَّا من رحمت فيستدرج من المباح إلى المكروه ثم إلى المحرم، فنسأل الله التوفيق والإِعانة على كسرها. و"الحمى" بمعنى المحمى فالمصدر فيه واقع موقع اسم المفعول وتثنية "حميان"، وسمع الكسائي بتثنيته بالواو، وتطلق المحارم على المنهيات قصدًا، وعلى ترك المأمورات [استلزامًا] (١) وإطلاقها على الأول أشهر، كما قاله الشيخ تقي الدين (٢). و"المضغة" القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها، والمراد: تصغير جرم القلب بالنسبة إلى باقي الجسد [مع أن صلاح الجسد] (٣) وفساده تابعان للقلب كالملك مع الرعية، فهو صغير الجرم عظيم القدر.

стр. 4709

واصلحت بفتح العين مضارع يصلح بضمها. وفسدت بفتح السين مضارع يفسد بضمها، قال القرطبي (١): كذا رويناه، والمعنى: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد، قال: وقد يقال صلح وفسد بضم العين فيهما، إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها، كما يقال: ظرُف، وشرُف، وقال النووي في (شرحه) (٢)، قال أهل اللغة: يقال صلح الشيء وفسَد بفتح اللام والسين وضمها، والفتح أفصح وأشهر. والقلب (٣): في الأصل مصدر: قلبن الشيء، أقلبنه قلبًا: إذا رددته على بدأته، ثم نقل فسمى به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان، لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه: ما سمي القلب إلَّا من تقلبه. . . فاحذر على القلب من قلب وتحويل وقد قيل: إن له عينين وأذنين [وهذا إنما يعلمه أهل الكشف] (٤). وقد عبر عنه بالعقل [نفسه] (٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٦)، أي: عقل، قاله الفراء (٧)، وقال تعالى:

стр. 4710

﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (١). الوجه الرابع: في فوائده: وهو أحد الأحاديث العظام، التي عدت من أصول الإِسلام، بل هو أصله كما سلف في أول الكلام: الفائدة الأولى: الحث على ارتكاب الحلال وعلى اجتناب الحرام، والإِمساك عن الشبهات والاحتياط [للدين] (٢) والعرض وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن والوقوع في المحذور. الثانية. الأخذ بالورع، وهذا الحديث أصل كبير في الأخذ به وترك الشبهات، وللشبهات مثارات، منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحليل أو التحريم، وتعارض الأمارات بالحج، ولهذا قال ﵊: "لا يعلمهن كثير من الناس", إشارةً إلى ذلك مع أنه يحتمل أنه لا يعلم عينها وإن علم حكم أصلها في التحليل والتحريم، وهذا أيضًا من مثار الشبهات. الثالثة: أنه لا ورع في ترك المباح، لقوله ﵊: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن"، قال القرافي: وقد اختلف العلماء في أول العصر الذي أدركته: هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وصنف فيه بعضهم على بعض فقال ابن الأنباري: لا يدخل الورع فيها, لأن الله تعالى ساوى بين طرفي المباح. والورع مندوب إليه راجح أحد الطرفين، والرجحان مع التساوي محال، قال الشيخ تقي

стр. 4711

الدين (١): والجواب عن هذا عندي من وجهين: أحدهما: أن [المباح قد يطلق على ما لا جرح في فعله، وإن لم يتساو طرفاه، وهذا أعلم من] (٢) المباح المتساوي الطرفين، فهذا الذي ردد فيه القول، وقال: إما أن يكون مباحًا [أم] (٣) لا، فإن كان مباحًا فهو مستوي الطرفين يمنعه إذا حملنا المباح على هذا المعنى، فإنه المباح قد صار منطلقًا على ما هو أعم من المتساوي الطرفين، فلا يدل اللفظ على التساوي، إذِ الدَّال على العام لا يَدُلُّ على الخاص بعينه. والثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجحًا باعتبار أمر خارج فلا يتناقض حينئذٍ الحكمان. قال: وعلى الجملة فلا يخلو هذا الموضع من نظر، فإنه إن لم يكن فعلى هذا المشتبه موجبًا لضررٍ مَا في الآخرة، وإلَّا فيعسر ترجيح تركه، إلَّا أن يقال: إن تركه محصل لثواب أو زيادة درجات وهو على خلاف ما يفهم من أفعال المتورعين، فإنهم يتركون ذلك تحرجًا وتخوفًا، وبه يشعر لفظ الحديث، وقال شهاب الدين [ابن] (٤) الحميري يدخل الورع فيها، قال: وطريق الجمع بينها أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع من حيث هي مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث الاكثار منها، فإن الإِكثار منها يخرج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد

стр. 4712

يقع في المحرمات، وقد يفضي به كثرة المباحات إلى نظر النفس فإن كثرة المكاسب من الخيل والمساكن العالية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها عن الإِعراض عن مواقف العبودية الذي شمل مستوى الطرفين وغيره وهو أعم من المستوي الطرفين، فلا دلالة في الأعم على الأخص، فلا تناقض فيه إذن، وهذا هو الجواب الأول الذي أسلفناه عن الشيخ تقي الدين. الرابعة: في قوله: "فمن اتقى الشبهات" .. إلى آخره دلالة على أنه لا يجب عليه حماية عِرْضِهِ عن الطعن فيه، وقد قال ﵊: "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: إني قد تصدقت بعرضي على الناس" (١). الخامسة: في قوله: "كالراعي حول الحمى" دلالة لمذهب مالك في سد الذرائع. السادسة: فيه تعظيم القلب وسببه صدور الأفعال الاختيارية عنه، وما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق بها, ولا شك أن صلاح جميع الأعمال باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد والمصالح، [فتعين حماية مركزها من الفساد وإصلاحه] (٢). السابعة: فيه أيضًا [(٣)] الحث البليغ على السعي في إصلاح

стр. 4713

القلب وحمايته من الفساد، وأن لطيب الكسب أثرًا فيه [كما في ضده] (١). الثامنة: فيه أيضًا كما قاله جماعة أن العقل في القلب لا في الرأس، وهو مذهبنا ومذهب جماهير المتكلمين. وقال أبو حنيفة: إنه في الدماغ وقد يقال: في الرأس، وحكوا الأول عن الفلاسفة والثاني عن الأطباء. واحتج القائلون. بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٢)، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٣)، وبهذا الحديث فإنه ﵊ جعل صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب. فعلم أنه ليس محلًا للعقل. واحتج القائلون: بأنه في الدماغ، بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك, لأن الله تعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع عن ذلك. قال المازري (٤): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكًا.

стр. 4714

التاسعة: فيه أيضًا أن العقوبة من حسن الجناية, لأنه كما انتهك محارم الله تعالى المانعة لما وراءها، فكذلك ينتهك محارم جسده بنجرده عن لباس التقوى، الذي هو حمى له من آفات الدنيا وعذاب الآخرة. العاشرة: فيه أيضًا ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وفائدتها التنبيه بالشاهد على الغائب. الحادية عشرة: فيه أيضاً التنبيه على عظمة الله تعالى واجتناب محارمه التي مصالحها عائدة علينا فإنه الغني المطلق. الثانية عشرة: فيه أيضًا أن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلَّا بالقلبية. الثالثة عشرة: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فيما إذا كان العمل مقيدًا بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، فيما إذا كان العمل مقيدًا بهما، فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن أحدهما أعمال بسبب الآخر. خاتمة: لما ذكر البخاري هذا [الحديث] (١) عقبه بأن قال (٢): تفسير المشتبهات، وذكر فيه عن حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يريبك [إلى ما لا يريبك] (٣)، ثم ذكر قصة الأمة السوداء في الرضاع (٤) وقصة ابن وليدة

стр. 4715

زمعة (١)، وحديث عدي بن حاتم الآتي في الصيد (٢). ثم قال: باب (٣) ما يتنزه من الشبهات. وذكر حديث التمرة الساقطة على الفراش (٤)، ثم قال: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات (٥)، ثم ذكر حديث حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وحديث عائشة: يا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﵊: "سموا [الله] (٦) عليه وكلوه"، فتنبه لذلك.

стр. 4716

الحديث الثاني ٣٩٤/ ٢/ ٧٥ - عن أن بن مالك ﵁ قال: أَنْفَجْنَا أرنبًا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها فأتيت أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركيها وفخذيها فقبله (١). "لغبوا" أعيوا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. وأما أبو طلحة: فاسمه زيد بن سهل أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد فضلاء الأنصار، مات بالمدينة بعد الثلاثة، وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعه منه.

стр. 4717

ثانيها: في بيان ما وقع فيه من الأمكنة: "مرَّ الظهران" بفتح الميم وتشديد الراء. و"الظهران" بفتح الظاء المعجمة قيل تثنية الظهر. ويقال له مر الظهران، ويقال الظهران من غير إضافة "مر" إليه، وهو اسم موضع على بريد من مكة. وقيل على أحد عشر ميلًا. وقيل على ستة عشر ميلًا. ثالثها: "أنفجنا" بفتح الهمزة ثم نون ساكنة ثم فاء ثم جيم ثم نون ثم ألف يقال: أنفجت الأرنب فنفج، أي: أثرته فثار، كأنه يقول: أثرناه ودعوناه فعدا. وفي صحيح مسلم "استنفجنا" ومعناه أيضًا "أثرنا" و"نفرنا". ووقع للمازري، "بعجنا" بالباء الموحدة ثم عين مهملة وفسره بشققنا من بعج بطنه [إذا شقه، وهذا لا يصح رواية ولا معنى، كما نبه عليه القاضي (١) ثم القرطبي (٢)] (٣) وإنما هو تصحيف وكيف يشقون بطنها، ثم يسعون خلفها حتى لغبوا، ثم بعد ذلك يأخذونها ويذبحونها. و"الأرنب"، قال الجوهري هي واحدة الأرانب. وقال صاحب "المحكم" (٤) الأرنب معروف يكون للذكر والأنثى، وقيل: الأرنب الأنثى والخُزَزُ الذكر.

стр. 4718

والجمع: أرانب وأراد عن اللحياني (١). فأما سيبويه (٢) فلم [يجز] (٣) أران إلَّا في الشعر. "ولغبوا" بفتح الغين المعجمة على الفصيح المشهور. وحكى الجوهري (٤) وغيره كسرها وهي ضعيفة. ومعناه تعبوا وأعيوا، كما فسره المصنف و"السعي" الجري. رابعها: في فقهه، وهو يشتمل على مسائل: الأولى: جواز أكل الأرانب وحله فإنه ذبح وأهدى وهو مذهب [العلماء] (٥) الأربعة والعلماء كافة إلَّا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٦) وابن أبي ليلى من كراهية. وحجة الجمهور هذا

стр. 4719

الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء. قال القاضي عياض (١): وفي أبي داود (٢) [وغيره] (٣) من المصنفات أنه ﵊ "لم ينه عنها ولم يأمر يأكلها وزعم أنها

стр. 4720

تحيض"، وهذا من نحو تقززه من أكل الضب (١). قلت: بل صح أنه ﵊ "أكل منها"، ففي البخاري في كتاب الهبة (٢) في هذا الحديث فبعث إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بوركها أو فخذيها قال: فخذيها لا شك فيه، فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: قبله (٣)، وصح أنه ﵊ أمر بأكلها كما أخرجه البخاري من حديث كعب بن مالك (٤)، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث محمَّد بن صفوان، وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد. واعلم أنه وقع في "شرح الرافعي" عن أبي حنيفة تحريمها، والذي حكاه النووي في "شرحه لمسلم" (٥) عنه حلها وهو ما أسلفنا.

стр. 4721

الثانية: جواز استثارة الصيد والعدو في طلبه. الثالثة: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه. الرابعة: هدية الصيد وقبوله وكان ﵊ يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يقاس عليه في هذا غيره من الحكام لانتقاء المعنى عنه دون غيره، وهو خوف الميل، والله الموفق للصواب.

стр. 4722

الحديث الثالث ٣٩٥/ ٣/ ٧٥ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: " [نحرنا فرسًا على عهد رسول الله - صلي الله عليه وسلم -] (١) فأكلناه". وفي رواية: "ونحن بالمدينة" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذه الرواية: "ونحن بالمدينة"، وهي للبخاري وفي رواية له: "ذبحنا" بدل "نحرنا"، وفي أخرى: "نحرنا" لمسلم، وفي رواية لأحمد: "فأكلناه نحن وأهل بيته". ثانيها: في التعريف براويه هي أسماء بنت الصديق شقيقة عبد الله أمهما أم العزى قيلة ويقال. قتيلة بنت عبد العزى. وهي زوج

стр. 4723

الزُّبير بن العوام وأخت عائشة [لأبيها] (١) وهي أسن من عائشة واختلف في إسلام أمها وأكثر الروايات على أن ماتت مشركة. أسلمت أسماء قديمًا بمكة. وقيل: كان إسلامها بعد سبعة عشر إنسانًا وهاجرت إلى المدينة، وهي حامل بعبد الله بن الزبير, فوضعته بقباء، وولدت له غيره أيضًا. وكانت تسمى "ذات النطاقين" لأنها زودت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وأباها حين أرادا الغار، فلم تجد ما توكي به السفرة، فقطعت نطاقها. وقيل: ذوائيها وربطتها به، فسماها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بذلك. وروي أنه ﵊ قال لها: "أبدلك الله بنطاقك هذا بنطاقين في الجنة". روي لها عن النبي - صلي الله عليه وسلم - ستة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على أربعة عشر وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها. وقال ابن الجوزي: اتفقا منها على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بأربعة. ماتت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، اختلف في مقداره في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مائة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء، وكان قد ذهب بصرها، وفي "العلم المشهور" لابن دحية أنه لم يفسد لها بصر، ولعل المراد منه أنه لم يفسد لها بصيرة، وهي آخر المهاجرات، وفاة، وترجمتها مبسوطة فيما أفردناه [من الكلام على الأسماء الواقعة في] (٢) هذا الكتاب فسارع إليه. ومن مناقبها الجليلة أنها وابنها وأباها وجدها أربعة صحابيون ولا يعرف هذا لغيرهم إلَّا لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن قحافة.

стр. 4724

ثالثها: في ألفاظه، قولها: "نحرنا فرسًا"، وفي إحدى روايتي البخاري "ذبحنا" كما أسلفناه اختلف في الجمع بينهما، فمنهم من جعلها واقعتين مرة "نحرت"، ومرة "ذبحت" وهذا هو الصحيح المرجح عندهم, لأن حملها على الحقيقة فيها مع جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفًا للأفضل، كما نقله النووي في "شرح مسلم" (١) وإن شوحح في نقل الإِجماع في ذلك. ومنهم من حمل النحر على [الذبح] (٢) جمعًا بين الحقيقة والمجاز. "والفرس" يطلق على الذكر والأنثى. وقولها: "ونحن بالمدينة" ذكرته لتعرف أنه آخر الأمر، لا في أوله لئلا يتوهم نسخه. رابعها: في فقهه، وهو أكل لحم الخيل، وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها: جوازه من غير كراهة، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وفضالة بن عبيد وأسماء بنت أبي بكر وسويد بن غفلة وعلقمة والأسود وعطاء وشريح وسعيد بن جُبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وداود وغيرهم. المذهب الثاني: حله مع الكراهة، وهو قول ابن عباس والحكم وبعض أصحاب أبي حنيفة.

стр. 4725

[المذهب] (١) الثالث: أنه حرام، وهو الصحيح عند أصحابه كما نقله عنهم الشيخ تقي الدين (٢)، وعنه يأثم ولا يسمى حرامًا، وعليها اقتصر النووي في "شرحه" (٣) في حكايتها عنه، وعند المالكية ثلاثة أقوال فيها: الكراهة، والتحريم، والإِباحة، قال الفاكهي: والظاهر منها وأظنه المشهور الكراهة. والصحيح عند المحققين: [التحريم] (٤) واقتصر النووي في "شرحه"، والقرطبي (٥) في النقل عن مالك على الكراهة فقط، ولم يحك القرطبي التحريم إلَّا عن طائفة شذت، منهم الحكم بن عتيبة، ثم قال: وفيه بُعْدٌ, لأن الآية لا تدل عليه والأحاديث تخالفه. واعتذر بعضهم: عن هذا الحديث بأن قال فعل الصحابة في زمنه ﵊ لا يكون حجة إلَّا إذا علمه، وهذا مشكوك فيه، مع أنه معارض بحديث صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد أنه ﵊: "نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع"، وفي بعض رواياتهم: "إن ذلك يوم خيبر" (٦)، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

стр. 4726

والجواب عن هذا الاعتذار: أنه يبعد فعل مل هذا في زمنه ﵊ وهو ممنوع، ولم يعلم به إمَّا بإخبار الصحابة وإما بوحي مع أنهم توقفوا في أكل أشياء دون هذا هي حلال شرعًا حتى سألوه عنها, وأذن لهم فيها، وقد نزل الوحي في أشياء دون هذا بالمنع. والإِذن، بل حديث جابر الآتي بعد هذا يصرح بالإِذن في أكلها، وأنها أُكلت يوم خيبر. وحديث خالد المذكور في نهيه عن أكلها ضعيف منكر باتفاقهم، وبنقدير صحته يكون منسوخًا، قال الإِمام أحمد: هذا حديث منكر. وقال أبو داود في "سننه" (١): [إنه] (٢) منسوخ، قد [أكله] (٣) جماعة من [الصحابة (٤)] (٥) بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس، وأسماء ابنة أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقعة، وكانت قريش في عهد النبي - صلي الله عليه وسلم - تذبحها، وقال النسائي: حديث جابر في الإِذن فيه أصح منه، ويشبه إن صح أن يكون منسوخًا، لأن قوله:، وأذن في لحوم الخيل". دليل على ذلك وقال أيضًا: لا أعلمه رواه غير بقية بن الوليد، قلت: قد تابعه (٦) الواقدي،

стр. 4727

ومحمد بن حمير، وعمر بن هارون البلخي، لكن الأول ضعيف، والثالث متروك، والثاني ثقة. وقال يعقوب الفسوي (١): ليس بالقوي. وبقية: قد عنعن في بعض رواياته لهذا الحديث، إن كان قال في رواية أحمد وابن ماجه والنسائي (٢)، حدثني ثور وهو مشهور بتدليس التسوية (٣). وقال البخاري (٤): صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه فيه نظر، وقال الخطابي (٥): حديث جابر إسناده جيد [قال، وأما] (٦) حديث خالد بن الوليد ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يعرف صالح ولا أبوه [ولا جده] (٧)، قلت: صالح ذكره ابن حبان في

стр. 4728

"ثقاته" (١) نعم، قال خ: فيه نظر. وقال ابن القطان: لم تتبين عدالته وأبوه يحيى وثق (٢) أيضًا. وجده المقدام (٣): صحابي كما نص عليه الأئمة ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر (٤) فلا تسأل عن مثله. وقال الدارقطني (٥): هذا حديث ضعيف. قال: وإسناده أيضًا مضطرب. وقال الواقدي: لا يصح هذا، لأن خالدًا أسلم بعد فتح خيبر. وقال خ (٦): إنه لم يشهد خيبر. وكذا قاله أحمد أيضًا إنما أسلم بعد الفتح. وقال ابن عبد البر (٧): لا يصح لخالد مشهد مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قبل الفتح. [وقال البيهقي] (٨) إسناده مضطرب، ومع اضطرابه فهو مخالف لحديث الثقات.

стр. 4729

وقال عبد الحق: لا تقوم به حجة لضعف إسناده. وقال أبو محمَّد بن حزم في "محلاه" (١): حديث صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب هالك لأنهم مجهولون (٢) ثم فيه دليل [على] (٣) الوضع, لأن فيه عن خالد قال: غزوت مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - خيبر وهذا باطل, لأنه لم يسلم إلَّا بعد خيبر بلا خلاف. قلت: بل فيه خلاف، حكاه أبو عمر، قيل: إنَّ إسلامه سنة خميس، وخيبر كانت سنة ست أو سبع على ما أسلفناه في ترجمة أبي هريرة. ثم إطلاقه الجهالة على المقدام خطأ فهو صحابي معروف كما مرَّ. واعتذر بعضهم عنه أيضًا أعني عن حديث أسماء وجابر أيضًا الآتي بأنهما في مقابلة دلالة النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٤)، فإنها خرجت مخرج

стр. 4730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →