الحديث التاسع
٤٠٠/ ٩/ ٧٥ - عن زهدم بن مُضَرِّبٍ الجَرْمِي قال: عند أبي موسى [الأشعري] (١)، فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر شبيه بالموالي فقال: هلم، فتلكأ، فقال له: هلم، فإني رأيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يأكل منه" (٢).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب السواك:
أحدها: هذا الحديث بقي منه قطعة، وهي أن الرجل قال: عقب ذلك: "إني رأيته يأكل شيئًا فقذرته، فحلفت ألا أطعمه، فقال: هلم أُحدثك عن ذلك أني أتيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في رهط من الأشعريين [يستحملونه] (٣) فذكر الحديث كما سقناه في الحديث الثاني من باب الأيمان الذي هو طرف من هذا الحديث.
стр. 4762
ثانيها: "زَهْدَم" بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ثم ميم.
"مُضَرِّبِ" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة ثم ياء موحدة وكنية زهدم أبو مسلم وهو بصري تابعي ثقة.
ثالثها: الجرمي بفتح الجيم [وهو بصري] (١) نسبةً إلى جرم كما تقدم من الحديث العاشر من باب صفة صلاة النبي - صلي الله عليه وسلم -.
رابعها: هذا الرجل المبهم لا يحضرني [اسمه] (٢) بعد البحث الشديد عنه.
خامسها: في ألفاظه وفيه مواضع:
[الأول] (٣) "المائدة": ممدودة وفيها لغة أخرى: ميدة كحقنة، وقيل: سميت بذلك لأنها تميد بما عليها، أي تتحرك وتميل، وإنما تسمى مائدة إذا وضع عليها الطعام وإلَّا فهي خوان، قال الحليمي: والأكل عليها من عادة الحواريين، ولذلك سألوها عيسى ﵊. قال: ثم لم يزل ذلك عادة جارية، لا نعلم أحدًا أنكرها، وروي عن الصحابة الأكل عليها، فدل على إباحتها. قال القرطبي (٤): وقد كان له ﵊ خِوَانٌ، وأُكِل بحضرته
стр. 4763
عليه، على ما اقتضاه ظاهر إيراد الحديث [السالف في الضب في الصحيح]، قال: وأما ما روي أنه ﵊ وأصحابه لم تكن لهم موائد، إنما كانوا يأكلون على السُّفَر، فذلك كان غالب أحوالهم. وقال النووي في "شرحه" (١) ليس المراد بهذا الخوان يعني في حديث الضب ما نفاه في الحديث المشهور في قوله: "ما أكل رسول الله ﷺ على خوان قط بل شيء [من] (٢) نحو السفرة" (٣).
سادسها: "الدجاج" مثلث الدال حكاها ابن طلحة (٤) في "شرح
стр. 4764
الفصيح" كما عزاها إليه اللبلي (١)، وحكاها أيضًا لمنذري (٢) في "حواشيه" وغيرهما, ولم يحك النووي في كتبه (٣) الضم وإنما قال اسم الدجاج يقع على الذكور والإِناث وهو بكسر الدال وفتحها، والفتح أفصح باتفاقهم الواحدة [دجاجة] (٤) للذكر والأنثى. قال الجوهري (٥): لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة، قال: والدجاجة أيضًا كبة من الغزل.
الثالث: "هلم" معناه تعال وهو استدعاء وأصله لمّ، أي: بنا "والهاء" في أوله للتنبيه، ويستعمل للواحد والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد على لغة أهل الحجاز، خلافًا لأهل نجد، وتستعمل قاصرة إذا كانت بمعنى "أقبل" ومتعدية إذا كانت بمعنى "هات"، ونحو ذلك.
وقوله: "فتلكأ"، أي: تردد وتوقف.
الوجه السادس: في فقهه.
ومهمة حل أكل الدجاج، وهو إجماع, لأنه من الطيبات، ولا
стр. 4765
عبرة بمن كرهه إن صح عنه، وسواء الوحشي والإِنسي منه، كما نبه عليه ابن الصباغ في "شامله" في الحج في كفارات الإِحرام.
وفيه أيضًا: أن المرجع في الأحكام كلها إلى الشارع.
وفيه أيضًا: البناء على الأصل، فإنه قد بين فيما أسلفناه أثر الحديث أن هذا الرجل علل تأخره بأنه رآه يأكل شيئًا فقذره، فإذن يكون أكل الدجاج الذي يأكل القذر مكروهًا، أو يكون ذلك دليلًا على أنه لا اعتبار بأكل النجاسة، وقد جاء النهي عن أكل الجلالة من
طرق. وإذا تغير لحمها بأكل النجاسة، فاختلف فيه العلماء أعني في حله، والمرجح عند جمهور الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه،
ورجح بعضهم التحريم، وبه جزم الشيخ تقي الدين في "شرحه" (١) ناقلًا له عن الفقهاء، واقتصر على أنه جاء النهي عن لبن الجلالة، وكلامه إنما هو في لحمها، وإن كان الحكم واحد.
وفيه أيضًا: جواز أكل الطيبات على الموائد، وأنه لا يناقض الزهد، ولا ينقصه خلافًا لمن تقشف.
وفيه أيضًا: جواز الدعاء بالمائدة للضيفان والأضحاب.
стр. 4766
الحديث العاشر
٤٠١/ ١٠/ ٧٥ - عن ابن عباس [﵄] (١) أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يُلعقها" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: "يلعقها" الأولى بفتح أوله والثاني بضمه، يقال: لعِقت الشيء بالكسر ألعَقُه بالفتح لعقًا أي لحسته، وألعقت غيري يدي رباعي، فالأول متعدٍّ إلى مفعول واحد، والثاني إلى مفعولين، والثاني محذوف في هذه الرواية -أي أخاه- واللعقة بالفتح المرة الواحدة، [والملعوق] (٣) اسم ما يلعق.
стр. 4767
ثانيها: علل هذا في الحديث الصحيح، أنه ﵊ قال: "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
رواه مسلم (١) من حديث جابر وأبي هريرة وليس إعطاؤه يده غيره ليلعقها تركًا للبركة، بل هو من باب تحصيل البركة لغيره، لا من باب الإِيثار بالقرب، قال الشيخ تقي الدين (٢): وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما مسح به، مع الاستغناء عنه
بالريق، لكن إذا صحَّ الحديث بالتعليل لم يعدل عنه.
قلت: التنصيص على علة لا يلزم منه أنه ليس ثم علة أخرى، وقد يعلل بأمر آخر وهو احترام الطعام عن إهانته، وقد قال القاضي
عياض (٣): إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام.
ثالثها: في أحكامه.
أولها: استحباب لعق الأصابع بعد الأكل قبل الغسل أو المسح، وقد كرهه بعض العامة واستقذره، وقوله هو المستقذر.
ثانيها: استعمال التواضع.
стр. 4768
ثالثها: استعمال السنة، والأمر بها حتى فيما يعده الناس في العرف دناءة (١).
رابعها: عدم إهمال شيء من فضل الله تعالى مأكولًا كان أو مشروبًا أو غيرهما، وإن كان تافهًا حقيرًا في العرف.
خامسها: زاد أبو داود في روايته لهذا الحديث بعد قوله: "ولا يمسح يده بالمنديل"، وترجم عليه باب في المنديل.
وفي أفراد البخاري (٢) من حديث سعيد بن الحارث عن جابر ابن عبد الله أنه سأله عن الوضوء مما مست النار، فقال: " [قد] (٣) كنا زمان [النبي - صلي الله عليه وسلم -] (٤) لا نجد مثل ذلك من الطعام إلَّا قليلًا،
стр. 4769
فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلَّا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا, ثم نصلي ولا نتوضأ" ولا معارضة بينهما؛ لأن عدم المناديل لم يكن لأنه السنة، بل لعدم وجدانهم إياها.
سادسها: المراد بقوله "أو يلعقها" غيره ممن لا يتقذر ذلك كزوجة وجارية وولد وخادم يحبونه ويتلذذون به ولا يتقذرونه، وكذا من كان في معناه كتلميذ يعتقد وفور البركة (١) بلعقها، وكذا لو ألقمها شاة أو نحوها.
سابعها: أطلق هنا "اليد" على الأصابع، وهو دال على جواز الأكل بجميع أصابع اليد، لكن الأكل بثلاث أصابع من السنة، قال
القاضي: والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب وتكبير اللقمة، ولأنه غير مضطر إلى ذلك لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها بالثلاثة إلَّا أن يضطر إلى ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاثة فيدعمه بالرابعة أو الخامسة.
ثامنها: جواز مسح اليد بعد الطعام.
قال القاضي: وهذا والله أعلم فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غمر، ولزوجة ما لا يذهبه إلَّا الغسل، وإلَاّ فقد جاء في الحديث الترغيب في غسله والحذر من تركه (٢).
стр. 4770
تاسعها: إنما يخص اللعق بآخر الأكل [لا] (١) في أثنائه؛ لأنه يمس بأصابعه بزاقه في فيه، فإذا لعق أصابعه، ثم أعادها، صار كأنه
بصق في الطعام، وذلك مستقذر مستقبح، نبَّه عليه القرطبي (٢) في شرحه.
стр. 4771
٧٦ - باب الصيد
هو [في] (١) الأصل مصدر صاد يصيد ويصود صيدًا فهو صائد، ثم أطلق الصيد على المصدر نفسه تسمية للمفعول بالمصدر، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، ثم في الباب أربعة أحاديث رابعها في الذكاة أو عليه، (٣) ترجم في "عمدته الكبرى".
стр. 4772
الحديث الأول
٤٠٢/ ١/ ٧٦ - عن أبي ثعلبة الخشني [﵁] (١)، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وفي أرض صيدٍ، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم [وبكلبي المعلم، في يصلح ليس؟ قال: أما ما ذكرت -يعني من آنية آهل الكتاب- فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا فيها. وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل"] (٢).
стр. 4773
الكلام عليه من وجوه:
[أحدهما] (١): في التعريف براويه، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة: منها جرثوم بن [لاشر، وقيل: ناشر] (٢)، وقيل: ناشم، وقيل: ماسح بن وبرة، وقيل: لاشر بن جرثوم بن عمرو، وقيل: جرثومة، وقيل: جرهم بن ناشم، وقيل: غير ذلك، وصحبته متفق عليها، وهو ممن غلبن عليه كنيته، شهد حنينا وغيرها. نزل داريا ونزل قرية البلاط أيضًا وبها ذريته، وكان ممن بايع تحت الشجرة، وضرب له سهمه في خيبر. وأرسله ﵊ إلى قومه، فأسلموا وأخوه عمرو بن جرهم أسلم على عهد النبي - صلي الله عليه وسلم -، وهما من ولد لَبْوان بن مُرّ بن خشين بن النمر بن وبرة، قال أحمد بن محمَّد بن عيسى في "تاريخ حمص" بلغني أن أبا ثعلبة أقدم إسلامًا من أبي هريرة، واعتزل عليًّا ومعاوية. ومات في إمرة معاوية، وقيل: في ولاية عبد الملك. قال أبو الزَّاهرية: سمعته يقول: "إني لأرجو أن لا يخنقني الله كما أراكم تخنقون عند الموت. فبينما هو يصلي في جوف الليل قبض وهو ساجد، فرأت ابنته أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعة، فنادت أمها: أين أبي؟ قالت: في مصلاه. فنادته، فلم يجبها، فأنبهته، فوجدته ساجدًا فحركته، فوقع لجنبه ميتًا. قال ابن سعد وجماعة: مات سنة سبع وخمسين. وقال ابن حبان في "ثقاته" سنة خمس وستين.
стр. 4774
الثاني: يشترك مع أبي ثعلبة هذا في الكنية ثلاثة من الصحابة أيضًا.
أولهم: أبو ثعلبة ابن عم كريم.
[وثانيهم: أبو ثعلبة الأنصاري.
وثالثهم: أبو ثعلبة] (١) الأشجعي.
الثالث: هذه النسبة وهي الخشني -بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين ثم نون ثم ياء النسب- نسبة إلى خشين بطن من قضاعة.
قال أبو عمر: لم يختلفوا في تسميته أبي خشين، وهو وائل بن النمر بن وبرة بن ثعلب -بالغين المعجمة- ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. ذكر نسبنه إلى خشين: البيهقي والسمعاني والحازمي وغيرهم، وقيل: أبي خشينة. حكاه أبو أحمد وابن الصلاح، والنووي في آخر "أربعينه"، وكذا ابن الأثير في "كناه" لكنه خالف في الأسماء منه. وعبارة الشيخ تقي الدين في "شرحه" إنه نسبة إلى بني "خشين" من قضاعة. قال: "وخشين" تصغير "أخشن" مرخم.
الرابع: "أهل الكتاب" المراد بهم اليهود والنصارى، وإن كان كل من دان بدين الله بكتاب منزل على نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فهم أهل كتاب.
الخامس: "الآنية" جمع إناء وجمع الآنية أواني.
стр. 4775
السادس: في أحكامه:
الأول: السؤال عما يحتاج إليه من الأمور [المستقبلة] (١).
الثاني [(٢)]: جمع المسائل والسؤال عنها دفعة واحدة.
الثالث: تفصيل الجواب "بأما" و"ما" وفي القرآن الكريم في قصة ذي القرنين في الكهف التفصيل "بإما" "أما".
الرابع: أن استعمال أواني أهل الكتاب تتوقف على الغسل وقد اختلف الفقهاء في ذلك بناء على قاعدة تعارض الأصل والغالب،
وذكروا الخلاف فيمن يتدين باستعمال النجاسة من المشركين وأهل الكتاب كذلك، وإن كان قد فرّق بينهم وبين أولئك، لأنهم يتدينون باستعمال الخمر أو يكثرون ملابستها. والنصارى منهم لا يجتنبون النجاسات، ومنهم من يتدين بملامستها كالرهبان، فلا وجه لإِخراجهم ممن يتدين باستعمالها. والحديث جارٍ على مقتضى ترجيح غلبة الظن، فإن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل. وقال النووي في "شرحه" (٣) قد يقال هذا الحديث مخالف لما يقوله الفقهاء فإنهم يقولون: إنه يجوز استعمال أواني المشركين إذا غسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا.
وهذا الحديث يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها, ولا
стр. 4776
يكفي غلها في نفي الكراهة، وإنما يغسلها ويستعملها إذا لم يجد غيرها.
والجواب: إن المراد بالنهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية
أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخود في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء، وكلوا واشربوا"، وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معتادة للنجاسة، كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة.
فأما الفقهاء: فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات، فهذه يكره استعمالها قبل غسلها، فإذا غسلت فلا
كراهة فيها, لأنها طاهرة، وليس فيها استقذار ولم يريدوا نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات.
تنبيهان:
[أحدهما] (١): ظاهر الحديث أن استعمالها مع الغسل رخصة لا تجوز إلَّا عند الحاجة إليها، فإن ظاهر قوله: "ولا تأكلوا فيها"،
وإن غسلت، فلو كان الغسل مطهرًا لها لما كان للتفصيل بين وجدان غيرما وعدمه معنى.
الثاني: قد يستفاد منه أن أوعية الخمر ونحوها لا تطهير بالغسل [ولمالك] (٢) في أوعية الخمر ثلاثة أقوال:
стр. 4777
أحدها: كسرها على كل حال.
وثانيها: إن طبخت في الماء أو طبخ فيها الماء جاز استعمالها.
وثالثها: التخفيف في الرقاق، والتشديد في غيرها.
الخامس: إباحة الاصطياد بالقوس والكلب المعلم وهو إجماع، ولم يتعرض في الحديث للتعليم المشترط، والفقهاء تكلموا فيه، وجعلوا المعلم ما ينزجر بالانزجار، وتنبعث بالأشلاء، وإذا أخذه أمسكه على صاحبه، وخلى بينه وبينه، ولهم نظر في غير ذلك من الصفات محل الخوص فيها كتب الفروع.
والقاعدة أن ما رتب عليه الشرع حكمًا ولم يجد فيه حدًا يرجع فيه إلى العرف، ولا شك في اشتراط إرساله، فلو استرسل بنفسه لم
يحل ما قتله عند جميع العلماء، إلَّا ما حكي عن الأصم من إباحته وإلَاّ ما حكاه ابن المنذر عن عطاء والأوزاعي أنه يحل إذا كان صاحبه أخرجه للاصطياد، وهذا كله في الكلب المعلم، أما غيره فلا يحل ما قتل ولو بإرسال صاحبه إجماعًا.
السادس: إباحة الاصطياد للأكل وللَّهو واللَّعب وغيرهما.
وقال مالك: يكره إذا اصطاد لهما (١) لكن بقصد تذكيته والانتفاع وخالفه الليث وابن عبد الحكم، وقال الليث: ما رأيت حقًّا أشبه
بباطل منه.
стр. 4778
قال القاضي عياض: فإن فعله بغير نية التذكية فهو حرام, لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا.
السابع: الأمر بالتسمية عند إرسال السهم والكلب المعلم. وفي معناه إرسال الجوارح من الطير، والإِجماع [قائم] (١) على مشروعية التسمية عند الإِرسال على الصيد وعند النحر والذبح لكن اختلفوا هل ذلك على وجه الوجوب أو الندب؟ وفيه ثلاثة أقوال لهم:
اْحدها: أنها سنة فإن تركها سهوًا أو عمدًا حل الصيد والذبيحة، وهو مذهب الشافعي وطائفة، ورواية عن مالك وأحمد.
ثانيها: أنها واجبة، فإن تركها عمدًا أو سهوًا لم يحل، وهو مذهب أهل الظاهر، والصحيح عن أحمد في صيد الجوارح خلاف الذبيحة فإن مذهبه. القول الثالث: وهو مروي عن ابن سيرين، وأبي ثور. قالوا: لأنه وقف الإِذن في الأكل على التسمية والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه [عند] (٢) القائلين بالمفهوم. وفيه ها هنا زيادة على كونه مفهومًا مجردًا، وهو أن الأصل تحريم أكل الميتة، وما أخرج [الصيد] (٣) منها، إلَّا ما هو موصوف بكونه سمي عليه فغير المسمى عليه يبقى على أصل التحريم داخلًا تحت النص المحرم للميتة.
стр. 4779
والقول الثالث: إن تركها سهوًا حلَّت الذبيحة والصيد, وإن تركها عمدًا فلا، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والثوري وجماهير العلماء، كما نقله عنهم النووي في "شرحه" (١) وحكاه القرطبي (٢) قولًا عن الشافعي. وحكى أصحابنا في العمد ثلاثة أوجه:
أولها: الصحيح الكراهة.
ثانيها: خلاف الأولى.
ثالثها: يأثم، قاله الشيخ أبو حامد في "تعليقه".
واحتج من أوجبها، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٣) وبهذا الحديث وأمثاله.
واحتج الشافعية ومن وافقهم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤)، إلى قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) فأباح ذلك
بالتذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها, ولا يقال التذكية لا تكون إلَّا بالتسمية، لأنها في اللغة الشق والفتح.
وبقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهم لا يسمون غالبًا وفي "صحيح البخاري" (٦) من حديث عائشة ﵂ أن
стр. 4780
قومًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحمان، لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، أنأكل منها أم لا؟ فقال ﵊: "اذكروا اسم الله وكلوا"، وهذا ظاهر في عدم الوجوب، فان هذه التسمية هي المأمور بها عند الأكل والشرب لا التسمية عند التذكية والإِرسال.
وأجابوا: عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) بأن المراد به ما ذبح للأصنام، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ... وآية ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
قال القرطبي (٣): وهو أشهر أقوال المفسرين في الآية وأحسنها. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٤) وقد قام الإِجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق فوجب حملها على ما
стр. 4781
ذكرناه، ليجمع بينها وبين الآيات السابقات، وحديث عائشة وحملها بعض الشافعية على كراهة التنزيه، وأجابوا عن أحاديث التسمية بأنها للاستحباب.
الثامن: إباحة الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور. وقال الحسن
البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق: لا يحل صيد الكلب الأسود, لأنه شيطان.
التاسع: حل ما اصطاده بالكلب المعلم من غير ذكاة، فإنه ﵊ فرق في إدراك الذكاة بينه وبين غير المعلم. وقد جاء في الحديث إلآتي التصريح به حيث قال: "فإن أخذ الكلب ذكاته" فإذا قتل الصيد بظفره أو نابه حل، وكذا إن قتله بثقله على
أظهر قولي الشافعي لإِطلاق الحديث.
العاشر: حل ما أدرك ذكاته إذا كان غير معلم وهو إجماع، وهذا الإِدراك يتعلق بأمرين:
أحدهما: الزمن الذي يمكنه فيه الذبح، فإن أدركه ولم يذبحه فهو ميتة، ولو كان ذلك لأجل العجز عما يذبح به لم يعذر في ذلك.
الثاني: الحياة المستقرة كما ذكرها الفقهاء، فإن أدركه وقد أخرج حشوته أو أصاب بنابه مقتلا، فلا اعتبار بالذكاة حينئذٍ.
стр. 4782
الحديث الثاني
٤٠٣/ ٢/٧٦ - عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم ﵁ قال: "قلت يا رسول الله، إنى أُرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن عليَّ، وأذكر اسم الله، فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك"، قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها"، قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب، فقال: "إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكلها".
وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: "إلَّا أن يأكل [الكلب] (١) فإن أكل [(٢)] فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسمِ على غيره".
وفيه: "إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته".
стр. 4783
وفيه أيضًا: "إذا رميت بسهمك فاذكروا اسم الله [عليه] (١).
وفيه: "وإن غاب عنك يومًا أو يومين".
وفي رواية: اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلَّا أثر سهمك فكل إن شئت، فإن وجدته فريقًا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء
قتله أو سهمك" (٢)؟
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله: "فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره"، هذه الزيادة ليست في هذه الرواية, وإنما ذكرها مسلم في رواية أخرى عقب هذه من هذا الوجه، وفي رواية أخرى بعد ذلك فكان ينبغى أن يقول وفيه: "فإنما سميت" إلى آخره.
وقوله: "إذا أرسلت كلبك [المكلب] (٣) " لم يذكر مسلم في روايته "المكلب" وليس في روايته هذه: "فإن أخذ المكلب ذكاته"،
نعم في أخرى "فإن ذكاته أخذه".
стр. 4784
وقوله: "وإن غاب" إلى آخره لفظه عند مسلم.
و"إن رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلَّا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقًا في الماء
فلا تأكل".
وفي رواية له: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، إلَّا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله
أو سهمك".
ولفظ البخاري: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلَّا أثر سهمك فكل، وإن وقع بالماء فلا تأكل" (١)، وفي
رواية له تعليقًا بصيغة جزم أنه قال للنبي ﷺ : "يرمي الصيد فيفتقد أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده ميتًا، وفيه سهمه، قال: يأكل إن شاء" (٢)، قال عبد الحق: ولم يقل في شيء من طرقه "فأدركته حيًّا فاذبحه"، قال: ولم يذكر أيضًا قوله: "فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك".
قلت: فليتأمل رواية المصنف أعني قوله: "وإن غاب عنك" إلى آخره فلم أرها كذلك بطولها في واحد من الصحيحين، والذي فيهما ما ذكرته لك:
الوجه الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه.
стр. 4785
أما همام: فهو ابن الحارث كوفي ثقة من فرسان الكتب الستة، عابد، تابعي، مات في أيام الحجاج.
وأما عدي فهو أبو طريف، ويقال: أبو وهب عدي بن حاتم بن عبد الله [عدي] (١) بن حَشْرج بن امرئ القيس ابن عدي، [(٢)] بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُقل بن عمرو بن الغوث بن طيّ بن أُدد بن [زيد] (٣)(٤) بن كهلان [(٥)] بن يشجب بن يعرب بن قحطان الطَّائيّ، الجواد بن الجواد، وفد في شعبان سنة سبع، وقيل: سنة عشر، ونزل الكوفة وسكنها، روى عن النبي - صلي الله عليه وسلم - ستة وستين حديثًا اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه الشعبي وجماعة، وكان شريفًا في قومه، خطيبًا حاضر الجواب، فاضلًا كريمًا، روي عنه أنه قال: ما دخل وقت صلاة قط إلَّا وأنا أشتاق إليها، وفي رواية: وأنا على وضوء، وقال: ما دخلت على النبي - صلي الله عليه وسلم - إلَّا وسّع لي أو تحرك، ودخلت عليه يومًا في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسع لي حتى جلست إلى جنبه، ومناقبه جمة، عاش مائة وعشرين سنة، وقيل: وثمانين ومات، زمن المختار سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع وشهد مع علي حروبه.
стр. 4786
وأما الشعبي: فبفتح الشين المعجمة وإسكان العين المهملة وباء موحدة، ثم ياء النسب نسبةً إلى شعب بطن من همدان، واسمه
عامر بن شراحيل، وقيل ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل ابن عبدٍ بن أخي فيس بن عبد، وكنيته [أبو عمرو] (١) وهو تابعي كوفي ثقة جليل فقيه علَّامة زمانه حافظ. ولد لست سنين خلت من خلافة عمر على المشهور.
وأمه: من سبي جلولا، روي عن علي، وهو في صحيح (خ، م)، وعن ابن مسعود وعمر وطلحة وعبادة، ولم يسمع منهم، وروى عن جماعة من الصحابة، روي عنه أنه قال: أدركت خمسمائة منهم. وقال ابن حبان روى عنهم كلهم. وقال العجلي: سمع عن ثمانية وأربعين من الصحابة، ومرسله صحيح، لا يكاد يرسل إلَّا صحيحًا، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، وولي قضاء الكوفة، ومن كلامه: إنما كان يطلب هذا العلم من جمع العقل والنسك، فإن انفرد بأحدهما قيل هذا لا يناله، واليوم يطلبه من لا عقل له ولا نسك. وقال الحسن البصري لما نعاه: كان والله كثير العلم قديم السلم من الإِسلام بمكان، مات بعد المائة ستة ثلاث أو أربع أو خمس أو ست [أو سبع] (٢) أو تسع عن اثنتين وثمانين سنة، قال ابن طاهر: عن سبع وسبعين.
الوجه الثالث: في بيان ألفاظه:
стр. 4787
"المِعراض": بكسر الميم وسكون العين المهملة وبالراء ثم ضاد معجمة بعد الألف: خشبة ثقيلة أو عصى محدد رأسها بحديدة.
وقد يكون بدونها هذا هو الصحيح المشهور في تفسيره، كما قاله النووي في "شرحه" (١)، وقال الهروي: هو سهم لا ريش له ولا
نصل، وقال ابن دريد هو سهم طويل له أربع قُذَذ رقاق. فإذا رمي به اعترض، وقال الخليل: كقول الهروي ونحوه عن الأصمعي، وقيل: هو عود رقيق الطرفين غليظ الوسط إذا رمى به ذهب مستويًا.
وقوله: "ليس منها"، أي: ليس من الكلاب المعلمة، أن يراد ليس من كلابك بل من كلاب غيرك؛ لأنه لو أرسل رجلان كلبين على صيدين فقتلاه جميعًا أكلا، وكان الصيد بينهما، إلَّا أن ينفذ الأول مقاتله فلا شيء للثاني.
وقوله: "فخزق" بالخاء المعجمة والزاي ومعناه نفذ. وعبارة القرطبي في "شرحه" (٢) (خزق) معناه: خرق ونفذ. و (العرض): خلاف الطول.
وقوله: "فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" معناه إن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فإنما أباحه بشرط أن يعلم أنه أمسك علينا، وإذا أكل منه لم يعلم أنه أمسك لنا أم لنفسه، فلم يوجد شرط المعية والأصل تحريمه.
وقوله: "فإن أخذ الكلب ذكاته"، أي: إن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإِنسي، وهذا إجماع.
стр. 4788
الوجه الرابع: في أحكامه.
الأول: اشتراط التسمية، كما أسلفنا في الحديث السابق، وقد سلف الخلاف فيه، وهو أقوى في الدلالة من الأول, لأن هذا مفهوم
شرط وذلك مفهوم صفة ومفهوم الشرط أقوى منه.
الثاني: أكل مصيد الكلب إذا قتل وهو صريح في هذا، مفهوم من الحديث الأول.
الثالث: أكل ما قتله الصيد بثقله، وهو أقوى من الأول.
الرابع: أنه لا يحل أكل ما شاركه كلب آخر في اصطياده إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس هو من [أهل الذكاة، أو شككنا، فإن تحققنا أنه إنما شاركه كلب أرسله من هو من] (١) أهل الذكاة على ذلك الصيد [و] (٢) حل ذلك معلل في الرواية السالفة، "فإنما سميت على كلبك ولم تسمِ على غيره"، وهو ظاهر في اشتراط التسمية ولو غلب على الظن فقولان عند المالكية، ووقع في "شرح الشيخ تقي الدين" (٣) أن هذه الرواية وردت في حديث آخر، وهو عجيب فإنها في الكتاب، وقد ذكرها هو أولًا.
الخامس: أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بعده حل، لأنه كالسهم، وإن [قتله] (٤) بعرضه لم يحل، وقد جاء في بعض
стр. 4789
روايات هذا الحديث في الصحيح (١) "فإنه وقيذ" وذلك لأنه ليس في معنى السهم، وهو في معنى الحجر وغيره من المثقلات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة والجمهور. وقال الأوزاعي ومكحول وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقًا حتى قال: ابن أبي ليلى يحل ما قتله بالبندقية، وهو محكي عن سعيد بن المسيب وجمهور العلماء، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (٢) على أنه لا يحل صيد البندقية مطلقًا لحديث المعراض هذا, لأنه كله رض ووقذ، أي: مقتول بغير محدد والموقوذة المقتولة بالعصا ونحوها، وأصله من الكسر والرض، وأما حل الاصطياد به ففيه اضطراب عندنا أوضحته في "شرح المنهاج".
السادس: تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب المعلم منه لتصريح المنع منه في هذا الحديث وتعليله بخوف الإِمساك على نفسه
بأكله منه، وبهذا قال أكثر العلماء، كما حكاه النووي في "شرحه" (٣) عنهم، ومنهم ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن البصري والشعبي والنخعي وعكرمة وقتادة وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، محتجبين بحديث عدي هذا، وبقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا لم يمسك علينا، وإنما أمسك على نفسه، وقال
стр. 4790
سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن عمر ومالك: يحل. وهو قول ضعيف للشافعي، وفي "سنن أبي داود" (١) من حديث
أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه" لم يضعفه أبو داود، وأما ابن حزم فضعفه (٢)، وحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، وربما علل بأنه كان من المياسير فاختير له الحمل على الأولى بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان على عكس ذلك، فأخذ بالرخصة، وفيه نظر, لأنه علل عدم الأكل بخوف الإِمساك على نفسه، اللَّهم إلَّا أن يقال إنه علل بخوف الإِمساك لا بحقيقة الإِمساك.
فيجاب عن هذا: بأن الأصل التحريم في الميتة، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل وتأولت حديث ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه ونارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر، كما صرح به صاحب "البيان" (٣) و"الشامل" (٤)
стр. 4791
و"التحرير" (١) والدارمي (٢) من أصحابنا فقالوا: إن أكل عقب القتل ففيه القولان، وإلَّا فيحل قطعًا، وتمناه إمام الحرمين، فقال: وددت لو فصّل فاصل بين أن يكف زمانًا ثم يأكل، وبين أن يأكل بنفس الأخذ، لكن لم يتعرضوا له.
قلت: قد تعرض له الأئمة كما نقلناه عنهم، وجزم به النووي في "شرحه" (٣).
وأما جوارح الطير: إذا أكلت مما صادته فالأصح عند أصحابنا
стр. 4792
طرد القولين فيه كالكلب، ومنهم من قطع فيه بالحل دون الكلب، لإِمكان ضربه ليمتنع، ولما نقل النووي في "شرح مسلم" (١) عن الشافعي أن أرجح قوليه تحريمه، أعني في الجوارح. قال: وقال سائر العلماء بإباحته, لأنه لا يمكن تعليمها وذلك بخلاف السباع، وأصحابنا يمنعون هذا التأويل.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، قد أسلفنا أنه يحتج من منع من أكل ما أكل منه الصيد؛ لأنه لو أراد كل إمساك لقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ بدون زيادة ﴿عَلَيْكُمْ﴾، والقائل الآخر يجيب بأن فائدة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الإِشعار بأن ما أمسكه من غير إرسال لا يأكله.
السابع: أن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإِنسي، وهذا إجماع ولو لم يقتله الكلب، ولكن تركه، ولم يبقَ فيه حياة مستقرة أو بقيت ولم يبقَ زمن يمكن صاحبه لحاقه وذبحه فمات حل لقوله: "فإن أخذ الكلب ذكاته"، قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب إمرار السكين على حلقه ليريحه.
الثامن: الحل فيما إذا جرحه بسهم وغاب عنه، ثم وجده ميتًا وليس فيه أثر غير سهمه لقوله: "وإن غاب عنك"، إلى قوله: "فكل
إن شئت"، وهو أحد أقوال الشافعي ومالك في الصيد والسهم، والأصح عند أصحابنا تحريمه.
والثالث: يحرم في الكلب دون السهم. قال النووي (٢):
стр. 4793
والأول أقوى [وأقرب] (١) إلى الأحاديث الصحيحة.
وأما الأحاديث المخالفة له فضعيفة ومحمولة على كراهة التنزيه، وكذا الأثر عن ابن عباس "كل ما أصميت ودع ما أنميت" (٢)، أي: كل ما لم يغب عنك دون ما غاب.
التاسع: التنبيه على قاعدة عظيمة وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه، فإن قوله ﵊: "وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها" يدل على ذلك، وفي الصحيح زيادة أخرى على ذلك "وهي فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله", وفي ذلك تنبيه أيضًا على أنه لو وجده حيّا ومه حياة مستقرة فذكاه حل، ولا يضر في كونه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره, لأن الاعتماد حينئذٍ في الإِباحة على ما يذكيه الآدمي لا على إمساك الكلب، وإنما تقع الإِباحة وإمساك الكلب إذا قتله.
стр. 4794
العاشر: حل لحوم الصيد وغيرها من اللحوم والأطعمة إذا بقيت يومًا أو يومين أو ثلاثة، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي ثعلبة الخشني "فغاب عنك فأدركته فكله ما لم ينتن"، وفي روية له في الذي يدرك صيده بعد ثلاث "فكله ما لم ينتن"، فهذا النهي عن
أكله للمنتن للتنزيه لا للتحريم، وكذا الأطعمة المنتنة يكره أكلها ولا يحرم، إلَّا أن يخاف منها الضرر خوفًا معتمدًا، وقد أسلفنا في
الحديث السابع من الباب الماضي وفيها تحريم اللحم المنتن، وهو بعيد ضعيف.
الحادي عشر: إذا وجد الصيد غريقًا لا يحل، وهو إجماع، لأنه سبب للهلاك، ولا يعلم أنه مات بسب الصيد، وكذلك إذا تردى من جبل لهذه العلة، نعم يسامح في محيط الأرض إذا كان طائرًا, لأنه أمرٌ لا بدَّ منه. وقال مالك: إن مات بعدما وقع على الأرض لم يحل.
الثاني عشر: أنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحل إلَّا بذكاة عملًا بقوله "فأدركته حيًّا فاذبحه" وهذا إجماع، وما نقل عن الحسن البصري والنخعي خلافه فباطل لا يصح عنهما.
стр. 4795
الحديث الثالث
٤٠٤/ ٣/ ٧٦ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃، قال: سمعت رسول الله يقول: "من اقتنى كلبًا -إلَّا كلب صيد أو ماشية- فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان، قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرثٍ، وكان صاحب حرث" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها. هذا الحديث رواه مسلم باللفظ المذكور، بدون زيادة سالم، ثم رواه [بلفظ] (٢): "من اقتنى كلبًا إلَّا كلب ماشية أو كلب صيد ينقص من عمله كل يوم قيراط. قال عبد الله: وقال أبو هريرة: أو كلب حرث".
стр. 4796
ثم رواه بلفظ: "من اقتني كلبًا إلَّا كلب ضارٍ أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان. قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث وكان صاحب حرث".
ولفظ البخاري في هذا الباب: "من اقتني كلبًا إلَّا كلبًا ضاريًا لصيد أو كلب ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان".
الوجه [الثاني] (١): في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة.
وأما ابنه سالم: فكنيته أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو المنذر حكاه ابن طاهر. مدني تابعي جليل أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، واتفقوا على ثقته وعلمه وصلاحه، وزهده وفضله وورعه، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما، وعنه مولى أبيه نافع وابنه أبو بكر بن سالم وغيرهما، وكان أشبه ولد عبد الله به، وكان يخضب بالحناء، ويلبس الصوف تواضعًا، وكان شديد الأدمة, لأن أمه أم
[ولد] (٢) ولأبيه فيه [يقول] (٣):
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
قال مالك: لم يكن أحدٌ في زمانه أشبه منه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين.
وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال ورع. وقال
стр. 4797
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها [] (١) الزهري. عن سالم عن أبيه. مات سنة ست ومائة في عقب ذي الحجة،
وقيل: سنة خمس, وقيل: ثمان وقد شاخ وصلَّى عليه [(٢)] هشام [بن] (٣) عبد الملك في حجته التي حج، ولم يحج في ولايته غيرها.
فائدة: سالم بن عبد الله في الرواة ثمانية، كما أوضحتهم في رجال هذا الكتاب، فسارع إليه.
الوجه الثالث: في ألفاظه:
قوله: "قال سالم وكان أبو هريرة [يقول] (٤): أو كلب حرث: وكان صاحب حرث. قال: العلماء ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة ولا شكًّا فيها، [بل] (٥) معناه. أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقته. والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما
لا يتقنه غيره، ويعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهي اتخاذه للزرع من رواية جماعة، من الصحابة ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير وأبي الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبي أنعم البجلي عن ابن عمر فلم يتفرد بها أبو هريرة إذن، ولو
انفرد بها لكانت مقبرلة مرضية مكرمة.
стр. 4798
"والاقتناء" الاتخاذ.
"والقيراط" عبارة عن جزء معلوم عند الرب تعالى. فقيل: ينقص من ماضي عمله وقيل: من مستقبله. حكاه الروياني من الشافعية في "بحره".
قال: واختلفوا في محل نقصان القيراطين، فقيل: قيراط من عمل النهار وآخر من الليل.
وقيل: قيراط من عمل الفرض والآخر من النفل.
وقوله: "نقص من أجره كل يوم قيراطان"، كذا جاء في روايات، وجاء في آخر "قيراط"، وفي الجمع بينهما أوجه.
أحدهما: أن ذلك النوعين من الكلاب أحدها أشد ضررًا.
ثانيها: في زمنين فذكر القيراط، ثم زاد التغليظ، فذكر قيراطين.
ثالثها: أن ذلك يختلف باختلاف المواضع، فالقيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها. أو الأول في القرى والثاني في البراري.
وظاهر الحديث بل صريحه أن النقصان في الآخرة خاصة، فلا ينبغي [إذن أن يستدل به على أن السيئات تحبط الحسنات، وهو قول خلاف أهل السنة، لا في] (١) نفس العمل، فإنه قد وجد واستقر، ويحتمل أن تكون العقوبة بعدم التوفيق للعمل، بمقدار قيراط ما كان
стр. 4799
يعمل من الخير، فيكون النقص من الحمل على حقيقتة، ويلزم من تركه ترك الأجر المرتب عليه.
وسبب النقص عقوبة مقتنيها: إما لارتكابه النهي، وإما لما ييتلي به من [ولوغها] (١) في غفلة صاحبها وعدم غسل ما ولغت فيه
بالماء والتراب.
وسبب المنع من اقتناء غير ما ذكرنا فيها من الترويع وإيذاء المَارِّ ومجانبة الملائكة لمحلها، وهو شديد لما في مخالطتهم من البركة، ولهذا حذَّر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من مكان وزمان وفعل وقول لهذا المعنى.
الوجه الرابع: في أحكامه:
الأول: تحريم [اقتناء الكلب لغير حاجة، وأبعد بعضهم، فاستدل به على الكراهة، إذ ليس من الوعيد المحرم نقص الأجر، حكاه القاضي، وهو غريب ثم (٢)] الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها، إلَّا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب، التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. قاله إمام الحرمين من أصحابنا. والإِجماع قائم على قتل الكلب العقور.
واختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتلها، إلَّا ما استثنى من كلب الصيد
وغيره. قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه.
стр. 4800
قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد ونحوه: هل [هو] (١) منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عامًا في الجميع أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك. قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونُسخ الأمر بقتلها والنهي
عن اقتنائها إلَّا الأسود البهيم. قال القاضي: وعندي أن النهي أولًا كان عامًا عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها، ثم نهي عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها، إلَّا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية. وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة.
وخص حديث ابن المغفل الثابت في الصحيح (٢) "أمر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم" ما سوى الأسود، فإنه عام، فيخص منه الأسود بالحديث الآخر: "عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان" (٣).
الثاني: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية، وهل يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها، فيه وجهان لأصحابنا.
حدهما: لا. يقتصر بالرخصة على ما ورد.
وأصحهما: نعم؛ لأن العلة في الرخصة مقبولة، وهي الحاجة فيتعدى، ولهذا قال العلماء: الرخصة إذا عرفت عمت. وإذا وقعت