← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

ثم رواه بلفظ: "من اقتني كلبًا إلَّا كلب ضارٍ أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان. قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث وكان صاحب حرث". ولفظ البخاري في هذا الباب: "من اقتني كلبًا إلَّا كلبًا ضاريًا لصيد أو كلب ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان". الوجه [الثاني] (١): في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. وأما ابنه سالم: فكنيته أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو المنذر حكاه ابن طاهر. مدني تابعي جليل أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، واتفقوا على ثقته وعلمه وصلاحه، وزهده وفضله وورعه، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما، وعنه مولى أبيه نافع وابنه أبو بكر بن سالم وغيرهما، وكان أشبه ولد عبد الله به، وكان يخضب بالحناء، ويلبس الصوف تواضعًا، وكان شديد الأدمة, لأن أمه أم [ولد] (٢) ولأبيه فيه [يقول] (٣): يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم قال مالك: لم يكن أحدٌ في زمانه أشبه منه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال ورع. وقال

стр. 4797

إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها [] (١) الزهري. عن سالم عن أبيه. مات سنة ست ومائة في عقب ذي الحجة، وقيل: سنة خمس, وقيل: ثمان وقد شاخ وصلَّى عليه [(٢)] هشام [بن] (٣) عبد الملك في حجته التي حج، ولم يحج في ولايته غيرها. فائدة: سالم بن عبد الله في الرواة ثمانية، كما أوضحتهم في رجال هذا الكتاب، فسارع إليه. الوجه الثالث: في ألفاظه: قوله: "قال سالم وكان أبو هريرة [يقول] (٤): أو كلب حرث: وكان صاحب حرث. قال: العلماء ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة ولا شكًّا فيها، [بل] (٥) معناه. أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقته. والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهي اتخاذه للزرع من رواية جماعة، من الصحابة ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير وأبي الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبي أنعم البجلي عن ابن عمر فلم يتفرد بها أبو هريرة إذن، ولو انفرد بها لكانت مقبرلة مرضية مكرمة.

стр. 4798

"والاقتناء" الاتخاذ. "والقيراط" عبارة عن جزء معلوم عند الرب تعالى. فقيل: ينقص من ماضي عمله وقيل: من مستقبله. حكاه الروياني من الشافعية في "بحره". قال: واختلفوا في محل نقصان القيراطين، فقيل: قيراط من عمل النهار وآخر من الليل. وقيل: قيراط من عمل الفرض والآخر من النفل. وقوله: "نقص من أجره كل يوم قيراطان"، كذا جاء في روايات، وجاء في آخر "قيراط"، وفي الجمع بينهما أوجه. أحدهما: أن ذلك النوعين من الكلاب أحدها أشد ضررًا. ثانيها: في زمنين فذكر القيراط، ثم زاد التغليظ، فذكر قيراطين. ثالثها: أن ذلك يختلف باختلاف المواضع، فالقيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها. أو الأول في القرى والثاني في البراري. وظاهر الحديث بل صريحه أن النقصان في الآخرة خاصة، فلا ينبغي [إذن أن يستدل به على أن السيئات تحبط الحسنات، وهو قول خلاف أهل السنة، لا في] (١) نفس العمل، فإنه قد وجد واستقر، ويحتمل أن تكون العقوبة بعدم التوفيق للعمل، بمقدار قيراط ما كان

стр. 4799

يعمل من الخير، فيكون النقص من الحمل على حقيقتة، ويلزم من تركه ترك الأجر المرتب عليه. وسبب النقص عقوبة مقتنيها: إما لارتكابه النهي، وإما لما ييتلي به من [ولوغها] (١) في غفلة صاحبها وعدم غسل ما ولغت فيه بالماء والتراب. وسبب المنع من اقتناء غير ما ذكرنا فيها من الترويع وإيذاء المَارِّ ومجانبة الملائكة لمحلها، وهو شديد لما في مخالطتهم من البركة، ولهذا حذَّر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من مكان وزمان وفعل وقول لهذا المعنى. الوجه الرابع: في أحكامه: الأول: تحريم [اقتناء الكلب لغير حاجة، وأبعد بعضهم، فاستدل به على الكراهة، إذ ليس من الوعيد المحرم نقص الأجر، حكاه القاضي، وهو غريب ثم (٢)] الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها، إلَّا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب، التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. قاله إمام الحرمين من أصحابنا. والإِجماع قائم على قتل الكلب العقور. واختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتلها، إلَّا ما استثنى من كلب الصيد وغيره. قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه.

стр. 4800

قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد ونحوه: هل [هو] (١) منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عامًا في الجميع أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك. قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونُسخ الأمر بقتلها والنهي عن اقتنائها إلَّا الأسود البهيم. قال القاضي: وعندي أن النهي أولًا كان عامًا عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها، ثم نهي عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها، إلَّا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية. وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة. وخص حديث ابن المغفل الثابت في الصحيح (٢) "أمر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم" ما سوى الأسود، فإنه عام، فيخص منه الأسود بالحديث الآخر: "عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان" (٣). الثاني: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية، وهل يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها، فيه وجهان لأصحابنا. حدهما: لا. يقتصر بالرخصة على ما ورد. وأصحهما: نعم؛ لأن العلة في الرخصة مقبولة، وهي الحاجة فيتعدى، ولهذا قال العلماء: الرخصة إذا عرفت عمت. وإذا وقعت

стр. 4801

عمت، فعمومها يكون في حكحها ومعناها. قال العجلي (١): ومحل الخلاف في حفظ الدروب في غير أهل البوادي وسكان الخيام في الفلوات. فأما هؤلاء فيجوز لهم اقتناؤه حول بيوتهم قطعًا، لتحرسهم من الطُّرَّاق والوحش، وحكاه الروياني في "بحره" عن "الحاوي". وسئل مالك: عن اتخاذه للحراسة، فقال: لا أرى ذلك، ولا يعجبني، وعلله بعض أصحابه بترويعها لمن ليس بسارق مثلًا. الثالث: جواز اقتناء الجرو المذكررات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة بها: كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع به مآلًا، وهو أصح الوجهين عندنا، لدخوله تحت اسم الكلب، وإن كان مخصوصًا باسم الجرو، ثم هذا إذا كان من قبيل المعلم، وإلَاّ فلا. قاله في "التهذيب" (٢) وأراد -والله أعلم- ما إذا كان من كلاب معلم ذلك وإلَاّ فلا.

стр. 4802

الرابع: استدل المالكية بجواز اتخاذه للأمور المذكورة على طهارته. قالوا: فإن ملابسته مع الاحتراز منه أو عن مس شيء منه شاق. فالإِذن في الشيء إذن في مكملاته مقصودة، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه. ولك أن تقول الأذن في الملامسة لا يدل على الطهارة بدليل ملابسة القصاب ثوبه وثوب المرضع وصاحب السلس مثلًا، والضرورة هنا في الملابسة داعيةً جدًّا بخلاف تلك. الخامس: في إطلاق لفظ الكلب يشمل الأسود وغيره، وبه قال مالك والشافعي وجمهور العلماء. قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولأنه يغسل من ولوغه كغيره. وقال أحمد، وأبو بكر الفارسي (١): لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم، للأمر بقتله، ولأنه شيطان [رجيم] (٢) وأجاب الجمهور عنه، بحمل الأمر على العقور. السادس: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها والتنبيه على أسباب الزيادة والنقص لتجتنب أو ترتكب لأجل زيادتها. السابع: بيان لطف الله تعالى بخلقه في ترخيصه لهم ما ينفعم منه لحاجتهم إليه في أموالهم ومواشيهم ومنافعهم.

стр. 4803

الحديث الرابع ٤٠٥/ ٤/ ٧٦ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع النبي - صلي الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلًا وغنمًا، وكان النبي - صلي الله عليه وسلم - في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - بالقدور، فأكفئت ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه، فأعياهم، وكان في خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه [الله تعالى] (١)، فقال: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد [الوحش] (٢)، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا. قال: قلت: يا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إنَّا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدىً، أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه, فكلوا ليس [السن] (٣) والظفر وسأحدثكم عن ذلك. أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة" (٤).

стр. 4804

الأوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإِنس. يقال: أبدت بأوبد أبودًا. [الكلام] (١) عليه من وجوه: [أحدها] (٢): هذه السياقة للبخاري مع تفاوت ألفاظه فيه ذكره في باب التسمية على الذبيحة (٣)، ومن ترك متعمدًا. ولفظه: "فأصبنا" بدل "فأصابوا"، وقال: "إنا لنرجوا -أو نخاف- أن نلقى العدو غدًا" بدل ما ذكر. وقال: "فكل" بدل قوله: "فكلوا"، وقال: "سأخبرك عنه"، بدل ما ذكر، وذكره البخاري (٤) مختصرًا في عدة

стр. 4805

مواضع من هذا الباب، وذكره سلم بألفاظ نحوها. ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف عن آخر باب ما نهى عنه من البيوع، فراجعه. ثالثها: في التعريف بالأماكن الواقعة فيه: "ذو الحليفة" هذه مكان من تهامة بين جادّة وذات عِرْقٍ، وليست المهل الذي [بقرب] (١) المدينة، كذا نص عليه العلماء منهم الحازمي في "المؤتلف والمختلف" (٢) في أسماء الأماكن لكنه قال: الحليفة من غير لفظة "ذي" والذي في الصحيحين إثباتها، فكأنه يقال بالوجهين. "وتهامة" بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سميت بذلك من التهم، وهو شدة الحر وركود الريح، قاله ابن فارس (٣)، وقال صاحب "المطالع" لتغير هوائها،

стр. 4806

رابعها: في ألفاظه ولغاته ومعانيه: "الإِبل" يكسر وتسكن للتخفيف ولا واحد لها من لفظها. "والغنم": اسم جنس "وأخريات القوم" أواخرهم. "وأكفيت" قلبت وأريق ما فيها. واختلف في سبب الأمر بإكفاء القدور، فالصواب: لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإِسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح في دار الحرب، وأبعد المهلب بن أبي صفرة، فقال: إن ذلك عقوبة لهم لاستعجالهم في السير وتركهم الشارع في أخريات القوم، متعرضًا لمن يقصده من عدو ونحوه. قال القاضي (١): وقد يكون لأنهم انتهبوها, ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة، ولذلك شرّك فيها ووقع في غير مسلم فانتهبناها فأمرهم ﵊ بإكفاء القدور وما فيها. وقال: "لا تحل النهبة" (٢). قال النووي في "شرح مسلم" (٣)، واعلم أن المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف لنفس المرق عقوبة لهم. وأما اللحم: فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع، ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه ﵊ أمر بإتلافه, لأنه مال للغانمين، وقد نهى عن إضاعة المال مع أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، إذ من جملتهم أصحاب الخمس، ومن

стр. 4807

الغانمين من لم يطبخ. ثم قال: فإن قيل: فلم ينقل أنهم حملوه إلى المغنم. قلنا: ولم ينقل أيضًا أنهم أحرقوه وأتلفوه وإذا لم يأت فيه نقل صريح، وجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، وهو ما ذكرناه. وهذا بخلاف إكفاء لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، فإنه أتلف ما فيها من لحم ومرق؛ لأنها صارت نجسة. ولهذا قال ﵊ فيها: "إنها رجس"، أو "نجس"، وأما هذه اللحوم فكانت طاهرة منتفعًا بها بلا شك فلا يظن إتلافها هذا آخر كلامه. وفي "سنن أبي داود" بإسناد جيد من حديث عاصم بن كليب، وهو من رجال مسلم عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنمًا فانتهبوها، وإن قدورنا لتغلي بها، إذ جاء رسول الله - صلي الله عليه وسلم - على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: "إن النهبة ليست بأحل من الميتة"، وإن "الميتة ليست بأحل من النهبة" شك هناد أحد رواته. وهذا هو الحديث الذي أشار إليه القاضي عياض فيما تقدم، وهو صريح في إلقاء اللحم خلاف ما ذكره النووي، وقد يجيب بأنه لا يلزم من ترميله إتلافه لإِمكان تداركه بالغسل، لكن فيه بعد، وإنما أمر ﵊ بذلك؛ لأنه أبلغ في الزجر، ولو ردها إلى المغنم لم يكن فيه كبير زجر إذ ما ينوب الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم وشهواتهم بها أبلغ في الزجر. ومعنى "ند" هرب وشرد نافرًا، وهو بفتح النون وتشديد الدال. و"الأوابد" النفور والتوحش كما فسره المصنف، وهو جمع

стр. 4808

آبده بالمد وكسر الباء المخففة، يقال: فيه أبدت بفتح الباء يآبد بضمها وتأبد بكسرها أبودا وتأبدت، أي: يهرب من الإِنس وتوحشت. ويقال: جاء فلان بآبدة، أي: بكلم غريبة أو بخصلة منفرة للنفوس عنها الكلمة لازمة إلَّا أن يجعل فاعله بمعنى مفعوله. و"المدى" بضم الميم جمع مُدية بضم الميم [(١)] وكسرها وفتحها ساكنة الدال، وهي السكين, لأنها تقطع مدى حياة الحيوان. وقوله "أفنذبح بالقصب" جاء في رواية أخرى في الصحيح: "أفنذكى بالليط"، وهو باللام المكسورة ثم مثناة تحت ثم طاء مهملة، وهي قشور القصب "وليط" كل شيء قشوره والواحدة ليطة وهي معنى "أفنذبح بالقصب" على تقدير حذف مضاف. وادعى النووي في "شرح مسلم" (٢) والقرطبي (٣) إن في رواية أبي داود وغيره "أفنذبح بالمروة"؟ ولم أر ذلك في "سننه" (٤) هنا. نعم أدخله في باب الذبح بها. قال: وهذه الروايات محمولة على أنهم قالوا هذا وهذا. فأجابهم ﵊ بجواب جامع لما سألوه كله ولغيره نفيًا وإثباتًا. فقال: "ما أنهر الدم" إلى آخره. وقوله: "أنهر" معناه أسال وصب بكثرة وهو مشبه بجري الماء في النهر. يقال: نص الدم وأنهرته. قال القاضي عياض: وذكره الخشني

стр. 4809

بالزاي "والنهز" بمعنى [الدفع] (١) وهو غريب "وما" موصولة في موضع رفع بالابتداء وخبرها "فكلوا" (٢)، ودخلت الفاء في الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣). [وقوله: "ليس السنن والظفر" هما منصوبان بالاستثناء بليس ويجوز الرفع على أن يكون اسم "ليس" و"الخبر" محذوفًا تقديره: ليس السنن والظفر وذكه، قال ابن القطان في "علله". وقع شك في إدراج "أما السن فعظم" إلى آخره ثم بين ذلك واضحًا] (٤)، وقوله: "أما السنن فعظم"، قال ابن الصلاح: في "مشكل الوسيط" في ذلك دلالة واضحة على أنه كان متقررٌ كون الذكاة لا تحصل بالعظام قال: لم أجد بعد البحث أحدًا ذكر لذلك معنى يعقل. قال: كأنه عندهم تعبدي، وكذا نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال للشرع علل تعبد بها، كما أن له أحكامًا تعبد بها. يشير إلى أن هذا من ذاك، وقال النووي في "شرحه [لمسلم] (٥) " (٦) معنى الحديث:

стр. 4810

لا تذبحوا بالعظام لأنها تنجس بالدم وقد نهيتهم عن تنجيس العظام في الاستنجاء، لكونها زاد إخوانكم من الجن، وهو طاهر. وفي "مشكل الصحيحين" (١) لابن الجوزي أن اجتاب الذبح بالعظم كان معهودًا عند العرب، أي: فأشار ﵊ بذلك إليه. وقوله: "وأما الظفر فمدى الحبشة": معناه أنهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم. قاله ابن الصلاح (٢) ثم النووي (٣). وقال بعضهم: نهى عن السنن والظفر, لأنه تعذيب وخنق ليس على صورة الذبح. والحبشة، والحبش. جنس من السودان. والجمع الحُبشانٌ مثل حمل وحُمْلانٍ. الوجه الخامس: في بيان المبهم الواقع فيه. وهو قوله: فأهوى [رجل] (٤) منهم بسهم وقد تطلبته في مظانه فلم أعثر عليه. الوجه السادس: في [بيان] (٥) أحكامه:. الأول: تحريم التصرف في الأموال المشتركة كالغنيمة وغيرها من غير إذن أربابها، وإن قَلَّتْ ووقع الاحتياج إليها.

стр. 4811

الثاني: بيان مرتبة. الصحابة وما كانوا عليه من الرجوع إلى الشارع، وتعبدهم بأمره، وقبوله في كل حالة حتى في ترك مصالحهم، تقربًا إلى الله تعالى. الثالث: أن للإِمام عقوبة الرعية بما فيه مضرتهم من إتلاف صنفعة ونحوها، إذا كان فيه مصلحة شرعية. الرابع: أن قسمة الغنيمة لا يشترط فيها قسمة كل نوع على حده. الخامس: مقابلة كل عشرة من الغنم ببعير، في قسمة الغنيمة وغيرها، تعديلًا بالقيمة، فإن هذا الحديث محمول على أن هذه كانت قيمة هذه الغنم والإِبل، فكانت الإِبل نفيسة دون الغنم بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يكون هذا مخالفًا لقاعدة الشرع في الأضاحي، في إقامة البعير مقام سبع شياه, لأن هذا هو الغالب في قيمة الشياه والإِبل المعتدلة. وأما هذه القسمة فكانت قصة عين اتفق فيها ما ذكرناه عن نفاسة الإِبل دون الغنم. قلت: لكن في "سنن ابن ماجه" و"جامع الترمذي" من حديث ابن عباس كنا مع النبي - صلي الله عليه وسلم - في سفر، فحضر الأضحى [فاشتركنا] (١) في البقر سبعة، وفي البدنة عشرة" حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٢)

стр. 4812

لكن لفظه "سبعة أو عشرة". ثم قال (١): وفي حديث رافع ابن خديج يعني حديثنا هذا كان ﵊ يعدل في قسم الغنائم عشرًا من الشياه ببعير، دليل على أن البدنة تقوم عن عشرة إذا ذبحت. قلت: كأنه أخذ بظاهره ولم يؤوله كما أسلفناه، لكن حديث ابن عباس يقويه. نعم يعارضه حديث جابر الثابت في مسلم: "أمرنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" (٢) ووقع في "شرح التنبيه" لابن يونس (٣) أن أبا إسحاق المروزي قال: إن البدنة تجزئ عن عشرة. والظاهر أنه أخطأ في هذه

стр. 4813

[الحكاية] (١) [فإن] (٢) الذي في "تعليق" القاضي حسين أن ذلك قول إسحاق، وأنه روى خبرًا أن أصحاب الحديبية كانوا سبعمائة فنحروا سبعين بدنة، وهذا لا يثبته أهل الحديث. ووقع في "شرح هذا الكتاب" للصعبي بخطه عزو هذه المقالة إلى الشيخ أبي إسحق والمتبادر من هذا الإِطلاق هو الشيرازي لا المروزي فهذا وهم آخر. السادس: أن ما توحش من المستأنس يكون حكمه حكم الوحشي، كما أن ما يأنس من الوحشي حكم المستأنس. السابع: جواز الذبح بكل ما يحصل به المقصود من غير توقف على كونه حديدًا بعد أن يكون محددًا إلَّا ما يسثنى فيشمل السيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج والخزف والنحاس. [الثامن] (٣): اشتراط التسمية, لأنه علق الإِذن بمجموع أمرين: إنهار الدم والتسمية، والمعلق على سببين ينتفى بانتفاء أحدهما. [التاسع] (٤): جواز عقر الحيوان الناد إذا عجز عن ذبحه ونحره. قال أصحابنا وغيرهم: الحيوان المأكول الذي

стр. 4814

لا تحل ميتته ضربان، مقدور على ذبحه ومتوحش. فالأول لا يحل إلَّا بالذبح في الحلق واللبة، وهذا مجمع عليه، وسواء فيه الإِنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه بأن أمسك الصيد أو كان متأنسًا. أما الثاني: كالصيود والناد من الإِنسي فجميع أجزائها تذبح ما دامت متوحشة، فإذا رماها بسهم أو أرسل عليها جارحة فأصاب شيئًا منها وماتت حلت بالإِجماع. وأما إذا توحش إنسي: بأن ند بعير أو بقرة أو فرس أو شردت شاة أو غيرها فهو كالصيد فيحل بالرمي إلى غير مذبحه وبإرسال الكلب وغيره من الجوارح عليه، وكذا لو تردى منها شيء في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه، فهو كالنادّ في حله بالرمي. وفي حله بإرسال الكلب وجهان. أصحهما: المنع. قال أصحابنا وليس المراد بالتوحش مجرد الإِفلات، بل متى تيسر لحوقه بعدوٍ أو استعانة بمن يمسكه أو نحو ذلك فليس متوحشًا، ولا يحل حينئذٍ إلَّا بالذبح في المذبح، وإن تحقق العجز في الحال جاز رميه، ولا يكلف الصبر إلى القدرة عليه، وسواء كانت الجراحة في فخذه أو خاصرته أو أي موضع كان من بدنه. وممن قال بجواز عقر الناد: علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وطاووس، وعطاء، والشعبي، والحسن البصري،

стр. 4815

والأسود بن يزيد، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود، والجمهور. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث، ومالك: لا يحل إلَّا بذكاته في حلقه كغيره، وحديث رافع حجة عليهم (١). وقال الفاكهي، والقرطبي (٢): قبله يحتمل أن يكون المراد: فاصنعوا به هكذا. أي: ليمسك، ثم هو باقٍ على أصله لا يؤكل إلَّا بتذكية كغيره. قلت: يرده ما رواه الحميدي (٣) بعد قوله: "فاصنعوا به [ذلك] (٤) وكلوه". [العاشر] (٥): جواز ذبح المنحور ونحر المذبوح، وقد منعه داود، وعن مالك ثلاث روايات: يكره، يحرم، يجوز ذبح المنحور دون عكسه. وأجمع العلماء على أن السنة في الإِبل النحر وفي الغنم الذبح والبقر كالغنم عندنا وعند الجمهور. وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها. العاشر: التنبيه على أن تحريم الميتة إنما هو لبقاء دمها. قال

стр. 4816

بعض العلماء: الحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامها، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها. الحادي عشر: التصريح بمنع الذبح بالسن والظفر مطلقًا، سواء ظفر الآدمي وغيره متصلًا كان أو منفصلًا، طاهرًا كان أو نجسًا، وبهذا قال جمهور العلماء وفقهاء الحديث، منهم الشافعي وأصحابه وأحمد، وهو قول النخعي والحسن بن صالح والليث وإسحاق وأبي ثور وداود. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين، وإليه يميل كلام الشيخ تقي الدين فإنه قال في "الشرح" (١) فيه دليل على منع الذبح بالسن والظفر وهو محمول على المتصلين ثم قال: واستدل به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقًا، لقوله: "أما السن [فعظم] (٢) علل منع الذبح بالسن، [لأنه] (٣) عظم، والحكم يعم بعموم علته. وعن مالك روايات أشهرها. جوازه بالعظم دون السنن كيفما كانا. والثانية. كمذهب الجمهور. والثالثة: كمذهب أبي حنيفة. والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر يجوز بكل شيء حتى بهما.

стр. 4817

وعن ابن جريح جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وكل هذا منابذ للسنة. واعلم أن الذكاة في المقدور عليه لا تحصل إلَّا بقطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ويستحب قطع الودجين، ولا يشترط. وهذا أصح الروايتين عن أحمد. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين، وأسأل الدم حصلت الذكاة. قال: واختلفوا في بعض هذا. فقال الشافعي: يشترط قطع الحلقوم والمريء، ويستحب الودجان. وقال الليث، وأبو ثور، وأبو داود، وابن المنذر: يشترط الجميع. وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة أجزأه. وقال مالك: يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن الليث أيضًا. وعن مالك: رواية أنه يكفي قطع الودجين. وعنه اشتراط قطع الأربعة، كما قال الليث وأبو ثور. وعن أبي يوسف ثلاث روايات: إحداها: كأبي حنيفة.

стр. 4818

وثانيها: إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية حلت، وإلَّا فلا. وثالثها: يشترط قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وقال محمَّد بن الحسن: إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره حل، وإلَاّ فلا. [الثالث عشر] (١): [التصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، ولا يكفي رضها ودفعها بما لا يجري الدم] (٢). [الرابع عشر] (٣): دفع أعظم المفسدتين بأخفها كما أسلفناه. [الخامس عشر] (٤): استدل له مالك على القول لسد الذرائع، لأنه إنما أكفأ القدور، لما يخشى من المسارعة إلى مثل ذلك في جميع الغنيمة. تنبيهات: أحدها: قال القاضي (٥): لم يذكر في هذه القسمة قرعة، ولا خلاف أن ما اختلفت أجناسه ولم يدخله قرعة؛ أنه يجوز فيه التفاضل والتساوي في القسمة؛ لأنها مراضاة، ولا تجوز القرعة إلَّا في التساوي واتحاد الجنس، وقد أسلفنا فيما مضى تأويل هذه القسمة.

стр. 4819

ثانيها. قال أيضًا عن القاضي في تعديل النبي - صلي الله عليه وسلم - البعير بعشرة من الغنم حجة لجمع بهيمة الأنعام كلها في القسمة. قال: وقد اختلف المذهب عندنا في ذلك والأظهر والأكثر جوازه. ثالثها: قال أيضًا: فيه حجة لتعويض البعير بعشرة من الغنم في الهدايا. والمعروف في باب الهدايا إنما بسبع لا عشر، فمن قال بظاهر هذا الحديث قال: إذا فقدت البدنة في الهدي ينتقل إلى صوم سبعين يومًا عشرة عن كل شاه، ويخير بين الصوم وبين إطعام سبعين مسكينًا. وعند المالكية في ذلك قولان، وقد سلف الجواب عن هذا الحديث. رابعها: استنبط منه بعضهم سوق الإِمام رعيته حفظًا لهم وحياطة عليهم من عدو يكون وراءهم ونحو ذلك. وكذا قيل إنه كان يفعل ذلك في الحضر أيضًا، وهذا بخلاف ما يفعله بعض من يدعي المشيخة من الجهال، وربما ركب وأصحابه مشاة زهوًا وتكبرًا. [سادسها] (١): يستنبط منه أيضًا أن الغنيمة لا تملك إلَّا بعد قسمها وتخميسها على الوجه الشرعي. سابعها: استنبط منه بعضهم أن للإِمام أن يبيع مال المغنم ويقسم ثمنه من حيث إنه اعتبر فيه القيمة، وهي أعم أن يكون ثمنًا أو غيره. وقد قال بعضهم: إن المسألة ليست منقوله عند الشافعية، ثم حكى عن الظهير (٢) التزمنتي، والجمال

стр. 4820

يحيى (١) التصريح بجواز ذلك، وسيأتي في الحديث التاسع (٢) حكاية ثلاثة أقوال عند المالكية في ذلك. [ثامنها: أن المفتي يذكر دليل الحكم في فتواه] (٣).

стр. 4821

٧٧ - باب الأضاحي هو "واضحي" جمع "أُضْحِيَّهٌ" بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها، ويقال: "ضَحِيَّةٌ" بفتح الضاد وكسرها، وجمعها "ضَحَايَا"، وتجمع أيضًا على "أَضْحَاة" بكسر الهمزة وفتحها. وسميت الضحية: باسم زمن فعلها أو من الضحى الموضع الذي تذبح فيه على قولين. وذكر في الباب حديثًا واحدًا لأنه ذكر بعض أحكامه في باب العيدين، وهو: ٤٠٦/ ١/ ٧٧ - حديث أنس مالك ﵁ قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما" (١). والأملح: الأغبر وهو الذي فيه سواد وبياض.

стр. 4822

والكلام عليه من وجوه: أحدها: اختلف في تفسير "الأملح" على عبارات: إحداها: ما ذكر المصنف، وهو قول الكسائي وأبي زيد وأبي عبيدة، إلَّا أنهم زادوا فيه: والبياض أكثر (١)، وزاد المصنف فيه "الأغبر". ثانيها: أنه الأبيض الخالص البياض، قاله ابن الأعرابي (٢) وغيره، وبه جزم الشيخ تقي الدين (٣) فقال: والأملح الأبيض، والملحة البياض. ثالثها: أنه الأبيض ويشوبه شيء من السواد، قاله الأصمعي (٤)، وهذا معنى الغبرة في كلام المصنف. رابعها: أنه الذي تعلوه حمرة، قاله بعضهم [ورأيت من يصوبه، وأنه المعروف عند العرب اليوم] (٥). خامسها: إنه الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود، قاله الخطابي (٦). سادسها: أنه المتغير الشعر بياض وسواد، قاله الداوودي،

стр. 4823

واقتصر الجوهري في "صحاحه" (١) عليه فقال: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد، يقال: كبش (أملح) وتيس (أملح) إذا كان شعره خَلِيسًا. سابعها: نقله الماوردي (٢) عن عائشة، أنه الذي يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواء، يعني أن مواضع هذه من بدنه سواد، وباقيه بياض. الوجه الثاني: في قصد أضحيته بالأملح وجهان، حكاهما الماوردي (٣) والرافعي: أحدهما: لحسن منظره. وثانيهما: لشحمه وطيب لحمه, لأنه نوع [يتميز] (٤) عن جنسه. الوجه الثالث: قوله (أقرنين)، أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان. وقوله: "ووضع رجله على صفاحهما", أي: صفحة العنق وهو جانبه، وفعل هذا ليكون أثبت له وأملكه، لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فيمنعه من إكمال ذبحها أو تؤذيه، وورد النهي في بعض الأحاديث (٥) عن هذه لن لا تقاوم هذا.

стр. 4824

الوجه الرابع: في أحكامه: الأول: شرعية الأضحية، ولا خلاف أنها من شرائع الدين، وهي سنة مؤكدة على الكفاية وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار. ويعتبر في وجوبها النصاب، وهو قول مالك والثوري، ولم يعتبر مالك الإِقامة، واستثنى الحاج بمنى (١). الثاني: تقديم الغنم في الأضاحي على الإِبل، بخلاف الهدايا، فإن الإِبل فيها مقدمة، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، قدموا الإِبل عليها، وقد يستدل المالكية باختيار النبي - صلي الله عليه وسلم - الغنم وباختياره تعالى في [فداء] (٤) الذبيح (٥).

стр. 4825

الثالث: استجاب تعداد الأضحية، فإنه ﵊ ضحى بكبشين حتى قال أصحابنا: سبع شياه أفضل من بعير, لأن الدم المراق أكثرُ، والقربة تزيد بحسبه. الرابع: استحباب الأضحية بالأقرن، وقام الإِجماع على جوازها بالأجم، الذي لم يخلق له قرنان. واختلفوا في مكسور القرن، فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيبًا (١). الخامس: استحباب أحسنها وأكملها واختيار ذلك لها، وهو مجمع عليه وعلى عدم إجزاء المعيبة منها بالعيوب الأربعة الثابتة في الحديث الصحيح (٢) في السنن الأربعة من حديث البراء ﵁، وهي "المرض والعجف والعَوَرُ والعرج البين" وكذا ما كان في معناها (٣).

стр. 4826

السادس: استحباب استحسان لون الأضحية، وهو مجمع عليه، وقد قال صاحب "المهذب" (١) والرافعي من أصحابنا: أفضلها البيضاء ثم [العفراء] (٢) وهي التي لا يصفو بياضها ثم السوداء، وفي "صحيح الحاكم" (٣) من حديث أبي هريرة رفعه "دم عفراء أحب إلى الله تعالى من دم سوداوين"، ورأي الإِمام أن أفضلية البياض تعبدًا، ومنهم من ادعى أنها أحسن منظر أو أطيب لحمًا. وأبدل صاحب "التنبيه" العفراء بالصفراء، وأدخل ابن الصباغ بين العفراء والسوداء البلقاء، وكذا النووي في "شرح المهذب" (٤)

стр. 4827

زاد الماوردي (١): الحمراء بين الصفراء والبلقاء. قال: إلا أنَّ لحم السوداء أطيب. قال: وحكى ابن قتيبة أن مداومة أكل [لحوم] (٢) [السود] (٣) يحدث موت الفجأة، قال الماوردي: فإن اجتمع حسن المنظر مع طيب اللحم فهو أفضل، وإن افترقا كان طيب المخبر، [أحسن] (٤) من حسن النظر. ونقل النووي في "شرح مسلم" (٥) عن الأصحاب ذكر الصفراء بين البيضاء والغبراء، وبعد الغبراء البلقاء ثم السوداء. السابع: استحباب تولي الإِنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل فيها إلَّا لتعذر وحينئذٍ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلمًا جاز، وإن استناب كتابيًّا كره كراهة تنزيه، وأجزأه، ووقعت الضحية عن الموكل. وبهذا قال الشافعي والعلماء كافة إلَّا مالكًا في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيًّا وامرأة حائضًا، لكن يكره توكيل الصبي لا الحائض على الأصح من رواية "الروضة" (٦) , لأنه لم يصح فيه نهي، والأولى أن يوكل مسلمًا فقيهًا بباب الذبائح والضحايا, لأنه أعرف بشروطها وسننها، والحائض أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي.

стр. 4828

الثامن: شرعية التسمية عليها وعلى سائر الذبائح، وهو إجماع لكن هل هذه المشروعية على وجه الاشتراط أو الاستحباب؟ فيه خلاف سلف في الباب قبله. التاسع: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح, فيقول: باسم الله، والله أكبر. العاشر: استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن اضجاعها [يكون] (١) على جانبها الأيسر، وإذا كان كذلك كان وضع الرجل على الجانب الأيمن؛ قالوا: لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين وإمساك رأسها باليسار.

стр. 4829

باب الأشربة

стр. 4830

٧٨ - باب الأشربة ذكر فيه ﵀ ثلاثة أحاديث: الحديث الأول ٤٠٧/ ١/ ٧٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر قال على منبر رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من [العنب] (١) والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل ثلاث، وددت أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد, والكلالة، وأبواب من أبواب الربا" (٢).

стр. 4831

الكلام عليه من وجوه: اْحدها: في التعريف براويه، وقد سلف أول الكتاب، وولده سلف في باب الاستطابة، وهذا الحديث ذكره البخاري هنا، ومسلم في آخر صحيحه في التفسير. الثاني في ألفاظه: "المنبر" سلف الكلام عليه في باب الجمعة. و"أما بعد" سلف الكلام عليه في الخطبة. وقوله: "أيها الناس" الأصل: يا أيها الناس، فحذف حرف النداء، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها حذف حرف النداء، والنعت هنا نعت لا يستغني عنه، وهو أيضًا أحد المواضع التي يلزم فيها النعت وجوبًا. وقوله: "إنه نزل تحريم الخمر" يريد والله أعلم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ...﴾ (١) الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ ...﴾ (٢) الآية، والإِجماع قائم الآن على تحريم الخمر العنبي والني وكانت تشرب في أول الإِسلام، لكن هل هو لاستصحاب حكمها في الجاهلية، أم لشرع ورد في إباحتها؟ فيها وجهان: رجح الماوردي (٣) الأول ووجه الثاني، قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٤)، أي: ما يسكر، قاله ابن عباس (٥) وغيره.

стр. 4832

ثم حرمت في آيات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ (١)، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (٣)، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ (٤)، إلى قوله: ﴿بَطَنَ﴾. ووقع التحريم بالأولى (٥) عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين، ولما قدم الدارميون من تخمر في ربيع الأول سنة سبع من الهجرة وكانوا عشرة أنفس. هانئ بن حبيب، الفاكة بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن برة وأخوه الطيب بن برة، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة بن مالك وأخوه مرة بن مالك. أهدوا إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فقال ﵊: "إن الله قد حرم الخمر"، فسألوه عن بيعها، فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". وبسبب نزول الآية الأولى من الآيات الأربعة فيما ذكره المفسرون أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار ساْلوا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وقالوا أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت الآية فتركها قوم للإِثم، وشربها قوم لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعا ناسًا من أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وآتاهم بخمر، فشربوا، وسكروا،

стр. 4833

فحضرت صلاة المغرب، فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون" هكذا إلى آخر السورة بحذف "لا" فأنزل الله الآية الثانية السالفة، فحرمت في أوقات الصلاة، فتركها قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة. وتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد الصبح فيصحوا إذا جاء الظهر. واتخذ غسان بن مالك طعامًا ودعا رجالًا من المسلمين منهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه، وشربوا حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار, وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجع فرضخه. فانطلق به سعد إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فشكا إليه الأنصاري، فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانًا شافيًا. فأنزل الله الآية الثالثة السالفة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والأحزاب سنة أربع. وقيل: خمس فقال: عمر انتهينا يا رب (١). قال أنس: حرمت ولم يكن للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد منها. وقال ابن دحية في كتابه "وهج الخمر في تحريم الخمر" كان تحريمها في السنة الثالثة بعد أحد، وفي هذه الآية أعني -الثالثة -

стр. 4834

عشرة أدلة على التحريم منها. وصفها بأنها "رجس من عمل الشيطان" (١) الرجس المحرم بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٢). وضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام (٣). ورجا الفلاح (٤): باجتنابها وإرادة الشيطان إيقاع العداوة بين

стр. 4835

المؤمنين بسببها. وإرادة إيقاع البغضاء بها (١). وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة (٢) وكونها من عمل الشيطان (٣) وإرادة الشيطان لما يترتب عليها، ومجرده يقتضي تحريمها واستفهام الانتهاء عنها بهل (٤)، وهو يقتضي البلاغة في النهي واللطف في طلب النهي، ويتضمن ذلك فضل الباري علينا في جميع الوجوه، وهذا إبلاغ في الوعيد ونهاية في التهديد. فتحريمها الآن معلوم من الدين بالضرورة، ومن أحلها كفر بإجماع. وقوله: "وهي من خمسة": الظاهر أن هذه الواو عاطفة للجملة على التي قبلها، والمعنى على أنه أخبر أن الخمر يكون لنا من خمسة أشياء، ويجوز أن تكون "واو" الحال والمعنى نزل تحريم الخمر في حال كونها تعمل من خمسة أشياء، فلا يقتصر عليها، بل غيرها مما
следующие страницы →