← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الكلام عليه من وجوه: اْحدها: في التعريف براويه، وقد سلف أول الكتاب، وولده سلف في باب الاستطابة، وهذا الحديث ذكره البخاري هنا، ومسلم في آخر صحيحه في التفسير. الثاني في ألفاظه: "المنبر" سلف الكلام عليه في باب الجمعة. و"أما بعد" سلف الكلام عليه في الخطبة. وقوله: "أيها الناس" الأصل: يا أيها الناس، فحذف حرف النداء، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها حذف حرف النداء، والنعت هنا نعت لا يستغني عنه، وهو أيضًا أحد المواضع التي يلزم فيها النعت وجوبًا. وقوله: "إنه نزل تحريم الخمر" يريد والله أعلم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ...﴾ (١) الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ ...﴾ (٢) الآية، والإِجماع قائم الآن على تحريم الخمر العنبي والني وكانت تشرب في أول الإِسلام، لكن هل هو لاستصحاب حكمها في الجاهلية، أم لشرع ورد في إباحتها؟ فيها وجهان: رجح الماوردي (٣) الأول ووجه الثاني، قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٤)، أي: ما يسكر، قاله ابن عباس (٥) وغيره.

стр. 4832

ثم حرمت في آيات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ (١)، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (٣)، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ (٤)، إلى قوله: ﴿بَطَنَ﴾. ووقع التحريم بالأولى (٥) عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين، ولما قدم الدارميون من تخمر في ربيع الأول سنة سبع من الهجرة وكانوا عشرة أنفس. هانئ بن حبيب، الفاكة بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن برة وأخوه الطيب بن برة، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة بن مالك وأخوه مرة بن مالك. أهدوا إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فقال ﵊: "إن الله قد حرم الخمر"، فسألوه عن بيعها، فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". وبسبب نزول الآية الأولى من الآيات الأربعة فيما ذكره المفسرون أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار ساْلوا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وقالوا أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت الآية فتركها قوم للإِثم، وشربها قوم لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعا ناسًا من أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وآتاهم بخمر، فشربوا، وسكروا،

стр. 4833

فحضرت صلاة المغرب، فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون" هكذا إلى آخر السورة بحذف "لا" فأنزل الله الآية الثانية السالفة، فحرمت في أوقات الصلاة، فتركها قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة. وتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد الصبح فيصحوا إذا جاء الظهر. واتخذ غسان بن مالك طعامًا ودعا رجالًا من المسلمين منهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه، وشربوا حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار, وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجع فرضخه. فانطلق به سعد إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فشكا إليه الأنصاري، فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانًا شافيًا. فأنزل الله الآية الثالثة السالفة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والأحزاب سنة أربع. وقيل: خمس فقال: عمر انتهينا يا رب (١). قال أنس: حرمت ولم يكن للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد منها. وقال ابن دحية في كتابه "وهج الخمر في تحريم الخمر" كان تحريمها في السنة الثالثة بعد أحد، وفي هذه الآية أعني -الثالثة -

стр. 4834

عشرة أدلة على التحريم منها. وصفها بأنها "رجس من عمل الشيطان" (١) الرجس المحرم بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٢). وضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام (٣). ورجا الفلاح (٤): باجتنابها وإرادة الشيطان إيقاع العداوة بين

стр. 4835

المؤمنين بسببها. وإرادة إيقاع البغضاء بها (١). وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة (٢) وكونها من عمل الشيطان (٣) وإرادة الشيطان لما يترتب عليها، ومجرده يقتضي تحريمها واستفهام الانتهاء عنها بهل (٤)، وهو يقتضي البلاغة في النهي واللطف في طلب النهي، ويتضمن ذلك فضل الباري علينا في جميع الوجوه، وهذا إبلاغ في الوعيد ونهاية في التهديد. فتحريمها الآن معلوم من الدين بالضرورة، ومن أحلها كفر بإجماع. وقوله: "وهي من خمسة": الظاهر أن هذه الواو عاطفة للجملة على التي قبلها، والمعنى على أنه أخبر أن الخمر يكون لنا من خمسة أشياء، ويجوز أن تكون "واو" الحال والمعنى نزل تحريم الخمر في حال كونها تعمل من خمسة أشياء، فلا يقتصر عليها، بل غيرها مما

стр. 4836

في معناها ملحق به، ولهذا قال بعد: والخمر ما خامر العقل، وقال ذلك في خطبته بمشهد من الصحابة وغيرهم، وأقروه ولم ينكروا عليه، فصار إجماعًا. وقوله: "والخمر ما خامر العقل"، أي: غطاه، وهو مجاز تشبيه من باب تشبيه المعنى بالمحسوس. و"العقل" هو آلة التمييز، فلذلك حرّم ما خامره؛ لأن به يزول الإِدراك الذي طلبه الله تعالى من عباده، ليقوموا بحقوقه. وقوله: "عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه". إنما رد ذلك لأنه أبعد عن محذور الاجتهاد، وهو الخطأ على تقدير وقوعه، وإن كان مأجورًا عليه أجرًا واحد بخلاف النص، فإنه إصابة محضة. وقوله: "الجد" يريد ميراثه، وقد كان للسلف فيه خلاف كثير، ومذهب الصديق أنه كالأب عند عدمه. وقال عمر: قضيت في الجد بسبعين قضية لا ألوي في واحدة منها عن الحق، وكان السلف يحذرون من الخوض في مسائله وفي حديث روي، مرفوعًا، وموقوفًا وهو الصواب "أَجْرَأُكُم على قَسْمِ الجدَّ أجرأكم على النار". وقوله: "والكلالة" اختلف الناس فيها على خمسة أقوال، ذكرتها في "شرحي لفرائض الوسيط". وذكرت فيه عن الجمهور أنه القريب الوارث الذي ليس باب ولا ابن، وذكرت فيه هناك حديثين صحيحين. وآية الكلالة نزلت على النبي - صلي الله عليه وسلم - وهو في طريق مكة في حجة الوداع، وتسمى آية الصيف.

стр. 4837

وقوله: "وأبواب من أبواب الربا"، أي: فإن تفاصيله كثيرة وللاشتباه يقع فيه كثيرًا. الوجه الثالث: في أحكامه. الأول: الخطبة على منبر. الثاني: ذكر "أما بعد" فيها. الثالث: "التنبيه" بالنداء. الرابع: ذكر الدليل على المقصود فيها. الخامس: تحريم الخمر. السادس: إلحاق ما عداها من المسكر بها، سواء في ذلك نبيذ التمر والزبيب والعسل والحبوب وأنواع ذلك جميعه مما ينبذ. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء سلفًا وخلفًا. وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيء، فأما المطبوخ منهما والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب. قال: فسلاقة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلَّا أن يطبخ حتى ينقص ثلثاها. قال: وأما نقيع التمر والزبيب فيحل مطبوخهما وإن مسته النار شيئًا من غير اعتبار لحد، كما اعتبر في سلاقة العنب. قال: والنيء منه حرام، ولكن لا يحد شاربه. هذا كلامه ما لم يشرب ويسكر فإن سكر فهو حرام بالإِجماع. واحتج الجمهور: بأن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر

стр. 4838

كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع السكرات، فوجب طرد الحكم في جميع محاله، وأورد على هذا بأنه إنما يحصل المعنى في الإِسكار، وهو مجمع على تحريمه. وأجيب: بأنا أجمعنا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر، وقد علل الله سبحانه تحريمه بما سبق، فإذًا ما سواه في معناه، ووجب طرد الحكم في الجميع، ويكون المحرم الجنس المسكر، وعلل بما يحصل من الجنس في العادة. قال المازري: وهذا الاستدلال آكد مما يستدل به في هذه المسألة. قال: ولنا في الاستدلال طريق آخر، وهو أن نقول إذا شرب سلاقة الخمر عند اعتصارها، وهي حلوة لم يسكر فهو حلال بالإِجماع، فإن اشتدت وأسكرت. حرمت بالإِجماع، فإن تخمرت من غير تخليل آدمي حلت، فنظرنا إلى تبدل هذه الأحكام، ويحددها عند تحدد صفات تبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط الأحكام بهذه الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بالنطق، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم. واحتجوا أيضًا من السنة. بهذا الحديث وبحديث عائشة الآتي بعده. وبالحديث الآخر الصحيح: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (١)، وغير ذلك من الأحاديث.

стр. 4839

قال ابن عبد البر (١): لا خلاف في الأخذ بقوله ﵊: "كل مسكر حرام"، واختلفوا في تأويله: هل المراد الجنس والقدر؟ فالجمهور: أنه الجنس قل أو كثر. وقال: قال أهل العراق، القدر المسكر. ومنطقهم به ضعيف، ورأيهم فيه سخيف. وقال البزار والنسائي والعقيلي وغيرهم: المروي في هذا الباب عن ابن عباس وعلي وأبي سعيد الخدري وغيرهم من قوله: [حرمت الخمر لعينها والمسكر من غيرها] (٢) رجاله بين ضعيف ومتروك ومجهول. السابع: التنبيه على شرف العقل وفضله. الثامن: رد الإِنسان للخير وعدم الاشتباه والبيان الواضح لعدم وقوع الاختلاف وإرادة الوفاق. التاسع: إبراز ذلك وإيضاحه للناس. العاشر: أن المعتبر في الأحكام الشرعية مفاهيم الصحابة ولغاتهم، فإن الكتاب نزل بلغتهم.

стр. 4840

الحادي عشر: قال الخطابي (١) أبيه القياس وإلحاق حكم الشيء بنظيره. الثاني عشر: قال: فيه دليل أيضًا على جواز إحداث الاسم للشيء من طريق الاشتقاق بعد أن لم يكن.

стр. 4841

الحديث الثاني ٤٠٨/ ٢/ ٧٨ - عن عائشة ﵂، أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -, سئل عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (١). (٢) البتع: نبيذ العسل. الكلام عليه من وجوه: أحدها: "البتع" بباء موحدة مكسورة ثم تاء مثناة فوق ساكنة وبفتحها أيضًا حكاه الجوهري (٣) ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل، كما ذكر المصنف، وهو شراب أهل اليمن. ثانيها: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ . ثالثها: فيه أنه يستحب للمفتي إذا رأى ما بالسائل حاجة إلى ما

стр. 4842

سأل أن يضمنه في الجواب إلى المسؤول عنه، ونظيره حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". رابعها: فيه دلالة على تحريمه وتحريم كل مسكر وتحريم الجنس لا القدر, لأنهم إنما سألوا عن جنس البتع لا عن القدر المسكر منه، وإلَّا لقالوا: ما يحل منه وما يحرم. فوجب أن يكون الجواب عن الجنس السؤول عنه, لأنه لو كان جوابًا للقدر المسكر لكان عدولًا عما سئل عنه وذلك لا يجوز، وهذا هو المعروف المعتاد من كلام العرب إنهم إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا الشراب نافع أو ضار؟ فإن سألوا عن القدر قالوا: كم مقدار ما يشرب منة؟ والمراد بقوله: "أسكر"، أي: فيه صلاحية ذلك. خامسها: هذا السائل لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه، وسؤاله عنه إما لأنه لم يبلغه تحريم الخمر إلَّا باسم خاص أو جواز التخصيص بها فقط، والله تعالى أعلم.

стр. 4843

الحديث الثالث ٤٠٩/ ٣/ ٧٨ - عن عبد الله [بن عباس] (١) ﵄، قال: بلغ عمر ﵁ أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها: فباعوها" (٢)؟ جملوها: أذابوها. الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا البائع سمرة بن جندب ﵁، كذا ثبت مصرحًا به في "صحيح مسلم" (٣)، وذكره أيضًا الخطيب في "مبهماته" (٤)

стр. 4844

وابن بشكوال (١) وغيرهما، ومن المتأخرين النووي (٢) والشيخ تقي الدين (٣)، ووقع في "أحكام المحب الطبري" أنه جابر بن سمرة، والظاهر أنه وهم، وكان سمرة بن جندب واليًا على البصرة من قبل عمر، قال ابن ناصر الحافظ: إنما كان يأخذ قيمة الجزية خمرًا، فيبيعه، فيهم ظنا منه أن هذا جائز، وكان على البصرة، فنهاه عمر، فكان ينبغي له أن يوليهم بيعها. قال ابن عقيل الحنبلي: فهم إذا باعوها أخذوا ثمنها ونحن نأخذه منهم، فهذا الحائل بين الأخذين يخرج اسم المأخوذ منهم عن اسم القيمة، كما قال ﵊ لبريرة: "هو عليها صدقة ولنا هدية". وأجاب غيره بوجهين: أحدهما: أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا، فأطلق اسم الخمر عليه باعتبار ما يؤول إليه. الثاني: أنه خللها، ثم باعها. وفيه خلاف مشهور، ذكرهما الخطابي (٤) وغيره. ومن يقول بجواز التخليل يحمل النهي عنه على أنه كان في أول الأمر، عقب تحريمها، حسمًا للباب. الثاني: تقدم الكلام على الشحوم وأحكامها وما يتعلق بذلك من الادِّهان في الحديث من باب العرايا من كتاب البيوع.

стр. 4845

الثالث: الحديث دال على تحريم الخمر وبيعها، وقد سلف الكلام في بيعها في الموضع المشار إليه أيضًا. وقدمنا هناك عن أبي حنيفة أنه جوز أن يوكل المسلم ذميًّا في بيعها وشرائها، وهو دال أيضًا على تحريم بيع ما حرمت عينه مطلقًا. الرابع: فيه استعمال الصحابة القياس في الأمور من غير نكير، لأن عمر قاس بيعها عند تحريم عينها على بيع الشحوم عند، تحريمها, وهو قياس من غير شك. الخامس: فيه أيضًا تأكيد استعمال القياس، حيث دعا عمر على من خالفه وباعها بقوله: "قاتل الله فلانًا". السادس: فيه أيضًا الدعاء على فاعل ذلك، وهذه لفظة جرت على ألسنتهم من غير قصد لمعناها. السابع: قد فسَّر المصنف "جملوها"، وقد أوضحناها هناك في الموضع المشار إليه أولًا. الثامن: فيه دلالة على منع التحيل فيما حرم إذا كان طريقًا لارتكابه، كما فعلته اليهود هنا وفي الصيد يوم السبت.

стр. 4846

باب اللباس

стр. 4847

٧٩ - باب اللباس ذكر فيه ستة أحاديث: الحديث الأول ٤١٠/ ١/ ٧٩ - عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير. فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (١). الكلام عليه من وجوه: [أحدها] (٢): الحرير اسم جنس، واحدته حريرة، ذكره الجوهري (٣)، قال [أبو] (٤) هلال العسكري: ويقال له الدِّمَقْسُ

стр. 4848

والسَّرَقُ والسِّيَرَاءُ، وقيل: السِّيَراء، ضرب من البُرُود، مِسَيَّرٌ: مخطط. وهو عربي، وقيل: فارسي معرب وهو ضعيف (١)، وإنما سمي حريرًا، لأنه من خالص الإِبريسم. وأصل هذه الكلمة الخلوص؛ ومنه قولهم: طين حر، لأنه لم يخالطه رمل أو حمأة. وقيل: للحر خلاف العبد: لأنه خالص لنفسه. وحررت الكتاب: خلصته من التسويد. ثانيها: هذا الخطاب في قوله: "لا تلبسوا" للذكر، فلا يتناول الإِناث [كما] (٢) هو مذهب المحققين من أهل الأصول، والأحاديث الصحيحة مصرحة بإباحته للنساء، فإنه ﵊ أمر عليًّا وأسامة (٣) أن يكسو الحرير نساءهما. وقال في الذهب والحرير: "هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإِناثهم" (٤)، والإِجماع قائم على ذلك، وإن خالف عبد الله بن الزُّبير فيه مستدلًا

стр. 4849

بهذا الحديث، فقد انعقد الإِجماع بعده على التحريم، ولا عبرة بمن أباحه مطلقًا، كما [حكاه] (١) صاحب "المعلم" (٢) عن قوم، وليحمل ما ذكر عن ابن الزبير على كراهة التنزيه، وكذا حديث عقبة بن عامر في "سنن النسائي" (٣) أنه ﵊ "كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: إن كنتم تحبُّون حلية أهل الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا", وفي حل افتراشه لهم، وحل الولي إلباسه للصبيان خلاف، محله كتب الفروع، وقد أوضحناه فيها. ثالثها: هذا الحديث محمول عند الجمهور على الخالص من الحرير، أما الممتزج بغيره فحلال إن لم يَزِدْ وَزْنُ الحرير، فإن زاد حَرُمَ، وعند الاستواء وجهان أصحهما: الحل. رابعها: هو محمول أيضًا على غير حالة الضرورة، فأما حال الضرورة كمفأجاة الحرب، ولم يجد غيره والجرب والحكة ونحو ذلك. وسيأتي في الباب الآتي إباحته، لأجل دفع القمل فتلك أحوال مستثناة ومحل [الخوض] (٤) فيها كتب الفروع. ومنع مالك (٥) إلباسه في الغزو والحكة وغيرهما، وجوَّزه عبد الملك في الغزو وعبد الوهاب للحكة.

стр. 4850

واختلف قول مالك في العلم في الثوب ونحوه فنهى عنه مرة وأجازه أخرى. واختلف في اتخاذ الراية في أرض الحرب منه، فلم يره مالك، وأجازه ابن القاسم حكاه صاحب "الجواهر". خامسها: غير اللبس كالتدثر والجلوس عليه في معناه، وخالف فيه أبو حنيفة (١)، وفي "صحيح البخاري"، من حديث حذيفة ﵁ "نهانا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليها" (٢). سادسها: نبَّه على العلة في التحريم بقوله: "فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، فإنه إشارة إلى أنه ما يحصل له به من التنعم والتزين، ونظير ذلك الخمر، ويبعد حمل هذا الحديث على المبالغة في الزجر، والظاهر حمله على المستحل للبسه. وقال القاضي: يحتمل أن يريد كفار ملوك الأمم والأعاجم، الذين كان زيهم، ويحتمل أن يريد من أراد الله عقابه بذلك من مؤمني المؤمنين فحرمه في الآخرة وقتًا قبل دخوله الجنَّة. فيكون إمساكه ذلك الوقت حرمان له من لباسه، ويحتمل: أن يمنع من لباسه بعد دخول الجنة، لكن ينسيه الله تعالى إياه، ويشغله عنه بلذات أخر حتى يقضى الله تعالى أمر حرمانه منه، أو يشغله عنه أبدًا، ويكون راضيًا بذلك، غير

стр. 4851

حاسد لغيره، ولا منتقص منه لتتم له لذته دون تنقيص ولا رؤية نقص، إذ لا حزن ولا تنغيص في الجنة، ولا يرى أحد قط من أهل الجنة أن منزلة غيره فوقه ولا لذته فوق لذته، كما أن أهل الغرف وعليين يراهم من دونهم، كالكواكب في الأفق، ثم من دونهم لا ينقص عنده محالهم ولا نقص. ويحتمل أن يريد بقوله: "لم يلبسه في الآخرة"، يعني مدة عقابه إذا عوقب على معصيته بارتكاب النهي عن لباسه.

стр. 4852

الحديث الثاني ٤١١/ ٢/ ٧٩ - عن حذيقة بن اليمان ﵁ قال: سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (١). الكلام عليه من وجوه, ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين رأسًا بل أورده إيرادًا فقط: أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في السؤال. ثانيًا: "الديباج" بكسر الدال وفتحها، عجمي معرّب (٢) جمعه ديابيج، قال الجوهري: وإن شئت قلت "دبابيج" بالباء على أن يجعل أصله مشددًا، كما قلناه في الدنانير يريد أن أصل دينار دِناَرٍ

стр. 4853

بنون مشددة، فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه باء لئلا تلتبس بالمصادر التي تجيء على فعال ككذباء، وهو ما غلظ وثخن من ثياب الحرير، وذكره بعد الحرير وإن كان نوعًا منه هو من باب ذكر الخاص بعد العام، قال الجواليقي (١): فأصله بالفارسية (دِيُوبَافْ) (٢)، أي: نِسَاجَةُ الجن. ثالثها: "الصحاف" بكسر الصاد جمع صحفة بفتحها، وهي دون القصعة، قال الجوهري (٣): قال الكسائي أعظم القصاع الجَفْنَة، ثم القَصْعَةُ تليها تُشبِعُ العَشَرَة ثم الصَّحْفَةُ تشبع الخمسة، ثم المِئْكَلةُ تُشْبِعُ الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحَيْفةُ تشبع الرجل. رابعها: قوله: "فإنها لهم في الدنيا"، أي: للكفار، ومعناه أن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا. وأما الآخرة فمالهم فيها من نصيب. وأما المسلمون فلهم في الجنة الحرير والذهب، وما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. خامسها: قوله "ولكم في الآخرة"، أي: يوم القيامة، وجاء في رواية أخرى في الصحيح "يوم القيامة" بعد ذكر الآخرة، وإنما جمع

стр. 4854

بينهما لئلا يظن أنه بمجرد [الموت] (١) صار في حكم الآخرة في هذا الإِكرام، فتبين أنه إنما هو يوم القيامة وبعده في الجنة أبدًا، ويحتمل أن المراد لهم في الآخرة من حين [الموقف] (٢) ويستمر في الجنة أبدًا. سادسها: الحديث دال على تحريم لبس الحرير والديباج مطلقًا، واستثنى أصحابنا الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح حالة القتال لدعاء الحاجة إليه. سابعها: هو دال أيضًا على تحريم استعمال أواني النقدين مطلقًا سواء فيه الرجل والمرأة وهو الجديد وعن القديم أن المنع منهما للتنزيه، وهو غلط مرجوع عنه ومؤل أيضًا. ثامنها: خص الأكل والشرب بالذكر دون غيرهما، لكونهما الغالب في الاستعمال، لا للتقييد. وإن كان كلام المرعشي في "تقاسيمه" (٣) يقتضي حرمة ذلك فقط، وهو جمود على النص، وأبعد داود فحرم الشرب فقط، وأجاز الباقي وهو عجيب منه، فإن الأكل قد نص عليه أيضًا في الحديث، وخص الإِناء بالشرب, لأنه معدله غالبًا، وكما خص الصحاف بالأكل. تاسعها: لا حجة فيه لمن قال الكفار غير مخاطبين بالفروع،

стр. 4855

لأنه لم يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة، أنهم هم الذين يستعملونه في الدنيا، وإن كان حرامًا عليهم، كما هو حرام على المسلمين، وإنما ذكر ذلك تنبيهًا على تحريم التشبه بهم فيما يعانونه من أمور الدنيا تأكيدًا للمنع منه. عاشرها: المجازاة على الصبر على الزائل الفاني بالدائم الباقي.

стр. 4856

الحديث الثالث ٤١٢/ ٣/ ٧٩ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: "ما رأيت من ذي لِمَّةٍ [سوداء] (١) في حلة حمراء أحسن من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطويل" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الإِمامة. ثانيها: الْلِمَّةُ بكسر اللام وتشديد الميم وتاء تأنيث مكتوبة هاء من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهي الجُمَّةُ، والجمع: لِمَمٌ، ولِمَامَ. ثالثها: "الحلة": تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من باب الأذان، فراجعه من ثم.

стр. 4857

رابعها: "المنكب" ما بين الكتف والعنق، والمراد أن شعره ﵊ يسترسل غير مضفور ولا مكفوف. خامسها: فيه جواز لبس الأحمر، وأما الأحاديث الواردة في المنع منه للرجال في "سنن أبي داود" ففي أسانيدها مقال، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على خلاف الأولى، وقد أسلفنا الكلام على ذلك في الحديث المشار إليه في باب الأذان، فليراجع منه. وقال القاضي عياض (١): وكره بعضهم جميع ألوان الحمرة، وأباح بعضم ما خط منها، وكره ما اشتدت حمرته، وأجاز بعضهم ما يمتهن منها، وكره ما يلبس. قلت: وصح النهي (٢) عن لباس المعصفر، وهو المصبوغ

стр. 4858

أحمر بالعصفر، فقال به جماعة: وجعلوه نهي تنزيه، وأباحه الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال غيرها أفضل منها. وفي رواية عنه (١) أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوهما وقال البيهقي في "المعرفة" (٢): نهى الشافعي الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - النهي عنه، إلَّا ما قال علي ﵁: "نهاني ولا أقول نهاكم" (٣)، واعترضه البيهقي فقال: قد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكرها، ثم قال: ولو بلغته لقال بها. وحمل الخطابي (٤) النهي على ما صبغ منها بعد النسج، فأما ما صبغ قبله فليس داخلًا فيه. وهذا قد أسلفته في باب الأذان أيضًا، وحمل بعضهم: على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقًا

стр. 4859

لحديث ابن عمر "نهى المحرم أن يلبس ثوبًا مسَّه ورسٌ أو زعفران" (١). سادسها: في استحباب [إرسال] (٢) الشعر للرجال، وكان لشعر سيدي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - حالتان: حالة إلى المنكبين إذا طال وأخرى إلى شحمة أذنه إذا قصره، قال القاضي عياض (٣): وقد جاء أنه ﵊ كانت له لمة، فإن انفرقت فرقها، وإلَّا تركها، قال: وقد اختلف السلف في تفريق الشعر، ففرق منهم جماعة، واتخذ اللمة منهم آخرون، وهي الشعر الذي يلم بالمنكبين، قال: وجاء عنه أنه سدل، وأنه فرق، وهو آخر الأمرين منه، حتى جعله بعضهم نسخًا، فعلى هذا لا يجوز السدل واتخاذ اللمة، ويحتمل أن يكون فرق ليرى الجواز أو للندب، ولذلك اختلف السلف فيه، والصحيح جوازهما واختيار الفرق. سابعها: فيه توفير الشعر، وهذه الأمور الخلقية المنقوله عن الشارع، فيستحب الاقتداء به في هيئتها، وما كان ضروريَّا منها لم يتعلق بأصله استحباب بل بوصفه. ثامنها: قوله: "بعيد ما بين المنكبين" هو بمعنى الرواية الأخرى "جليل المُشَاس" (٤)، والكتد، أي: عريض رؤوس

стр. 4860

المناكب، وهي المشاش، والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل، وهذه الصفات تدل على قوته في الضرب، والطعن، وأنه بطل لا يطاق، لأن أصول اليدين في هذه الأعضاء، كلما عظمت كانت قوة اليدين أعظم. تاسعها: قوله: "ليس بالطويل ولا بالقصير"، أي: متوسط بينهما، لكنه كان من معجزاته أنه ﵊ كان لا يمشي معه أحد من الناس ينسب إلى الطول الإِطالة، فإذا [فارقه] (١) ينسب إلى الربعة.

стр. 4861

الحديث الرابع ٤١٣/ ٤/ ٧٩ - عن البراء بن عازب أيضًا قال: "أمرنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع؛ [أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر وعن القسي ولبس الحرير والإِستبرق والديباج" (١)] (٢). الكلام عليه من وجوه: وهو حديث عظيم الموقع، يشتمل على جمل من القرب المطلوبة أمرًا ونهيًا. وفي رواية في الصحيح مكان "إبرار القسم أو المقسم" "إنشاد الضالة"، وفي أخرى: "وابرار القسم" من غير شك، وفي أخرى

стр. 4862

"وعن الشراب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة". وفي أخرى: "ورد السلام" بدل "وإفشاء السلام"، وفي أخرى: "نهانا عن خاتم الذهب أو عن حلقة الذهب". وفي أخرى: "وعن حلقة الذهب" من غير شك. وفي أخرى في البخاري: "ونصر الضعيف وعون المظلوم". وفي أخرى له: "وعن آنية الفضة". وفي أخرى له: "وعن الحرير والمياثر والسندس"، وفي أخرى له: "وعن المياثر الحمر"، و [قال] (١) في كتاب الأدب (٢): "الاستبرق ما غلظ من الديباج وخشن منه" ونقلها عبد الحق عن مسلم أيضًا، ولم أرها فيه وقد ذكره مسلم ها والبخاري في مواضع من "صحيحه" في الجنائز (٣)، والملازمة (٤)، واللباس (٥)، والطب (٦)، الأدب (٧)،

стр. 4863

والنذور (١)، والنكاح (٢)، والأشربة (٣)، والاستئذان (٤). الوجه الأول: في التعريف براويه، وقد سلف قريبًا الإِشارة في موطنه. ثانيها: في شيء من مفردات ألفاظه. الوجه الثاني: العيادة أصلها العوادة, لأنه من عاده يعوده، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها وهي من مادة العود من الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إمَّا انصرافًا بالذات أو بالقول والعزيمة. وقد يطلق العود على الطريق القديم، تعود إليه السفر، فإن أُخذ من الأول فقد يشعر بتكرار العادة، وإن أخذ من الثاني يعد نقله نقلًا عرفيًا إلى الطريق لم يدل على ذلك قاله الشيخ تقي الدين في "شرح الإِلمام". [الثالث] (٥): المرض الخروج عن الاعتدال الخامس بالإِنسان. قال الراغب (٦) وهو ضربان: مرض جسمي وهو [الحقيقة] (٧)

стр. 4864

و (١) عبارة عن الرذائل كالجهل والجبن والبخل والنفاق [ونحوها] (٢) من الرذائل الخلقية (٣) [وهو مجاز التشبيه] (٤) ويُشَبَّه النفاق والكفر ونحوهما من الرذائل بالمرض إما [لكونها] (٥) مانعة [من] (٦) إدراك الفضائل كالمرض المانع للبدن عن التصرف الكامل. وإما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة الأخروية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٧)، وأما لميل النفس [بها إلى] (٨) الاعتتادات الرديئة ميل البدن المريض إلى الأشياء المضرة. قال: ولكون هذه الأشباء مُتَصَّورَةً بصورة المرض قيل دَوِيَ صدر فلان، ونَغِلَ قلبه، قال ﵊: "وأي داء أدوى من البخل" (٩)، ويقال: شمس مريضةٌ إذا لم تكن مضيئةٌ

стр. 4865

لعارض [عرض] (١) لها قال الشيخ تقي الدين: يجوز في هذا أن يكون من مجاز التشبيه الصوري، وأن يكون من مجاز التشبيه المعنوي. الثالث: قال الراغب (٢): يقال: تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ قَفَا أثَرَهُ وذلك [(٣)] وتارة بالارتسام والائتمار وعلى ذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢٠)﴾ (٥) , قال الشيخ تقي الدين: الحقيقة الاتباع بالجسم والمجاز كنه شايع ومن المحتمل لهما قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٦)، والمجاز وهو التزام إتباعك واقتفاء أثرك أقرب. ومن المحتمل أيضًا ما في هذا الحديث من اتباع الجنازة وعلى هذا ينبني ما الأفضل هل المشي خلفها أو أمامها؟ أو يمكن أن يجعل حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك والحجاز، إلَّا أن الأولى عندي إذا كثر الاستعمال في أحد الخاصين وتبادر الذهن إليه عند الإِطلاق أن يجعل حقيقة اللفظ وتقدمه على الأصل المذكور أعني عدم الاشتراك والمجاز, لأن الأصل يترك بالدليل الدال على خلافه ومبادرة الذهن وكثرة

стр. 4866

الاستعمال دليل على الحقيقة. نعم حيث يقرب الحال أو يشكل فلا بأس باستعمال الأصل، وإذا قلنا إنه محمول على الإِتباع بالجسم، فيحتمل أن يكون معبرًا به عن الصلاة، وذلك من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس في الغالب أن يصلي على الميت، ويدفن في محل موته، ويحتمل أن يراد بالاتباع الرواح إلى محل الدفن لمواراته، والمواراة أيضًا من فروض الكفاية لا تسقط إلَّا بمن يتأدى به. الرابع: الجنازة تقدم ضبطها في بابها [فليراجع منه] (١). الخامس: التشميت بالشين المعجمة والمهملة. قال الجوهري (٢). تشميت العاطس أن يقال: له يرحمك [الله] (٣) بالشين والسين، قال ثعلب: الاختيار بالسين؛ لأنه مأخوذ من الشمت وهو القصد والمحجة. وقال أبو عبيد (٤): الشين أعلى في حاجتهم وأكثر, لأن فعله يتعدَّى إلى المفعول بنفسه وبحرف الجر. قال ابن الأنباري (٥) فيما حكاه عنه القاضي (٦) وغيره يقال: شمت فلانًا وسمت عليه، وكل داع بالخير مشمت ومسمت. وقال الأزهري:

стр. 4867

قال الليث: معناه ذكر الله على كل شيء، ومنه قولك: للعاطس: يرحمك الله. وقال الزبيدي في، "مختصر العين": وشمت العاطس إذا دعوت له. ويقال: بالسين يعني المهملة، وقال ابن سيده في "المحكم" (١) تشميت العاطس معناه هداك الله إلى السمت. قال: وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق، وكل داع بالخير مسمت. وقال الخطابي (٢): شَمَّت وسَمَّت بِمَعْنىً، وهو أن يدعوَ للعاطس بالرحمة. وقال القزاز في "جامعه" (٣) وقيل التشميت الرجاء والتبريك، والعرب تقول: شمته إذا دعا له بالبركة. وفي الحديث المرفوع "سمت عليهما" (٤) يعني عليًّا وفاطمة أي دعا لهما وبرّك عليهما. وقيل: إنه مأخوذ من الشماتة، التي [(٥)] فرح الرجل ببلاء عدوه وسوء ينزل به. يقال: شمت بعدوه شماتة وشماتًا وأشمته الله به وبات بليلة سوء من ليالي الشوامت أي من الليالي التي يسر بها الشوامت. قال الشيخ تقي الدين: وفي توجيه هذا المعنى وجهان: أحدهما: قال أبو علي: فيما ذكره عنه ابن سيده معناه: دعاء له أن لا يكون في حال يشمت به فيها.

стр. 4868

وثانيهما: أنك إذا قلت: يرحمك الله. فقد أدخلت على الشيطان ما يسخطه فيسر العاطس بذلك، وقيل: إنه مأخوذ من التشمت الذي هو اجتماع الإِبل في المرعى. قال صاحب "الجامع" فيكون شمته، سألت الله أن يجمع شمله وأمره، وعن ابن العربي (١) أنه قال إن كان بالمعجمة فهو مأخوذ من الشوامت وهو القوائم، وإن كان بالمهملة فهو من السمت وهو قصد الشيء وناحيته. كأن العطاس يحل [معاقد] البدن ويفصّل معاقدة، فيدعو له بأن يرد الله شوامته على حالها وسمته على صفته. قال الشيخ [وهذا] (٢): يقتضي أن السوامت تنطلق على قوائم الإِنسان, لأن العاطس المشمت إنسان لا غير. وقد قال ابن سيده: والشوامت قوائم الدابة، وهذا أخص مما ذكر عن ابن العربي. وفي "الصحاح" (٣) كما قال ابن سيده ثم قال: وهو اسم. قال أبو عمر (٤): ويقال لا ترك الله سامته، أي: قائمة، وقيل: معنى شمته وأشمته دعوت له بالهدى والاستقامة على سمت الطريق والعرب تجعل الشين والسين في لفظ. بمعنى كقولهم: جاحَشْتُه وجاحَفْتُه إذا زاحمته (٥). وما أسلفناه [عن ابن العربي] (٦) في المهملة أنه أخذه من السمت الذي هو قصد الشيء

стр. 4869

وناحيته. قال الشيخ تقي الدين: أحسن منه عندي أن يكون مأخوذًا من السمت، الذي هو الهيئة الموصوفة بالحسن والوقار، ومنه ما جاء في الحديث: "إن الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (١). السادس: "إبرار القسم" الوفاء بمقتضاه وعدم الحنث فيه. قال الزبيدي: وبرت يمينه صدقت وأبرها أمضاها صدقًا. وقال ابن طريف (٢) في في "أفعاله" (٣) بر الرجل يمينه برًّا وبرورا وأبرها رباعيًّا كذا استعملا أبر رباعيًا، فيكون المصدر إبرارا. والحديث ماش عليه واستعمله غيرهما ثلاثيًا. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون إبرار القسم جعله ذا بر والمراد بالبر ما يقابل الإِثم فيكون الإِبرار بها أن يحلف بها على أمر جائز فقط. فإن حملنا اللفظ على الأول وكان متعلقًا بالقسم فلا حاجة إلى إضمار، ثم يحتمل أن يكون المراد إبرار الإِنسان قسم نفسه بأن يفي بمقتضى اليمين وإبراءه لقسم غيره عليه، وهو أن لا يحنثه، ويوقعه في مخالفة اليمين. وإن كان الإِبرار متعلقًا بالمقسم فلا بد فيه من إضمار، وهو أن يقدروا إبرار يمين المقسم أو ما يقارب ذلك. السابع: القسم بفتح القاف والسين الحلف. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤)، قيل: وأصله من القسامة، وهي

стр. 4870

أيمان تقسم على أولياء المقتول ثم سار اسمًا لكل حالف. قال الشيخ تقي الدين. وفي هذا نظر، ولو قيل إن القسامة من القسم كان أولى، أي لأنها أحد أنواعه. ولو قيل أيضًا: إنه مأخوذ من القسامة التي هي بمعنى الحسن. يقال: وجه قسيم أي: حسن لكان له وجه، كان الحالف حسن ما حكم به بتأكيده. باسم الله تعالى. الثامن: قوله: "أو المقسم" الظاهر أن "أو" هنا للشك من الراوي، لا للإِباحة, لأن في الرواية السالفة: "إبرار المقسم" من غير شك. والمقسم هو الحالف نفسه. قال الشيخ في "شرحه" (١) في قوله: "إبرار القسم" "أو المقسم" وجهان: أحدهما: أن يكون المقسم مضموم الميم مكسور السين (٢)، التقدير يمين المقسم. والثاني. فتح الميم والسين على أن يكون [هو] (٣) المقسم، وإبراره هو الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه. وإن كان ذلك على سبيل اليمين، -كما إذا قال: والله لتفعلن كذا-، فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف، كقوله: بالله أفعل كذا. لأن في الأول إيجاب الكفارة على الحالف، وفيه تغريم للمال، وذلك إضرارٌ به. التاسع: "النَّصْرُ والنُّصْرَةُ" العون (٤) [قال الراغب] (٥)، ونصرة
следующие страницы →