الاستعمال دليل على الحقيقة. نعم حيث يقرب الحال أو يشكل فلا بأس باستعمال الأصل، وإذا قلنا إنه محمول على الإِتباع بالجسم، فيحتمل أن يكون معبرًا به عن الصلاة، وذلك من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس في الغالب أن يصلي على الميت، ويدفن في محل موته، ويحتمل أن يراد بالاتباع الرواح إلى محل الدفن لمواراته، والمواراة أيضًا من فروض الكفاية لا تسقط إلَّا بمن يتأدى به.
الرابع: الجنازة تقدم ضبطها في بابها [فليراجع منه] (١).
الخامس: التشميت بالشين المعجمة والمهملة. قال الجوهري (٢). تشميت العاطس أن يقال: له يرحمك [الله] (٣) بالشين والسين، قال ثعلب: الاختيار بالسين؛ لأنه مأخوذ من الشمت وهو القصد والمحجة. وقال أبو عبيد (٤): الشين أعلى في حاجتهم وأكثر, لأن فعله يتعدَّى إلى المفعول بنفسه وبحرف الجر. قال ابن الأنباري (٥) فيما حكاه عنه القاضي (٦) وغيره يقال: شمت فلانًا وسمت عليه، وكل داع بالخير مشمت ومسمت. وقال الأزهري:
стр. 4867
قال الليث: معناه ذكر الله على كل شيء، ومنه قولك: للعاطس: يرحمك الله. وقال الزبيدي في، "مختصر العين": وشمت العاطس إذا دعوت له. ويقال: بالسين يعني المهملة، وقال ابن سيده في "المحكم" (١) تشميت العاطس معناه هداك الله إلى السمت. قال:
وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق، وكل داع بالخير مسمت.
وقال الخطابي (٢): شَمَّت وسَمَّت بِمَعْنىً، وهو أن يدعوَ للعاطس بالرحمة. وقال القزاز في "جامعه" (٣) وقيل التشميت الرجاء والتبريك، والعرب تقول: شمته إذا دعا له بالبركة. وفي الحديث المرفوع "سمت عليهما" (٤) يعني عليًّا وفاطمة أي دعا لهما وبرّك عليهما. وقيل: إنه مأخوذ من الشماتة، التي [(٥)] فرح الرجل ببلاء عدوه وسوء ينزل به. يقال: شمت بعدوه شماتة وشماتًا وأشمته الله به وبات بليلة سوء من ليالي الشوامت أي من الليالي التي يسر بها الشوامت.
قال الشيخ تقي الدين: وفي توجيه هذا المعنى وجهان:
أحدهما: قال أبو علي: فيما ذكره عنه ابن سيده معناه: دعاء له أن لا يكون في حال يشمت به فيها.
стр. 4868
وثانيهما: أنك إذا قلت: يرحمك الله. فقد أدخلت على الشيطان ما يسخطه فيسر العاطس بذلك، وقيل: إنه مأخوذ من التشمت الذي هو اجتماع الإِبل في المرعى. قال صاحب "الجامع" فيكون شمته، سألت الله أن يجمع شمله وأمره، وعن ابن العربي (١) أنه قال إن كان بالمعجمة فهو مأخوذ من الشوامت وهو القوائم، وإن كان بالمهملة فهو من السمت وهو قصد الشيء وناحيته. كأن
العطاس يحل [معاقد] البدن ويفصّل معاقدة، فيدعو له بأن يرد الله شوامته على حالها وسمته على صفته. قال الشيخ [وهذا] (٢): يقتضي أن السوامت تنطلق على قوائم الإِنسان, لأن العاطس المشمت إنسان لا غير. وقد قال ابن سيده: والشوامت قوائم الدابة، وهذا أخص مما ذكر عن ابن العربي. وفي "الصحاح" (٣) كما قال ابن سيده ثم قال: وهو اسم. قال أبو عمر (٤): ويقال لا ترك الله سامته، أي: قائمة، وقيل: معنى شمته وأشمته دعوت له بالهدى والاستقامة على سمت الطريق والعرب تجعل الشين والسين في لفظ. بمعنى كقولهم: جاحَشْتُه وجاحَفْتُه إذا زاحمته (٥). وما أسلفناه [عن ابن العربي] (٦) في المهملة أنه أخذه من السمت الذي هو قصد الشيء
стр. 4869
وناحيته. قال الشيخ تقي الدين: أحسن منه عندي أن يكون مأخوذًا من السمت، الذي هو الهيئة الموصوفة بالحسن والوقار، ومنه ما جاء في الحديث: "إن الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (١).
السادس: "إبرار القسم" الوفاء بمقتضاه وعدم الحنث فيه. قال الزبيدي: وبرت يمينه صدقت وأبرها أمضاها صدقًا. وقال ابن طريف (٢) في في "أفعاله" (٣) بر الرجل يمينه برًّا وبرورا وأبرها رباعيًّا كذا استعملا أبر رباعيًا، فيكون المصدر إبرارا. والحديث ماش عليه واستعمله غيرهما ثلاثيًا. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون إبرار القسم جعله ذا بر والمراد بالبر ما يقابل الإِثم فيكون الإِبرار بها أن يحلف بها على أمر جائز فقط. فإن حملنا اللفظ على الأول وكان متعلقًا بالقسم فلا حاجة إلى إضمار، ثم يحتمل أن يكون
المراد إبرار الإِنسان قسم نفسه بأن يفي بمقتضى اليمين وإبراءه لقسم غيره عليه، وهو أن لا يحنثه، ويوقعه في مخالفة اليمين. وإن كان الإِبرار متعلقًا بالمقسم فلا بد فيه من إضمار، وهو أن يقدروا إبرار يمين المقسم أو ما يقارب ذلك.
السابع: القسم بفتح القاف والسين الحلف. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤)، قيل: وأصله من القسامة، وهي
стр. 4870
أيمان تقسم على أولياء المقتول ثم سار اسمًا لكل حالف. قال الشيخ تقي الدين. وفي هذا نظر، ولو قيل إن القسامة من القسم كان أولى، أي لأنها أحد أنواعه. ولو قيل أيضًا: إنه مأخوذ من القسامة التي هي بمعنى الحسن. يقال: وجه قسيم أي: حسن لكان له وجه، كان الحالف حسن ما حكم به بتأكيده. باسم الله تعالى.
الثامن: قوله: "أو المقسم" الظاهر أن "أو" هنا للشك من الراوي، لا للإِباحة, لأن في الرواية السالفة: "إبرار المقسم" من غير شك. والمقسم هو الحالف نفسه. قال الشيخ في "شرحه" (١) في قوله: "إبرار القسم" "أو المقسم" وجهان:
أحدهما: أن يكون المقسم مضموم الميم مكسور السين (٢)، التقدير يمين المقسم.
والثاني. فتح الميم والسين على أن يكون [هو] (٣) المقسم، وإبراره هو الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه. وإن كان ذلك على سبيل اليمين، -كما إذا قال: والله لتفعلن كذا-، فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف، كقوله: بالله أفعل كذا. لأن في الأول إيجاب الكفارة على الحالف، وفيه تغريم للمال، وذلك إضرارٌ به.
التاسع: "النَّصْرُ والنُّصْرَةُ" العون (٤) [قال الراغب] (٥)، ونصرة
стр. 4871
العبد [(١)] هي نصرته لعباده، والقيام يحفظ حدوده ورعاية عهده [واعتبار] (٢) أحكامه واجتنابه نواهيه.
[الثامن] (٣): "الظلم" (٤) وضع الشيء في غير موضعه المختص به: إما بِنُقْصانٍ أو بزيَادَةٍ أو بعدول عن وقته ومكانه. ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ إذا تنَاوَلْتَهُ في غير وَقْتِهِ، وظلمت البعير إذا نحرته من غير داء، والمظلوم أيضًا اللبن المشروب قبل أن يبلغ الرؤوب (٥).
[التاسع] (٦): الإِجابة تنطلق على القول والفعل. يقال: أجاب الله دعاك. أي: فعل ما سألته إياه وقول الشاعر:
[وادع] (٧) دعي يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجيبه عند ذلك مجيب
يحتمل الإِجابة بالقول لتقدم النداء، ويحتمل الإِجابة بالفعل ببذل العطاء، نبه عليه الشيخ تقي الدين في "شرح الإِلمام" قال: ويستعمل استعمال التسمية نحو: دعوت ابني زيدًا
стр. 4872
[أي] (١) سميته، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٢)، حثًّا على تعظيمه، وذلك مُخَاطَبة من يقول: يا محمَّد ودعوته [إذا] (٣) سألته واستعنت به. قال تعالى. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (٤)، أي: سَلْهُ، والدعاء إلى الشيء أيضًا الحثُّ إلى قصده. قال: الراغب (٥): والدعاء كالنداء، لكن النداء قد يقال إذا قيل بيا أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلَّا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (٦)، والمراد بإجابة الدعوة هنا: وليمة العرس، وإن كان يعمها [و] (٧) غيرها.
الثاني عشر: مادة الإِفشاء تدل على الظهور والانتشار، فشت المقالة إذا انتشرف وذاعت، وليفشوا العلم أي يظهروه وينشروه وأفشى السر أظهره ونشره، فإفشاء السلام إظهاره وعدم إخفائه بخفض الصوت، وأما نشره فتداوله بين الناس وأن يحيوا سنته ولا يميتوها.
стр. 4873
الثالث عشر: "السلام" اسم للمصدر مثل كلام، والاسم التسليم ويطلق بإزاء أمور:
أحدها: كقوله تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (١).
ثانيها: بمعنى "السلامة"، لقوله تعالى ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، أي: دار السلامة، وفيه قول الشاعر:
تجيء بالسلامة أم عمرو ... وهل لك بعد قومك من سلام
ثالثها: أن يكون بمعنى التسليم والتحية، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، أي: يقولون سلام عليكم.
رابعها: شجر العضاة، ويقال فيه: سلْمُ أيضًا (٤).
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥)، فيحمل أن يراد به السلام على أن يكون سلام بدلًا مما يدعون، كأنه قيل ولهم سلام أي سلامة ويحتمل أن يراد التحية أي من الملائكة أو من الله مبالغة في تعظيمهم: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى
стр. 4874
إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١)، مختلف في معناه.
الرابع عشر: والخواتيم جمع: خاتم بفتح التاء وكسرها وختام وختم كما سلف في الحديث الرابع من باب صلاة العيدين (٢)، قال
стр. 4875
أبو عمر الجرمي (١): كل ما كان على فاعل يريد مفتوح العين.
نحو فاعل: فإن جمعه على فواعيل نحو طوابيق وقوابيل وخواتيم.
الخامس عشر: في اللفظ تردد بين الخواتيم وتختم فعلى الأول لا بد من حذف مضاف أي لبس خواتيم. وعلى الثاني لا حاجة إلى
الحذف، لأن الإِضافة في الأول إلى الذات فلا بد، وأن تصرف إلى فعل يتعلق بها، وفي الثاني أضيف إلى المصدر فلا حاجة إلى غيره، فإن النهي يصح تعلقه [به بنفسه] (٢).
السادس عشر: الذهب لفظ مشترك في كلام العرب، ويراد به هنا ما غلب استعماله فيه، وهو أحد النقدين ويذكر ويؤنث. قال الجوهري (٣): والقطعة منه ذهبة، وتجمع على الأذهاب والذهوب [و] (٤) قال نفطويه: سمي بذلك لأنه يذهب ولا يبقى والذَّهَب: أيضًا مكيال لأهل اليمن معروف والجمع أذهاب وجمع الجمع: أذاهِبُ عن أبي عبيدة.
و"الباء" في قوله: "عن شرب بالفضة" للاستعانة، ويحتمل أن تكون للمصاحبة.
стр. 4876
السابع عشر: "المياثر" جمع مئثرة بكسر الميم وثاؤه مثلثة ولا همز فيها. قال الشيخ تقي الدين: وقال النووي (١) في مهموزه
ويجمع أيضًا بالواو.
[الثامن عشر] (٢): واختلفت عبارتهم في تعريفها، قال الزبيدي: الميثرة مِرفَقةٍ كصفَّة السَّرْج.
وقال الطبري: المياثر قطائف كانت النساء تضعهن لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج على سروجهم وكانت مراكب العجم.
وقيل: هي أغشية السروج من الحرير.
وقيل: هي سروج من الديباج.
وقيل: هي شيء كالفراش الصغير يتخذ من الحرير تحشى بقطن أو صوت ويجعلها الراكب تحته فوق الرحل.
وفي "صحيح البخاري" (٣) عن يزيد بن رومان: أن المراد بها
стр. 4877
جلود السباع (١). وهو ضعيف بعيد. قال أبو عبيد (٢): وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النص، فإنها كانت من مراكب العجم من ديباج أو حرير. أي وكأن الأصل "ونهانا عن افتراش المياثر"، قال الشيخ تقي الدين: وأصل اللفظ من "الوثارة" "والوثرة" يكسر الواو وسكون
стр. 4878
الثاء "والوثير" هو الفراش الوطيء، يقال ما تحته "وثر" و"وثار" وامرأة "وثيرة" كثيرة اللحم و"وثر" الشيء "وُثارة" بالضم أي وطيء، فأصلها الواو لكن قلبت ياء لسكونها وإنكسار ما قبله، أي كما في ميزان، وميقات، وميعاد.
[التاسع عشر] (١): "القسط" بفتح القاف وتشديد السين المهملة. وذكر أبو عبيد أن أصحاب الحديث يقولون بكسر القاف وأهل مصر يفتحونها ينسب إلى بلاد يقال لها القس، وقال أهل اللغة والعربية القسي قرية على ساحل البحر قريبة من تنيس وقال ابن وهب وابن بكير فيما حكاه القاضي (٢) هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقَس من بلاد مصر مما يلي الفرماء. وقال الجوهري (٣) هو ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير، وقال مسلم (٤): هي ثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شية، وصوبه النووي (٥)، وقال البخاري (٦): فيها حرير [وفيها] (٧) أمثال [الأترنج] (٨)، وفي "سنن
стр. 4879
أبي داود" (١) عن علي ﵁ أنها ثياب من الشام أو من مصر مضلعة فيها أمثال الأترج.
ومنهم من جعل السين مبدلة من الزاي وتكون بمعنى القزي المنسوب إلى القز، وهو رديء الحرير.
وقيل: إنها ثياب كتان مخلوط بحرير.
التاسع عشر: اللبس بضم اللام مصدر لبست الثوب ألبس بكسر الباء في الماضي وفتحها في المستقبل، وأما "اللبس" بكسر اللام فهو ما يلبس ولِبس الكعبة والهودج هو ما عليهما من لباس.
وأما "اللبس": بالفتح فمصدر لبست الأمر ألبَسَ بفتح الماضي وكسر المستقبل.
[الثامن عشر:] (٢) الحرير، والديباج تقدم الكلام عليهما في الباب.
و"الإستبرق" بكسر الهمزة غليظ الديباج فارسي معرب، قاله الجواليقي (٣) قال وأصله إسْتَفْرَهْ. قال ابن دريد (٤): وإسْتَرْوَهْ ونقل
من العجمية إلى العربية، ويصغر على أُبَيْرِق، وبكسر على أَبَارِق
стр. 4880
بحذف السين والتاء معًا، وقال بعضم "الباء" في استبرق ليست باء خالصة وإنما هي بين الباء والفاء.
وذكر الديباج بعد الاستبراق، إما من باب ذكر العام بعد الخامس ليستفاد بذكر الخاص فائدة التنصيص. ومن ذكر [العام] (١) زيادة إثبات الحكم في النوع الآخر أو من باب التعبير بالعام عند الخاص، ويراد به ما رق من الديباج ليقابل ما غلظ منه.
الوجه الثالث في فوائده وأحكامه:
الأول: شرعية عيادة المريض، وهي سنة عند الجمهور، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه والقريب والأجنبي. واختلف العلماء في الآكد والأفضل منها، وقد تجب حيث يحتاج المريض إلى من يتعهده، وإن لم يعد ضاع، وأوجبها الظاهرية من غير هذا القيد لظاهر الأمر، والمحققون من أهل الأصول لا يعبؤن بقول داود خلافًا ووفاقًا، لإِخلاله بالقياس، وهو أحد شروط الاجتهاد.
الثاني: شرعية اتباع الجنازة، وهو سنة بالإِجماع، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما. وقد أسلفنا في الوجه الثالث أنه إذا حملنا الاتباع على الأتباع بالجسم. فيحتمل أن يكون معبرًا به عن الصلاة، وأن يكون معبرًا به عن الرواح إلى محل الدفن لموارته.
الثالث: [استدل] (٢) بعضهم. بهذا الحديث على المشي خلف الجنازة, لأنه لا يقال لمن تقدمها تبعها، إنما المتبع التالي
стр. 4881
خلفها، وقد سلف ما في هذا في الوجه الثالث من الكلام على ألفاظه.
الرابع: شرعية تشميت العاطس، وهو قول سامعه: يرحمك الله بعد حمد العاطس الله تعالى، وإسماعه المشمت حمده, وكونه مسلمًا وهو سنة كفاية عند الشافعية، وفرض عين عند ابن مزين (١) من المالكية، واختاره ابن العربي (٢)، وهو ظاهر الحديث الصحيح كان حقًّا على كل سلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وفروع التشميت كثيرة، محل الخوض فيها كتب الفروع، وكذا كل فرد من الأفراد المذكورة في الحديث.
الخامس: شرعية إبرار القسم والمقسم، وهو سنة مؤكدة إذا لم يكن على المقسم عليه ضرر ولا مفسدة في دين ولا دنيا، فإن كان شيء من ذلك لم يبر قسمه كما ثبت أن الصدِّيق ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي - صلي الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلي الله عليه وسلم -: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا"، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لتخبرني. قال: "لا تقسم" (٣) ولم يخبره.
стр. 4882
السادس: شرعية نصر المظلوم وهو من الفروض اللازمة لمن علم ظلم المظلوم وقدر على نصره، ولم يخف ضررًا لما فيه من فعل المعروف معه وإزالة المنكر عن ظالمه. وقد قال ﵊: "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قيل يا رسول الله: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه" (١)، أي: فإن به يندفع الضرر الدنيوي عن المظلوم والأخروي عن الظالم، ويكفي في التحذير من الظلم قوله تعالى:
стр. 4883
عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقوله ﵊: "إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢)، الآية.
تنبيه: علينا أيضًا أن نمنع المظالم بين أهل الذمة، ولا نمكن بعضهم من ظلم بعض، كما بين المسلمين.
السابع: شرعية إجابة الداعي وهي عامة، والاستحباب شامل ما لم يقم مانع، وقد توسع الفقهاء من أصحابنا وغيرهم في الأعذار المرخصة لتركها وعدم الإِجابة، وجعل بعضها مخصصًا لهذا العموم في إجابة الداعي، كقولهم: لا تجب إجابة من لا يليق بالمدعو
مجالسته لما فيه من نقص مرتبنه وتبدله بإجابته لبعضه ولا يخلو عن نظر. وقد أسلفنا في وجوب وليمة العرس وعدد الولائم في باب
الصداق، فراجع ذلك منه، وشرائط الإِجابة محل الخوض فيها كتب الفروع [فإنه أليق به] (٣).
الثامن: شرعية إفشاء السلام، وهو مشروع لمن عرفت ومن لم تعرف، كما نص عليه في الحديث الصحيح (٤)، وهو يورث المحبة،
стр. 4884
كما نص عليه في الحديث الصحيح أيضًا، والإِفشاء يكون في الابتداء به ورده فابتداؤه سنة بالإِجماع، وكذا رده، فإن كان المسَلِّمُ عليه واحدًا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة فإنه فرض كفاية. وفروع السلام كثيرة يحتمل إفرادها بالتأليف.
[التاسع:] (١) تحريم التختم بالذهب على الرجال، وهو إجماع، وكذا لو كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة، فإنه حرام، [ثم] (٢) [يحرم عند الشافعية سنُّ الخاتم على الصحيح] (٣).
[العاشر] (٤): تحريم الشرب في إناء الفضة، ومثله الأكل وسائر وجوه الاستعمالات، كما سلف في الحديث.
الحادي عشر: تحريم مياثر الحرير على الرجال، سواء كانت على رَحْلٍ أو سرج أو غيرهما، وإن كانت من غير الحرير فليست بحرام، ومذهب الشافعي أنها لا تكره أيضًا، فإن الثوب الأحمر
стр. 4885
لا كراهة فيه عندنا. وحكى القاضي (١) عن بعض العلماء كراهتها، لئلا يظنها الرائي من بعيد حريرًا، وقد أسلفنا عن يزيد بن رومان أنها جلود السباع.
الثاني عشر: تحريم استعمال القسّي في حريرًا أو أكثره حريرًا، وإلَاّ كان مكروهًا كراهة تنزيه.
الثالث عشر: تحريم الإِستبرق والديباج وسائر أنواع ثياب الحرير على الرجال.
تنبيهات:
أحدها: هذه المنهيات كلها للتحريم على ما قررناه. وأما الأوامر فبعضها للوجوب، وبعضها للندب، كما قررناه. وحقيقة الأمر لم يجاب، ففيه إذن جمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد، وفيه خلاف الأصوليين. ومن قال: بالمنع قد تكون الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو مطلق الطلب ولا يكون دالًا على أحد الخاصين الذي هو الوجوب أو الندب، فتكون اللفظة استعملت في معنى واحد.
ثانيها: إخبار الصحابي عن الأمر والنهي على مراتب:
أولاها: أن يحكي صيغة لفظ الشارع.
وثانيها: كما في هذا الحديث، وهو مثل المرتبة الأولى على المختار في العمل به أمرًا ونهيًا، وإنما نزل عن الأولى لاحتمال أن
стр. 4886
يكون ظن ما ليس بأمر أمرًا، إلَّا أن هذا الاحتمال مرجوح للعلم بعدالته ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة.
ثالثها: "أُمرنا" و"نُهينا" كالمرتبة الثانية على المختار عند الجمهور، وإنما نزلت عنها لاحتمال آخر يخصها، وهو أن يكون الآمر غير الشارع وهر مرجوح أيضًا، وقد أسلفنا الكلام على هذه المرتبة في باب الآذان أيضًا.
ثالثها: يجب أن نفرق بين الجمع في الخبر وبين الخبر عن الجمع، كما نبه عليه الشيخ تقي الدين في "شرح الإِلمام" فإن الخبر قد يقع عن أمور متعددة في أوقات مختلفة، يجمعها الراوي في أخبار، كما لو رأى رجلًا يأكل ويشرب ويتكلم ويصلي في أوقات مختلفة، فأخبر عن الجميع، فقد جمع في خبره بين هذه الأمور وإن كانت متفرقة غير مجتمعة بالنسبة إلى وقت الفعل.
وأما الخبر عن الجمع: كان يكون الفاعل قد فعل أشياء في وقت واحد أو حال واحدة، فقد أخبر عن الجمع، والجمع في الخبر أعم من الخبر عن الجمع, لأنه متى ثبت الخبر عن الجمع ثبت الجمع في الخبر، ولا ينعكس، ويترتب على هذا فوائد حكمية في غير ما موضع مثل قول الراوي: مسح على ناصيته وعلى عمامته وفرضنا أنه لم يدل دليل على الجمع بينهما في وضوء واحد، فإذا أردنا أن نستدل به على أن من مسح بعض رأسه كمل على العمامة، أو أردنا أن نجعله قرينة دالة على وجوب التعميم، كما فعله المالكية لم يتم ذلك لجواز أن يكون ذلك جمعًا في الخبر لا خبرًا عن
стр. 4887
الجمع، ويكون الشارع فعل ذلك في وقتين مختلفين، وحينئذٍ لا يدل على التكميل، ولا تتم القرينة، وكذلك لو أراد من يجيز المسح على العمامة من غير مسح الشعر أو بعضه أن يستدل بمثل هذه الصيغة.
[قوله] (١): "وعلى عمامته" لا اعتراض عليه [بأنه] (٢) يجوز أن يكون خبرًا عن الجمع أي جمع بينهما في وقت واحد، فلا يكون دليلًا على جواز الاكتفاء بالمسح على العمامة، وإنما قلنا مثل قول الراوي على ناصيته وعمامته، وفرضنا أنه لم يدل دليل على الجمع بينهما في وضوء واحد, لأن الظاهر من رواية المغيرة أنه في وضوء واحد، وإنَّا قصدنا بها بيان الطريق بضرب من المثال، وما يترتب على هذه القاعدة في هذا الحديث، أنه هل استعمل اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه أم لا من جهة الراوي؟ فإنه لما قال: أمرنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. احتمل أن يكون جمعًا في الخبر، لا خبرًا عن الجمع، واحتمل أن يكون جمعًا في خبر الشارع. قد تعددت صيغة الأمر في لفظة من جهة إلى بعض هذه الأمور دون بعض، فأمر ببعضها بصيغة مفردة له، وأمر بآخر بصيغة مفردة، وأراد بإحداها الوجوب، وبالأخرى الندب، فلا يلزم [أن يكون] (٣) لفظ واحد استعمل حقيقته ومجازه. وأما لفظ الراوي وهو قوله "أمرنا" فهل يكون مستعملًا فيها؟ فيه نظر دقيق، فيلمح هذا ما قيل في علم الأصول: أن مدلول اللفظ قد يكون لفظًا وتأمله.
و
стр. 4888
[مما] (١) يترتب على ذلك أيضًا أنه قال: "وعن الحرير والاستبرق والديباج".
ولقائل أن يقول: ما الفائدة من التكرار وكله حرير.
فيقال: فيه إنما يكون تكرارًا لو كان إخبارًا عن الجمع بمعنى أنه أخبر عن الرسول ﵊ أنه نهى عن هذه الثلاثة في وقت واحد، فحينئذٍ يحتاج إلى الجواب، وإظهار الفائدة في الجمع بين النهي عنها مع إمكان الاكتفاء بذكر الحرير، أما إذا كان جمعًا في الإِخبار بأن يكون سمع النهي عن الحرير في وقت، وعن الاستبرق في وقت، وعن الديباج في وقت. فلا يلزم طلب الفائدة, لأن السؤال إنما يقرب إذا كان النهي عن الجمع في وقت واحد.
رابعها: هذا الذي ذكره الصحابي في جانب الأمر يتعلق النظر فيه بالأمر والمأمور [والمأمور] (٢) لأجله، لأنها كلها حقوق المسلم على أخيه على رواية المقسم.
فأما الأمر: فينظر فيه هل هو على الوجوب أو الندب؟
وأما المأمور به: فهم المخاطبون فينظر هل تناولهم الأمر على الأعيان أو على الكفاية؟
وأما المأمور من أجله: فينظر في عمومه وخصوصه وينشأ من هذا الإِنظار أقسام متعددة بعضها يتعذر الحمل عليه وبعضها ممكن ويتوقف على الدليل.
стр. 4889
الأول: أن يكون الأمر للوجوب على الأعيان [والعموم] (١) بالنسبة إلى المأمور من الجملة.
ثانيها: أن يكون الوجوب على الأعيان لا على العموم بالنسبة إلى [أفراد] (٢) المأمور من أجله.
[ثالثها] (٣): أن تجب على الكفاية لا على العموم بالنسبة إلى أفراد المأمور من أجله.
[رابعها] (٤): أن يكون الأمر للندب وتكون فيه هذه الأقسام كلها، وهذه الأقسام كلها تجري في كل نوع من هذه السبعة المذكورة في الحديث فتزيد الأقسام فترتقى إلى ستة وخمسين قسمًا من ضرب ثمانية في سبعه، نبه على ذلك الشيخ تقي الدين في الشرح المذكور وبسطه بسطًا بليغًا فوصل وجوه الكلام عليه فوق الأربعمائة فليراجع منه.
стр. 4890
الحديث الخامس
٤١٤/ ٥/ ٧٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - اصطنع خاتمًا من ذهب، فكان يجعل فصَّهُ في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس كذلك، ثم إنه جلس [على المنبر] (١) فنزعه، فقال: إني كنت ألبسُ هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخلٍ، فرمى به، ثم قال: والله لا ألبسُهُ أبدًا. فنبذ الناس خواتيمهم" (٢).
وفي لفظ "جعله في يده اليمنى".
الكلام عليه من وجوه:
الأول: الأصل في "اصطنع" "اصتنع" بالتاء أبدلت بها, لأنها من مخرجها.
الثاني: الخاتم فيه لغات، وقد سبقت في الحديث قبله.
الثالث: "الفَص" بفتح الفاء أفصح من كسرها.
стр. 4891
و"الكف" مؤنثة، وقيل: مذكر وهو غير معروف، سميت بذلك لأنها تكف عن البدن، أي: تدفع، وقيل: لأن بها تضم وتجمع.
الرابع: "نزعه" بفتح الزاي ومضارعه ينزع بكسرها.
و"نبذ" طرح، وقد روي عن ابن شهاب أن هذا الخاتم كان من الورق وهو وَهْمٌ، والمعروف من رواياته الأول (١).
الخامس: إنما جعل فصه فيما يلي كفه، لأنه أسلم له، وأصون، وأبعد من الزهو والإِعجاب.
السادس: الحديث دال على منع لباس خاتم الذهب، وأن لبسه كان أولًا، وتجنبه كان آخرًا. وعلى إطلاق [لفظ] (١) "اللبس" على التختم.
وقد قام الإِجماع على إباحة خاتم الذهب للنساء, وعلى تحريمه للرجال، إلَّا ما روي عن أبي بكر بن محمَّد بن محمَّد بن عمرو بن حزم أنه أباحه للرجال، وعن بعضهم أنه مكروه لا حرام. وهذا باطل منهما، وهي محجوجان بالنصوص والإِجماع (٢).
وخالف في التختم بالفضة، بعض أهل الشام، فكرهه لغير ذي سلطان (١)، وروى فيه أثرًا وهو
стр. 4897
شاذ (١).
وخالف الخطابي في التختم للنساء بالفضة. وقال: يكره
стр. 4898
لها إن وجدت الذهب، فإن لم تجده فلتصفره بزعفران وشبهه لما فيه من تشبه النساء بالرجال، وهو حرام، وهو باطل، لا أصل له.
السابع: واستحباب جعل فص الخاتم في باطن الكف للاتباع، وقد عمل السلف به وبالظاهر أيضًا، ومنهم ابن عباس (١)، لكن الباطن أفضل للاتباع.
الثامن: الحلف من غير إستحلاف عند إرادة تقرير الأحكام وتأكيدها.
التاسع: استدل بهذا الحديث الأصوليون على مسألة التأسي بأفعاله ﵊، فإن الناس نبذوا خواتيمهم، لما رأوه نبذ خاتمه، قال الشيخ تقي الدين (٢): وهذا لا يقوى عندي في جميع الصور التي تمكن في هذه المسألة، فإن الأفعال التي تطلب التأسي فيها على قسمين:
أحدهما: ما كان الأصل أن يمتنع لولا التأسي لقيام المانع منه، فهذا يقوي الاستدلال به في محله.
стр. 4899
والثاني: ما [لا] (١) [يمنع] (٢) فعله، لولا التأسي، كما نحن فيه، فإن أقصى ما في الباب أن يكون لبسه حرام على الشارع، دون الأمة، ولا يمتنع حينئذٍ، أن يطرحه من أُبيح له لبسه، فمن أرإد أن يستدل بمثل هذا على التأسي فيما الأصل منعه -لولا التأسي- فلم يفعل جيدًا، [(٣)]، لما ذكرته من الفرق الواقع.
[العاشر] (٤): التختم في اليد اليمنى ولا يقال: إنه منسوخ لكونه رمى به؛ لأن الرمي نسخ بجواز لبسه لكونه ذهبًا، لا لكون التختم في اليمين بغير الذهب لا يسوغ، فالمنسوخ الحكم، لا وصف الحكم، وقد ثبت في الصحيح أنه ﵊ تختم في اليمين (٥) واليسار (٦) في الخنصر، ونهى عن التختم في
стр. 4900
الوسطى والتي تليها يعني السبابة، كما جاء في رواية أخرى (١).
وأجمع المسلمون: على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر [وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع.
والحكمة في كونه في الخنصر:] (٢) أنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد كونه طرفًا، ولكونه لا يشغل اليد على تناوله من اشتغالها بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها كراهة تنزيه للنهي السالف ولا يبعد القول بالتحريم إذا جرت عادة النساء بذلك، وقد حكى الخوارزمي (٣) من الشافعية في "كافيه" وجهين في تحريم ذلك، حكاهما فيما إذا لبسه في غير المختصر، وقال القرطبي (٤) في "شرحه" لو تختم في البنصر لم يكن ممنوعًا،
стр. 4901
قال: المنهي عنه الوسطى والسبابة وهذه ظاهرية منه. وجاء فيهما حديثان صحيحان. قال البخاري (١): والأصح في اليمين، وهو الأصح عند الشافعية أيضًا, لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإِكرام وتختم كثيرون من السلف فيه وكثيرون في اليسار، واستحبه مالك، وكره اليمين صيانةً له، وادعى البغوي في "شرحه" (٢) أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ولا ينبغي أن يحمل ذلك على النسخ، وإنما هو أمر اتفاقي ويعارض هذا ما روي عن عائشة أنه ﵊ كان يتختم في يمينه وقُبِضَ والخاتم في يمينه، وذكر الزمخشري (٣) في "ربيع الأبرار" (٤) أنه ﵊ كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، فأخذ المروانية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار، فأخذ الناس بذلك.
стр. 4902
الحديث السادس
٤١٥/ ٦/ ٧٩ - عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - "نهى عن لبوس الحرير إلَّا هكذا، ورفع لنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أصبعيه السبابة، والوسطى".
ولمسلم: "نهى نبي الله ﷺ لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذه الزيادة مما استدركها الدارقطني (٢) على مسلم، وقال: لم يرفعها عن الشعبي إلَّا قتادة وهو مدلس، وقد رواه جماعة
стр. 4903
من الأئمة الحفاظ موقوفًا (١) على عمر، وجواب هذا أن الرفع مقدم عليه على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين، لأنها زيادة من ثقة فقدمت.
ثانيهما: "لبوس" بفتح اللام.
و"الإِصبع" فيه عشر لغات أفصحها كسر الهمزة وفتح الباء قاله ابن السيد.
"والسبابة" التي تلي الإِبهام، سميت بذلك لأنه يشار بها عند السب.
ثالثها: هذا الحديث جمع فيه ﷺ بين النهي عن لبس الحرير وما رخص فيه ومقداره، وفيه الرد على من يوسع فيه بالزيادة على أربعة أصابع، والمراد بالأصابع أصابع الآدمي لا أصابع الذراع الهاشمي وفي إشارته ﵊ بإصبعيه ما يفهم ذلك.
رابعها: توسع الفقهاء باعتبار الوزن، أو الظهور في المركب من الحرير وغيره، ولا بد لهم من الاعتذار عن هذا الحديث: إما بتأويل, أو بتقديم معارض.
خامسها: يدخل في الإِباحة العلم في الثوب والعمامة وغيرهما، إذا لم يزد على أربع أصابع، وهو مذهب الشافعي والجمهور.
стр. 4904
وعن مالك رواية تمنعه، وهو قول ابن عمر، وعن بعض أصحابه، رواية بإباحة العلم، بلا تقدير أربع أصابع، بل يجوز وإن عظم، ويردهما صراحة هذا الحديث.
سادسها: يدخل في النهي عن لبوس الحرير جميع الملبوسات: قبعًا، وكلوبة وقباء وغيرهما إلَّا ما استثني من ذلك للضرورة والحاجة.