قال: المنهي عنه الوسطى والسبابة وهذه ظاهرية منه. وجاء فيهما حديثان صحيحان. قال البخاري (١): والأصح في اليمين، وهو الأصح عند الشافعية أيضًا, لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإِكرام وتختم كثيرون من السلف فيه وكثيرون في اليسار، واستحبه مالك، وكره اليمين صيانةً له، وادعى البغوي في "شرحه" (٢) أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ولا ينبغي أن يحمل ذلك على النسخ، وإنما هو أمر اتفاقي ويعارض هذا ما روي عن عائشة أنه ﵊ كان يتختم في يمينه وقُبِضَ والخاتم في يمينه، وذكر الزمخشري (٣) في "ربيع الأبرار" (٤) أنه ﵊ كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، فأخذ المروانية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار، فأخذ الناس بذلك.
стр. 4902
الحديث السادس
٤١٥/ ٦/ ٧٩ - عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - "نهى عن لبوس الحرير إلَّا هكذا، ورفع لنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أصبعيه السبابة، والوسطى".
ولمسلم: "نهى نبي الله ﷺ لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذه الزيادة مما استدركها الدارقطني (٢) على مسلم، وقال: لم يرفعها عن الشعبي إلَّا قتادة وهو مدلس، وقد رواه جماعة
стр. 4903
من الأئمة الحفاظ موقوفًا (١) على عمر، وجواب هذا أن الرفع مقدم عليه على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين، لأنها زيادة من ثقة فقدمت.
ثانيهما: "لبوس" بفتح اللام.
و"الإِصبع" فيه عشر لغات أفصحها كسر الهمزة وفتح الباء قاله ابن السيد.
"والسبابة" التي تلي الإِبهام، سميت بذلك لأنه يشار بها عند السب.
ثالثها: هذا الحديث جمع فيه ﷺ بين النهي عن لبس الحرير وما رخص فيه ومقداره، وفيه الرد على من يوسع فيه بالزيادة على أربعة أصابع، والمراد بالأصابع أصابع الآدمي لا أصابع الذراع الهاشمي وفي إشارته ﵊ بإصبعيه ما يفهم ذلك.
رابعها: توسع الفقهاء باعتبار الوزن، أو الظهور في المركب من الحرير وغيره، ولا بد لهم من الاعتذار عن هذا الحديث: إما بتأويل, أو بتقديم معارض.
خامسها: يدخل في الإِباحة العلم في الثوب والعمامة وغيرهما، إذا لم يزد على أربع أصابع، وهو مذهب الشافعي والجمهور.
стр. 4904
وعن مالك رواية تمنعه، وهو قول ابن عمر، وعن بعض أصحابه، رواية بإباحة العلم، بلا تقدير أربع أصابع، بل يجوز وإن عظم، ويردهما صراحة هذا الحديث.
سادسها: يدخل في النهي عن لبوس الحرير جميع الملبوسات: قبعًا، وكلوبة وقباء وغيرهما إلَّا ما استثني من ذلك للضرورة والحاجة.
стр. 4905
كتاب الجهاد
стр. 4906
٨٠ - باب الجهاد
هو مأخوذ من الجَهد -بفتح الجيم- وهو التعب والمشقة -وبضمها- الطاقة بلغ جُهده -أي طاقته-، فالمجاهد في سبيل [الله] (١) هو البالغ في إتعاب نفسه في ذات الله وإعلاء كلمته التي جعلها طريقًا إلى الجنة وسبيلًا إليها، ووراء جهاد النفس والسيف
جهاد القلب، وهو دفع الشيطان، ونهى النفس عن الهوى وشهواته المحرمة، وجهاد اليد واللسان، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر. ومن جملته جهاد القلب، وهو من أفضل الأعمال، لما فيه من بذل النفس في ذات الله تعالى. لا جرم جوزي بأنه حي عند ربه، إلى آخر ما جاء في التنزيل.
وذكر المصنف في الباب تسعة عشر حديثًا، وبعضها في الفيء، وبعضها في النفل، وبعضها في المسابقة:
стр. 4907
أولها
٤١٦/ ١/ ٨٠ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ "أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -في بعض أيامه [التي لقى فيها العدو- انتظر، حتى إذا [زالت] (١) الشمس قام فيهم، فقال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "اللَّهم منزِّل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم"] (٢).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في الأطعمة:
وتقدم عليها أن أول غزوة غزاها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ذات العسير أو العشير بالسين المعجمة والمهملة، وهي من أرض [مدلج] (٣)،
стр. 4908
وقال ابن سعد (١): كان قبلها ثلاث غزوات , يعني غزاها بنفسه، وقال ابن عبد البر في كتاب "الدرر في المغازي والسير" (٢) أول غزاة غزاها وَدّان غزاها بنفسه في صفر سنة اثنتين من الهجرة، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ وَدَّانَ وادع بني ضمرة، ثم رجع، ولم يلق [حربًا] (٣)، وهي المسماة بغزوة الأبواء وغزواته، دون الثلاثين، وسرياه فوق الأربعين، وموضع الخوض فيها كتب السير.
الوجه الأول: قوله: "انتظر حتى إذا مالت الشمس"، أي: مالت، وجاء في رواية في غير هذا الحديث أنه ﵊ "كان لا يقاتل حتى تزول الشمس" (٤)، والحكمة في ذلك أنه أمكن للقتال، فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطًا وإقدامًا على عدوهم. قاله النووي في "شرح مسلم" (٥)، قال: قد جاء في البخاري (٦): "أخّر حتى تهب الرياح،
стр. 4909
وتحضر الصلوات"، وسببه ففيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها (١).
وعبارة القاضي في "إكماله" الحكمة في ذلك أنه وقت هبوب الرياح المنشطة لهم، بخلاف قتالهم قبل ذلك، فإنه قد يغشاهم وقت
النص الهاجرة، وهم في الحرب وشدته فيشتد عليهم الأمر، فيثبطهم فيؤدي إلى استيلاء العدو عليهم.
وقيل: الحكمة أن الزوال وقت هبوب الصبا التي اختص بالنصر بها، قال ﵊ "نصرت بالصبا" (٢).
الثاني: فيه استحباب المصافة بعد الزوال، كما قررناه.
الثالث: إنما نهى عن لقاء العدو، لما فيه من صورة الإِعجاب والاتكال على النفس والوثوق للقوة، وهو نوع بغيٍ، وقد ضمن الله
стр. 4910
تعالى لمن بغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في الصحة فيه وحصول ضرر وإلَاّ فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا نَبَّهَ ﵊ عقب نهيه بقوله: "واسألوا الله العافية"، أي: فإنه لا يعدلها شيء، وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤالها، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات، [دينًا] (١) ودنيا وأخرى، أدامها الله علينا [بمنه وكرمه] (٢).
رابعها: فيه كراهة تمني لقاء العدو، كما قررناه، قال الشيخ تقي الدين (٣): لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس من وجوه كثيرة، وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها، خُشي أن لا تكون عند التحقيق كما ينبغي، فكره [تمنيه] (٤) لذلك، ولما فيه -إن وقع- من احتمال المخالفة لما وعد الإِنسان من نفسه، ثم إمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وقد أصح، (٥) النهي عن تمني الموت مطلقًا لضُرٍّ نزل به. وفي الحديث [الآخر] (٦): "لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع
стр. 4911
شديد (١)، وفي الجهاد زيادة "على مطلق الموت". هذا آخر كلامه.
قال ابن عباس: ولم يتمن [نبي] (٢) الموت غير يوسف ﵊ (٣)، وقال غيره: إنما تمنَّى الوفاة على الإِسلام
لا الموت وقد ورد عنه [﵊] (١) في بعض أدعيته: "وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (٢): وروى عن
стр. 4914
[(١)] عمر أنه قال: "قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير [مقصر] (٢) ولا [عاجز] (٣) " (٤).
فإن قلت: إذا كان الجهاد طاعة فكيف ينهى عن تمنيها.
قلت: وقد أجيب عن هذا بإن المنهي عنه التهاون بأمر العدو وعدم أخذ الحذر منه كما مضى.
стр. 4915
قال القاضي: هو بمعنى نهي أمته عن تمني المكاره، ولهذا كان السلف الصالح يتمنون من الله تعالى العافية من الفتن والمحن، لاختلاف الناس في الصبر عند نزولها, ولهذا قال في الحديث متصلًا به "واسألوا الله العافية".
خامسها: استدل به بعضهم على منع طلب المبارزة, لأنها من تمني لقاء العدو، ولكن إن دعي إليها أجاب: "روي عن علي ﵁ أنه قال لابن له: يا بني لا تدعُ أحدًا إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فأخرج إليه، فإنه باغٍ، وقد ضمن الله نصر من بُغِي عليه" (١).
سادسها: قوله: "فإذا لقيتموهم فاصبروا" أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وحثَّ على الصبر في القتال، وهو كظم ما يؤلم من غير إظهار شكوى ولا جزع، وهو الصبر الجميل، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله تعالى آداب القتال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ (٢)، إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ (٣)، وقد جاءت آيات في الحث على الصبر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (٤)، ومنها قوله تعالى: [﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ (٥)] (٦).
стр. 4916
سابعها: قوله: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، هذا من المجاز البليغ الحسن جدًا، فإن ظل الشيء لما كان ملازًا، جعل ثواب الجنة واستحقاقها بسبب الجهاد، وإعمال السيوف لازم لذلك، كما يلزم الظل، وهذا نظير "الجنة تحت أقدام الأمهات"،
وكما في تخصيص السيوف دون آلات الحرب، لكونها الغالب مما يقاتل به، فإنها أسرع إلى الزهوق، وقال القاضي عياض: قيل: معنى الحديث إن ثواب الجهاد تحت ظلال السيوف, لأن معظم الجهاد بها , ولكونها تظل صاحبها عند رفعها للضرب بها غالبًا، وقيل: معناه دُنُوُّ الأقران من الأعداء حتى يكونوا جميعًا تحت ظلال السيوف، ولا يفرون، لأن كل من دنا منك فقد أظلك، وإلى نحو هذا أشار الخطابي (١)، وقال النووي (٢): معناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله فاحضروا فيه بصدق واثبتوا.
ثامنها: قوله "اللهم منزل الكتاب" إلى آخره، أشار بالكتاب إلى نصره على من خالفه، قال تعالى: ﴿قتلُوهُمْ يُعَذِّبهم الله﴾ (٣) الآية.
وأشار بِـ"مجري السحاب" إلى شدة الأخذ وسرعة البطش وهذا الدعاء إشارةً إلى ثلاثة أسباب يطلب لها الإِجابة.
стр. 4917
أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل، وعليه يدل قوله: "منزل الكتاب"، كأنه قال كما أنزلته فانصره وأعله، وأشار إلى القدرة بقوله: "ومجري السحاب".
وأشار إلى أمرين بقوله: "وهازم الأحزاب".
أحدهما: التفرد بالفعل وتجريد التوكيل واطراح الأسباب واعتقاد أن الله هو الفاعل.
والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة، وقد ضَمَّن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعد ما أشار إليه كتاب الله حكاية عن زكرياء ﵊ ليس قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ (١)، وعن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ (٢)، وقال الشاعر:
كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقى
وقال آخر:
قالوا نلت به وأنت في هذا التمادي ... فأجبتهم حسن الرجاء وملة الإِسلام زادي
[لولاو] (٣) الذي قدمن [بالإِيمان] (٤) يثلج في فؤادي ... ما كان يختم بالإِساءة وهو بالإِحسان بادي
стр. 4918
ومراده بالإِساءة ما يسوء الشخص بعد الإِحسان إليه، فإن [الله] (١) تعالى مالك لعبيده، يفعل ما يريد فلا يوصف بكونه أساء،
ويحتمل الحديث معنى آخر وهو التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث، فإن بإنزال الكتاب، وإعجازه حصلت النعمة الأخروية وهي
الإِسلام، قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (٢)، و"مجري السحاب" حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (٣)، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظها، فإن فائدة الجهاد إنما هي إعلاء كلمة الدين وصون المسلمين، فكأنه ﵊ [يقول] (٤) اللَّهم كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما.
تاسعها: فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار لنا والهزيمة على أعدائنا، وقد ورد أن هذا أحد المواضع التي يستجاب فيها (٥).
عاشرها: ترغيب الإِمام المقابلة عند اللقاء.
стр. 4919
حادي عشرها: [الدعاء] (١) بصفات الله التي تناسب طلب الداعي، لقوله: "وهازم الأحزاب، اهزمهم".
ثاني عشرها: الصبر عند اللقاء كما مرَّ، فإن النصر مع الصبر، كما جاء في الحديث الآخر (٢).
ثالث عشرها: تعليق الإِمام الناس ما يحتاجون إليه.
رابع عشرها: سؤال الله العافية كما مرَّ.
خامس عشرها: التنبيه على أسباب الجنة بالضرب بالسيوف.
стр. 4920
سادس عشرها: سؤال الله تعالى بنعمته السالفة- نعمته اللاحقة.
سابع عشرها: مراعاة انشراح النفوس ونشاطها لفعل الطاعة.
ثامن عشرها: الحث على سلوك الأدب، وأن الشخص لا ينبغي له أن يثق بنفسه، ولا يدعي شيئًا من القوة والقدرة على لقاء العدو، فإنه لا حول ولا قوة إلَّا بالله.
стр. 4921
الحديث الثاني
٤١٧/ ٢/ ٨٠ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، قال: "رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها. وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها. والروحة يروحها العبد في سبيل [الله] (١)، أو الغدوة: خيرٌ من الدنيا [وما فيها] (٢) " (٣).
[الرباط: مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلاده] (٤).
الكلام عليه من وجوه:
стр. 4922
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في أول كتاب الجمعة.
ثانيها: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري في الجهاد: في باب فضل رباط يوم في سبيل الله خير. ورواه قبله مختصرًا. ورواه مسلم مختصرًا بلفظ "والغدوة يغدوها في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها".
ثالثها: روى حديث "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". رواه مع سهل بن سعد من الصحابة عمر بن الخطاب (١) وأنس (٢) وابن عباس (٣) والزبير (٤) وأبو
стр. 4923
هريرة: (١)، وأبو أيوب (٢) ومعاوية ابن حديج (٣)، وأبو حميد (٤)،
стр. 4924
قاله ابن منده. وهو مخرج في "الصحيحين" من حديث أنس, وأبي هريرة. وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي أيوب. والمصنف ذكره بعد من حديث أنس وأبي أيوبَ كما ستعلمه.
رابعها: "الرباط" مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلادهم بحراسة من بها من المسلمين، وهو في الأصل الإِقامة على الجهاد. وقد يطلق على كل مقيم على طاعة: كالطهارة والصلاة وغيرهما من العبادات. ومنه الحديث الصحيح (١) المشهور في إسباغ الوضوء على المكاره وغيره: "فذلكم الرباط"، وهو مصدر رابطت أي لا زمت.
وقيل: هو اسم لما يربط به الشيء، أي: يشد فكان المرابط في الثغور وغيرها ربط نفسه عن الاشتغال بغيرها من المخالفات وحظوظ النفوس.
стр. 4925
خامسها: "السبيل" الطريق يذكر ويؤنث. وقد أسلفنا الكلام على السبيل في الحديث الثامن من باب أفضل الصيام وغيره، فراجعه من ثم.
سادسها: [قوله] (١) "خير من الدنيا وما عليها"، أي: [إن] (٢) ثواب ذلك خير من نعيم الدنيا كله لو ملكه إنسان، وقصد تنعمه به، لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق، ولو لم يكن منه إلَّا النظر إلى وجهه الكريم لكان كافيًا، نسأل الله أن لا يحرمنا إياه.
وقيل: في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا: أنها خير من الدنيا وما فيها, لو ملكها إنسان وملك ما فيها وأنفقها في أمور الآخرة حكاه القاضي (٣) قال: هذا القائل وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهره، أي: لأنه لا يقاس به، وإنما يقع
التفضيل من علتين أخروتين باقيتين. وقال الشيخ تقي الدين (٤): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون من باب تنزيل الغيب منزلة المحسوس، تحقيقًا له وتثبيتًا في النفوس، فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة، مستعظمة في طباع النفوس فحقِّق عندها أن ثواب اليوم
стр. 4926
الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي عهد تموها من لذات الدنيا.
وثانيها: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث أو ما هو في معناه على أن هذا الذي رتب عليه الثواب خير من الدنيا كلها, لو أنفقت في طاعة الله تعالى. وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة بين ثوابين أخرويين لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو [(١)] على سبيل التفضيل [(٢)]، قال الشيخ: والأول عندي أوجه وأظهر.
سابعها: سلف الكلام على حقيقة الدنيا وضبطها في أول حديث في الكتاب، وهو حديث: "إنما اعمال بالنيات" [فراجعه من ثم] (٣).
ثامنها: قوله: "ووضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما [عليها] (٤) " إنما ضرب المثل به لأنه مما يخص القوس لأنه يضرب فرسه في الزحف، ونبه ﵊ به على أن موضع السوط في الآخرة في غاية النفاسة، وإن كان تافهًا في الدنيا.
تاسعها: "الروحة" بفتح الراء: المرة من الرواح أي وقت كان، والمراد به هنا من الزوال إلى الغروب.
стр. 4927
"والغدوة" بفتح العين: المرة من الغدو، وهو من أول النهار إلى الزوال.
أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
"وأو" هنا للتقسيم لا للشك. واللفظ مشعر بأنها تكون فعلًا واحدًا، ولا شك أنه قد يقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في
هذين الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم. فالروحة تحصل هذا الثواب وكذا الغدوة. قال النووي (١): والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدوِّ أو الرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال, لأن الجميع يسمى كدوة وروحة في سبيل [الله] (٢)،
[عاشرها] (٣): صحف بعض الرواة (الغدوة) بالغزوة، فقال: "والغزوة يغزوها"، بالزاي والمعروف [بالدال] (٤).
[أحادي عشرة] (٥): فيه الحث على الرباط في سبيل الله، والتنبيه على فضله، وهو أحد شعب الجهاد. وقال ابن حبيب: وليس من سكن الرباط بأهله وماله وولده مرابطًا، وإنما الرباط من خرج عن بلده وأهله وماله قاصدًا للرباط.
стр. 4928
وقد اختلف هل هو أفضل من الجهاد أو الجهاد أفضل منه؟ فذهب ابن عمر إلى الأول, لأن فيه حقن دماء المسلمين، وهو أولى من سفك دماء المشركين.
وحجة الثاني: اجتماع الأمرين فيه، وهذا الحديث ظاهر فيه، لأنه رتب على رباط قوم من الثواب مثل ما يرتب على الروحة أو الغدوة مع قلة العمل في اليوم وكثرته [وغيرهما] (١).
[ثاني عشرها] (٢): أن اليوم يطلق عليه رباط. وقال مالك: أقله [في الاستحباب أربعون] (٣) يومًا.
[الثاني عشر] (٤): التنبيه على عظم فضل ما أُعد للمجاهد. وإن قل عمله.
[الثالث عشر] (٥): الحثّ على الغزو والرواح في سبيله.
[الرابع عشر] (٦): التنبيه على حقارة الدنيا وما فيها وعلى فنائها وبقاء الآخرة.
стр. 4929
الحديث الثالث
٤١٨/ ٣/ ٨٠ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "انتدب الله"، ولمسلم، "تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلَّا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي، فهو علي ضامن: أن أُدخله الجنة، أو أَرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال أجرٍ أو غنيمة" (١).
ولمسلم: "مثل المجاهد في سبيل الله، -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله، إن توفاه: أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا، مع أجرٍ أو غنيمة"] (٢).
стр. 4930
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذه الزيادة التي عزاها المصنف إلى مسلم ليست فيه، وإنما هي في البخاري بطولها في باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله (١). وقال: "بأن يتوفاه" بدل "إن توفاه" فكان ينبغي أن يقول، وللبخاري بدل ولمسلم، وقد وقع له ذلك في "العمدة الكبرى" أيضًا.
وفي مسلم من حديث آخر عن أبي هريرة [قال:] (٢) قيل [لرسول الله ﷺ ] (٣) ما يعدل الجهاد في سبيل الله [ ] (٤)؟ قال: "لا تستطيعوه" [قال] (٥) فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: "لا تستطيعونه" [و] (٦) قال في الثالثة: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله. لا يفتر عن صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" (٧).
стр. 4931
ولفظ: "انتدب" للبخاري وفي رواية لهما "تكفل" بدل "تضمن" ولم ينبه على هذا [الموضع] (١) أحد من الشراح، بل أقروا المصنف على ذلك، فاستفده، فإن التنبيه عليه يساوي رحلة، وقد نبهنا فيما مضى على ما وقع للمصنف من هذا النحو، وعادتي في هذا الشرح أتتبع لفظ المصنف من الصحيحين أولًا قبل شرحه، ولله الحمد على ذلك وأمثاله.
ثانيها: معنى "انتدب" سارع بثوابه وحسن جزائه. وقيل: أجاب وهو بمعنى "تكفل وتضمن" وكذا رواية "توكل" وكل ذلك عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله على وجه التفضل والامتنان منه، فإن هذه الألفاظ مؤكدة لما تضمن وتكفل به وتحفظ، وتحقيق ذلك من لوازمها، وهذا الضمان. ونحوه مواقف في لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ...﴾ (٢) الآية. قال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أم قتلت ثم تلا هذه الآية.
ثالثها: قوله: "إلَّا جهادٌ في سبيلي" هو بالرفع، وكذا ما عطف عليه, لأنه فاعل "يخرج" والاستثناء مفرغ.
وقال النووي (٣): هو بالنصب في جميع نسخ مسلم، وكذا قوله بعده "وإيمانٌ بي وتصديق"، وهو منصوب على أنه مفعول له وتقديره: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلَّا الجهاد والإِيمان
стр. 4932
والتصديق، ومعناه لا يخرجه إلَّا محض الإِيمان والإِخلاص لله تعالى وتصديق رسوله فيما أخبر به عن ربه في الحب على الجهاد والإِخلاص والجزاء على ذلك.
رابعها: قوله: "وإيمان في وتصديق برسولي"، أي. إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده، وتصديق رسولي في ذلك، فهذا الثواب لا يحصل إلَّا لمن صحت نيته، وخلصت من شوائب الأغراض الدنيوية طويتة فإنه ذُكر بصيغة النفي والإِثبات المقتضيين للحصر. وفي رواية في الصحيح "لا يخرجه إلَّا جهادٌ في سبيله وتصديق كلمته"، والمراد بها كلمة الشهادة، وقيل: تصديق كلام الله في الإِخبار عما للمجاهدين من جزيل ثوابه.
خامسها: قوله: "فهو عليّ ضامن", فيه وجهان:
أحدهما: أنه فاعل بمعنى مفعول، كما قيل في [ماء] (١) دافق "وعيشة راضية"، أي: مدفوق ومرضية على احتمال [هاتين] (٢) اللفظتين [(٣)] [غير] (٤) ذلك.
وثانيهما: أنه بمعنى "ذا" ضمان، أي: صاحب ضمان كـ"لابن وتامر"، أي: صاحب لبن وتمر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نسبه إليه لتعلقه به، والعرب تضيف [بأدنى] (٥) ملابسة.
стр. 4933
سادسها: قوله: "فهو عليّ ضامن", هو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا ...﴾ (١) الآية.
سابعها: قوله: "أن أُدخله الجنة" يحتمل أن يدخلها أثر موته، كما قال تعالى في الشهداء: "إنهم أحياء عند ربهم يرزقون" (٢) , وقال رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام "أرواح الشهداء تسرح في الجنة" (٣) ويحتمل أن يكون المراد دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما شرح به في الحديث الصحيح، حكاهما القاضي عياض (٤).
ثامنها: قوله: "أو أَرجعه"، هو بفتح الهمزة وكسر الجيم ثلاثيًّا متعدِّيًا, ولازمه، ومتعديه واحد. قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٦)، وهذيل تقول: ارجع رباعيًا.
стр. 4934
تاسعها: "المسكن" بفتح الكاف وكسرها، وقوله: "نائلًا ما نال" هو اسم فاعل من نال: والنيل العطاء وقد [فسره] (١) في الحديث بالأجر والغنيمة.
العاشر: "الواو" في قوله "أو غنيمة" للتقسيم بالنسبة إلى القسمة وعدمها فيكون المعنى أنه يرجع إلى مسكنه مع نيل الأجر إن لم يغنموا أو معه إن غنموا، وقيل: "أو" هنا بمعنى الواو أي مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في "مسلم" في رواية يحيى بن يحيى "وسنن أبي داود" وتلخيص المعنى إن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال الخير بكل حال. فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، وأما أن يرجع بأجر أو به وغنيمة.
واعلم أن هذا الحديث قد عورض بالحديث الثابت في الصحيح " [ما من غازية، أو سرية، تغزو فتغنم وتسلم، إلَّا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم] (٢) وما من غازية، أو سرية [(٣)] تخفق وتصاب إلَّا تم [(٤)] أجرهم" (٥) والإِخفاق أن يغزو فلا يغنم شيئًا ذكر القاضي عياض معنى ما ذكرناه من المعارضة عن غير واحد.
стр. 4935
قال الشيخ تقي الدين (١): عندي أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته.
ويبعد جدًّا أن يقال بتعارضهما. نعم [كلاًّ منهما] (٢) مشكل. أما ذلك الحديث فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة. وأما هذا فلأن "أو" تقتضي أحد الشيئين لا مجموعهما فيقتضي إما حصول [الغنية أو الأجر] (٣) وقد قالوا: لا يصح أن تنقص الغنيمة من أجر أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين, وأفضلهم غنيمة، ويؤكد هذا: تتابع فعل النبي - صلي الله عليه وسلم -[والصحابة] (٤) من بعده على أخذ الغنيمة وعدم التوقف عنها.
وقد اختلفوا -بسبب هذا الإِشكال- في الجواب: فمنهم من جنح إلى الطعن في ذلك الحديث، وقال: إنه لا يصح وزعم أن بعض رواته ليس بمشهور، وهذا ضعيف, لأن مسلمًا أخرجه في كتابه. ومنهم من قال: إن هذا الذي تعجّل من أجره بالغنيمة من غنيمة أخذت على غير وجهها.
قال بعضهم: وهذا بعيد لا يحتمله الحديث.
وقيل: [إن] (٥) هذا الحديث -أعني الذي نحن في شرحه- شرط فيه ما يقتضي الإِخلاص والحديث الذي في نقصان الأجر
стр. 4936
يحمل على من [(١)] طلب المغنم فهذا شرّك بما [(٢)] يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فكمل أجره.
قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجههما أن نقص أجر الغانم بما فتح الله عليه من الدنيا، وحساب. ذلك بتمتعه عليه في الدنيا وذهاب شغف عيشه في غزوه وبعده إذا قوبل بعن أخفق، ولم يصب منها شيئًا، وبقي على شظف عيشه والصبر على حالة في غزوه وجد أجر هذا أبدًا في ذلك وافيًا مطردا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الأول: "فمنا من مات ولم يأكل شيئًا أجره شيئًا. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهْدُ بها" (٣). وأما الإِشكال في الحديث فظاهره جار على القياس, لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته، أو لمشقته دخول في الأجر. وإنما يشكل عليه العمل المتصل بأخذ الغنائم. فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض. فإن ذلك الزمن كان الإِسلام فيه غريبًا -أعني ابتداء زمن النبوة- وكان أخذ الغنائم عونًا على علو الدين، وقوة [للمسلمين] (٤) وضعفاء المهاجرين، وهذه مصلحة عظمى، قد يغتفر لها [بعض] (٥) النقص في
стр. 4937
الأجر من حيث هو هو.
وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى [الأجر، ولا] (١) ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل
بين كما في أجر المغازي نفسه إذا لم يغنم وأجره إذا غنم. فيقتضي هذا أن يكون حالهم عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها, لا من حال غيرهم وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعًا، فمن وجه آخر. لكن لا بد -مع هذا- من اعتبار المعارض الذي [ذكرته] (٢) فلعله [مع] (٣) اعتباره لا يكون ناقصًا. ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحديث الثاني. أو حال من يقاربهم في المعنى [(٤)].
وأما هذا الحديث: الذي نحن فيه فإشكاله من كلمه "أو" أقوى من ذلك الحديث، فإنه قد يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة، فيقتضي أنه إذا حصلت الغنيمة يكتفي بها له، وليس كذلك.
وقيل: في الجواب عن هذا بأن "أو" بمعنى الواو، وكان التقدير بأجر وغنيمة، وهذا -وإن كان فيه ضعف من جهة العربية- ففيه إشكال من حيث أنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلًا في الضمان، فيقتضي أنه لا بد من حصول أمرين لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك؛ بأن يتلف ما
стр. 4938
حصل في الرجوع من الغنيمة. اللَّهُمَّ إلَّا أن يُتجوّز في لفظة "الرجوع إلى الأهل" أو يقال: المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول في الرجوع.
ومنهم من أجاب بأن التقدير: "أو أرجعه إلى أهله، مع ما نال من أجر وحده" "أو غنيمة وأجر" فحذف "الأجر" من الثاني، وهذا لا بأس به؛ لأن المقابلة إنما تشكل إذا كانت بين مطلق الأجر وبين الغنيمة مع الأجر. أما مع الأجر المقيد بانفراده عن الغنيمة فلا.
[العاشر] (١): المراد بالقائم: المصلي. ففيه دلالة على فضل الجهاد، والحث عليه، فإنه جعله يعدل درجة الصيام والقيام.
[الحادي عشر] (٢): فيه أيضًا دلالة على الإِخلاص فيه، وأنه المقصود.
[الثالث عشر] (٣): بيان تولِّى الله جزاءه كيف شاء.
стр. 4939
الحديث الرابع
٤١٩/ ٤/ ٨٠ - وعنه قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مكلوم يكلم [في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة وكلْمُهُ يَدْمَى: اللون لون [الدم] (١) والريح: ريح المسك"] (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه في هذا الباب، وترجم عليه: باب من يجرح في سبيل الله [ ] (٣) ثم ذكره بلفظ "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلم في سبيله- إلَّا جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك".
وذكره "مسلم" في أثناء الحديث الذي قبل هذا، عقب قوله
стр. 4940
"من أجرٍ أو غنيمةٍ، والذي نفس محمَّد بيده! ما من كذا يكلم في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة كهيئة حين كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك".
ثم ذكره من وجه عن أبي هريرة بلفظ: "كل كذا يُكلمهُ المسلم في سبيل الله، ثم يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجَّرُ دمًا. اللون لون دم والعَرف عَرْفُ المسك".
ثانيها: "المكلوم" المجروح و"الكلم" بفتح الكاف وإسكان اللام الجرح، و"يكلم" بإسكان الكاف، أي: يجرح.
ثالثها: مجيئه يوم القيامة، وهو يدمي لفوائد.
الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجيب.
الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف بانتشار رائحة المسك من جرحه، الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى.
الثالثة: أن هذا الدم (خصلة) خلقها الله [تعالى] (١) عليه في الحقيقة أكرمه بها ليس الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة.
رابعها: في فوائده وأحكامه.
الأول: فضل الجراحة في سبيل الله.
الثاني: أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره للحكمة التي ذكرناها.