يحمل على من [(١)] طلب المغنم فهذا شرّك بما [(٢)] يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فكمل أجره.
قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجههما أن نقص أجر الغانم بما فتح الله عليه من الدنيا، وحساب. ذلك بتمتعه عليه في الدنيا وذهاب شغف عيشه في غزوه وبعده إذا قوبل بعن أخفق، ولم يصب منها شيئًا، وبقي على شظف عيشه والصبر على حالة في غزوه وجد أجر هذا أبدًا في ذلك وافيًا مطردا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الأول: "فمنا من مات ولم يأكل شيئًا أجره شيئًا. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهْدُ بها" (٣). وأما الإِشكال في الحديث فظاهره جار على القياس, لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته، أو لمشقته دخول في الأجر. وإنما يشكل عليه العمل المتصل بأخذ الغنائم. فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض. فإن ذلك الزمن كان الإِسلام فيه غريبًا -أعني ابتداء زمن النبوة- وكان أخذ الغنائم عونًا على علو الدين، وقوة [للمسلمين] (٤) وضعفاء المهاجرين، وهذه مصلحة عظمى، قد يغتفر لها [بعض] (٥) النقص في
стр. 4937
الأجر من حيث هو هو.
وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى [الأجر، ولا] (١) ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل
بين كما في أجر المغازي نفسه إذا لم يغنم وأجره إذا غنم. فيقتضي هذا أن يكون حالهم عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها, لا من حال غيرهم وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعًا، فمن وجه آخر. لكن لا بد -مع هذا- من اعتبار المعارض الذي [ذكرته] (٢) فلعله [مع] (٣) اعتباره لا يكون ناقصًا. ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحديث الثاني. أو حال من يقاربهم في المعنى [(٤)].
وأما هذا الحديث: الذي نحن فيه فإشكاله من كلمه "أو" أقوى من ذلك الحديث، فإنه قد يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة، فيقتضي أنه إذا حصلت الغنيمة يكتفي بها له، وليس كذلك.
وقيل: في الجواب عن هذا بأن "أو" بمعنى الواو، وكان التقدير بأجر وغنيمة، وهذا -وإن كان فيه ضعف من جهة العربية- ففيه إشكال من حيث أنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلًا في الضمان، فيقتضي أنه لا بد من حصول أمرين لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك؛ بأن يتلف ما
стр. 4938
حصل في الرجوع من الغنيمة. اللَّهُمَّ إلَّا أن يُتجوّز في لفظة "الرجوع إلى الأهل" أو يقال: المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول في الرجوع.
ومنهم من أجاب بأن التقدير: "أو أرجعه إلى أهله، مع ما نال من أجر وحده" "أو غنيمة وأجر" فحذف "الأجر" من الثاني، وهذا لا بأس به؛ لأن المقابلة إنما تشكل إذا كانت بين مطلق الأجر وبين الغنيمة مع الأجر. أما مع الأجر المقيد بانفراده عن الغنيمة فلا.
[العاشر] (١): المراد بالقائم: المصلي. ففيه دلالة على فضل الجهاد، والحث عليه، فإنه جعله يعدل درجة الصيام والقيام.
[الحادي عشر] (٢): فيه أيضًا دلالة على الإِخلاص فيه، وأنه المقصود.
[الثالث عشر] (٣): بيان تولِّى الله جزاءه كيف شاء.
стр. 4939
الحديث الرابع
٤١٩/ ٤/ ٨٠ - وعنه قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مكلوم يكلم [في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة وكلْمُهُ يَدْمَى: اللون لون [الدم] (١) والريح: ريح المسك"] (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه في هذا الباب، وترجم عليه: باب من يجرح في سبيل الله [ ] (٣) ثم ذكره بلفظ "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلم في سبيله- إلَّا جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك".
وذكره "مسلم" في أثناء الحديث الذي قبل هذا، عقب قوله
стр. 4940
"من أجرٍ أو غنيمةٍ، والذي نفس محمَّد بيده! ما من كذا يكلم في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة كهيئة حين كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك".
ثم ذكره من وجه عن أبي هريرة بلفظ: "كل كذا يُكلمهُ المسلم في سبيل الله، ثم يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجَّرُ دمًا. اللون لون دم والعَرف عَرْفُ المسك".
ثانيها: "المكلوم" المجروح و"الكلم" بفتح الكاف وإسكان اللام الجرح، و"يكلم" بإسكان الكاف، أي: يجرح.
ثالثها: مجيئه يوم القيامة، وهو يدمي لفوائد.
الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجيب.
الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف بانتشار رائحة المسك من جرحه، الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى.
الثالثة: أن هذا الدم (خصلة) خلقها الله [تعالى] (١) عليه في الحقيقة أكرمه بها ليس الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة.
رابعها: في فوائده وأحكامه.
الأول: فضل الجراحة في سبيل الله.
الثاني: أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره للحكمة التي ذكرناها.
стр. 4941
الثالث: أن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها، فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإِكرام له والتشريف، ويلزم من [قوله ﵊: "اللون لون دم" أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، كما] (١) يلزم من كون رائحته ريح مسك أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعله الله تعالى شيئًا، يشبه هذا، ويشبه هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه كما أن إعادة الأجسام مما كانت عليه في الدنيا، وإن اتصفت بصفات أُخر من البقاء والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يكونون في طول واحد وسن واحد جردًا مردًا غير مختونين [(٢)] فعلمنا أن الإِعادة حق مما انتقلت عليه، وإن اكتسبن أوصافًا لم تكن [(٣)]، ليس حكمه حكمها, ولا فضله فضلها، وكذلك أهل الوضوء يبعثون يوم القيامة غرًّا محجلين من أثاره إكرامًا لهم وشهادة لهم بسبب عملهم في الدنيا ليتميزوا به.
[الرابع] (٤): أن الشهيد يبعث على حاله التي جرح عليها من الدنيا.
[الخامس] (٥): ذكروا في الاستنباط من هذا الحديث أشياء
стр. 4942
متكلفة غير [صائرة على] (١) التحقيق، بل هي ضعيفة.
منها: أن المراعى في الماء تغير لونه، دون تغير رائحته، لأنه ﵊ سمى هذا الخارج من جُرح الشهيد "دمًا" وإن كان ريحه ريح المسك، ولم [يقل] (٢) مسكًا، فغلَّب الاسمَ للونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير (طعمه) (٣) لم يلتفت إلى تغير رائحته، قال الشيخ تقي الدين: وفي هذا نظر يحتاج إلى تأمل، وهو كما قال: فإن فيه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر.
قال القاضي عياض: وهذا قولنا فيما تغيرت رائحته بالمجاورة وما تغير بالمخالطة.
فعند مالك: يقول لا عبرة بالرائحة، وإنما الاعتبار باللون والطعم، ويحكمون بنغيره بالرائحة بالإِضافة والنجاسة، ومنها ما ترجم [عليه] (٤) البخاري (٥) فيما يقع من النجاسات في الماء والسمن، قال القاضي: وقد يحتمل أن حجته فيه الرخصة في الرائحة كما تقدم، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم القذارة إلى الطيب بتغيير رائحته، وحكم له حكم المسك والطيب للشهيد،
стр. 4943
فكذلك الماء ينتقل إلى العكس بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة إلى النجاسة.
ومنها قال القاضي: إن أبا حنيقة يحتج بهذا الحديث على جواز استعمال الماء المضاف، المتغيرة أوصافه بإطلاق اسم الماء [عليه، كما يطلق] (١) على هذا اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب، قال: وحجته بذلك ضعيفة (٢).
стр. 4944
الحديث الخامس
٤١٩/ ٥/ ٨٠ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس أو غربت" (١). أخرجه مسلم.
هذا الحديث هو من أفراد مسلم كما نص عليه وقد أسلفنا الكلام على "الغدوة والروحة" في الحديث الثاني من أحاديث الباب. وقوله "خير مما طلعت عليه الشمس وغربت"، وهو بمعنى "خير من الدنيا وما فيها"، وقد سلف الكلام عليه واضحًا، وإن كان قوله داوما فيها يشمل ما تحت طباقها مما أودعه الله من الكنوز وغيرها بخلاف هنا، فإنه لا يشمله، وإن كان أشمل من وجه، فإن الشمس تطلع على بعض السموات لأنها في السماء الرابعة وقيل: في السادسة.
стр. 4945
الحديث السادس
٤٢٠/ ٦/ ٨٠ - عن أن ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "غدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها" (١). وأخرجه البخاري.
هذا الحديث متفق عليه في الصحيحين، فقوله: "وأخرجه البخاري" يعني مع مسلم ويقع في بعض الشروح. أخرجه البخاري بحذف "الواو" فيوهم أنه من أفراده فأحببت ذلك، وقد علم [(٢)] له في "عمدته الكبرى" بعلامة البخاري فقط فأوهم أنه من أفراده، وليس كذلك، وقد ساقه البخاري بزيادة "ولقاب قوص أحدكم من الجنة أو موضع قيد -بمعنى سوطه- خير من الدنيا وما فيها. ولو أن امرأة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها". والنصيف الخمار، واعلم أن هذا الحديث كان يستغنى عنه بالحديث السالف في الباب، وكذا حديث أبي أيوب الذي قبله أيضًا، فإن هذا الكتاب موضوع للاختصار، لا تجميع طرق الحديث.
стр. 4946
الحديث السابع
٤٢١/ ٧/ ٨٠ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: خرجنا مع النبي - صلي الله عليه وسلم - إلى حنين -وذكر قصة - فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلًا عليه بينة فله سلبه قالها ثلاثًا" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة.
ثانيها: صفة هذه القصة أن أبا قتادة قتل رجلًا، وأخذ سلبه آخر. فلما قال ﵊: "من قتل قتيلًا" إلى آخره، وكان هذا القول بعد الفراغ من القتال. قال ذلك الرجل: هو قاتله وعندي سلبه، فأرضه من حقه، فقال الصديق: لاها الله إذًا لا يعمد إلى أَسدٍ من أُسدٍ الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال ﵊: "صدق فأعطه إياه" فأخذه وباعه وكان درعًا
стр. 4947
واشتريت به مخرفًا في بني سلمة، وكان ذلك أول مال تأثلته في الإِسلام" (١)، وقوله: "ثلاثًا"، أي كرر هذه اللفظة ثلاثًا وذلك في
مجلس واحد بين كل واحدة بينهما فصل ما. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قالها متواليًا ليكون أثبت في نفس السامع، وأن يكون
مفرقًا. قلت: وهذا هو المصرح به في الحديث.
ثالثها: "حنين"، واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وهو معروف.
وبين غزوة "حنين" و"فتح مكة" خمس عشر ليلة، فإن الفتح كان في عشرين رمضان سنة ثمان "وحنين" خامس شوال منها وكان يقصر في هذه المدة الصلاة.
رابعها: روى أبو داود في "سننه" (٢) من حديث أنس، أن أبا قتادة قتل ذلك اليوم عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم. وفي رواية لأحمد (٣): "فجاء أبو طلحة بسلب أحد وعشرين رجلًا".
стр. 4948
خامسها: "البينة" في الأصل هي العلامة، والمراد هنا علامة توضح أنه القاتل: إما إخبار واحد، أو ظن راجح برؤية سهم القاتل أو سيفه أو نحو ذلك، بما يرجح جانبه، فيما يدعيه من استحقاق السلب.
واعلم أن السلب منسوب إلى جميع الجيش، فلا يقبل إقرار من هو في يده أنه القاتل على الباقين، إلَّا إذا كان مختصًا به [فيؤاخذ] (١) بإقراره.
سادسها: السلب هو الشيء المسلوب سمي به, لأنه يسلبه كالمخيط بمعنى المخيوط، وهو عندنا ثياب القتيل والخف وآلات الحرب: كدرع وسلاح ومركوب وسرج ولجام وكذا سوار ومنطقة وخاتم [ونفقته] (٢) معه وجنيبة تقاد معه لا حقيبة مشدودة على الفرس كما بسطته في كتب الفروع.
وعن أحمد: الفرس ليست من السلب.
سابعها: في فوائده وأحكامه.
الأول: أن السلب للقاتل، لعموم هذا الحديث، ولا ينبغي هذا أن يكون السلب للجيش أولًا ثم أعلم ﵊ أنه للقاتل مقبلًا غير مدبر.
واختلف العلماء فيه على قولين:
أحدهما: أنه يستحقه، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من
стр. 4949
قتل قتيلًا فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والليث، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير وغيرهم، قالوا: وهذا الحديث فتوى منه ﵊ وإخبار عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول أحد (١).
والقول الثاني: لا يستحق القاتل ذلك لمجرد القتل، وإنما هو لجميع الغانمين: كسائر الغنيمة، إلَّا أن يقول قبل القتال "من قتل قتيلًا فله سلبه" وبه قال مالك وأبو حنيفة ومن تابعهما، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقًا من النبي - صلي الله عليه وسلم -, وليس بفتوى وإخبار عام (٢).
واستضعف هذا: فإنه صرح في هذا الحديث في الصحيح بأنه ﵊ قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم (٣). وقال الشيخ تقي الدين (٤): هذا يتعلق بقاعدة، وهي أن
стр. 4950
تصرفات الشارع في أمثال هذا إذا ترددت بين التشريع، والحكم الذي يتصرف فيه ولاة الأمور، هل يحمل على الأول أو على الثاني؟ والأغلب حمله على الأول، إلَّا أن مذهب مالك في هذه المسألة فيه قوة, لأن قوله ﵊ من قتل قتيلًا" (١) [إلى آخره] (٢) يحتمل [(٣)] الأمرين [٦] (٤) [لكن] (٥) جاءت أمور في أحاديث ترجح الخروج [عن الأغلب] (٦) [حمله] (٧) مثل قوله ﵊ بعدما أمر أن يعطي السلب [للقاتل] (٨) فقابل هذا القاتلُ خالد بن الوليد بكلام فقال ﵊ بعده "لا تعطه يا خالد" (٩).
فلو كان مستحقًا له بأصل التشريع لم يمنعه منه بسبب كلامه لخالد فدل على أنه كان على وجه النظر فلما كلَّم خالد بما يؤذيه استحق العقوبة بمنعه، نظرًا إلى غير ذلك من الدلائل.
стр. 4951
قلت: قد أجبت عن هذا الحديث بجوابين:
أحدهما: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنما أخبره تعزيرًا له لإِطلاقه لسانه، في حق خالد وانتهاك حرمة الوالي ومن ولاه (١).
стр. 4952
الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه, فتركه باختياره، وجعله للمسلمين، وكأن المقصود بذلك استطابة قلب خالد للمصلحة في إكرام الأمراء (١)، فتكون واقعة عين لا تقتضي العموم. وفي المسألة قول ثالث، أنه إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل، وإن كان كبيرًا خمس، وسيأتي وفي "سنن أبي داود" بإسناد جيد من حديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد أنه ﵊ قضى بالسلب للقاتل، و"لم يخمس السلب" (٢)، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" عن عوف أنه ﵊ "لم يخمس السلب" (٣)، وفي صحيح مسلم بمعناه.
الثاني عشر: شرط الشافعي في استحقاقه أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال، والأصح أن القاتل لو كان ممن له رضخ ولا سهم له كالمرأة والصبي والعبد يستحق السلب أيضًا.
وقال مالك: لا يستحقه إلَّا القاتل.
وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق [السلب] (٤) إلَّا في قتيل قتله قبل التحام [القتل] (٥) فأما من قتل في حال التحام [القتل] (٦) فلا
стр. 4953
يستحقه (١).
وقال أبو ثور وابن المنذر: ويستحقه وإن كان المقتول منهزمًا (٢).
وقال أحمد: لا يكون إلَّا في المبارزة.
الثالث: اختلفوا في تخميس السلب على أقوال.
أصحها: عند الشافعية لا يخمس، لظاهر الحديث، بل صريح حديث عوف وخالد السالفين، وبه قال أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون (٣).
وثانيها: نعم، وهو قول مكحول ومالك والأوزاعي، وهو قول ضعيف للشافعي (٤).
ثالثها: نعم، إذا كثر، وبه قال عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه فعله عمر مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله، فكان
стр. 4954
قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألف فخمس ذلك (١).
وعنه: أنه يخمس على القاتل وحده.
ووقع في "شرح الفاكهي" عقب هذا نقلًا عن ابن عطية (٢) أنه روى [في ذلك] (٣) حديث عن النبي - صلي الله عليه وسلم - في أبي داود، وهو حديث مالك بن عوف الأشجعي. انتهى. وهذا الحديث هو في عدم التخميس كما أسلفته في ذلك وراويه "عوف بن مالك" لا "مالك بن عوف".
وعن مالك: رواية أجازها إسماعيل القاضي أن الإِمام بالخيار، إن شاء خمسه، وإن شاء لم يخمسه (٤).
الرابع: أن السلب لا يعطي إلَّا لمن له بينة بأنه قتل ولا يقبل قوله بغير بينة، وهو مذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم. ونقله ابن عطية عن الجمهور (٥). وقال مالك
стр. 4955
والأوزاعي: يمطي لقوله بلا بينة، قالا لأنه ﵊ أعطاه السلب في هذا الحديث بقول واحد، ولم يحلفه (١).
وأجاب الأول: بأنه محمول على أنه ﵊ علم أنه القاتل بطريق، وقد صرح ﷺ بالبينة فلا تلغى. وقد يقول المالكي هذا مفهوم وليس هو بحجة، وقد يجاب: بأنه ﵊ سماها بينة، وعمل بها فيه مع قوله "لو يعطي الناس بدعواهم [لادعى ناس دماء رجال، وأموالهم، و] (٢) لكن البينة على المدعي" الحديث.
وأبعد بعض المالكية، فقال: إنه ﵊ إنما أعطاه ببينة، وفي الشاهدان:
أحدهما: أن السلب شاهد عرفي على أنه قتله، وهو بمنزلة الشاهد الواحد، ولذلك جعل لوثًا في باب القسامة يحلف مع الورثة. والآخر: هو الذي له شهد له به، واحتج بعضهم للأول بأن أبا قتادة إنما استحق السلب بإقرار من هو بيده، وهو ضعيف؛ لأن الإِقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبًا إلى من هو في يده فيؤخذ بإقراره والمال هنا منسوب إلى جميع الجيش فلا يقبل إقرار بعضهم على الباقين.
ونقل ابن عطية (٣): عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا واحد بحكم حديث أبي قتادة وضعف قول الأوزاعي، وهو قول عديم النظير.
стр. 4956
الخامس: استدل بعضهم لقول الأوزاعي وسحنون أنه لا يستحق السلب إلَّا من قتل أو أنفذ المقاتل، فأما إذا أسره، فإنه لا يستحق، وهو قول للشافعي والأصح أنه يستحقه, لأنه كفى شره فهو في معنى [قتله] (١).
السادس: استدل به ابن رشد منهم في كتاب -الجعل والإِجارة- من "المقدمات" على جواز الجعل. وفيه نظر، فإن شرطه أن يكون معلومًا إلَّا ما استثنى للحاجة.
السابع: استحباب إعادة المفتي أو العالم الكلام مرات لقصد الإِبلاغ والبيان.
خاتمة: يؤخذ من إيراد المصنف جواز تقطيع الحديث الواحد من العارف باللفظ والمعنى إذا لم يكن للجملة المقطوعة تعلق بما قبلها، وقد فعل هذا البخاري وغيره من العلماء المحققين.
وفيه أيضًا التنبيه: على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ يدل عليه بقوله، وذكر قصة أوحديث قال فيه كذا أو نحو ذلك، فيجمع بين الاختصار والتنبيه على أنه بعض حديث.
стр. 4957
الحديث الثامن
٤٢٢/ ٨/ ٨٠ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أتى النبي - صلي الله عليه وسلم -[عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال [النبي - صلي الله عليه وسلم -] (١): "اطلبوه واقتلوه" فقتلته، فنفلني سلبه.
وفي رواية، فقال: "من قتل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع، فقال: "له سلبه. اجمع"] (٢).
الكلام عليه وجوه:
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في صلاة الجمعة، وأنه منسوب إلى جده، فإنه سلمة بن عمرو بن الأكوع.
ثانيها: اللفظ الأول الذي أورده المصنف هو للبخاري، إلَّا أنه
стр. 4958
قال "فنفله سلبه" بدل "فنفلني رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سلبه"، وهو بمعناه، وترجم عليه الحربي إذا دخل دار الإِسلام بغير أمان.
والرواية الثانية: هي لفظ مسلم، وذكر أن ذلك في غزوة هوازن، وساقه مطولًا وأدخله أبو "داود" في باب الجاسوس المستأمن.
ثالثها: "الجاسوس" هو صاحب سر الشر، كما أن الناموس صاحب سر الخبر، يقال: اعتان له إذا أتاه بالخبر، ويقال له: ذو العينين أيضًا والعين من الألفاظ المشتركة، تطلق بإزاء أمور:
أحدها: ما ذكرنا.
ثانيها: حاسة الرؤية.
ثالثها: عين الماء.
رابعها: عين الركبة، ولكل ركبة عينان، وهي نقرتان في مقدمها عند الساق.
خامسها: عين الشمس.
سادسها: الدينار.
سابعها: المال الفاض.
ثامنها: عين الميزان, وهي ترجيح إحدى الكفتين على الأخرى.
تاسعها: عين الشيء خياره.
عاشرها: عين الشيء نفسه، يقال هو هو عينًا وهو هو عينه.
الحادي عشر: المعاينة، ومنه قولهم: لا أطلب أثرا بعد عين، أي: بعد معاينة.
стр. 4959
الثاني عشر: القليل بلد قليل العين، أي: قليل الناس.
الثالث عشر: ماء عن يمين قبلة العراق يقال: أنشأت السحابة من قبل العين.
الرابع عشر: العين مطر أيام لا [يقلع] (١).
الخامس عشر: أسود العين [جبل] (٢).
السادس عشر: رأس عين بلدة.
السابع عشر: العين من حروف المعجم.
الثامن عشر: يقال هو عبدي عين: أي هو كالعبد ما دمت تراه، فإذا غبت فلا.
التاسع عشر: يقال: أنت على عيني في الإِكرام والحفظ جميعًا، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (٣).
العشرون: يقال في الجلد عين، وهي دوائر رقيقة، وذلك عيب فيه (٤).
رابعها: "السلب" تقدم بيانه في الحديث قبله والسلب الذي أخذه ابن الأكوع، هو جمل أحمر، عليه رحله وسلاحه، كما جاء مبينًا في "صحيح مسلم".
стр. 4960
ولا يحضرني اسم هذا الرجل المقتول بعد البحث عنه.
و"النفل" بالفاء العطاء من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة، فهو الزائد على الواجب، ومنه نافلة الصلاة. والنافلة: ولد الولد. والأنفال: العطايا [واحد] (١) نفل بفتح الفاء وتسكن أيضًا. ويقال: نفل تنفيلًا، وذكر بعضه أهل اللغة: أن الأنفال الغنائم وأطلقه الفقهاء على ما يجعله الإِمام لبعض الغزاة لأجل الترغيب وتحصيل مصلحة أو عوض عنها.
خامسها: في أحكامه:
أحدها: الجلوس عند أصحابه لإِيناسهم بالحديث وتعليم العلم خصوصًا في الأسفار ووقت الحاجة إلى ذلك، وفي "صحيح مسلم" أن ذلك كان وقت التضحي فإنه قال: "بينا نحن نتضحى معه إذ جاء رجل" فذكره.
ثانيها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله، والإِجماع قائم على ذلك، لما فيه من كشفه لعورات المسلمين. واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد والذمي، هل ينقض عهده ويقتل؟ على قولين:
أحدهما: يصير ناقضًا للعهد بذلك، فإن رأى الإِمام استرقاق أرقه، ويجوز قتله.
ثانيهما: لا ينتقض عهده بذلك، وبه قال جمهور العلماء، قال الشافعية: إلَّا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
стр. 4961
أما الجاسوس المسلم: فقال الشافعي، والأوزاعي [وأبو حنيفة] (١) وبعض المالكية والجمهور: يعزره الإِمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما, ولا يجوز قتله.
وقال مالك: يجتهد فيه الإِمام، ولم يفسر الاجتهاد، ونقل القاضي عياض: عن أكابر [أصحابه] (٢) أنه يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، وقال [ابن] (٣) الماجشون: إن عرف [قتل] (٤) وإلَّا عزر.
ثالثها ورابعها: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يخمس، وتقدم الكلام فيه في الحديث قبله واضحًا. وقد يحتج به من يراه غير واجب بالشرع، بل بتنفيل الإِمام، لقوله "فنفلنيه"، وفيه ضعف ما.
[رابعها] (٥): أنه يستحق سلبه وإن كان هاربًا، وقد ذكر الفقهاء صورًا فيما يستحقه القاتل وترددوا في بعضها، فإن كان اسم السلب منطلقًا على كل ما معه، فقد يستدل به فيما اختلف فيه من بعض الصور، بل يستدل به على أنه كل ما على القتيل كيف كان, لأنه لم يستثن مما عليه شيئًا.
стр. 4962
[خامسها] (١): استحباب سؤال الإِمام عمن فعل فعلًا جميلًا ليثني عليه ويعطيه ما يستحق عليه.
[ثامنها] (٢): استحباب مجانسة الكلام إذا لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة.
[تاسعها] (٣): مبادرة الرعية إلى امتثال أمر إمامهم ما لم يكن معصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
[عاشرها] (٤): قال القاضي: فيه جوازتنفيل جميع ما أخذته السرية, لأن سلبه كان جملة ما غنموه، وما كان مع سلمة غيره من الذين بعثهم النبي - صلي الله عليه وسلم -، ولا يخلو ما ذكره من نظر.
стр. 4963
الحديث التاسع
٤٢٣/ ٩/ ٨٠ - " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بعث رسول الله [- صلي الله عليه وسلم - سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلًا وغنمًا، فبلغت سُهمَانُنَا: اثنى عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بعيرًا [بعيرًا] (١)] (٢) " (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: ذكر "الغنم" من أفراد مسلم، كما نبه عليه عبد الحق في "جمعه".
ثانيها: قوله: "قبل نجد" كذا هو في الصحيحين، وفي رواية لمسلم "إلى نجد".
стр. 4964
ونجد: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحده, مما يلي المغرب الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد: كلها من عمل اليمامة قال صاحب المطالع. وقال ابن الأثير (١): النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز، مما يلي العراق.
ثالثها: "السرية": قطعة من الجيش أربعمائة ونحوها ودونها. وفي الحديث "خير السرايا أربعمائة"، سميت: لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها، وهي فعيلة بمعنى فاعلة. يقال: أسري وسرى إذا ذهب ليلًا.
رابعها: قوله "فبلغت سهماننا اثنا عثر بعيرًا". قال النووي: هو في بعض النسخ يعني نسخ مسلم هكذا، وهو ظاهر، وفي أكثرها "اثنى عشر" (٢) وهو صحيح على لغة من يجعل المثنى بالألف مطلقًا، وهو لغة أربع قبائل من العرب. وقد كثرت في كلامهم. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٣).
خامسها: قوله "ونفلنا" قد تقدم الكلام على النفل في الحديث قبله.
سادسا: قوله: ["فكانت] (٤) سهماننا اثنى عشر بعيرًا"، أي سهم كل واحد منهم. وقيل: معناه سهمان جميع الغانمين اثنى عشر، وهو غلط، فقد جاء في رواية لأبي داود وغيره أن الاثنى عشر بعيرًا
стр. 4965
كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونفَّل السرية سوى هذا بعيرًا بعيرًا. وهذا لفظه "بعثنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في جيش قبل نجد، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرًا اثنى عشر بعيرًا، ونفّل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر".
سابعها: في أحكامه:
الأول: استحباب بعث السرايا للجهاد.
الثاني: إثبات النفل، وهو مجمع عليه كما سلف، واختلف في محله، هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو من خمس الخمس [وهي ثلاثة أقوال للشافعي، وبكل منها قال جماعة من العلماء.
والأصح عندنا: أنه من خمس الخمس] (١).
وبه قال سعيد بن المسيب (٢) ومالك وأبو حنيفة وآخرون.
وممن قال إنه من أصل الغنيمة (١): الحسن البصري والأوزاعي وأحمد، وأبو ثور وآخرون، والذي يقرب من هذا الحديث أن هذا
التنفيل كان من الخمس، لأنه أضاف الاثنى عشر إلى سهمانهم. فقد يقال: إنه إشارة إلى ما تقرر لهم استحقاقه، وهو الأخماس الأربعة الموزعة عليهم، فيبقى النفل من الخمس، واللفظ يحتمل لغير ذلك احتمالًا قريبًا، وإن استبعد بعضهم أن يكون هذا النفل إلَّا من الخمس من جهة اللفظ، فليس بالواضح الكبير نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (٢). وقد قيل: إنه تبين أن كون هذا النفل من الخمس من مواضع أخر. أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش، وهو خلاف ما عليه العلماء كافة قال أصحابنا: ولو نفلهم الإِمام من أموال بيت المال العتيدة دون الغنيمة جاز.
стр. 4968
ثم التنفيل يكون لمن فعل جميلًا في الحرب انفرد به.
الثالث: إثبات التنفيل للترغيب [في تحصيل] (١) مصالح القتال، ثم الجمهور على أن التنفيل يكون في كل غنيمة، سواء الأولى وغيرها، وسواء غنيمة الذهب والفضة وغيرهما. وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين: لا ينفل في أول [غنيمة] (٢) ولا ينفل ذهبًا ولا فضة (٣) واستحبه مالك مما يظهر كالعمامة والسيف والقوس.
الرابع: وجوب القسمة في الغنائم، وهو إجماع.
الخامس: استدل به الباجي (٤) على قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها، وعند المالكية فيها ثلاثة أقوال حكاها صاحب "الذخيرة".
ثالثها: التخيير، قالوا: فلعل الحديث إنما دل على التخيير فأوقع أحد المخبرين لها على قسمة الأعيان ولا بد.
السادس: جاء في رواية لمسلم "ونفلوا بعيرًا بعيرًا" فلم يعب رسول الله ﷺ والجمع (٥) بين هذه ورواية الكتاب أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي - صلي الله عليه وسلم - فيجوز نسبته إلى كل واحد منهما، ونسبته منه أن أمير الجيش إذا فعل شيئًا من المصالح المتعلقة بالجيش من
стр. 4969
نفل وغيره، لا ينقضه الإِمام بل يقره.
السابع: أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة بينها وبين الجيش, لأنهم ردًا لهم، أما إذا كان
الجيش في البلد فتختص الغنيمة بالسرية، ولا يشارك فيها.
الثامن: قال الشيخ تقي الدين: قد يستدل على أن المنقطع منها عن جيش الإِمام ينفرد بما يغنمه، من حيث إنه يقتضي أن السُّهمان كانت لهم. ولا يقتضي أن غيرهم شاركهم فيها. وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبًا [منهم] (١)، يلحقهم عونه وغوثه
[إذا] (٢) احتاجوا. قلت: حديث أبي داود صريح في التشريك بينهم، وما ذكره آخرًا هو مذهب مالك.
التاسع: قال القاضي: اختلف في هذا النفل: هل كان بعد القسمة أو قبلها؟ وفي "مسلم" ما يدل على أنه بعد القسمة من الخمس أيضًا، ولأن قوله: "ونفلنا بعيرًا بعيرًا" لو كان من المغنم لم يكن له فائدة, لأن ذلك يكون حالهم لو لم ينفلوا، وقسمت بينهم الأخماس الأربعة.
خاتمة: قال ابن عبد البر (٣): النفل على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يريد الإِمام تفضيل بعض الجيش لقتاله وبلائه، فينفله من الخمس، واستحبه بعضهم من خمس الخمس المختص به ﵊.
стр. 4970
ثانيها: أن يبعث الإِمام سرية من العسكر فينفلها ما غنمت دون العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت، ثم يعطى السرية مما بقي بعد
الخمس ما شاء أو لا يزيد على الثلث, لأنه أقصى ما روي في النفل ﵊.
ثالثها: أن يحرض الإِمام أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل ما شاء منهم أو جميعهم مما يفتح الله عليه الربع أو الثلث. وكره مالك هذا لخبث النية لسببه وأجازه بعض السلف.
стр. 4971
الحديث العاشر
٤٢٤/ ١٠/ ٨٠ - عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث اتفق على إخراجه أيضًا من حديث أنس (٢) وابن مسعود (٣)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي سعيد
стр. 4972
الخدري (١)، وفي بعض طرقه "لواء يوم القيامة يعرف به".
ثانيها: "الغدر" في اللغة ترك الوفاء (٢) يقال: غدرته بغدِر بكسر الدال في المضارع فهو غادر.
و"اللواء" بالمد جمعه ألوية، قال أهل اللغة (٣): عبارة الجوهري إنها المطارد، وهي دون الأعلام، والسود هو الراية العظيمة، لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون [الناس] (٤) تبعًا له.
وأصل رفع اللواء: الشهرة والعلامة، ولهذا جاء في رواية في صحيح مسلم "يرفع له بقدر غدرته". وكانت العرب تنصبها في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك لتتم فضيحته، قال القاضي (٥): واللواء يوم القيامة على ثلاثة أوجه: لواء غدر، ولواء شعر، ولواء فخر، فالأول لمن نقض العهد للغدر في الجهاد فيجعل علامة له في ذلك المحل العظيم، فإنه قد اخفى غدره في الدنيا.
стр. 4973
والثاني: لواء امرئ القيس. والثالث: لواء سيدنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو لواء الحمد الذي اختص به من دون سائر الرسل والأنبياء.
ثالثها: هذا الحديث ونحوه وارد على نهي الإِمام عن الغدر في عهوده لرعيته أو للكفار أو غيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها الله لرعيته، وأُلزم القيام بها والمحافظة عليها.
رابعها: في فوائد:
الأول: غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره، لأن غدره يتعدى [ضرره] (١) إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر، لقدرته على الوفاء، كما صح: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر"، ولا شك أن الغدر في الحرب والاغتيال فيه وغيره ممنوع شرعًا، خصوصًا إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى الإِسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإِمام، ولفظ الحديث عام في الإِمام وغيره، لكن غدر الإِمام أعظم، كما جاء في "صحيح مسلم" (٢) من حديث أبي سعيد الخدري "ولا غادرَ أعظم غدرًا من أمير عامة".
الثانية: شهرة الناس والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى آبائهم، خلاف ما حكى أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى
стр. 4974
أمهاتهم (١)، كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢)، وقد يقال هذا الفرد خاص، وليس فيه عموم كل الناس.
стр. 4975
الثالثة: اجتناب الأخف خوفًا من الأشد، فإن فضيحة القيامة أشد من فضيحة الدنيا، نسئل الله الستر.
الرابعة: عقوبة الغادر بعكس خيانته كما أسلفناه، ووقع في "الموطأ" (١) عن ابن عباس أن عقوبهم تسليط العدو عليهم، ولفظه: "ما [خنز] (٢) قوم بالعهد إلَّا سلط عليهم [العدو] (٣))، قال الباجي (٤): عقوبنهم في الدنيا، قال القاضي (٥): ولسبب عظيم، الغدر منع قوم من الجهاد مع ولاة الحرب إذا كانوا يغدرون، وأجازوا إذا كانوا لا يغدرون.