الحديث العاشر
٤٢٤/ ١٠/ ٨٠ - عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث اتفق على إخراجه أيضًا من حديث أنس (٢) وابن مسعود (٣)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي سعيد
стр. 4972
الخدري (١)، وفي بعض طرقه "لواء يوم القيامة يعرف به".
ثانيها: "الغدر" في اللغة ترك الوفاء (٢) يقال: غدرته بغدِر بكسر الدال في المضارع فهو غادر.
و"اللواء" بالمد جمعه ألوية، قال أهل اللغة (٣): عبارة الجوهري إنها المطارد، وهي دون الأعلام، والسود هو الراية العظيمة، لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون [الناس] (٤) تبعًا له.
وأصل رفع اللواء: الشهرة والعلامة، ولهذا جاء في رواية في صحيح مسلم "يرفع له بقدر غدرته". وكانت العرب تنصبها في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك لتتم فضيحته، قال القاضي (٥): واللواء يوم القيامة على ثلاثة أوجه: لواء غدر، ولواء شعر، ولواء فخر، فالأول لمن نقض العهد للغدر في الجهاد فيجعل علامة له في ذلك المحل العظيم، فإنه قد اخفى غدره في الدنيا.
стр. 4973
والثاني: لواء امرئ القيس. والثالث: لواء سيدنا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو لواء الحمد الذي اختص به من دون سائر الرسل والأنبياء.
ثالثها: هذا الحديث ونحوه وارد على نهي الإِمام عن الغدر في عهوده لرعيته أو للكفار أو غيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها الله لرعيته، وأُلزم القيام بها والمحافظة عليها.
رابعها: في فوائد:
الأول: غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره، لأن غدره يتعدى [ضرره] (١) إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر، لقدرته على الوفاء، كما صح: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر"، ولا شك أن الغدر في الحرب والاغتيال فيه وغيره ممنوع شرعًا، خصوصًا إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى الإِسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإِمام، ولفظ الحديث عام في الإِمام وغيره، لكن غدر الإِمام أعظم، كما جاء في "صحيح مسلم" (٢) من حديث أبي سعيد الخدري "ولا غادرَ أعظم غدرًا من أمير عامة".
الثانية: شهرة الناس والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى آبائهم، خلاف ما حكى أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى
стр. 4974
أمهاتهم (١)، كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢)، وقد يقال هذا الفرد خاص، وليس فيه عموم كل الناس.
стр. 4975
الثالثة: اجتناب الأخف خوفًا من الأشد، فإن فضيحة القيامة أشد من فضيحة الدنيا، نسئل الله الستر.
الرابعة: عقوبة الغادر بعكس خيانته كما أسلفناه، ووقع في "الموطأ" (١) عن ابن عباس أن عقوبهم تسليط العدو عليهم، ولفظه: "ما [خنز] (٢) قوم بالعهد إلَّا سلط عليهم [العدو] (٣))، قال الباجي (٤): عقوبنهم في الدنيا، قال القاضي (٥): ولسبب عظيم، الغدر منع قوم من الجهاد مع ولاة الحرب إذا كانوا يغدرون، وأجازوا إذا كانوا لا يغدرون.
стр. 4976
الحديث الحادي عشر
٤٢٥/ ١١/ ٨٠ - " [عنه أيضًا] (١) أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي - صلي الله عليه وسلم - مقتولة، فأنكر النبي - صلي الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذه المقتولة لم أر من سماها بعد البحث عنه.
ثانيها: النساء [جمع] (٣) لا واحد له من لفظه، وكذلك النِّسْوَانُ والنُّسْوَةُ، والصِّبْيان: بكسر الصاد وضمها جمع صبي.
ثالثها: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتلها إذا لم يقاتلوا؛ لأنه ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه ما في نفوس الرجال المقاتلين.
والأصل عدم إتلاف النفوس وإنما أبيح من إتلافها ما يقتضيه دفع المفسدة، والغالب عدم القتال منها، فرفع عنهم القتل لعدم
стр. 4977
مفسدة المقاتلة حالًا، ورجاء هدايتهم مآلًا، فإن قاتلوا. قال جمهور العلماء: يقتلون.
وعند المالكية: أن المرأة إذا كان لها رأي تقتل. وعندهم أربعة أقوال فيما إذا قاتلت.
ثالثها: إن قَتَلَتْ قُتَلَتْ وإلَاّ فلا.
رابعها: تقتل عند قتالها خاصة.
وفيمن اقتصرت على الرمي بالحجارة: قولان عندهم.
وفي المترهبات منهن: قولان أيضًا لهم.
وعندهم أن المراهق: يقتل إذا قاتل.
وأما الشيوخ: فإن كان فيهم رأي قتلوا، وإلَّا ففيهم وفي الرهبان خلاف.
والأصح عند الشافعية: قتلهم.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقتلون، وحكاه ابن هبيرة عن أحمد أيضًا.
لنا حديث الحسن عن سمرة رفعه "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (١)، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
قال الحسن: ولو خرجوا مع رجالهم إلى بلاد [المسلمين] (٢) يقتلون.
стр. 4978
قال الأوزاعي: كذا إذا كانت حارسة للعدو.
قال القاضي (١): واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم بعد أن يرد القتال أو أسروا: هل يقتلون؟ على قولين (٢).
تنبيه: يجوز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعدٍّ، كما ثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث الصَّعب بن جثّامة.
стр. 4979
الحديث الثاني عشر
٤٢٦/ ١٢/ ٨٠ - عن أن بن مالك ﵁ "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، [شكيا] (١) القمل إلى في [غزاة] (٢) لهما فرخص لهما في قميص الحرير، ورأيته عليهما" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة.
والتعريف بعبد الرحمن بن عوف: سلف في باب الصداق.
والزبير: حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية وأحد العشرة وأحد أعلام السابقين البدريين. قتل في جمادي الأولى سنة ست وثلاثين، قتله عمرو بن جرموز وقبره بوادي السباع من ناحية البصرة
стр. 4980
مشهور بها. وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب.
ثانيها: هذا الحديث ذكره البخاري في باب الحرير في الحرب من كتاب الجهاد، بلفظ "أن عبد الرحمن والزبير [شكيا] (١) إلى النبي ﷺ يعني القمل - فأرخص لنا في الحرير، فرأيته عليهما في "غزاة".
ولفظ "مسلم": "إنهما شكوا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - القمل فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما".
ثالثها: لو ذكر المصنف هذا الحديث في باب اللباس، لكان أنسب من ذكره هنا, لأنه من المخصص لعموم النهي عن لبس الحرير، وهو مناسبته هنا عموم حاجة المغازي إلى ذلك.
رابعها: يقال: شكيت وشكوت. وقد ذكر الحديث بهما.
الفاكهي: وكأن الواو أكثر والشكوى إخبارك عن المشكو بسوء فعله بك. قال الجوهري (٢): في المصدر شكوى وشِكَاتَةً وشَكِيَّةً وشَكَاةً، والاسم: الشَّكْوَى.
خامسها: الحديث دال على جوازه، لأجل هذه المصلحة، وهي دفع القمل للمداواة، فإن برودته تدفعه، ولعله تعين لذلك في دفعه في ذلك الوقت، وقد سماه الراوي رخصة لأجل الإِباحة مع قيام دليل الخطر.
стр. 4981
ومن الشافعية: من خص جواز ذلك بالسفر، واختار ابن الصلاح منهم لظاهر الحديث.
والأصح: الجواز حضرًا وسفرًا.
وقال مالك (١): لا يجوز لبسه مطلقًا. والحديث حجة عليه ولا تعارض. فحديث "أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (٢) لما لا يخفى.
سادسها: ثبت في "الصحيحين" أيضًا من حديث أنس أنه ﵊ [أرخص] (٣) لهما -أعني ابن عوف والزبير- في قميص الحرير لحكة كانت بهما أو وجع كان بهما"، فيحتمل أنه أرخص لهما لدفع القمل مرة، وللحكة أخرى، ويحتمل أنهما اجتمعا لهما، والحكمة في جوازه للحكه أن برودته يمنع منها. وخالف مالك فيه، والحديث حجة عليه، وهو وجه بعيد عند الشافعية وفي وجه ثالث: لهم يجوز ذلك في السفر دون الحضر، لظاهر رواية في مسلم، أن ذلك كان في السفر، لكن جواب هذا أن الرخصة معقوله فتعدى، والسؤال صادف حالة السفر، فلا يتقيد به.
سابعها: يباح أيضًا لمن خاف من حرٍ أو برد لم يجد غيره،
стр. 4982
وكذلك لمن فاجأته الحرب، ولم يجد غيره وكذا الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، كما سلف في بابه.
ثامنها: استحب ابن الماجشون لباس الحرير في الغزو، أو لا يقصد به الخيلاء الممنوعة، حكاه عنه صاحب "المعلم" ومن الشافعية من جوز اتخاذ القباء ونحوه ما يصلح للحرب ولبسه فيها على الإِطلاق لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإِسلام: كتحيلة السيف.
تاسعها: استدل الطبري بهذا الحديث على أن كل علة تضطر [إنسان] (١) إلى لبس الحرير ويرتجى بلبسها خفته أنه يجوز معها لباسه.
стр. 4983
الحديث الثالث عشر
٤٢٧/ ١٣/ ٨٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁: قال: كانت أموال بني النضير: مما أفاء الله على رسوله -[ ﷺ ] (١)، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله " (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث، لما ذكره المصنف في "عمدته الكبرى" عزاه إلى الترمذي، ثم قال: ومتفق على معناه. هذا لفظه، وقد أخرجه مسلم في الجهاد، بلفظ: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله [على رسوله] (٣) مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا
стр. 4984
ركاب [فكانت للنبي ﷺ خاصة] (١)، فكان ينفق على [أهله] (٢) أنفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله" [ ] (٣) ثم ساقه بنحوه مطولًا بقصة.
وأخرجه بها البخاري في خمسة مواضع من صحيحه (٤).
ثانيها: كانت غزوة بني النضير سنة أربع من الهجرة وقريظة والنضير قبيلتان من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن أسد، وكان حُيَيّ بن أخطب من سادات بني النضير، ونقض العهد مع
стр. 4985
النبي ﷺ فكبر رسول ﷺ والمسلمون وقال: حاربت اليهود في قصة طويلة.
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه.
معى [أوجف] (١) الإِيجاف الإِعمال. وقيل: الإِسراع والوَجيفُ ضرب من سير الخيل والإِبل يقال: وَجَفَ الفرس والبعير يَجِفُ [وجوفًا] (٢) أسرع وأَوْجَفَهُ صاحبه إذا حمله على السير.
و"الركاب" الإِبل خاصة، واحدته راحلة من غير لفظها. والجمع الركب مثل الكتب. وأما الركب فمن الأسماء المفردة الواقعة على الجمع، وليس بجمع تكسير لراكب، بدليل قولهم في تصغيره ركيب، وجمع التكسير: لا يصغر على لفظه.
وقوله "فكانت لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - خالصة". معناه أن أموال بني النضير كان معظمها له لا كلها, لأن له ﵊ مما أفاء الله عليه أربعة أخماسها والخمس الباقي فيكون له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال الشيخ تقي الدين (٣): ويحتمل أن يكون كلها كانت له أي كما هو مذهب مالك، وكان ما يفعله من الكراع والسلاح تبرعًا. وقوله: " [فكان] (٤) ﵊ يعزل نفقة أهله سنة" يعني
стр. 4986
أنه لما كانت أموال بني النضير له خالصًا، واتسع عليه الحال ادخر لعياله نفقة سنة تطييبًا لقلوبهم. وكان قبل ذلك لا يدخر "لغدٍ شيئًا" أو "كان لا يدخر شيئًا لغد" (١) لأجل نفسه أو لأجل أهله، وإن كان مشاركًا لأهله فيما يدخر لهم.
"والسلاح" يذكر ويجوز تأنيثه، وهو ما أعد من السلاح للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به.
و"العدة" بضم العين كل ما يستعان به لحوادث الدهر من مال وسلاح.
الرابع: في فوائده.
الأولى: ما أكرم الله به نبيه من خصائص الدنيا والأخرى [(٢)] وتقدمه بها على جميع المخلوقات.
الثانية: أن حكم أموال الفيء كانت خاصًّا به في حياته، يضعه حيث شاء، فكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم، ويجعل ما بقي مصرف أكثر مال الله تعالى إلى أن توفي، وهذا ما قاله أكثرُ الشافعية بالنسبة إلى أربعة أخماس الفيء وخمس خمسه.
وقال الغزالي وغيره: كان الفيء جميعه له إلى أن مات، وإنما يخمس بعد موته.
وقال الماوردي (٣) وغيره: اختصاصه ﵊
стр. 4987
بجميع الفيء كان في أول حياته، ونسخ في حياته.
واختلف العلماء في مصرف الفيء بعده.
فقيل: جميعه للمصالح ولا يخمس وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
وقيل: إن الأخماس الأربعة للمرتزقة، وهم الأجناد المرصدون للجهاد، والخمس: لخمسة لمصالح المسلمين، ولبني هاشم والمطلب، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وهذا مذهب الشافعي. والأكثرون على أن لا يخمس حتى عد [القول] (١) بنخميسه من أفراد الشافعي، ومحل الخوض في المسألة كتب الخلاف.
الثالث: جواز الادخار للنفس والعيال قوت سنة، وأن ذلك غير قادح في التوكل وفعله ﵊ ذلك لم يكن لنفسه، بل كان للعيال تطييبًا لقلوبهم، وتسكينًا لهم، وجمعها على ما هم بصدده، وكان مع ذلك ينفقه قبل انقضاء العدة في وجوه الخير، ولا يتم جملة السنَّة، ولهذا توفي ودرعه مرهونة على شعيرٍ، استدان لأهله، ولم يثغ ثلاثة أيام تباعًا (٢)، وقد تظاهرت الأحاديث
стр. 4988
الصحيحة بكثرة جوعه وجوع عياله (١). وقام الإِجماع على جواز ادخار ما يستغله الإِنسان من أرضه وزراعته مما لم يشتره من السوق، كما فعل الشارع.
ووقع الخلاف في ادخار قوت سنة من السوق، فأجازه قوم واحتجوا بهذا الحديث: ولا حجة فيه؛ لأنه لم يكن من السوق. ومنعه الأكثرون على ما حكاه القاضي عياض (٢) إلَّا على ما لا يضر بالسعر، ومحل هذا الاختلاف ما إذا كان وقت سعة. أما [إذا كان] (٣) في وقت ضيق الطعام على المساكين [لم يصح] (٤) بل يشتري ما لا يضيق: كقوت أيام أو شهر، والصوفية أو بعضهم: قد
يجعلون ما زاد على السنة خارجًا عن طريق التوكل.
стр. 4989
الرابع: مراقبة الله تعالى في الأموال أخذًا وعطاءً وصرفًا ومنعًا.
الخامس: البداءة بالإِنفاق على العيال والتوسعة عليهم، وما فضل يصرف في الأهم من المصالح العامة. وأما الإِنفاق على [النفس] (١) فيجوز تقديمها بالنفقة المتوسطة على العيال وغيرهم، ثم يصرف ما بقي على العيال وما سلف. لكن الأفضل إن كان ممن يصبر ويحتسب أن يؤثر، وإلَاّ فلا وأما حال الاضطرار المفضي إلى الهلاك فيتعين تقديم النفس.
السادس: إعداد [اللأمة] (٢) وكذا ثباتهم ومن يشرع له الغزو [و] (٣) آلات الجهاد والاعتناء بتقديمها على غيرهما، وهو من القوة المأمور بإعدادها في الآية (٤).
السابع: التصون والتحرز في الغزو ونحوه، ولا يكون ذلك قادحًا في التوكل خلافًا لبعض من حكى عنه أنه كان إذا خرج لا يعلق ماءه، ويرى أن إعلاقه ليس من التوكل (٥).
الحديث الرابع عشر
٤٢٨/ ١٤/ ٨٠ - " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أجرى النبي - صلي الله عليه وسلم - ما ضمر من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق" (١).
قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى.
قال سفيان: "من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل".
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث ساقه البخاري كذلك في الجهاد (٢)، وترجم عليه السبق بين الخيل، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه إضمار
стр. 4993
الخيل (١) للسبق، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه غاية السبق للخيل (٢) المضمرة. وفيه قال موسى بن عقبة (٣): أحد رواته من "الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة، ومنها إلى مسجد بني زريق ميل ونحوه".
ورواه مسلم: بنحوه ولم يذكر قول سفيان ولا موسى، وفي رواية له قال عبد الله: "فجئت سابقًا فطفف بي الفرس المسجد".
ثانيها: "سفيان" هذا هو ابن عيينة بن ميمون العلَاّمة الحافظ شيخ الإِسلام ومحدث الحرم، وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، فليراجع منه، وترجمة الصعبي في رجال هذا الكتاب لسفيان هذا, ولسفيان الثوري، فكأنه توقف في المراد، وليس كما توهم، فإنه ابن عيينة لا الثوري، كما قررناه، فتنبه لذلك.
ثالثها: في ألفاظه:
معنى "أجرى" سابق كما جاء مبينًا في الصحيح أيضًا، وجاري في العلم ناظر.
стр. 4994
و "تضمير الفرس" أن يقلل علفها، وتدخل بيتًا كنينًا، وتجلل فيه، لتعرق، ويجف عرقه، فيجف لحمها، وتقوى على الجري، قاله النووي في "شرحه" (١).
وعبارة الشيخ تقي الدين (٢): نحوها فإنه قال: الإِضمار ضد التسمين، وهو تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها الضمر.
ونقل الفاكهي عن أهل اللغة أن التضحير أن تعلف حتى تسمن، ثم ترده إلى القوت، أي: فلا يعلف غيره، وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمى "المضمار"، والموضع الذي تضمر فيه يسمى أيضًا "مضمارًا" وهو بيت لين تجلل فيه لتعرق ويجف عرقها، فيجف لحمها، ويقوى على الجري.
وذكر بعضهم (٣) أنها تعلف الحب والقضيم حتى تسمن إلى آخره.
ومن العرب من يطعمها اللحم واللبن في أيام التضمير.
وعبارة بعضهم (٤): أن التضمير أن تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى تعرق عنها، فيذهب رحلها، ويشتد لحمها.
ويقال: ضَمَّر بالتشديد، وأضمر بالهمز والتخفيف، [والضُّمْرُ] (٥) بسكون الميم وضمها: خفة اللحم والهزال. وقد ضَمَرَ
стр. 4995
الفرس بفتح الميم يَضْمرُ ضُمُورًا وضُمْر بالضم لغةً فيه، ويقال ضمرت الفرس وأضمرتها.
رابعها: في تبين أسماء الأماكن الواقعة فيه.
فأما "الحَفْيَاءُ" فبفتح الحاء المهملة وسكون الفاء تمد وتقصر والأشهر المد والحاء مفتوحة بلا خلاف وأخطأ من ضمها، كما نبَّه عليه صاحب "المطالع"، ويقال أيضًا: "بحيفاء" (١) بتقديم الياء عن الفاء، كما حكاه الحازمي (٢)، والمشهور في كتب الحديث وغيرها تأخيرها عنها.
و"الثنية" بنشديد الياء الطريق في الجبل.
و"الوداع" بفتح الواو سميت بذلك لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة، يودعهم مشيعوهم بها.
وقيل: لأنه ﵊ ودع بها بعض من خلفه على المدينة في أحد خرجاته.
стр. 4996
وقيل: بعض سراياه المبعوثة، والأول أصح، فإنه إسم قديم جاهلي لهذه الثنية، وقد قال نساء الأنصار حين قدم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المدينة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع (١)
وقول سفيان: إن بين الحفياء والثنية ستة أميال أو خمسة هو قول الأكثر، خلافا لقول موسى بن عقبة السالف.
و"زريق" بزاي مضمومة ثم راء مهملة بطن من الأنصار من الخزرج، ينسب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم.
و"الميل" (٢) حيث أطلق المراد به في المسافة ألف باع.
والباع: أربعة أذرع.
والذراع: أربعة وعشرون أصبعًا.
والأصبع: ست شعيرات بطن حبة إلى ظهر أخرى.
стр. 4997
والشعير: ست شعيرات من شعر البغل أو ما قام مقامه. وقال ابن عبد البر (١): أصح ما قيل في الميل: أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع.
خامسهاة في فوائده:
الأول: جواز المسابقة بين الخيل.
الثاني: تضميرها وهو إجماع أيضًا وكذا فيما قبله، لكن اختلف العلماء في المسابقة بينهما هل هو سنة أو مباح، ومذهب الشافعية الأول.
الثالث: جواز تجويع البهائم على وجه الصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وليس هو من باب تعذيبها، بل من باب تدريبها [للحرب] (٢) وإعدادها لحاجتها والكر والفر.
الرابع: بيان الغاية التي يتسابق إليها ومقدار أمدها.
الخامس: إطلاق الفعل على الآمر به والمسوغ له، وليس في الحديث دلالة على العوض فيها, ولا على جوازها على غير الخيل، ولا على غير ذلك من الشروط التي اشترطها الفقهاء في عقد المسابقة، فلا حاجة إلى الخوض فيها، فإنه تعرض لها بعض الشراح، وقد قام الإِجماع على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل، سواء أكان معها ثالث أم لا فأما [المسابقة بعوض] (٣)
стр. 4998
فجائزة بالإِجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين أو منهما، ويكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس مكافىء لفرسيهما, ولا يخرج المحلل من عنده شيئًا، فيخرج هذا العقد عن صورة القمار، ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، وقد بسطناها فيها, ولله الحمد.
السادسة: جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها, وليس في ذلك تزكية لهم، وليس إضافة المسجد إلى بني رزيق إضافة تمليك، وإنما
هي إضافة تمييز، وقد ترجم البخاري (١) على هذه المسألة فقال: باب جواز قول مسجد بن فلان، وروي عن إبراهيم النخعي (٢) أنه كان يكره أن يقال مسجد بني فلان، ولا يرى بأسًا أن يقال مصلى بني فلان.
...
стр. 4999
الحديث الخامس عشر
٤٢٩/ ١٥/ ٨٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني [(١)] وعرضت عليه يوم الخندق [وأنا ابن خمس عشرة] (٢) فأجازني" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: "غزوة أُحُد" كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث.
"وغزوة الخندق" كانت في شوال، وقيل: في جمادى الآخرة، وقيل: في ذي القعدة سنة أربع، وقيل: خمس، وهو يوم الأحزاب،
стр. 5000
ومقتضى هذا على القول الثاني، وهو مخالف لمقضى الحديث الصحيح، فإن مقتضاه أن يكون سنة خمس عشرة، لكنه موافق للأول، أو يكون ابن عمر طعن في الرابعة عشر يوم أُحُد وفي السادسة عشر يوم الخندق، فعبر عنهما بما ذكر.
فائدة: رد النبي - صلي الله عليه وسلم - يوم أُحُد مع ابن عمر زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري. وأجازهم يوم الخندق. وقيل: إن بعض هؤلاء إنما رده يوم بدر. وأجازه يوم أُحُد، لأجل البلوغ وعدمه، ذكره كله ابن عبد البر في "سيرته" (١) ومن رد يوم أُحُد [عقيب] (٢) بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وزيد بن حارثة الأنصاري، وسعد بن خيثمة. وفي هذا نظر, لأنه تغيب فكيف يرد. وسعد بن حبته جد أبي يوسف القاضي وهو بحاء مهملة مفتوحة، ثم موحدة ثم مثناة فوق.
الوجه الثالث: معنى "لم يجزني وأجازني"، أي: جعلني يوم الخندق رجلًا في حكم المقاتلين، بخلاف يوم أُحُد بدليل رواية مسلم: عرضني يوم أُحُد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة. الحديث. وفي لفظ: "فاستصغرني".
الوجه الرابع: في فقهه، هو دال على أن البلوغ بالسن يحدد
стр. 5001
بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب، وأحمد وغيرهم. قالوا باستكمال خمس عشرة سنة ليصير مكلفًا، وإن لم يحتلم فيجري عليه جميع الأحكام من وجوب العبادات وغيرها، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن كان من أهل الحرب.
وفي المسألة قول ثان: أنه يحدد بسبع عشرة.
وثالث: بثمان عشرة، وهذه الأقوال الثلاثة عند المالكية، والمشهور عندهم ثالثها. وفرق أبو حنيفة: بين الغلام والجارية، فقال ثمان عشرة في الغلام وسبع عشرة في الجارية. واعتذر عن هذا الحديث بأن الإِجازة في القتال حكمه منوطة بالإِطاقة والقدرة عليه، فأجازه ﵊ لابن عمر في الخمس عشرة, لأنه رآه مطيقًا للقتال، ولم يكن مطيقًا له قبلها, لا لأنه أراد الحكم عن البلوغ وعدمه، ويرد هذا رواية ابن حبان: "فلم يجزني ولم يرني بلغت". وقال في الثاني: "فأجازني ورآني بلغت"، وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ لما بلغه هذا الحديث، جعله حدًّا بين الصغر والكبر، وكتب إلى عماله. أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال، وعمل به الصحابة والتابعون.
الوجه الرابع: هو دال أيضًا، على أن الخندق كانت سنة أربع، وهو الصحيح وجماعة من أهل السير والتواريخ قالوا إنها كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده لأنهم أجمعوا على أن أُحُد كانت سنة
стр. 5002
ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع، لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة.
الوجه الخامس: هو دال أيضًا على أنه ينبغي للإِمام استعراض الجيش قبل الحرب، فمن وجده أهلًا أجازه، ومن وجده غير أهل رده، كما فعل ﵊.
стр. 5003
الحديث السادس عشر
٤٣٠/ ١٦/ ٨٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄؛ "أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قسم في النفل، للفرس سهمين، وللرجل سهمًا" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا كان يوم خيبر، كما ذكره البخاري في صحيحه وله في لفظ آخر "للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا"، ولم يقل في النفل قال: وفسره نافع، قال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم.
ثانيها: "النفل" بفتح النون والفاء يطلق، ويراد به أمور ثلاثة، قدمتها في آخر الحديث التاسع من الباب، والمراد هنا الغنيمة، وعليه محل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية.
стр. 5004
وحديث ابن عمر السالف في سرية نجد، المراد به فيها ما ينفله الإِمام السرية زائدًا على سهمه.
ثالثها: معنى "قسم للفرس سهمين وللرجل سهمًا"، أنه أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، بدليل الرواية التي أسلفناها عن البخاري.
رابعها: قوله: "للفرس سهمين وللرجل سهمًا" كذا هو في أكثر الروايات، وفي بعضها: "وللراجل سهمًا" بالألف، وفي بعضها: "للفارس سهمين".
خامسها: اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة، فقال الجمهور (١): يكون للرجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، ومن قال هذا ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة (٢): للفارس سهمان فقط: سهم لها وسهم له. وحكي عنه أنه قال: لا أفضل بهيمة على مسلم. ولم يقل بقوله هذا أحد إلَّا ما روي عن علي وابن موسى.
وقوله: "لا أفضل بهيمة على مسلم".
стр. 5005
جوابه أن يقال له فلا تساو بينهما. وقد قيل إن السهم مستحق بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في القتال أكثر.
وحجة الجمهور: هذا الحديث على رواية الكتاب وهي رواية الأكثرين كما قدمنا ذلك عنهم ومن روى "للرجل" [فروايته] (١) محتملة ويتعين حملها على موافقة الأولى جمعًا بين الروايتين.
وقال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث [معرض] (٢) للتأويل من وجهين:
أحدهما: أن يحمل النفل على المعنى الذي ذكرناه، أي: وهو الغنيمة.
والثاني: أن تكون اللام في قوله: "للفرس سهمين" [اللام] (٣) التي للتعليل لا التي للملك، أو للاختصاص، أو أعطى الرجل سهمين لأجل فرسه، أي: لأجل كونه ذا فرس، وللرجل سهم مطلقًا.
وقد أجيب عن هذا ببيان المراد في رواية أخرى صريحة، وهي رواية أبي معاوية، أي: وابن نُمير وأبي أسامة عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه".
стр. 5006
قلت: ومثله من رواية ابن عباس (١) وأبي عمرة (٢) الأنصاري. فقوله: "أسهم" استدل به على أنه ليس خارج عن السهمان.
وقوله: "ثلاثة أسهم" صريح في العدد المخصوص وهذه الرواية صحيحة الإِسناد، إلَّا أنه اختلف فيه على عُبيد الله بن عمر، ففي رواية بعضهم (٣) عنه كرواية المصنف، وقيل: إنه وهم فيه، [أي] (٤): هذا الراوي ولحديث (٥) أبي معاوية وما في معناه عاضد من غيره، ومعارض له لا يساويه [في] (٦) الإِسناد، أما العاضد فرواية المسعودي: حدثني أبو عمرة عن أبيه، قال: أتينا رسول الله -صلي الله عليه وسلم -[(٧)] أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفارس سهمين، لكن المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فيه مقال، وقد استشهد به البخاري (٨)، وعن رجل من آل أبي عمرة، عن [أبي عمرة] (٩) بمعناه إلَّا أنه قال: "ثلاثة نفر، زاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم"، وأبو عمرة صحابي،
стр. 5007
واختلف في اسمه، فقيل: بشير وقيل: ثعلبة بن عمرو، وقيل: عمرو بن محصن، وقيل غير ذلك.
وأما المعارض: فمنه ما روى عبد الله بن عمر وهو أخو عُبيد الله المتقدم عن نافع، عن ابن عمر أنه ﵊ "قسم يوم خيبر للفارس سهمان، وللرجل سهمًا". قال الشافعي (١): وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وهما أبناء عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
وقال في القديم: [إنه] (٢) سمع نافعًا يقول: "للفرس سهمين وللرجل سهمًا"، فقال: "للفرس سهمين وللرجل سهمًا"، وقد عضد رواية عُبيد الله ما رواه أبو داود من حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، -وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن-، قال: شهدت الحديبية مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، إلى أن قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهمًا" (٣). قال أبو داود:
стр. 5008
وحديث أبي معاوية. أصح والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مُجَمِّع ومن قال "ثلاثمائة فارس" وكانوا مائتي فارس. قال الشافعي (١): مجمع ابن يعقوب شيخ لا يعرف، قال: فأخذنا في ذلك بحديث عبد الله ولم نر له خبرًا مثله يعارضه. ولا يجوز رد خبر إلَّا بخبر مثله. قال البيهقي (٢): والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش، وعدد الفرسان، قد خولف فيه، ففي رواية جابر، وأهل المغازي، أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية. وفي رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبُشر بن يسار، [وأهل المغازي] (٣) أن الخيل كانت مائتي فارس فكان للفارس سهمان، ولصاحبه سهم. ولكل راجل سهم.
فرع: لو حضر بأفراس لم يسهم إلَّا لفرس واحد عند الجمهور، ومنهم الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن.
стр. 5009
وقال الأوزاعي والثوري والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين، وروى مثله أيضًا عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وابن وهب وغيره من المالكيين، قالوا ولم يقل أحد أنه يسهم لأكثر من فرسين [إلَاّ حديثًا] (١)، روى عن سليمان بن موسى أنه يسهم (٢).
стр. 5010
الحديث السابع عشر
٤٣١/ ١٧/ ٨٠ - " وعنه أيضًا أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - كان ينفل بعض من يبعث في السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا اللفظ اللبخاري ولفظ مسلم زيادة "قد" قبل، "كان" وزاد في آخره "والخمس في ذلك واجب كله".
ثانيها: هذا هو التنفيل بالمعنى الآخر الذي أسلفناه في معنى النفل، وهو أن يعطي الإِمام لسرية أو لبعض أهل الجيش خارجًا عن السهمان. والحديث مصرح بأنه خارج عن قسم عامة الجيش إلَّا أنه ليس معينًا لكونه من رأس الغنيمة أو من الخمس، فإن اللفظ يحمل لهما جميعًا، وقد بينا اختلاف الناس في ذلك في الحديث التاسع من هذا الباب، وروى مالك (٢) عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن