← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وسهل فيه القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي. وصار أبو حنيفة وصاحباه: إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتبارًا بالمشقة وقياسًا على المخرجين. وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول. ورخص الكوفيون: في مثل رؤوس الإِبر من البول (١). وحكي عن مالك أيضًا: أن غسل القليل للاستحباب. وقال صاحب الجواهر: عندهم البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح، [ومكروهان] (٢) من المكروه أكله. وقيل: نجسان (٣). السادس عشر: قوله ﵇: "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". قال أهل اللغة: يقال: ثم الحديث ينِمه وينُمه بالكسر والضم نَمًّا فهو [نامّ و] (٤) نمام [ونموم] (٥) (٦) ونميمة ونم نم.

стр. 527

والاسم: النميمة (١)، ونما الحديث إذا ظهر، فهو لازم ومتعد. قال ابن سيده (٢): وهي التوريش والإِغراء، ورفع الحديث على وجه الإِشاعة والإِفساد. وفي الجامع: نم الرجل، إذا أظهر ما عنده من الشر. وفي مجمع الغرائب (٣): هو الساعي بين الناس بالشر. وقال النووي في شرح مسلم (٤): حقيقتها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإِفساد. وهي محرمة بالنصوص والإِجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (٦).

стр. 528

وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة نمّام" (١) متفق عليه من حديث حذيفة ﵁. وفي لفظٍ "قتات" وهو النمام. وحُمل على ما إذا استحل [بغير] (٢) تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين (٣)، أما إذا كان فعلها نصيحة في ترك مفسدة أو دفع ضرر وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة بل قد تكون واجبة أو مستحبة، كما يقول في الغيبة إذا كانت نصيحة [لدفع] (٤) مفسدة أو تحصيل مصلحة شرعية، ولو كان (٥) شخصًا اطَّلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان وإذا نقل ذلك القول إليه احترز عنه وجب عليه ذكره له، [ويقال] (٦) من هذا: نمَى، بالتخفيف، ومن الأول: نَمّى، بالتشديد كما أسلفناه، ولا اختلاف في هذا كما قاله الهروي.

стр. 529

وقال الغزالي (١) ﵀: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول عنه، كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإِيماء ونحوها، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان عيبًا أو غيره، فحقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، قال: وينبغي للإِنسان أن يسكت عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلَّا ما كان في حكايته فائدة لمسلم أو دفع مصيبة، وإذا رآه يخفي مال نفسه فذكره [فهو] (٢) نميمة. قال: فكل من حُملت [إليه] (٣) النميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور: أولها: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق مردود الخبر .. ثانيها: أن تنهاه عن ذلك وتنصحه وتقبح فعله. ثالثها: أن تبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب. رابعها: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (٤).

стр. 530

خامسها: أن لا يحملك ما حكى لك [على] (١) التجسس، والبحث عن تحقيق ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٢). سادسها: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا تحكي نميمته. لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٣) وقد حكي أن رجلًا ذكر لعمر بن عبد العزيز [رجلًا] (٤) بشيء، فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥)، وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (٦)، وإن شئت عفونا عنك، [قال] (٧): العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.

стр. 531

وحكى: أن إنسانًا رَفع إلى الصاحب [بن] (١) عباد رقعة يحضه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالًا كثيرًا، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله. وذُكر السعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن من عيبهم إلَّا أنهم أصدق [ما يكونون] (٢) أبغض [ما يكونون] (٣) عند الله. فائدة: قال كعب الأحبار: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى ﵇ فخرج موسى يستسقي ببني إسرانيل فلم يسقوا (٤)، حتى خرج الثالثة فأوحى الله إليه: إني لا أستجيب لك ولا لمن معك فإن فيكم نمامًا، فقال موسى: من هو يا رب حتى نخرجه من بيننا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وآتيها، فباتوا فأرسل الله عليهم الغيث. وقال يحيى بن زيد: قلت للحسن بن علي لمَّا سُقي السم: أخبرني من سقاك؟ فدمعت عيناه وقال: أنا في آخر قدم من الدنيا وأول قدم من الآخرة تأمرني أن أغمز. ولما لقي أسقف نجران عمر بن الخطاب فقال: يا أمير

стр. 532

المؤمنين احذر قاتل الثلاثة، فقال عمر: ومن هو؟ قال: الرجل [يلقى] (١) الإِمام [بالحديث] (٢) الكذب فيقتله الإِمام يكون قد قتل نفسه وصاحبه وإمامه، فقال عمر: ما أراك أبعدت. السابع عشر: روى أحمد في مسنده من حديث أبي بكرة بإسناد على شرط الصحيح أن عذابهما كان من الغيبة والبول (٣). وفي تاريخ البرقي (٤) من حديث يعلى بن سيابة: "أحدهما يأكل لحوم الناس ويغتابهم، والآخر لا يتقي بوله"، فذكرت الغيبة هنا بدل النميمة لاشتراكهما في ذكر المرء بسوء من ورائه، وإلى هذا يشير قتادة: عذاب القبر ثلاث أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول (٥). الثامن عشر: الجريدة: السعفة، كما جاء في بعض الروايات من حديث أنس، وجمعها جريد، والعسيب من الجريد: ما لم ينبت عليه خوص، فإن نبت فهو سعف، وفي صحيح مسلم (٦): "فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين"، و"الباء" في هذه الرواية زائدة

стр. 533

للتوكيد، واثنين: منصوب على الحال، وزيادة "الباء" في الحال صحيحة معروفة، وقد أسلفنا رواية ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه ﵊: "مر بقبر فوقف عليه وقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه والاُخرى عند رجليه" (١) والظاهر أن هذه قصة أخرى. التاسع عشر: وضعه ﷺ الجريدتين على القبر يحتمل أوجهًا: أحدها: أنه سأل الشفاعة لهما ورجا [إجابتها] (٢) وارتفاع العذاب أو تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما لبركته ﷺ فأجيبت [شفاعته] (٣) [بالتخفيف] (٤) عنهما إلى أن ييبسا، ويؤيده رواية مسلم في آخر كتابه في الحديث الطويل، حديث جابر في صاحبي القبرين: "فأحببت بشفاعتي أن [يرفه] (٥) عنهما ما دام [الغصنان] (٦) رطبين" (٧) وإن كانت قضية أخرى فيكون المعنى فيهما واحدًا. ثانيهما: أنه كان يدعو لهما تلك المدة. ثالثها: أنه أوحِي إليه التخفيف عنهما في تلك المدة، قاله الماوردي.

стр. 534

رابعها: أنه بتسبيح الجريدتين ما دامتا رطبتين (١)، ويؤيده

стр. 535

رواية ابن عمر من عند الطبراني " [ولن يعذبا] (١) ما دامت هذه رطبة" (٢)؛ لأن اليابس لا تسبيح له على قول كثيرين من المفسرين وأكثرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٣) فإنهم قالوا: معناه: وإن من شيء حي، وحياة كل شيء تسبيحه، فحياة الخشب ما لم ييبس (٤) والحجر ما لم [يقطع] (٥)، وقُدم إلى الحسن مائدة فقيل له: يا أبا سعيد هل يسبح هذا الخشب؟ قال: كان يسبح وأما الآن فلا (٦). وذهب المحققون منهم إلى أنه على عمومه. ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة أم [] (٧) فيه دلالة على [الصانع] (٨) فيكون مسبحًا منزهًا بصورة [حاله] (٩)؟ والمحققون على

стр. 536

الأول، وقد أخبر الله تعالى عن الحجارة أن منها ما يهبط من خشية الله، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به [فوجب] (١) المصير إليه. العشرون: استحب العلماء كما نقله النووي وغيرهم عنهم: قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا رُجي التخفيف بتسبيح الجريد [فالقرآن] (٢) أولى (٣).

стр. 537

وفي وصول القرآن للميت خلاف بين العلماء وقد أفرد بالتصنيف، ومذهب أبي حنيفة [وأحمد] (١) وصوله (٢)، ولهما

стр. 538

أحاديث وآثار في ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (١) إما منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) أو أن السلام في الإنسان بمعنى "على" أو غير ذلك من أقوال المفسرين فيها. والمشهور من مذهبنا عدم وصول ثواب القراءة إليه كما بسطته في شرح المنهاج، والمختار الوصول. وقيل: إن قرئ عند القبر وقيل وإلا فلا. وكذا حكى الخلاف الفاكهي المالكي في شرح الرسالة قال: وذهب بعض الشافعية -وأظنه الإِمام أبا المعالي- إلى أن القارئ إن نوى في أول قراءته [أن يكون] (٣) ثواب ما يقرأه لفلان الميت، كان ذلك له وإلَاّ فلا [إذ ليس له] (٤) أن ينقل ثوابه لغيره. الحادي والعشرون: ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن

стр. 539

الحصيب الصحابي ﵁ أوصى أن يجعل في قبره جريدتان، ففيه أنه ﵁ (١) تبرك بفعل مثل (٢) فعل رسول الله ﷺ . قال القاضي: وقد عمل الناس في بعض الآفاق تبسيط الخوص على القبر، لعلهم فعلوه اقتداء بهذا الحديث.

стр. 540

وأما الخطابي (١): فإنه أنكر ما يفعله العوام في كثير من البلدان [من] (٢) فرش الخوص في القبور متعلقين بهذا الحديث، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، قال: والذي وقع في هذا الحديث إنما كان من ناحية التبرك بأثره ودعائه بالتخفيف عنهما وليس ذلك من [أجل] (٣) أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. وكذا قال الطرطوشي (٤) في سراج الملوك: لما ذكر هذا الحديث، قال عقبه: وذلك لبركة يده، وكذا قال في [كتابه] (٥) "تحريم النميمة"، والقاضي عياض لما نقل كلام الخطابي وفعل بريدة قال: جعل الجريدة والخوص اليوم استنانًا بهذا الحديث لا يصح؛ لأنه ﵇ علّل غرزها على القبر بعلة معينة لا يُطلع عليها [وهي] (٦) قوله: "إنهما ليعذبان" [وعلم] (٧) ﵇ إنهما ليعذبان فلذلك فعل ما فعل، ولا نفعله نحن الآن؛ لأنا لا نعلم هل الميت يعذب أو هو ممن غفر له، كما قلناه في حديث المحرم:

стр. 541

"لا تمسوه طِيبًا لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وصوّب مقالة الخطابي. وتبعهم ابن الحاج المالكي أيضًا فقال: ذلك راجع إلى بركة ما وقع في لمسه ﵊ لتلك الجريدة، قال: فليحذر من غرس شجرة أو ريحان أو [غيرهما] (١) عند قبره، قال: وما نقل عن أحد الصحابة فلم يصحبه عمل ما، فهم إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا. قلت: وأما القرطبي [فذكر] (٢)، وفي تذكرته (٣) عن علمائهم أنه مستفاد من هذا -يشير إلى وضع الجريدتين- غرس الأشجار وقراءة القرآن على [القبور] (٤)، وإذا خفف عنهم بالأشجار بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ قال: والعجب من الخطابي في قوله: لا أصل له ولا وجه له، مع هذا [الحديث] (٥) المتفق عليه، [ثم رأيت] (٦) [الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني استنبط ذلك أيضًا في أثناء كتابه في الموضوعات: في الحديث دلالة على استحباب وضع الجريدة الرطبة على ما فعله ﷺ ] (٧) (٨).

стр. 542

الثاني والعشرون: قوله ﵇: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". "لعل" حرف لتوقع مرجوٍ أو مخوف، وفيها لغات: عن، وعلّ، وعنَّ، وأنَّ، ولأنَّ. و (ييبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها لغتان، وقد حصل ما ترجاه في الحال ﷺ ، فذكر ابن الجوزي: أن الغصنين أورقا من ساعتهما ففرح النبي ﷺ وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي. الثالث والعشرون: يؤخذ من الحديث تحريم النميمة، إذ هي القاطعة بين المتواصلين والمباعدة بين المتقاربين وأنها سبب العذاب، وهو محمول على النميمة المحرمة كما سلف، وأنها من الكبائر لا سيما إذا تعددت كما يشعر به لفظ (كان)، وقال بعضهم: ليست من الكبائر فيكون العذاب عليها تنبيهًا على التعذيب بالكبائر وأولى تحذيرًا من الذنوب مطلقًا، وقد أسلفنا ذلك. فائدة: قال بعض العلماء: يُفسدُ النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر، ولترغيب الشارع في الإِصلاح بين الناس أباح الكذب فيه، ولزجره [على] (١) الإِفساد حرم الصدق فيه. فائدة ثانية: قال العلماء: لا يكون الشخص نمَّامًا إلَّا وفي نسبه شيء، فإن من جملة أوصافه في الآية "زنيم" (٢) وهو الدعي الذي لا يعرف من أبوه على أحد القولين، قال أبو موسى الأشعرى:

стр. 543

"لا يسعى على الناس إلَّا [ولد] (١) بغي" (٢). وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل، وكان أمير البصرة فقال له: انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه فإذا هو لغير رشده، يعني -ولد زنا (٣) -. الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضًا التنزه عن النجاسات كما سلف فيجب إزالتها؛ لوقوع التعذيب بسبب تركها، وهي حجة على من جعلها سنة إلَّا إنْ تأوله بأنه ترك التنزه عمدًا أو استخفافًا وتهاونًا، وقد قال ابن القصار المالكي: إن متعمد ترك [التنزه] (٤) بغير عذر ولا تأويل مذموم.

стр. 544

الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضًا وجوب ستر العورة كما سلف. السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضًا جواز ذكر الموتى إذا كان في ذكرهم بالمعاصي مصلحة وأنه ليس غيبة وجواز تعيينهم بالذكر، وأن هذا الحديث مخصص لعموم الحديث الآخر: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" (١)، وقد تقدم استبعاد كونهما كافرين أو منافقين (٢). السابع والعشرون: من تراجم البخاري على هذا الحديث: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (٣) "وما جاء في غسل البول" (٤). الثامن والعشرون: ادعى بعض الأئمة في قوله: "ما لم ييبسا" أن شفاعه ﵇ المؤيدة إنما تحصل بشرطين:

стр. 545

أحدهما: طلب الاستشفاع من المشفوع له. ثانيهما: الاستئذان من المشفوع عنده فيها، فإن فقدا كانت مؤقتة كما في هذا الحديث لقوله: (ما لم ييبسا). التاسع والعشرون: استنبط منه الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني إباحة المشي بين المقابر، ذكره في أثناء الكتاب السالف قريبًا. قال: وفيه [دليل] (١) على أن الله قد يعذب على غير الكبائر، والله أعلم، إذ قال: "وما يعذبان في كبير"، وهذا فيه تأويلات أسلفناها فراجعها.

стр. 546

٣ - باب السواك قال أهل اللغة: السِّواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به، وهو مذكر، وقيل: يؤنث أيضًا، حكاه اليث [وغلطه] (١) الأزهري، وذكر صاحب المحكم تأنيثه أيضًا. ويقال: ساك فاه يسوكه سوكًا، فإن قلت: استاك أو يسوك لم تذكر الفم، ومثل استاك: استن وشاص فاه، كما ستعلمه في الباب. وجمع السواك: سُوُك بضمتين [] (٢) ككتاب وكتب ونظائره، وهو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة نحو وقيت وأقيت، وسماع في المفتوحة اتفاقًا، قالوا: ولم يجىء من ذلك إلَّا كلمتان: أحد في واحد، وأناة في وناة وهي المرأة البطيئة القيام، وهل ذلك في [المكسورة] (٣) سماع أو قياس؟ خلاف.

стр. 547

[ثم قيل] (١): إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك. وقيل: مِنْ جاءت الإِبل تتساوك أي تتمايل هزالًا. وهو في الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب الصفرة وغيرها عنها، وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:

стр. 548

الحديث الأول ٢٠/ ١/ ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: الأول: "لولا" حرف يدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، أو امتناع الشيء لوجود غيره؛ لأنها نفت وجوب السواك لأجل المشقة، أو منعت ذلك [لذلك] (٢) ولا يليها إلَّا الأسماء، تقول: لولا زيد لأكرمتك [أي امتنع إكرامي] (٣) إيَّاك لوجود زيد، وتستعمل لولا أيضًا حرف تحضيض بمعنى هلّا، فلا يليها إلَّا الأفعال نحو لولا صلّيت،

стр. 549

لولا تصدّقت. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ (١)، ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ (٢)، وأشباه ذلك من الآي وهذه لا يليها إلَّا الأفعال عكس الأولى. الثاني: "عِند" بكسر العين على أصح اللغات وأشهرها، ويجوز ضمها وفتحها، حكاهما الجوهري (٣). ومعناها: حضور الشيء ودنوه، وهي ظرف [زمان ومكان] (٤) ولا يدخل عليها من حروف الجر إلَّا من. الثالث: استدلَّ بهذا الحديث بعض الأصوليين على أن الأمر للوجوب، وهو قول الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين، [ووجه] (٥) ما ذكرنا من دلالة لولا ومعناها فيدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة [والمنتفي لأجل المشقة] (٦) إنما هو الوجوب لا الاستحباب؛ لأنه ثابت عند كل صلاة فاقتضى أن الأمر للوجوب، ولولا أن الأمر للوجوب لم يكن لقوله ﵊ معنى؛ لأنه إذا أمر به ولم يجب كيف يشق عليهم؟ فثبت أنه للوجوب ما لم يقم دليل على خلافه، وهذا الاستدلال يحتاج [إلى] (٧) تمامه، إلى دليل على

стр. 550

أن السواك كان مسنونًا حالة قوله ﵇ ذلك. نعم مذهب جميع العلماء استحبابه. قال الشافعى ﵁: لو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم [يشق] (١). حكى الشيخ أبو حامد والماوردي عن داود الوجوب، لكن قال صاحب الحاوي (٢) عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة. وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه واجب، وإن تركه [عمدًا أبطلها] (٣)، وأنكر أصحابنا المتأخرون عليهما هذا النقل عن داود، فإن [المنقول] (٤) عنه أنه سنة، نعم نقله عنه القاضي عياض تمسكًا بظاهر الأخبار لقوله "استاكوا": أو "عليكم بالسواك" (٥)، وهذا الحديث يبين المراد بتلك الظواهر، ثم على تقدير صحته عنه لم يكن خارقًا للإِجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، نعم ابن حزم الظاهري (٦) قال: إنه سنة إلَّا يوم الجمعة فإنه فرض لازم، وأما إسحاق: فلم يصح هذا النقل عنه.

стр. 551

ووقع في الانتصار لابن أبي عصرون (١) حكاية وجه: يوافق إسحاق أن السواك شرط في صحة الصلاة، وغلطه ابن أبي الدم (٢) في حكايته، وفي بعض نسخ الحلية للشاشي أن أبا إسحاق قال بذلك، ولعله تصحف بإسحاق بن راهويه. الرابع: فيه دلالة أيضًا لمسألة ثانية أصولية: وهي أن المندوب ليس مأمورًا به، وفيه خلاف لهم. قال القرطبي (٣): والتصحيح: أنه مأمورٌ به لأنه مطلوب بالاتفاق. الخامس: فيه دلالة أيضًا لمسألة ثالثة أصولية: وهي جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب الفقهاء وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار عندهم، وجه الدلالة أنه ﷺ جعل المشقة سببًا لعدم أمره ولو كان الحكم موقوفًا على النص لكان سبب انتفاء أمره عدم ورود النص به لا وجود

стр. 552

المشقة، وفي المسألة أقوال أُخر للأصوليين: أحدها: المنع، وهو قول أبي علي الجبائي وابنه. وثانيها: أن له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام. وثالثها: التوقف في هذه الثلاثة، ونقله في المحصول (١) عن أكثر المحققين، وإذا قلنا بالجواز فالمختار أنه وقع. وقيل: لا. وقيل: بالوقف، ومحل الخلاف على ما قاله القرافي (٢) في شرح المحصول في الفتاوى، أما الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع. السادس: فيه دلالة أيضًا لمسألة رابعة أصولية: وهي أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وهو المختار، لأنه لو أفاده لم يكن لقوله: "عند كل صلاة" فائدة، كذا استنبطه بعضهم. وعكس غيره فقال: فيه دلالة على أن الأمر للتكرار، لأنه لا مشقة في مرة واحدة، فلو لم يكن الأمر به للتكرار لما كانت المشقة مانعة (٣):

стр. 553

السابع: فيه [دلالة] (١) أيضًا لمسألة خامسة أصولية: وهي جواز تعليل الحكم العدمي بالمانع، ولا يتوقف على وجود المقتضى، ومثله قول الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإِعدام قتال كذا استنبطه ابن التلمساني (٢) في شرح المعالم. الثامن: فيه دلالة أيضًا لمسألة نحوية: وهي الرد على من قال من النحاة: إن من شرط اسم "لولا" أن يكون موجودًا حسًّا [لقول عمر في علي "لولا علي لهلك عمر"، "فعلي" موجود حسًّا] (٣). ووجه الرد: أن المشقة لم تقع في الوجود ولا تقع، وإنما هي واقعة على تقدير ورود الأمر، والأمر لم يقع. فلم تقع، نبّه عليه القرافي. وقد يقال: الإِضمار المقدر في الحديث وهو خوف المشقة واقع وموجود في النفس، فلا ردّ إذن. التاسع: فيه دلالة أيضًا على مسألة فقهية: وهو استحباب السواك عند كل صلاة سواء كانت فريضة عينًا أو كفاية أو نافلة

стр. 554

[بوضوء] (١)، أو تيمم، حتى في حق فاقد الطهورين، فإن ما يأتي به صلاة على الأصح. وقيل: لا بل يشبهها، والسر في ذلك أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن يكون على [] (٢) حال كمال ونظافة شرفًا للعبادة، وأيضًا فالعبد "إذا تسوك ثم قام يصلي قام المَلَك خلفه يسمع القرآن فلا يزال عجبه [بالقرآن يدنيه] (٣) حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلَّا صار في جوف ذلك الملك" كما رواه البزار [وأبو نعيم من حديث علي مرفوعًا، قال البزار] (٤): وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي بأحسن من هذا الإسناد، وروي عنه موقوفًا عليه أيضًا (٥).

стр. 555

قلت: ورجال المرفوع رجال الصحيح، فسن السواك لأن الملائكة تتأذى من الرائحة الكريهة. العاشر: فيه دلالة أيضًا بعمومه على مسألة أخرى فقهية وهي استحبابه للصلاة الواقعة بعد الزوال، ولذا ترجم عليه النسائى فقال: السواك للصائم [بالغداة والعشي] (١)، وهو قول الشافعي حكاه الترمذي في بعض نسخه عنه أنه لم [ير] (٢) بأسًا بالسواك أول النهار وآخره. قال النووي في شرح (٣) المهذب: وهو نقل غريب عنه وإن كان [قويًا] (٤) من جهة الدليل، وبه قال المزني ومالك وأكثر العلماء وهو المختار. قلت: لا غرابة فيه فقد نص عليه الشافعي في البويطي أيضًا، فقال في كتاب الصيام، ومنه نقلت: لا بأس بالسواك للصائم في الليل والنهار، نعم نصه في المختصر على الكراهة بعد الزوال وعليه جمهور أصحابه لقوله ﵇ (٥): "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٦). متفق عليه من حديث أبي هريرة. وأما

стр. 556

الشيخ عز الدين فإنه مال إلى استحبابه فقال: لا يلزم من الثناء عليه أفضلية غيره بدليل ركعتي الفجر مع الوتر، قال: وثبت أن الصلاة بسواك تفضل على صلاة بغير سواك سبعين ضعفًا (١). قلت: وهو كما قال، وإن اعترضوا على الحاكم في تصحيحه فقد ذكرته من طريق صحيحة في (تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج) وثبت أن في الخلوف أجر مقدر، فيجوز أن يقدر ما زاد على الفضل بسبب السواك أو فوقه أو دونه، فلا يترك الفضل المحقق لأمر يحتمل أن يكون أنقص منه. قلت: ويُسئل عن الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدم تحريم إزالة الخلوف مع كونه أطيب من ريح المسك. الحادي عشر: فيه أيضًا بيان ما كان ﵊ من الرفق بأمته.

стр. 557

الثاني عشر: فيه أيضًا دلالة على فضل السواك. الثالث عشر: في هذا الحديث ذكر السواك "عند كل صلاة" وفي رواية للبخاري (١) تعليقًا: "عند كل وضوء" وهي في الموطأ (٢) أيضًا. وادَّعى بعضهم أنها من قول ابن شهاب وهو غريب. ورجح بعض المالكية رواية "عند كل وضوء" على الأولى تقريرًا لقاعدتهم فإن السواك عندهم من فضائل الوضوء، وفيه عندهم قبله قالوا: لأن "عند" ظرف مبهم يصح للقبلية والبعدية [والمعية] (٣) في المضمضة والسواك، في جميعها صحيح [فهي رواية] (٤) مطلقة، بخلاف رواية "عند كل صلاة" لا يصح السواك فيها إلَّا قبلها دون المعية والبعدية فيه مقيدة مرجوحة؛ [ولأنه] (٥) طهارة للفم كما أن الوضوء طهارة للأعضاء بضم الشكل إلى شكله وفعله مع فعله أولى.

стр. 558

قال: وبه يقع الرد على من قال بالاستياك في المسجد، وكل هذا عجيب من هذا القائل، وكيف يرد رواية الصحيحين وهي "عند كل صلاة" برواية معلقة للبخاري وحده، وفي رواية للنسائي (١) من طريق مالك "مع كل صلاة". فوائد مهمة: الأولى: يستحب أن يكون السواك باليمين كما قدمته في الحديث التاسع من كتاب الطهارة مبسوطًا، وأن ذلك ورد منصوصًا عليه وهو من الفوائد الجليلة التي لم يعثروا عليها. الثانية: يستحب السواك أيضًا ويتأكد في مواضع: الأول: عند قراءة القرآن. الثاني: عند اصفرار الأسنان. الثالث: عند دخول الإِنسان منزله. الرابع: عند إرادة النوم. الخامس: عند الاستيقاظ منه. السادس: عند الأكل. [السابع] (٢): بعد الوتر. الثامن: في السحر، ذكر هذه الثلاثة الأخير ابن عبد البر. التاسع: عند تغير الفم. العاشر: عند الوضوء.

стр. 559

وفي النسائي (١) من حديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك. وهذا يدل على فعله عقب الصلاة، قال ابن الحاج (٢) المالكي: ويستاك في الليلة ثلاثة مرات قبل النوم، وبعده عند القيام لوِرْدِه، وعند الخروج لصلاة الصبح. قلت: وروى أبو نعيم (٣) من حديث أبي أيوب أنه ﵊ كان يستاك في الليلة مرارًا، ومن حديث ابن عباس: ربما استاك ﷺ في الليلة أربع مرات. الثالثة: للسواك منافع وقد ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي (٤) فزادت على الثلاثين فسارع إليه فإنه يرحل إليه، وله أيضًا آداب ستأتي [وقد] (٥) ذكرتها أيضًا في شرحي للمنهاج الذي سميته (عجالة المحتاج) (٦) وهو شرح الصغير فراجعها منه، والله الموفق. الرابعة: أحسن ما يستاك به الأراك، لحديث ابن مسعود

стр. 560

[في] (١) (صحيح ابن حبان) وحديث أبي خيرة الصنابحي في (تاريخ البخاري) (٢)، وفيه منافع كثيرة ويقوم مقامه كل خشن إلَّا إصبعه في الأصح وبه جزمت المالكية، وعندهم أنه يكره للصائم أن يستاك بالأخضر الذي يجد له طعمًا، قالوا: وأما الجوزة المحمرة فحرام للصائم. وعند الشافعية وجه: أنه يكره الرطب للصائم قبل الزوال، والأصح لا كاليابس. الخامسة: ذكر الحكيم الترمذي في علله -ومنه نقلت- في كيفية الاستياك: أن تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته والبنصر والوسطى والسبابة فوق السواك، قال: ولا تقبض القبضة على السواك فإن ذلك يورث البواسير (٣)، وقال: وابلع ريقك من أول ما تستاك فإنه ينفع الجذام والبرص وكل داء سوى الموت، ولا يبلع بعده

стр. 561

شيئًا فإنه يورث الوسوسة، برواية زياد بن علاقة. [ونقل] (١) بعض المالكية عن الغزالي أنه نص على أن ما ينفصل بالسواك من الطعام المتغير المتعلق بالأسنان محرم أكله، وهو غريب. قال -أعني الترمذي [الحكيم] (٢) -: ولا يمس بالسواك شيئًا فإن ذلك يورث العمى. قال: ولا تضع السواك إذا وضعته عرضًا وانصبه نصبًا، فإنه يروى عن سعيد بن جبير قال: من وضع سواكه بالأرض فجن [من ذلك] (٣) فلا يلومنَّ إلَّا نفسه. وهذه آداب حسنة ينبغي استعمالها فإنه لا تجلب إلَّا خيرًا. السادسة: قال الترمذي أيضًا يروى عن كعب أنه قال: "من أحب أن يحبه الله تعالى [فليكثر] (٤) من السواك والتخلل فالصلاة بهما مائة صلاة". قال: وروى خالد عن أبيه قال: "السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر الصلاة، والصلاة شطر الإيمان"، ونقل ابن عبد البر عن الأوزاعي (٥) أيضًا: "أنه شطر الوضوء". السابعة: مذهب مالك كراهية الاستياك في المسجد خشية أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه، قال صاحب المفهم (٦): لم يثبت قط أنه ﵊ استاك في المسجد

стр. 562

فلا يشرع [] (١) لما فيه من زوال الأقذار فيه، والمساجد منزهة عنها وأهل الهيئات والمروءات يمنعون من زوال الأقذار في المحافل والجماعات، قال: ومعنى قوله: "عند كل صلاة": عند كل وضوء، وما قاله عجيب؛ فإن السواك يستحب كونه متوسطًا بين الليونة واليبوسة حينئذٍ فالخشية السالفة مأمونة ولئن حصلت فعدم تنزيه المسجد إنما يحصل إذا بصقه فيه، [دون ما إذا بصقه] (٢) [فيما] (٣) معه [من] (٤) خرقة ونحوها، ودعواه عدم الثبوت من فعله لا يلزم منه على صحته عدم فعله، بل ترغيبه فيه بقوله "عند كل صلاة" يشمله، وكان السواك من أذنه ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب كما رواه البيهقي (٥) من حديث جابر، وكذا كان زيد بن خالد الجهني يفعله وكلما قام إلى الصلاة استاك كما رواه الترمذي وصححه (٦). وروى الخطيب [في] (٧) كتاب "من روى عن مالك" عن أبي هريرة (٨) أن

стр. 563

أصحاب رسول الله ﷺ كان أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة. وقوله: إنه من باب إزالة الأقذار، لا يسلّم، بل هو من باب الطيب، وفعله أيضًا من المروءة لا كما قاله؛ لأنه فيه إظهار شعار هذه السنة، وسيأتي في الحديث الرابع من هذا الباب أن بعضهم ترجم عليه: استياك الإِمام بحضرة رعيته، وترجم [ابن حبان] (١) أيضًا في صحيحه (٢): الإِباحة للإِمام أن يستاك بحضرة رعيته إذا لم يكن يحتشمهم، ثم روى حديث أبي موسى الأشعري الثابت في الصحيحين قال: "أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعرين ورسول الله ﷺ يستاك فكأني انظر إلى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت". قلت: وأما التأويل السالف -الصلاة بالوضوء- فمن الأعاجيب، بل يؤخذ من الحديث المذكور أنه لا كراهة في فعله في المسجد [لإِطلاق] (٣) قوله: "عند كل صلاة".

стр. 564

الحديث الثاني ٢١/ ٢/ ٣ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (١). الكلام عليه من خمسة أوجه: وتقدم أولًا أن هذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم يذكر الحميدي في جمعه بين الصحيحين سواء وكذا رواه البخاري هنا، ورواه في كتاب الجمعة بلفظ: "كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك". ورواه مسلم [بلفظ المصنف] (٢) وبلفظ: "كان إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك". ووقع في بعض نسخ الكتاب "إذا قام من النوم" بدل "من الليل" وكذا وقع في شرح الشيخ تقي الدين (٣) لكنه

стр. 565

قال في كلامه على الحديث: وقوله: "من الليل" ظاهره تعليق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن يكون المراد: إذا قام من الليل للصلاة، وهذا الكلام منه يقتضي إنما [أراد] (١) لفظ الحديث إنما هو "من الليل" بدل "من النوم" لكن لما ذكر هذا الحديث في كتابه الإِمام (٢) أورده بلفظ "النوم" بدل "الليل"، وقال: أخرجوه إلَّا الترمذي. وإنما ذكرت هذا كله لأن ابن العطار قال: إن لفظ الحديث في رواية البخاري ومسلم: "كان إذا استيقظ من النوم" وهو غريب. [قلت] (٣): فلم أر هذه اللفظة في واحد منهما ولفظهما كما ذكرته لك. الوجه الأول من الكلام على الحديث: في التعريف براويه: وهو صحابي ابن صحابي. واليماني: يكتب بالياء على الأفصح كما قدمت مثله في عبد الله بن عمرو بن العاصي. وكنية حذيفة: أبو عبد الله. وقيل: أبو سريحة، وهو معدود في أهل الكوفة. [واليمان] (٤) اسمه حُسيل بضم الحاء وفتح السين المهملتين ثم
следующие страницы →