← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

شيئًا فإنه يورث الوسوسة، برواية زياد بن علاقة. [ونقل] (١) بعض المالكية عن الغزالي أنه نص على أن ما ينفصل بالسواك من الطعام المتغير المتعلق بالأسنان محرم أكله، وهو غريب. قال -أعني الترمذي [الحكيم] (٢) -: ولا يمس بالسواك شيئًا فإن ذلك يورث العمى. قال: ولا تضع السواك إذا وضعته عرضًا وانصبه نصبًا، فإنه يروى عن سعيد بن جبير قال: من وضع سواكه بالأرض فجن [من ذلك] (٣) فلا يلومنَّ إلَّا نفسه. وهذه آداب حسنة ينبغي استعمالها فإنه لا تجلب إلَّا خيرًا. السادسة: قال الترمذي أيضًا يروى عن كعب أنه قال: "من أحب أن يحبه الله تعالى [فليكثر] (٤) من السواك والتخلل فالصلاة بهما مائة صلاة". قال: وروى خالد عن أبيه قال: "السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر الصلاة، والصلاة شطر الإيمان"، ونقل ابن عبد البر عن الأوزاعي (٥) أيضًا: "أنه شطر الوضوء". السابعة: مذهب مالك كراهية الاستياك في المسجد خشية أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه، قال صاحب المفهم (٦): لم يثبت قط أنه ﵊ استاك في المسجد

стр. 562

فلا يشرع [] (١) لما فيه من زوال الأقذار فيه، والمساجد منزهة عنها وأهل الهيئات والمروءات يمنعون من زوال الأقذار في المحافل والجماعات، قال: ومعنى قوله: "عند كل صلاة": عند كل وضوء، وما قاله عجيب؛ فإن السواك يستحب كونه متوسطًا بين الليونة واليبوسة حينئذٍ فالخشية السالفة مأمونة ولئن حصلت فعدم تنزيه المسجد إنما يحصل إذا بصقه فيه، [دون ما إذا بصقه] (٢) [فيما] (٣) معه [من] (٤) خرقة ونحوها، ودعواه عدم الثبوت من فعله لا يلزم منه على صحته عدم فعله، بل ترغيبه فيه بقوله "عند كل صلاة" يشمله، وكان السواك من أذنه ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب كما رواه البيهقي (٥) من حديث جابر، وكذا كان زيد بن خالد الجهني يفعله وكلما قام إلى الصلاة استاك كما رواه الترمذي وصححه (٦). وروى الخطيب [في] (٧) كتاب "من روى عن مالك" عن أبي هريرة (٨) أن

стр. 563

أصحاب رسول الله ﷺ كان أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة. وقوله: إنه من باب إزالة الأقذار، لا يسلّم، بل هو من باب الطيب، وفعله أيضًا من المروءة لا كما قاله؛ لأنه فيه إظهار شعار هذه السنة، وسيأتي في الحديث الرابع من هذا الباب أن بعضهم ترجم عليه: استياك الإِمام بحضرة رعيته، وترجم [ابن حبان] (١) أيضًا في صحيحه (٢): الإِباحة للإِمام أن يستاك بحضرة رعيته إذا لم يكن يحتشمهم، ثم روى حديث أبي موسى الأشعري الثابت في الصحيحين قال: "أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعرين ورسول الله ﷺ يستاك فكأني انظر إلى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت". قلت: وأما التأويل السالف -الصلاة بالوضوء- فمن الأعاجيب، بل يؤخذ من الحديث المذكور أنه لا كراهة في فعله في المسجد [لإِطلاق] (٣) قوله: "عند كل صلاة".

стр. 564

الحديث الثاني ٢١/ ٢/ ٣ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (١). الكلام عليه من خمسة أوجه: وتقدم أولًا أن هذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم يذكر الحميدي في جمعه بين الصحيحين سواء وكذا رواه البخاري هنا، ورواه في كتاب الجمعة بلفظ: "كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك". ورواه مسلم [بلفظ المصنف] (٢) وبلفظ: "كان إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك". ووقع في بعض نسخ الكتاب "إذا قام من النوم" بدل "من الليل" وكذا وقع في شرح الشيخ تقي الدين (٣) لكنه

стр. 565

قال في كلامه على الحديث: وقوله: "من الليل" ظاهره تعليق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن يكون المراد: إذا قام من الليل للصلاة، وهذا الكلام منه يقتضي إنما [أراد] (١) لفظ الحديث إنما هو "من الليل" بدل "من النوم" لكن لما ذكر هذا الحديث في كتابه الإِمام (٢) أورده بلفظ "النوم" بدل "الليل"، وقال: أخرجوه إلَّا الترمذي. وإنما ذكرت هذا كله لأن ابن العطار قال: إن لفظ الحديث في رواية البخاري ومسلم: "كان إذا استيقظ من النوم" وهو غريب. [قلت] (٣): فلم أر هذه اللفظة في واحد منهما ولفظهما كما ذكرته لك. الوجه الأول من الكلام على الحديث: في التعريف براويه: وهو صحابي ابن صحابي. واليماني: يكتب بالياء على الأفصح كما قدمت مثله في عبد الله بن عمرو بن العاصي. وكنية حذيفة: أبو عبد الله. وقيل: أبو سريحة، وهو معدود في أهل الكوفة. [واليمان] (٤) اسمه حُسيل بضم الحاء وفتح السين المهملتين ثم

стр. 566

مثناة تحت ثم لام، تصغير حِسل بكسر الحاء وإسكان السين، ويقال فيه: غير مصغر. ولقب باليمان؛ لأن جده جروه [أصاب] (١) دمًا في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليماني [لحلفه] (٢) اليمانية فلقب بلقبه، ويقال في نسبه: عبسي قطعي وهو من حلفاء الأنصار. وأمه: اسمها الرباب بنت كعب بن عدي بن كلب بن عبد الأشهل. شهد حذيفة وأخوه صفوان وأبوهما أحدًا وقتل أبوهما يومئذ، قتله بعض المسلمين خطأ وهو [يحسبه] (٣) من المشركين فتصدق بدم أبيه وديته على المسلمين، يقال: إن الذي قتله عتبة بن مسعود، وأراد هو وأبوه أن يشهدا بدرًا فاستحلفهما المشركون أن لا يشهدا فحلفا ثم سألا النبي ﷺ فقال: "نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم". وكان حذيفة من [المهاجرين] (٤)، ومن كبار الصحابة ومشاهيرهم، وهو الذي بعثه ينظر إلى قريش يوم الخندق فجاء بخبر رحيلهم، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن المنافقين

стр. 567

ويقتدي به في الصلاة عليهم، فمن صلى عليه حذيفة صلى عليه عمر ومن لم يصل عليه لم يصل عليه، وكان معروفًا في الصحابة بصاحب السر لما كان رسول الله ﷺ يسر إليه ويعلمه بأسماء المنافقين وأعيانهم، وكان أعلم الصحابة بذلك، وفي صحيح مسلم عنه: "لقد حدثني رسول الله ﷺ بما يكون حتى تقوم الساعة غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها، وإني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة". وخيره رسول الله ﷺ لما هاجر إليه بين الهجرة والنصرة فاختار النصرة، وكان يسأل النبي ﷺ عن الشر [فيجتبه] (١). وسأله عمر عن الأيام التي بين يدي الساعة: من يعقلها عن رسول الله ﷺ فقال: أنا، فقال له عمر ﵁: هات فلعمري إنك عليها لجريء، ثم ذكر له منها. وسئل حذيفة: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب؟ وقال ﵁: لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها. قال ابن عبد البر: وشهد نهاوند مع النعمان بن مقرّن فلما قتل النعمان أخذ الراية ففتح الله على يديه نهاوند والري والدينور وذلك كله سنة اثنين وعشرين. قال ابن سيرين: وكان عمر ﵁ إذا بعث أميرًا كتب [إليهم] (٢) ليسمعوا له ويطيعوا، فلما بعث حذيفة ركبوا إليه ليتلقوه فلقوه على بغل تحته أكاف وهو معترض عليه فلم

стр. 568

يعرفوه فأجازوه، فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم، قال: فركضوا في أثره فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عرق وهو يأكل، [فسلموا عليه] (١) فنظر إلى عظيم منهم [فناوله] (٢) العرق والرغيف فلما غفل ألقاه أو أعطاه خادمه. وكان عمر قد ولاه المدائن فأقام بها إلى أن مات سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وقيل: سنة خمس وثلاثين. روى عن النبي ﷺ فأكثر ولم يذكر عدتها بقي بن مخلد، وفي الصحيحين له سبعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على اثنى عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر، روى عنه جماعة من الصحابة منهم أبو الطفيل وعمار بن ياسر وجندب بن عبد الله، وخلق من التابعين، قال ابن حبان: وكان فص خاتمه ياقوتة أسمانجونية فيها [كوكبان] (٣) متقابلان بينهما مكتوب الحمد لله (٤)، قال: كذا قاله

стр. 569

جرير عن الأعمش عن موسى بن عبد الله الله بن يزيد عن أم سلمة بنت حذيفة. قلت: وكذا رواه علي بن يونس عن الأعمش أيضًا، أورده البغوي في معجمه، فإن صح [عنه] (١) فيحمل على أنه لم يبلغه النهي عن خاتم الذهب إن كان ذهبًا وهو الظاهر. فائدة: في الرواة حذيفة ابن اليمان اثنان: أحدهما: هذا. وثانيهما: واسطي حدَّث عن الشعبي وغيره وعنه شعبة بن الحجاج وغيره. الوجه الثاني: "كان" هذه دالة على الملازمة والاستمرار. وقوله: "إذا قام من الليل" ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل كما قال الشيخ تقي الدين (٢): إذا قام من الليل للصلاة، فتعود إلى معنى الحديث الأول. ويؤيده رواية الصحيحين التي أسلفناها: "إذا قام ليتهجد" فتفسر هذه تلك، لكن قال ابن منده: قوله "للتهجد" لا يرويه غير حصين وحديث الأعمش ومنصور مشهور وليس في حديثهما هذه الرواية. قلت: ورواه حصين مرة بدونها، كذا رواه البخاري (٣) عنه في

стр. 570

كتاب الجمعة، ورواه الطبراني (١) من حديث أبي حفص الأبّار عن منصور والأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: "كان رسول الله ﷺ يشوص فاه بالسواك" ولم يذكر القيام من الليل. الثالث: قوله "من الليل" أي "في الليل" "فمن" هنا بمعنى "في" وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٢) أي في يوم الجمعة. الرابع: قوله: "يشوص" هو -بفتح أوله وضم ثانيه وهو بشين معجمة ثم واو ساكنة ثم صاد مهملة- واختلف في تفسيره على خمسة أقوال متقاربة: أحدها: الغسل: وكل شيء غسلته فقد شصته، قاله الهروي [وهو ما في الجامع أيضًا، وجزم به المصنف في الكتاب حيث قال: يشوص معناه: يغسل، يقال: شاصه يشوصه وماصه يموصه إذا غسله، وتبع في ذلك الهروي] (٣) فإنه قال: الشوص والموص بمعنى واحد، وفي الصحاح (٤): الشوص: الغسل والتنظيف. قال ابن سيده: شاص الشيء شوصًا: غسله، وشاص فاه بالسواك شوصًا (٥): غسله عن كراع.

стр. 571

القول الثانى: أنه التنقية: قاله أبو عبيد (١) والداودي يقول: شصت الشيء إذا نقيته. الثالث: أنه الدلك: قاله ابن الأنباري. قال الشيخ (٢) تقي الدين: وهو الأقرب، وظاهر كلامه في كتاب الإِمام (٣) تصحيحه. وقال ابن الأعرابي وإبراهيم الحربي (٤) والخطابي (٥) وآخرون: إنه دلك الأسنان عرضًا أي عرض الأسنان. وقيل: عرض الفم، والموص قريب منه. وقيل: بل هو غسل الشيء في بين ورفق. وقال [المازري] (٦): قال رجل لأعرابية اغسلي ثوبي، قالت: نعم وأموصه، تريد غسله ثانية برفق (٧). الرابع: أنه الحك: قاله ابن حبيب. الخامس: أنه بالإِصبع: وأنه يغني عن السواك، حكاه

стр. 572

أبو عمر (١)، ويرده قوله في الحديث: "بالسواك". قال النووى في شرح (٢) مسلم: وأظهر هذه الأقوال الثالث، يعني مقالة الخطابي ومن وافقه وما في معناه، ولما ذكر ابن سيده أنه الغسل، قال وقيل: إنه الإِمرار على الأسنان من [أسفل] (٣) إلى علو، وهذا يأتي على قول من فسر العرض بعرض الفم، وهو قول ابن دريد، ومته الشَّوْصةُ: [هي] (٤) ريح ترفع القلب عن موضعه، قال: وقيل: هو أن يطعن به فيها. قال: وقد شاصه شوصًا وشوصانًا، وشاص الشيء شوصًا [إذا] (٥) دلك، وشاص الشيء: زعزعه. الخامس: فيه استحباب السواك في حال القيام من النوم، وعلته أن النوم مقتضى لتغير الفم وهو آلة تنظيف الفم فيسن لاقتضائه التغيير، وإذا كان كذلك فلا فرق بين نوم الليل والنهار فتخصيصه بالليل للغلبة أي لكون تغير الفم فيه أكثر، وأبدى الحكيم الترمذي استحباب السواك عند القيام من النوم فإنه قال ما معناه: إن الإِنسان إذا نام ارتفعت معدته وانتفخت وصعد بخارها إلى الفم والأسنان فتنتن وتغلظ. ويروى أن الشيطان ذلك طعامه ويمسح لسانه عليه

стр. 573

ويرمي [به] (١). قال: واحرص على الاستياك أول النهار ووسطه إن كنت تتوضأ. فعن عائشة [﵂] (٢) مرفوعًا: "من استاك أول النهار وآخره كان مع المقربين في الفردوس"، قال: ولا يستاك بين ذلك إلَّا من علة أو حاجة، وقيل: من فعل ذلك عقم وذهب ماء وجهه [وحيائه] (٣)، يروى ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: وإذا قمت من الليل فاستك شديدًا، كذلك السنة فيه؛ لأنه ﵇ (٤): "كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" [والشوص] (٥): ما يوجع فمه منه. قال: واجعله أول النهار ووسطه أخف من الأول وآخره أخف من وسطه، كذلك السنة (٦).

стр. 574

الحديث الثالث ٢٢/ ٣/ ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ ، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به فأبده رسول الله ﷺ بصره فأخذت السواك فقضمته، فطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع [يديه] (١) -أو إصبعه- ثم قال: في الرفيق الأعلى -ثلاثًا- ثم قضى، وكانت تقول: مات [بين] (٢) حاقنتي وذاقتني". وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه، [وعرفت] (٣) أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ [فقال] (٤) برأسه: أن نعم". لفظ البخاري (٥)، ولمسلم نحوه.

стр. 575

الكلام عليه من سبعة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة، وعبد الرحمن هذا هو أخو عائشة لأبويها وهو أسن أولاد الصديق. كنيته: أبو عبد الله. وقيل: أبو محمد، حضر بدرًا وأحدًا مع الكفار، ثم أسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه وهاجر قبل الفتح مع معاوية فيما قيل، وكان اسمه عبد الكعبة فغيره رسول الله ﷺ بعبد الرحمن، وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد، وقتل سبعة من كبارهم وهو الذي قتل محكّم اليمامة ابن طفيل رماه بسهم في نحره فقتله. روى عن النبي ﷺ ثمانية أحاديث، اتفقا منها على ثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين [وابنه] (١) أبو عتيق محمد ولد في حياة النبي ﷺ فهو صحابي بهذا الاعتبار ابن صحابي ابن صحابي [ابن صحابي] (٢) وهذا من خصائص بيت الصديق، ولا يعرف في غيره كما قدمناه في ترجمة عائشة ﵂. مات ﵁ بالحبشى، وهو جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: نحو عشرة فنقله ابن صفوان إلى مكة، ووقع في ثقات

стр. 576

ابن حبان أنه مات بالحبشة ولعله غلط من الناسخ. وكانت وفاته سنة ثلاثة [وخمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس، وقال ابن حبان: سنة ثمان، قبل عائشة، ثم حكى قول من قال سنة ثلاث] (١) قال: وكان يخضب بالحناء والكتم، قال القاسم: توفي في مقيل قاله على غير وصية، فأعتقت عائشة رقيقًا من رقيقه عسى أن نفعه الله به، ولما اتصل موته بها ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره فبكت عليه وتمثلت: وكناكندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتفرقا (٢) فلما تفرَّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلَّا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. وترجمته مبسوطة أكثر من هذا فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب وذكرت فيه أن في الرواة عبد الرحمن بن أبي بكر ثلاثة، هذا أحدهم فاستفد الباقي منه. الوجه الثاني: [بقولها] (٣): "ومع عبد الرحمن سواك رطب" فيه الاستياك بالسواك الرطب وقد قدمت في الحديث الأول ما فيه للصائم.

стр. 577

الثالث: معنى "يستن به": يستاك. قال الخطابي (١): وأصله من السن وهو إمرار الشيء الذي فيه حروشه على شيء آخر، [ومنه] (٢) المسن: الذي يستحد عليه الحديد ونحوه، يريد أنه كان يدلك به أسنانه، وكان سواكه ﷺ تارة من أراك وتارة جريدة النخل، وفي البخاري (٣) في هذا الحديث أن هذا السواك كان من جريد رطبة، وفي صحيح الحاكم (٤) أنه كان من أراك رطب، ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه، وقال ابن دحية في كتابه مرج البحرين (٥): أنه كان من عسيب النخل فيما رواه أبو القاسم بن الحسين (٦). قلت: وهو الجريد ما لم ينبت عليه خوص كما سلف في الباب قبله، قال: والعرب تستاك بالعسيب، قال: وكان أحب السواك إلى رسول الله ﷺ صرع الأراك، واحدها صريع وهو قضيب ينطوي من الأراك حتى يبلغ التراب فيبقى في ظلها [فهو] (٧) ألين من

стр. 578

[فرعها] (١). الرابع: قولها: فأبده رسول الله ﷺ بصره [معنى] (٢) أيده بالباء الموحدة ثم الدال المهملة: نظر إليه طويلًا؛ لقوله في الرواية الأخرى: "فرأيته ينظر إليه"، [يقال] (٣): أبددت فلانًا النظر إذا طولته إليه، فكان أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق، وكأنه ﵊ أعطاه بدته من النظر أي حظه. ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلَّا الله، ثم رفع رأسه فأبد النظر، ثم قال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض (٤). وما ذكرته من أن أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق هو ما ذكره الشيخ تقي الدين (٥) ونازعه فيه الفاكهي، وقال: بل هو بالجمع أولى منه بالتفريق [فإنه] (٦) من أطال نظره إلى الشيء فقد جمع نظره فيه، وكذا فيه الحكاية المذكورة معناه: جمع نظره في الحضرة لا أنه فرق نظره وردده، وتبعه بعض من [أدركناه] (٧) فقال:

стр. 579

يحتمل أن يكون أصله التأبيد وهو طول المكث وهو أنسب لتطويل البصر، قال: فإن كان من التأبيد فتكون الباء مشددة، وإن كان من التبديد فتكون الدال مشددة. الخامس: فيه العمل بما يفهم من الإِشارة والحركات، وقد أعملها الفقهاء في غير ما مسألة من الأخرس وغيره. السادس: قولها "فقضمته": هو بالضاد المعجمة المكسورة، قال الجوهري: القضم هو الأكل بأطراف الأسنان، والخضم يعني بالخاء المعجمة: الأكل بجميعها. وقولهم: "يبلغ الخضم" (١) أي: يدرك السبع بالأكل [أي] (٢) بأطراف الفم، وإن الغاية البعيدة تُدْرك بالرفق، قال الشاعر: تبَلَّغ بأخلاق الثياب جديدها ... وبالقضم حتى [تبلغ] (٣) الخضمَ بالقضْم وقال ابن هشام: القضم: لكل شيء يابس كالتبن والشعير، والخضم لكل شيء رطب كالقثاء وغيره.

стр. 580

وذكر ابن جني: أن العرب اختصت اليابس بالقاف والرطب بالخاء؛ لأن في القاف شدة وفي الخاء رخاوة. وقيل: إن القضم لمقدم الأسنان والخضم بالفم كله (١)، وقالوا في تعريف اسمه: خضم بفتح الضاد وكسرها. وذكرهما صاحب المطالع في باب: القاف مع الصاد المهملة فقال: قولها "فقضمته" يعني بفتح الضاد أي شققت السواك بأسناني، وفي كتاب التميمي: فقضمته أي قطعت رأسه، والقضم القص، وفي البخاري (٢) في الوفاة، ومثله للقابسي، وابن السكن، وكذلك اختلف فيه عن أبي ذر. ثم قال بعد ذلك: قولها "فقصمته ثم مضغته" كذا لأكثرهم، ولابن السكن والمستملي والحموي بضاد معجمة (٣)، فالقصم الكسر، والقضم القطع بالأسنان، والمضغ التليين. ولما ذكره ابن الجوزي (٤) في الضاد المعجمة قال: وبعض المحدثين يقوله بالمهملة، وبالمعجمة أصح.

стр. 581

وقال ابن التين في شرح البخاري: هو في [الكثير] (١) بصاد غير معجمة وقاف، وضبطه بعضهم بالفاء، والمعنى يصح في ذلك كله؛ لأن الفصم بالفاء: الكسر. وصوابه بقاف وصاد غير معجمة وهو الكسر والقطع وكذا رويناه، وقد صح بالضاد المعجمة لأنه الأكل بأطراف الأسنان. وقال ثعلب (٢): قضمت الدابة شعيرها، بكسر ثانية يقضم. وحكى الليلي (٣) فتح ثانية، ولم يزد الشيخ تقي الدين (٤): في شرحه على قوله: القضم بالأسنان. وأما ابن العطار: فلم يتكلم على هذه اللفظة رأسًا. ويتلخص مما ذكرنا ثلاث روايات: الأولى: بالقاف والصاد المهملة. الثانية: بالفاء (٥).

стр. 582

الئالثة: بالقاف والضاد المعجمة المكسورة ويجوز فتحها أيضًا كما سلف فاستفد ذلك (١). ولما حكى المحب الطبري في أحكامه عن ابن الأثير (٢) أنه قال: قولها "فقضمته" هو بكسر الضاد المعجمة أي مضغته ولينته وطيبته، قال: فيكون قولها "فطيبته" تكرارًا للتأكيد. قال: ولا يبعد أن يكون بالصاد المهملة وهو الكسر، فيكون معناه كسرته لطوله أو لمعنى آخر [و] (٣) قد علمت أن ذلك رواية وأن بعضهم صوبها. السابع: قولها "فطيبته" يحتمل أن تريد غسلته، ويحتمل أن تريد أنعمته ولينته وهو أظهر لعطفها بالفاء السببية، إذ التليين والتنعيم مسبب عن القضم وليس الغسل كذلك، ولذلك لما لم يكن الدفع مسببًا عن القضم أثبت "بثم" التي لا تسبب فيها ولما بين الأخذ و [الدفع] (٤) من التراخي. الثامن: فيه إصلاح السواك وتهيئته للاستياك. التاسع: فيه الاستياك بسواك الغير من غير كراهة. قال الخطابي (٥): على من يذهب [إليه] (٦) بعض من يتقزز.

стр. 583

وفي كلام الترمذي الحكيم ما يشعر بكراهة ذلك فإنه قال: [ولا تستاك] (١) بسواك [غيرك] (٢) وإن غسلته، فإن ابن عمر قال: "من استاك بسواك غيره فقد" [الحفظ] " ((٣) وهذا الحديث يرده. قال [الخطابي] (٤): إلَّا أن السنة أن يغسله ثم يستعمله. تنيه: من المنكر ما رواه العقيلي عن عائشة قالت: لما مرض عليه الصلاة السلام مرضه الذي مات فيه قال: "يا عائشة ائتيني بسواك رطب امضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهون (به) (٥) عليّ عند الموت". قال العقيلي (٦): روى هذا سهيل بن إبراهيم الجارودي ولا يتابع عليه. العاشر: قوله "إصبعه" فيه عشر لغات: [بتثليث] (٧) الهمزة

стр. 584

والباء، والعاشرة (أصبوع) حكاه ابن سيده (١) وغيره، وقد جمعها ابن مالك في بيت فقال: تثليث با أصبع مع [شكل] (٢) همزته ... من غير [قيد] (٣) مع الأصبوع قد كملا قال ابن سيده: [وأصحها] (٤) كسر الهمزة وفتح الباء. قال القرطبي في تفسيره: وروي عن أصابع رسول الله ﷺ أن المشيرة [منها] (٥) كانت أطول من الوسطى ثم الوسطى [أقصر] منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى] (٦)، ثم روى من حديث ميمونة بنت كردم أنها قالت: لقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول إصبعه التي تلي الإِبهام على سائر أصابعه. كذا ذكره، والذي في دلائل النبوة للبيهقي (٧) أن ذلك في أصابع رجليه لا في يديه، وقد ذكرت ذلك في اختصاري لتفسيره وتهذيبه، أعان الله على إكماله.

стр. 585

وقولها: "رفع يده أو إصبعه" ظاهره الشك فيجوز أن يكون منها أو من الراوي عنها، والله أعلم بذلك. الحادي عشر: "الرفيق الأعلى" الرفيق: هنا موحد في معنى الجمع كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (١). والأعلى: على بابها من التفضيل. وقيل: بمعنى العالي. قال القاضي عياض (٢): وفيه أربع روايات "في الرفيق الأعلى" و "الرفيق" و"بالرفيق" و"مع الرفيق"، قال: وفي معناها أربع تأويلات: أحدها: أنه من أسماء الله تعالى (٣)، وأنكره الأزهري ولا سيما مع رواية "مع". ثانيها: أنه جماعة الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام] (٤) يدل عليه

стр. 586

قوله في الحديث الآخر: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ...﴾ (١) الآية، وهو لفظ عام يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد. ثالثها: أنه مرتفق الجنة. رابعها: أنه اسم لكل سماء، قاله الداودي: ووهم فيه؛ لأن السماء إنما هو الرفيع بالعين، ويبعد مع رواية "الرفيق". وقال الشيخ تقي الدين (٢): الرفيق الأعلى إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٣) فيكون معناه: الأعلى من نوع البشر، وقد ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) إشارة إلى ما في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، فكان هذا تفسيرًا لتلك، قال: وبلغني أنه صنف في ذلك كتاب تفسير فيه القرآن بالقرآن. [قلت] (٥): صنف السهيلي (٦) كتابًا في مبهمات القرآن (٧) وذكر

стр. 587

أن المنعم عليهم في الفاتحة هم المذكورون في الآية السالفة التي في سورة النساء. قال الشيخ (١): ويجوز أن يكون (الأعلى) من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف المنطوق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢) وليس ثمة داع إلهًا آخر له به برهان، وكذلك ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٣) ولا يكون قتل النبيين إلَّا بغير الحق، كذا ذكره [الشيخ] (٤)، والزمخشري (٥) يخالفه فإنه قال: إن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلَّا [بغير] (٦) حق، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أن قتلهم بغير حتى عندهم [لأنهم] (٧) لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض ولا استوجبوا القتل بسبب يكون شبهة [لهم] (٨) ومستندًا، بل نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو أنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهًا يوجب عندهم القتل. ثم قال الشيخ: فيكون "الرفيق" لم يطلق إلَّا على الأعلى الذي

стр. 588

اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ورد في الروايات: "وألحقني بالرفيق" ولم يصفه بالأعلى، وذلك دليل أنه المراد بلفظ الرفيق. ويحتمل أن يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين: أحدهما: أنه يختص [الرفيقان] (١) معًا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم متفاوتة، فطلب ﵊ أن يكون في أعلى مراتب الرفيق وإن كان الكل من السعداء المرضيين. الثاني: أن يطلق "الرفيق" بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه "الأعلى" بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون "الأعلى" بمعنى العالي، ويخرج عنه غيرهم، وإن كان [اسم] (٢) "الرفيق" منطلقًا عليهم، قال الفاكهي، والوجه الأول أليق بمحله ﷺ . وقال ابن العطار: وما ذكر من المجوزات في الرفيق الأعلى هو إذا لم يكن فيه بيان منه ﷺ وقد ثبت البيان فيه من حديث عائشة ﵂ قالت: "أغمي على رسول الله ﷺ ورأسه في حجري فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال ﵊: لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل واسرافيل" (٣) رواه ابن حبان في صحيحه بإسناده الصحيح (٤).

стр. 589

الثانى عشر: قولها: "ثم قضى" أي مات ﷺ بعد تكرار هذه الكلمة ثلاثًا، وذلك حين خير ﷺ ، ويؤخذ من ذلك التلقين باللهم الرفيق الأعلى، وفي رواية لابن حبان أنه قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" (١). لكن صحَّ عنه ﷺ في حقنا أنه قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله" كما أخرجه مسلم (٢) من حديث أبي هريرة وأبي (٣) سعيد الخدري، وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة". كما رواه أبو داود والحاكم من حديث

стр. 590

معاذ (١)، قال الحاكم: صحيح الإِسناد (٢). الثالث عشر: "الحاقنة": الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق. وعبارة الجوهري (٣): هي ما بين الترقوة وحبل العاتق. والعاتق: موضع الرداء قال: [هما] (٤) حاقنتان. وقيل: إنهما ما سفل من البطن. والمراد: يحقن الطعام [أي] (٥) يجمعه، ومنه المحقنة بكسر الميم التي يحتقن بها وجمعها حواقن، ومن كلام العرب: لأجمعن دين حواقنك وذواقنك. وأما الذاقنة ففيها أقوال: أحدها: الذقن. ثانيها: طرف الحلقوم، قاله الجوهري.

стр. 591

ثالثها: ما يناله الذقن من الصدر. وعبارة بعضهم أنها نقرة النحر. رابعها: أعلى البطن. خامسها: أسفله. وجاء في رواية أخرى: "ما بين سحري ونحري" (١) بالسين والحاء المهملتين وبالمعجمتين وبالسين المهملة مع الجيم ومعنى الأول: الرئة وما يتعلق بها، ومعنى الثانية: الضم إلى الصدر مع تشبيك الأصابع، ومعنى الثالثة: ما بين اللحيين. الرابع عشر: يستفاد من الحديث دخول أقارب الزوجة على الزوج في مرضه وغيره. الخامس عشر: فيه أيضًا جواز أن يكون الذي قربت وفاته جالسًا مستندًا إلى زوجته ونحوها ممن يعز عليه. ولا يشترط أن يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن أو على قفاه على العادة. السادس عشر: أيضًا نقل أحواله إلى أمته ليُتبع. السابع عشر: فيه أنه ﵇ كان يحب السواك وقد فعله في مثل هذه الحالة وهي آخر الأمر، وقد صحيح أصحابنا وجوبه عليه

стр. 592

كما أوضحته في "غاية السول في خصائص الرسول" (١) وفيما نقل عن ابنِ سُبع أن السواك يسهل الموت. خاتمة: توفي ﷺ سنة إحدى عشرة من الهجرة بعد حجة الوداع باثنتين وثمانين يومًا. وقيل: إحدى وثمانين. قيل: لثمان خلت من ربيع الأول وهو الراجح عند جماعة، منهم ابن حزم (٢). وقال الواقدي: يوم الاثنين الثاني عشر منه، وعليه [جمهور] (٣) العلماء كما جزمت به في أول الكتاب. وقال السهيلي (٤) وأبو ربيع بن سالم: هذا لا يصح؛ لأن وقفة حجة الوداع كانت يوم الجمعة تمت الشهور كلها أو نقصت أو تم بعضها أو نقص بعضها، وتبعهما ابن دحية في المولد فقال: لا يصح بوجه إلَّا أنه توفي في أول يوم منه أو ثانيه أو ثالث عشرة أو رابع عشرة أو خامس عشرة؛ للإِجماع على أن وقفة عرفة كانت يوم الجمعة. وقال الطبري (٥): توفي يوم الاثنين لليلتين مضتا منه.

стр. 593

وقال أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي (١): في أول يوم منه، وكلاهما ممكن. وكان ابتداء مرضه الذي مات فيه (وجع الرأس) في بيت عائشة. وقيل: في بيت ميمونة (٢). وقيل: في بيت زينب. وقيل: في بيت ريحانة، وذلك يوم الأربعاء [ثاني عشر] (٣) ثاني من شهر صفر. وقيل: لليلتين بقيتا، منه. وقيل: لليلة بقيت منه. وكان له ﷺ من العمر يومئذ ثلاث وستون. وقيل: خمس وستون. وقيل: ستون. والأول: أكثر وأصح، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.

стр. 594

قال العلماء: والجمع بين الروايات أن من روى ثلاثًا وستين لم يعد معهما الكسور، ومن روى خمسًا وستين عند سنّي المولد والوفاة، ومن قال: ستين لم يعدهما، والمنقول عن الأكثرين أنه ﵇ (١) توفي حيث اشتد الضحى يوم الاثنين وبه جزم عبد الغني. وفي صحيح البخاري (٢) أنه توفي في آخر ذلك اليوم. وصحح الحاكم في الإِكليل أنه توفي حين زاغت الشمس من يوم الاثنين ودفن تلك [الساعة] (٣) وقال: إنه أثبت الأقاويل. وقيل: [دفن] (٤) ليلة الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء وسط الليل، ورجحه جماعة من العلماء، وقيل: دفن يوم الأربعاء ﷺ .

стр. 595

الحديث الرابع ٢٣/ ٤/ ٣ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يستاك [بسواك] (١)، قال: وطرف السواك على [لسانه] (٢) يقول: أُعْ أُعْ، والسواك في فيه، كأنه يتهوع" (٣). الكلام عليه من ستة أوجه: وتقدم عليها أن قوله: أُعْ أُعْ إلى آخره [من] (٤) أفراد البخاري كما بينه الحميدي في جمعه بين الصحيحين. أحدها: في التعريف براويه واسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح أوله وتشديد ثانيه معجمًا على الأكثر. الأشعري: نسبة إلى الأشعر، واسمه: بنت بن أدد.

стр. 596

وقيل: إلى الأشعر بن سبأ أخي حمير بن سبأ. وأمه: ظبية بنت وهب بن علي أسلمت وماتت بالمدينة. وكان هو [وأبو عامر] (١) وأبو بردة وأبو رهم [بنو] (٢) قيس إخوة أربعة أسلموا كلهم في موضع واحد، صحابيون. وكان أبو موسى حليفًا لبني عبد شمس، واختلف فيمن حالف منهم على قولين: أحدهما: أنه حالف بعد قدومه مكة مع إخوته في جماعة الأشعريين أبا أُحيحة سعيد بن العاص بن أمية، ثم أسلم بعد ذلك وهاجر إلى أرض الحبشة، قاله الواقدي: ثانيهما: أنه حليف آل عتبة بن ربيعة، قاله ابن إسحاق وذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى الحبشة. واختلف في هجرة أبي موسى وقومه إلى أرض الحبشة على قولين: أحدهما: أنه لما قدم مكة وحالف من حالف انصرف إلى بلاد قومه ولم يهاجر إليها، ثم قدم مع إخوته [فصادف] (٣) قدومه قدوم السفينتين من الحبشة، قاله جماعة من أهل السير والنسب، وأصحهما كما قال أبو عمر: أنه لم يهاجر إليها وإنما رجع بعد مخالفته إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا

стр. 597

خروج جعفر وأصحابه منها فأقاموا معهم، وقدمت السفينتان معًا سفينة الأشعريين وسفينة جعفر وأصحابه على النبي ﷺ في خيبر فأسهم لهم ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر غيرهم. وقيل: إنهم أقاموا بالحبشة بعد رمي الريح لهم إليها مدة ثم خرجوا منها بعد خروج جعفر فذكروا فيمن هاجر إليها. عمل أبو موسى للنبي ﷺ على زبيد وعدن إلى الساحل، ثم ولاه عمر البصرة حين عزل عنها المغيرة، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عنها فانتقل إلى الكوفة، فسأل أهلُها عثمانَ أن يوليه عليهم فأقره عليها إلى أن قتل، فعزله [علي] (١) عنها، وكان في نفسه من ذلك إلى أن جاء منه ما قال حذيفة فيه مما يكره ذكره، ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان [قاله] (٢) أبو عمر. وذكر غيره أنه ولي الكوفة لعمر وتبعته فيما أفردته في رجال هذا الكتاب، وشهد ﵁ وفاة [أبي عبيدة] (٣) بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية. روي له عن النبي ﷺ ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسين، قاله الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: على تسعة وأربعين. وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، وروى عنه من الصحابة أنس بن مالك، وخلق من التابعين، وأولاده أبو بردة

стр. 598

وأبو بكر وإبراهيم وموسى. وروى عن جماعة من الصحابة، وكان من فقهائهم ومشاهيرهم ونساكهم، وهو معدود من أهل البصرة. سئل علي ﵁ عنه فقال: صُبغَ في العلم صبغة. وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن. قال فيه ﷺ : "لقد أوتي مزمارًا من مزامير [آل] (١) داود" (٢). وكان عمر إذا رآه يقول: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر وعلي وزيد بي ثابت [وأبو] (٣) موسى ﵃. وكان ﵁ قصيرًا خفيف اللحم [أثَطَّ] (٤)، وفي الحديث "يقدم عليكم الأشعريون" فلما أن قدموا تصافحوا فكانوا أول من أحدث المصافحة. وقال الشعبي: كنت عمر في وصيته أن لا يتولى عامل أكثر من سنة وأقرها الأشعري أربع سنين. ويروى أنه ﵇ استغفر له، فقال: "اللهم اغفر [لعبد الله] (٥) بن قيس ذنبه وأدخله مدخلًا كريمًا". وفي وفاته ستة أقوال: أحدها: سنة اثنتين وأربعين. ثانيها: سنة أربع وأربعين في ذي الحجة عن ثلاث وستين سنة.

стр. 599

ثالثها: سنة خمسين. رابعها: سنة ثلات وخمسين. خامسها: سنة إحدى وخمسين. سادسها: سنة اثنين. وفي موضع قبره قولان: أحدهما: بداره بالكوفة، وقال بعضهم: دفن بالثوبة على ميلين من الكوفة. ثانيهما: بمكة، يقال: إنه خرج إلى مكة حياء من علي فمات بها. ومناقبه وفضائله مستوفاة في تاريخ دمشق. الوجه الثاني: قوله: "يقول أُعْ أُعْ" الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى النبي ﷺ وهو الظاهر فيكون القول حقيقة. ويحتمل على بُعد- أن يعود إلى السواك ويكون من باب: امتلأ الحوض وقال: قطني. ووجه بعده: إن السواك ليس له صوت يسمع ولا قرينة حال تشعر بذلك. الثالث: "أُعْ أُعْ" هو بضم الهمزة وسكون العين المهملة (١) وفيه ثلاث روايات أخرى: الأولى: "عا عا" رواه النسائي وابن خزيمة (٢) وابن حبان.

стр. 600

الثانية: "إخ إخ" بكسر الهمزة وخاء معجمة، رواه الجوزقي في صحيحه. الثالثة: "أُهْ أُهْ" بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة، والهاء ساكنة، رواه أبو داود (١)، وكلها عبارة عن إبلاع السواك إلى أقاصي الحلق. الرابع: قوله: "كأنه يتهوع" أي يتقيأ، أي له صوت كصوت التهوع الذي يتقيأ لا أنه يتقيأ، قال ابن التياني (٢) في الموعب: عن صاحب العين: هاع الرجل يهوع هوعًا وهواعًا: جاءه القيء من غير تكلف فما خرج من حلقة هواعه، وهوعته ما أكل، استخرجته من حلقي، وعن إسماعيل: الهوعا [مثال عسرا] (٣) من التهوع. وعن قطرب (٤): [الهيعوعة] (٥) من الهواع. قال ابن [سيده] (٦):
следующие страницы →