← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقيل: إلى الأشعر بن سبأ أخي حمير بن سبأ. وأمه: ظبية بنت وهب بن علي أسلمت وماتت بالمدينة. وكان هو [وأبو عامر] (١) وأبو بردة وأبو رهم [بنو] (٢) قيس إخوة أربعة أسلموا كلهم في موضع واحد، صحابيون. وكان أبو موسى حليفًا لبني عبد شمس، واختلف فيمن حالف منهم على قولين: أحدهما: أنه حالف بعد قدومه مكة مع إخوته في جماعة الأشعريين أبا أُحيحة سعيد بن العاص بن أمية، ثم أسلم بعد ذلك وهاجر إلى أرض الحبشة، قاله الواقدي: ثانيهما: أنه حليف آل عتبة بن ربيعة، قاله ابن إسحاق وذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى الحبشة. واختلف في هجرة أبي موسى وقومه إلى أرض الحبشة على قولين: أحدهما: أنه لما قدم مكة وحالف من حالف انصرف إلى بلاد قومه ولم يهاجر إليها، ثم قدم مع إخوته [فصادف] (٣) قدومه قدوم السفينتين من الحبشة، قاله جماعة من أهل السير والنسب، وأصحهما كما قال أبو عمر: أنه لم يهاجر إليها وإنما رجع بعد مخالفته إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا

стр. 597

خروج جعفر وأصحابه منها فأقاموا معهم، وقدمت السفينتان معًا سفينة الأشعريين وسفينة جعفر وأصحابه على النبي ﷺ في خيبر فأسهم لهم ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر غيرهم. وقيل: إنهم أقاموا بالحبشة بعد رمي الريح لهم إليها مدة ثم خرجوا منها بعد خروج جعفر فذكروا فيمن هاجر إليها. عمل أبو موسى للنبي ﷺ على زبيد وعدن إلى الساحل، ثم ولاه عمر البصرة حين عزل عنها المغيرة، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عنها فانتقل إلى الكوفة، فسأل أهلُها عثمانَ أن يوليه عليهم فأقره عليها إلى أن قتل، فعزله [علي] (١) عنها، وكان في نفسه من ذلك إلى أن جاء منه ما قال حذيفة فيه مما يكره ذكره، ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان [قاله] (٢) أبو عمر. وذكر غيره أنه ولي الكوفة لعمر وتبعته فيما أفردته في رجال هذا الكتاب، وشهد ﵁ وفاة [أبي عبيدة] (٣) بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية. روي له عن النبي ﷺ ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسين، قاله الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: على تسعة وأربعين. وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، وروى عنه من الصحابة أنس بن مالك، وخلق من التابعين، وأولاده أبو بردة

стр. 598

وأبو بكر وإبراهيم وموسى. وروى عن جماعة من الصحابة، وكان من فقهائهم ومشاهيرهم ونساكهم، وهو معدود من أهل البصرة. سئل علي ﵁ عنه فقال: صُبغَ في العلم صبغة. وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن. قال فيه ﷺ : "لقد أوتي مزمارًا من مزامير [آل] (١) داود" (٢). وكان عمر إذا رآه يقول: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر وعلي وزيد بي ثابت [وأبو] (٣) موسى ﵃. وكان ﵁ قصيرًا خفيف اللحم [أثَطَّ] (٤)، وفي الحديث "يقدم عليكم الأشعريون" فلما أن قدموا تصافحوا فكانوا أول من أحدث المصافحة. وقال الشعبي: كنت عمر في وصيته أن لا يتولى عامل أكثر من سنة وأقرها الأشعري أربع سنين. ويروى أنه ﵇ استغفر له، فقال: "اللهم اغفر [لعبد الله] (٥) بن قيس ذنبه وأدخله مدخلًا كريمًا". وفي وفاته ستة أقوال: أحدها: سنة اثنتين وأربعين. ثانيها: سنة أربع وأربعين في ذي الحجة عن ثلاث وستين سنة.

стр. 599

ثالثها: سنة خمسين. رابعها: سنة ثلات وخمسين. خامسها: سنة إحدى وخمسين. سادسها: سنة اثنين. وفي موضع قبره قولان: أحدهما: بداره بالكوفة، وقال بعضهم: دفن بالثوبة على ميلين من الكوفة. ثانيهما: بمكة، يقال: إنه خرج إلى مكة حياء من علي فمات بها. ومناقبه وفضائله مستوفاة في تاريخ دمشق. الوجه الثاني: قوله: "يقول أُعْ أُعْ" الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى النبي ﷺ وهو الظاهر فيكون القول حقيقة. ويحتمل على بُعد- أن يعود إلى السواك ويكون من باب: امتلأ الحوض وقال: قطني. ووجه بعده: إن السواك ليس له صوت يسمع ولا قرينة حال تشعر بذلك. الثالث: "أُعْ أُعْ" هو بضم الهمزة وسكون العين المهملة (١) وفيه ثلاث روايات أخرى: الأولى: "عا عا" رواه النسائي وابن خزيمة (٢) وابن حبان.

стр. 600

الثانية: "إخ إخ" بكسر الهمزة وخاء معجمة، رواه الجوزقي في صحيحه. الثالثة: "أُهْ أُهْ" بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة، والهاء ساكنة، رواه أبو داود (١)، وكلها عبارة عن إبلاع السواك إلى أقاصي الحلق. الرابع: قوله: "كأنه يتهوع" أي يتقيأ، أي له صوت كصوت التهوع الذي يتقيأ لا أنه يتقيأ، قال ابن التياني (٢) في الموعب: عن صاحب العين: هاع الرجل يهوع هوعًا وهواعًا: جاءه القيء من غير تكلف فما خرج من حلقة هواعه، وهوعته ما أكل، استخرجته من حلقي، وعن إسماعيل: الهوعا [مثال عسرا] (٣) من التهوع. وعن قطرب (٤): [الهيعوعة] (٥) من الهواع. قال ابن [سيده] (٦):

стр. 601

هيعوعة في باب الواو، ولا يتوجه اللهم إلَّا أن يكون محذوفًا. الخامس: في الحديث الاستياك على اللسان [لقوله: "وطرف السواك على لسانه يقول: "أُعْ أُعْ" وذلك إنما يتأتى بالاستياك على اللسان] (١)، وقول الشيخ تقي الدين (٢): إن اللفظ الذي أورده صاحب الكتاب وإن كان ليس بصريح في الاستياك على اللسان فقد ورد مصرحًا به في بعض الروايات ليس بجيد فإنه صريح في ذلك كما قررته لك. وفي مسند الإِمام أحمد عن أبي موسى قال: "دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق" فوصف حماد كأنه يرفع سواكه. قال حماد: ووصفه لنا غيلان، قال: كأنه يستاك طولًا (٣). وفي رواية للطبراني في أكبر معاجمه عنه قال: "أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فرأيته يستاك على لسانه". والعلة المقتضية للاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة لكن ذكر الفقهاء أنه يستحب أن يستاك عرضًا. قال الشيخ (٤) تقي الدين:

стр. 602

[وذلك] (١) في الأسنان وأما اللسان فقد ورد منصوصًا عليه في بعض الروايات: الاستياك فيه طولًا. قلت: كأنه يشير إلى رواية الإمام أحمد التي أسلفناها، وقد وردت أحاديث ضعاف في الاستياك عرضًا: الأول: حديث عطاء بن أبي رباح رفعه: "إذا استكتم فاستاكوا عرضًا" رواه أبو داود في مراسيله، وفيه أيضًا من لا يعرف حاله (٢). الثاني: حديث بهز بن حكيم "كان ﵇ يستاك عرضًا" (٣). الثالث: حديث ربيعة بن أكثم مثله (٤). الرابع: حديث عائشة: كان ﵇ يستاك عرضًا ولا يستاك طولًا (٥). وهذه الأحاديث قد بينتُ من خرجها بعللها في تخريجي

стр. 603

لأحاديث الرافعي (١)، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث وحديث الباب بأنها في استياك الأسنان وهو عرضًا، وحديث الباب في استياك اللسان وهو طولًا فلا تعارض بينها. السادس: ترجم هذا الحديث باستياك الإِمام بحضرة رعيته [وقدمتُ في آخر الحديث الأول من باب السواك أن ابن حبان في صحيحه ترجم على الإباحة للإِمام أن يستاك بحضرة رعيته] (٢) إذا لم يكن يحتشمهم، ثم ساق حديثًا من طريق أبي موسى (٣). [وأكثر] (٤) التراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث، إشارة إلى المعاني المستنبطة منها، على ثلاث مراتب: منها [ما هو ظاهر في الدلالة على المعنى المراد، ومنها ما هو [خفي] (٥) الدلالة على المراد بعيد مستكره لا يتمشى إلَّا بتعسف] (٦)، ومنها ما هو [ظاهر] (٧) الدلالة على المعنى [المراد] (٨) إلَّا أن فائدته قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم البخاري في صحيحه (٩) باب

стр. 604

"السواك [والفتيا] (١) عند رمي الجمار". وهذا القسم يحسن إذا كان لمعنى يخص الواقعة لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي كترجمة هذا الحديث، فإن الاستياك [من] (٢) أفعال البذلة والمهنة، ويلازمه أيضًا من إخراج البصاق وغيره ما لعلّ بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه وتركه بحضرة بعض الرعية، وقد اعتبر الفقهاء ذلك في مواضع كثيرة كالأكل والشرب في المواضع التي لم تجبر العادة بالأكل والشرب فيها كالطرق والأسواق [وهو] (٣) الذي يسمونه بحفظ المروءة (٤). فأورد هذا الحديث لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه ويتركه الإِمام بحضرة الرعايا إدخالًا له في باب العبادات والقربات، ويحسن هذا القسم أيضًا إذا كان فيه رد على مخالف في المسألة لم تشتهر مقالته، مثل ما ترجم على أنه لا يقال: ما صلينا، فإنه نقل عن بعضهم أنه كره ذلك، فرد عليه بقوله ﵇ "ما صليتها" (٥)، ويحسن أيضًا إذا كان سبب الرد على فعل شائع بين

стр. 605

الناس لا أصل له فيذكر الرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين الناس في هذا المكان التحرز عن قولهم: ما صلينا، إذ لم يصح أن أحدًا كرهه، نبه على ذلك الشيخ تقي الدين.

стр. 606

٤ - باب المسح على الخفين ذكر فيه المصنف حديث المغيرة، وحديث حذيفة، أما حديث المغيرة فلفظه: الحديث الأول ٢٤/ ١/٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما" (١). والكلام عليه من وجوه تسعة: أولها: في التعريف براويه وهو أبو عيسى المغيرة بضم الميم، وحُكِي كسرها، ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرًا وشهد الحديبية. وأمه: أُمامة بنت الأنعم بن أبي عمرو، قال ابن حبان: وهو أول من سُلِّم عليه بالإِمرة، أحصن في الإِسلام ثلاثمائة امرأة. وقيل: ألف امرأة.

стр. 607

قال مالك: وكان نكّاحًا للنساء، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا. وقص له رسول الله ﷺ شاربه على سواك وهذه منقبة لا نعرفها لغيره من الصحابة. رُوي له عن النبي ﷺ مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة أحدها يجمعُ أحاديث، وانفرد البخاري بحديث يجمع حديثين، ومسلم بحديثين، وهو ابن أخي عروة بن مسعود. روى عنه ابنه حمزة وعروة وعفان، وكاتبه وزاد والشعبي وجماعة من التابعين، وكان يقال له: مغيرة الرأي؛ لكمال عقله ودهائه. بعثه ﷺ إلى الطائف لهدم الربة وشهد اليمامة وأُصيبت عينه يوم اليرموك. وروي عن عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام المغيرة بن شعبة فنظر إليها فذهبت عينه (١). وشهد أيضًا فتح الشام، والقادسية، وفتح الأهواز، وهمذان، ونهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرّن. وولي لعمر فتوحًا. قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاصي، والمغيرة، وزياد. فأما معاوية فللحلم والأناءة (٢)، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. وقال [الزهري] (٣): دهاة الناس [في الفتنة] (٤) خمسة:

стр. 608

عمرو، ومعاوية، وقيس بن سعد، والمغيرة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. وكان مع علي: ابن بديل، وقيس واعتزل المغيرة. وقال (١) داود بن [أبي] (٢) هند فيما نقله ابن زولاق في تاريخ عمرو بن العاصي [بعد أن ذكر أن الدهاة أربعة: وإذا رأيت وردان غلام عمرو بن العاصي] (٣) لم تدر أيهما أدهى، ولقد كان عمرو كثيرًا [ما يفزع] (٤) إلى غلامه وردان في رأيه. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلَّا بمكر [لخرج] (٥) من أبوابها كلها. قال المغيرة ما غلبني أحد قط إلَّا غلام من بني الحارث بن كعب فإني خطبت امرأة منهم فأصغى إليّ الغلام، وقال: أيها الأمير لا خير لك فيها إني رأيت رجلًا يقبلها. فانصرفت عنها فبلغني أن الغلام تزوجها فقلت: ألست زعمت كيت وكيت؟ قال: ما كذبت، رأيت أباها يقبلها.

стр. 609

[قال] (١) ابن عبد البر: [لما] (٢) شُهِدَ على المغيرة عند عمر عزله عن البصرة وولاه الكوفة إلى أن قُتل عمر فأقره عثمان ثم عزله عثمان فلم يزل كذلك، واعتزل صفين، فلما كان حين الحكمين لحق بمعاولة فولاه الكوفة. قال أبو عبيد: توفي وهو أميرها سنة تسع وأربعين. قال الخطيب: مات سنة خمسين بالإِجماع. وكذا قال ابن حبان: مات سنة خمسين بالطاعون في شعبان وهو ابن سبعين سنة، وقيل: سنة إحدى وخمسين. قال عبد الملك بن عمير: رأيت زيادًا (٣) واقفًا على قبر المغيرة وهو يقول: إن تحت الأحجار حزمًا [وعزمًا] (٤) ... وخصمًا ألدًّا ذا معلاقِ حية في الوجار أربد لا ... ينفع منه السليم نفث الراقي واستخلف عند موته ابنه عروة، وقيل: بل جريرًا، فولى معاوية حينئذ الكوفة زيدًا مع البصرة، وجمع له العراقين. الوجه الثاني: قوله: "كنت مع النبي ﷺ في سفر" هو في غزوة تبوك قبل الفجر كما ثبت في بعض طرقه في الصحيح، وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع. الثالث: قوله: "أهويت" يقال: أَهْوَى إلى كذا بيده ليأخذه. وقال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت به، ويقال: أهويت له

стр. 610

بالسيف، هذا في الرباعي، وأما في الثلاثي: فهوَى بفتح الواو وهوى إذا سقط. قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ (١) يهوي بالكسر، وهوي بالكسر يهوَى بالفتح إذا عشق. الرابع: قوله "لأنزع" هو بكسر الزاي. والضمير في قوله ﵇ "دعهما" للخفين وفي "أدخلتهما" للرجلين فالضميران مختلفان. ومعنى "طاهرين" أي بطهر الوضوء، إذ ذاك من شرط صحة المسح عليهما كما ستعلمه. وقوله: "فمسح عليهما" فيه إضمار تقديره (فأحدث فمسح عليهما) لأن وقت جواز المسح بعد الحدث ولا يجوز قبله، لأنه على طهارة الغسل وإنما قلنا ذلك لأن في بعض طرقه في الصحيح أنه ﵇ "تبرز قِبَلَ الغائط [وأنه] (٢) اتبعه بالإِداوة" (٣) فتعين حمله على أن المراد: فأحدث فمسح عليهما [لا] (٤) أنه جدّد الوضوء. الخامس: في الحديث دلالة على جواز المسح على الخفين

стр. 611

وهو جائز بإجماع من يعتد به في السفر لهذا الحديث، [وفي الحضر] (١)؛ لحديث حذيفة الآتي بعده. نعم، هل الأفضل غسل الرجلين إذ هو الأصل والغالب، أم المسح على الخف ردًّا على الخوارج، أم متساويان لتقابلهما؟ فيه [ثلاث] (٢) مذاهب: ذهب إلى الأول جماعة من الصحابة وبه قال أصحابنا. وذهب جماعة من التابعين إلى الثاني وهو الصحيح عن أحمد. وذهب إلى الثالث أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر. وحكى المحاملي (٣) [في] (٤) المجموع وغيره من أصحابنا عن مالك ست روايات: أحدها: يجوز المسح. ثانيها: يكره. ثالثها: يجوز أبدًا وهي الأشهر (٥) والأرجح عند أصحابه. رابعها: يجوز [مؤقتًا] (٦).

стр. 612

خامسها: يجوز للمسافر دون الحاضر. سادسها: عكسه، وكل هذا الخلاف مردود، وقد نقل ابن المنذر في كتابه (الإِجماع) (١) إجماعَ العلماء على الجواز، ودليله الأحاديث المستفيضة فيه فعلًا، حضرًا وسفرًا، وأمره بذلك وترخيصه فيه واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه. قال الإِمام أحمد: ليس في قلبي منه شئ، فيه أربعون حديثًا عن [أصحاب رسول الله ﷺ ] (٢) ما رفعوا إلى رسول الله ﷺ وما وقفوا. وقال [الميموني] (٣) عن أحمد: سبعة وثلاثون صحابيًا، وفي رواية الحسن بن محمد عنه: أربعون، وكذا قال البزار في مسنده، وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون، وقال ابن عبد البر (٤): روى عن رسول الله ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة وأنه استفاض وتواتر. قلت: وبلغتهم في [تخريج] (٥) أحاديث الرافعي إلى ثمانين صحابيًا فاستفده منه فإنه من المهمات. وقال ابن المنذر (٦): روينا عن الحسن البصري: حدثني

стр. 613

سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. وعبارة الماوردي (١) في حكاية هذا عنه: حدثني سبعون بدريًا. قال: وأراد أنه سمع ذلك من بعضهم، وروي له ذلك عن بعضهم؛ لأنه لم يدرك سبعين بدريًا. قلت: ومن أشهر الروايات فيه حديث المغيرة الذي ذكره المصنف. قال الشيخ تقي الدين في الإِمام: [بلغني] (٢) عن الحافظ أبي بكر البزار أنه ذكر [أن] (٣) حديث المغيرة بن شعبة يروى عنه من نحو ستين طريقًا، ومن أصحها رواية جرير بن عبد الله البَجَلي بفتح الباء والجيم معًا. قال البيهقي في سننه: روينا عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن منه (٤). وقال البخاري: قال إبراهيم (٥): كان يعجبهم -يعني هذا الحديث- لأن جريرًا كان من آخرهم إسلامًا، أي لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة كما ثبت عنه في الصحيح.

стр. 614

وفي الطبراني عنه: كان النبي ﷺ يمسح على خفيه بعدما نزلت سورة المائدة (١). وفي لفظ: وذلك بحجة الوداع. وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم الأخذ بحديثه لتأخره ورده على من ظن أنه منسوخ أو شك في جوازه وإزالته الإِشكال فيه واللبس على [من] (٢) التبس عليه، فصار حديث جرير مبينًا للمراد من الآية في غير صاحب الخف وأنه خصصها، فاشتهر بحمد الله جواز المسح وعد شعارًا لأهل السنة (٣) وعد ترك القول به شعارًا لأهل البدع حتى إن الواحد منهم [ربما] (٤) تآلى فيقول: برئت من ولاية أمير المؤمنين ومسحت على خفي إن فعلت كذا. وروى الخطابي في معالمه (٥)

стр. 615

عن الحسن بن زيد أنه [مقت] (١) على كاتب له فحبسه وأخذ ماله فكتب إليه من الحبس: أشكو إلى الله ما لقيت ... أحببت قومًا بهم بليت لا أشتم الصالحين جهرًا ... ولا [تشيعت] (٢) ما بقيت أمسح خفي ببطن كفي ... ولو على جيفة وطيت قال: فدعا به من الحبس ورد عليه ماله وأكرمه. السادس: قوله ﵇: "فإني أدخلتهما طاهرتين". يعني الطهارة الشرعية بكمالها، لأنه لا يسمى متطهرًا من تطهر في جميع الأعضاء إلَّا لمعة، فكيف من ترك عضوًا كاملًا؟ ولهذا قال أصحابنا: لو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها الخف لم يجز المسح حتى ينزع الأولى ثم يلبسها ولا يحتاج إلى نزع الثانية لأنها ليست بعد كمال الطهارة. وشذ بعض أصحابنا فأوجب نزع الثانية أيضًا. ومشهور مذهب مالك أنه لا يمسح في هذه الصورة. وقال مطرف: يمسح. وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الطهارة في اللبس هو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وإسحاق، ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه علق الحكم بالمسح عليهما بإدخالهما طاهرتين وذلك لا يقتضي

стр. 616

إدخال إحداهما طاهرة دون الأخرى، والحكم المرتب على التثنية غير المرتب على الوحدة فيكون حالًا منهما لا من كل واحد منهما. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وأبو ثور، وداود: يجوز اللبس على الحدث ثم يكمل طهارته، واختاره ابن المنذر فيما إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس ثم غسل الأخرى. وقال القاضي عياض: قال داود: يجوز المسح عليهما إذا كانتا طاهرتين وإن لم يتسبح [الصلاة] (١). قال: والفقهاء على خلافه، وبناءً (٢) على حمل كلامه ﵇ على الطهارة اللغوية أو الشرعية وهو مختلف فيه بين الأصوليين: هل يقدم العرف على اللغة أم لا؟ كما وقع الخلاف في وضوئه ﵇ مما مست النار. انتهى. والأصح عند الأصولِيين العمل على الشرعي دون اللغوي. وقال الشيخ تقي الدين (٣): استدل بهذا الحديث بعضهم على اشتراط الطهارة في اللبس لجواز المسح، فإنه علل عدم نزعهما بإدخالهما طاهرتين وذلك يقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين موجب للنزع، قال: وقد استدلَّ به بعضهم على أن إكمال الطهارة [فيهما] (٤) شرط، حتى لو غسل إحدى الرجلين وأدخلها الخف ثم غسل

стр. 617

الأخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح، وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف أعني في دلالته [في] (١) حكم هذه المسألة، [فلا] (٢) يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، بل ربما يدعي أنه طاهر في ذلك فإن الضمير في قوله "أدخلتهما" يقتضي تعليق الحكم بكل واحد منهما، نعم من روى "فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" فقد يتمسك برواية هذا القائل من حيث إن قوله "أدخلتهما" إذًا يقتضي كل واحدة منهما، فقوله "وهما طاهرتان" حال من كل واحدة منهما فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة، وهذا الاستدلال بهذه الرواية من هذا الوجه قد لا يتأتى في رواية من روى "أدخلتهما وهما طاهرتين". وعلى كل حال فليس الاستدلال بذلك القوي جدًا، لاحتمال الوجه الآخر في الروايتين معًا، اللهم إلَّا أن يضم إلى هذا دليل يدل على أنه لا تحصل الطهارة لأحدهما إلَّا بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحينئذ يكون ذلك الدليل مع هذا الحديث مستندًا لقول القائلين بعدم الجواز، أعني أن يكون المجموع هو المستند فيكون هذا الحديث دليلًا على اشتراط طهارة كل واحد منهما ويكون ذلك الدليل دالًا على أنها لا تطهر إلَّا بكمال الطهارة، ويحصل من هذا المجموع حكم المسألة المذكورة في عدم الجواز. هذا كلامه، ولا يخلو [بعضه من نظر كما نبّه عليه الفاكهي

стр. 618

فليتأمل، وأَصْرَحُ من هذا الحديث] (١) في الدلالة حديث أبي بكرة وحديث صفوان بن عسال -بفتح العين والسين المهملتين- أما حديث أبي بكرة ﵁ فلفظه: "أن رسول الله ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام [ولياليهن] (٢) وللمقيم يومًا وليلة إذا [تطهر] (٣) فلبس خفيه أن يمسح عليهما" حديث صحيح رواه ابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) في صحيحيهما، وقال الشافعي: إسناده صحيح، وقال البخاري (٦): حديث حسن، فَشَرط إكمال الطهارة وعقبه بحرف الفاء.

стр. 619

وأما حديث صفوان ﵁ فرواه الدارقطني بلفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا يومًا وليلة إذا أقمنا" (١). قال ابن خزيمة: ذكرت هذا للمزني فقال: حدَّث به أصحابنا [إنه] (٢) [ليس] (٣) للشافعي حجة أقوى من هذا (٤). السابع: استدلَّ بعض المالكية بقوله: "فإني أدخلتهما طاهرتين" على ما [إذا] (٥) نكس وضوءه (٦) فغسل رجليه ابتداءً ولبس الخف ثم كمل وضوءه فهل يمسح بعد ذلك؟ قال مالك في العتبية: لا يفعل فإن فعل فلا شيء عليه. قال صاحب البيان [والتعريف] (٧): والمشهور من المذهب عدم المسح، واستدلَّ به أيضًا على ما إذا غسل رجليه ثم لبس الخف ثم نام قبل كمال طهارته هل يمسح عليهما في وضوء ثان أم لا؟ وفيه روايتان عن مالك حكاهما

стр. 620

الباجي (١)، والرِّجلان في الصورتَين أُدْخِلتَا بعد طهارتهما، وما أبعد هذا الاستدلال فإن هذا إخبار منه ﵇ عما فعله، ولم ينقل قط أنه توضأ منكوسًا (٢). الثامن: استدلَّ به بعضهم أيضًا على المسح على الخف في طهارة التيمم لأنها طهارة شرعية، وعند المالكية حكاية قولين في ذلك، وعند أصحابنا أنه إن كان التيمم لإِعواز الماء لزمه النزع والوضوء، كان لم يكن لإِعوازه مسح واستباح فرضًا واحدًا ونوافل. التاسع: استدلَّ بعضهم بقوله " [فمسح] (٣) عليهما" على أن المشروع مسح الأعلى وهو الظاهر؛ لأن لفظة "على" ظاهرة في ذلك، ومشهور مذهب مالك وجوب مسح الأعلى واستحباب مسح الأسفل، لكن إن اقتصر على الأعلى استحب له الإِعادة في الوقت. وقال أشهب: أيهما مسح أجزأه. وقال ابن نافع: يجب مسحهما (٤). ومذهب الشافعي ﵁ أنه يسن مسح أعلاه وأسفله خطوطًا وأنه يكفي مسمى مسح يحاذي الفرض إلَّا أسفل رجل وعقبها وحرف الخف فإنه لا يكفي. خاتمة: لا فرق في جواز المسح بين أن يكون لحاجة أم لا،

стр. 621

حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها والزَّمن الذي لا يمشي، ونقل النووي في شرحه لمسلم (١) الإِجماع عليه. وعند المالكية: أنه يشترط في جواز المسح على الخف أن يكون لبسه على الوجه المعتاد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبسه لا لغرض سوى الترخص بالمسح، أو كانت امرأة خضبت بالحناء فلبست للمسح ولئلا تغسل الحناء وشبه ذلك؛ فالمشهور عندهم أن هؤلاء لا يمسحون، فإن فعلوا ففي الإِعادة خلاف. واعلم أن محل الخوض في شروط المسح وصفته والواجب منه والمسنون وكم يصلي به فرضًا كُتُبُ الفروع، وقد بسطنا ذلك فيها ولله الحمد.

стр. 622

الحديث الثاني (١) ٢٥/ ٢/ ٤ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كنت النبي ﷺ [في سفر] (٢) فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (٣). مختصر الكلام عليه من وجوه خمس: أحدها: في التعريف براويه، وقد تقدم في الباب قبله.

стр. 623

ثانيها: هذا الحديث لفظه في الصحيحين عنه قال: "كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا فتنحيت فقال: ادنه، فدنوت منه حتى قمت عند عقبه فتوضأ" زاد مسلم "فمسح خفيه" قال عبد الحق: في الجمع بين الصحيحين: ولم يذكر البخاري في روايته هذه الزيادة. وفي رواية للبيهقي "سباطة قوم بالمدينة". قال أبو عمر: لم يقل فيه (بالمدينة) غير عيسى بن يونس وهو ثقة فاضل، إلَّا أنه خولف في ذلك عن الأعمش، وسائر الرواة عن الأعمش لا يقولون فيه (بالمدينة). قلت: قد تابعه محمد بن طلحة بن مصرف وأبو [الأحوص] (١) فقالا فيه عن الأعمش (بالمدينة) كما ذكره الإِسماعيلي في جمعه لحديث الأعمش. ثالثها: قوله: " [فبال] (٢) فتوضأ ومسح على خفيه" فيه بيان للإِضمار في الحديث قبله وقد أسلفناه هناك مبينًا في رواية أخرى. رابعها: فيه تصريح بجواز المسح [على حدث] (٣) البول. وفي حديث صفوان بن عسال ما يقتضي جوازه [على] (٤) حدث الغائط وعن النوم أيضًا ومنعه عن الجنابة، وهو حديث صحيح، قال

стр. 624

الترمذي فيه: حديث حسن صحيح (١). [خامسها] (٢): ترجم البخاري على هذا الحديث: البول عند صاحبه والتستر بالحائط (٣)، والبول عند سباطة قوم (٤)، والبول قائمًا وقاعدًا (٥)، وكأنه أخذ البول قاعدًا منه بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز البول قائمًا فقاعدًا أجوز. [سادسها] (٦): السباطة المذكورة في الرواية التي ذكرناها: ملقى القمامة. وبوله ﵇ قائمًا إما للاستشفاء لوجع الصلب أو الركبة، وإما أنه لم يجد مكانًا، وإما أن يكون لبيان الجواز، وإما أن يكون لأنها حالة يؤمن معها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر ﵁: "البول قائمًا أحصن للدبر" (٧). قال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة يخشى أن تتطاير عليه.

стр. 625

وفي صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة أنه فعل ذلك لجرح كان بمأبضه ثم قال: رواته كلهم ثقات (١) وهو يؤيد أن ذلك كان لوجع الركبة. قال العلماء: يكره البول قائمًا كراهة تنزيه (٢). كان ابن سعد (٣) لا يجيز شهادة من بال قائمًا (٤). وقال مالك (٥): إن كان في مكان يتطاير إليه شيء من البول فمكروه وإلَاّ فلا بأس به. وأما حديث عائشة: "من حدثك أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقه، أنا رأيته يبول قاعدًا" صححه أبو عوانة (٦)، وابن حبان (٧)،

стр. 626

والحاكم (١)، وقال الترمذي: هو أحسن شئ في الباب وأصح (٢): فجعله أبو عوانة ناسخًا لحديث حذيفة (٣). وقال البيهقي: مرادها ما بال قائمًا في منزله. وقال مجاهد (٤): ما بال قائمًا إلَّا مرة واحدة في كثيب أعجبه، وهو غريب، فقد رواه حذيفة أيضًا. وقال ابن المنذر: البول جالسًا أحب إلىّ وقائمًا مباح (٥)، وكل ذلك ثابت عنه ﷺ . وقال الباجي (٦) للبائل أربعة أحوال: فإن كان الموضع رخوًا

стр. 627

طاهرًا جاز قائمًا وقاعدًا، وإن [كان] (١) صلبًاً نجسًا امتنعا، وإن كان صلبًاً طاهرًا جاز قاعدًا فقط، وإن كان رخوًا نجسًا جاز قائمًا فقط وعليه يحمل هذا الحديث، [وبوله] (٢) ﵇ في سباطة القوم لأنهم كانوا يؤثرون ذلك، وإنما [لم] (٣) يبعد ﵇ لأجل شغله بأمور المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول ولم يمكنه التباعد كعادته وأراد السباطة لدمثها، وإنما استدناه ﵇ عن أعين الناس ليستتر به عنهم. ولهذا قال بعضهم: السنة القرب في حق القائم، وفي حق القاعد الإِبعاد عنه (٤)، حكاه القاضي عياض. ويستفاد من الحديث أيضًا أن الإِنسان إذا احتاج إلى البول لا يؤخره وهو مضر جدًا من جهة [الطب] (٥).

стр. 628

٥ - باب في المذي وغيره المذي بالذال المعجمة أفصح من المهملة [والأصح] (١) الأشهر إسكان الذال أيضًا، وفيه لغة ثانية وهي مشهورة أيضًا: بكسرها وتشديد الياء، وصوبها أبو عبيد، وفي لغة ثالثة: كسر الذال مع تخفيف الباء، وحكى المطرزي (٢): مذى، وأمذى، ومذّى، الثالثة بالتشديد، وهو: ماء رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بها ولا يحس بخروجه، وهو [من] (٣) النساء أغلب منه في الرجال، يقال: كل ذكر يمذي وكل أنثى تمذي، يقال: وقذَت الشاه (٤): ألقت بياضها من رحمها. وذكر المصنف ﵀ في الباب ستة أحاديث:

стр. 629

الحديث الأول ٢٦/ ١/ ٥ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته [مني] (١) فأمرت المقداد [بن الأسود] (٢) فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ (٣) وللبخاري "اغسل ذكرك وتوضأ". ولمسلم "توضأ وانضح فرجك" (٤).

стр. 630

الكلام عليه من ستة وعشرين وجهًا: الأول: في التعريف [براويه] (١) هو أمير المؤمنين أبو الحسن وأبو تراب. وقل: إنه يقال له وصي لاتصال نسبه [ونسمه] (٢) بنسب النبي ﷺ ونسمه، ولا يحفظ هذا الاسم في حقه عن أحد من السلف المقدى بهم فإن صح ذلك [فهذا] (٣) وجهه الذي ذكره أهل اللغة، فلا [يتعلق] (٤) به ذو بدعة أنه ﵇ وَصّى إليه بالخلافة لم يكن ذلك قط. واسم والده أبي طالب عبد مناف وافترى من ادَّعى من الشيعة أن اسمه عمران. وقيل: اسمه كنيته، ابن عبد المطلب ويقال [له] (٥): شيبة الحمد بن هاشم واسمه عمرو بن قصي واسمه زيد، القرشي الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ .

стр. 631

أمه: فاطمة بنت أسَد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، من كبار الصحابيات، هاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ وصلى عليها، ونزل في قبرها. وقيل: بل ماتت بمكة في الهجرة، والأول أشهر. وروى عنه أمم لا يحصون، منهم أولاده: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وفاطمة، وعمر، وابن أخيه عبد الله بن جعفر، وابن [عمه] (١) عبد الله بن عباس، وكاتبه عبد الله بن أبي رافع، وشريح القاضي، والشعبي. روي له عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين، انفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قاله الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: له خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا مثل عمر ﵁. وهو رابع الخلفاء وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأقضى الأمة وأول خليفة أبواه هاشميان ولم يل بعده ممن أبواه هاشميان غير محمد الأمين بن زبيدة. وهو من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى في الأخوة وشد الأزر -ليس في النبوة- في حياته وبعد موته. وكان علي يقول أنا عبد الله [و] (٢) أخو رسوله لا يَقولها غيري إلَّا كذاب. وشبّهه ﵇ بعيسى في كونه يهلك فيه طائفتان من

стр. 632

اليهود والنصارى، حيث جعلته إحداهما ولد زانية فكفروا بذلك، والأخرى ابن الله فكفروا بذلك، فكذلك هلك في علي طائفتان: محب مفرط، ومبغض مفرط، فمن كفّره أو بدّعه أو استنقصه فهو ضال هالك، ومن رقاه إلى الإِلهية أو النبوة أو التقدمة في الخلافة على من تقدمه من الخلفاء أو التفضيل عليهم فهو ضال هالك، فعيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وعلي ابن عم الرسول ﷺ وزوج ابنته فاطمة البتول، ودعا له رسول الله ﷺ بالرحمة وأن يدور الحق معه حيث دار. وهو أول من أسلم وصلى مع النبي ﷺ من الصبيان وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة على الأصح، وتزوج بفاطمة سنة اثنين من الهجرة، وقال زوجتك سيدًا في الدنيا والآخرة. وشهد معه ﷺ مشاهده كلها إلَّا تبوك، خلّفه على المدينة وعلى عياله، فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي" رواه البخاري، قال ابن عبد البر وهو من أثبت الأحاديث. وقال في حقه: "من كنت مولاه فعلي مولاه" أي من كنت ناصره ومؤازره فعلي كذلك، وفي رواية: "اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه". وعن ابن عباس أنه ﵇ قال لعلي: "أنت ولي كل مؤمن من بعدي" ذكره أبو عمر. وروى جماعة من الصحابة أنه ﵇ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس

стр. 633

بفرار، يفتح الله على يديه، ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في [عينيه] (١) وأعطاه الراية ففتح الله عليه". وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء، فضرب صدره بيده وقال: "اللهم اهد قلبه وسدد لسانه" قال: فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وكان عمره مبدأ النبوة عشر سنين وبقي مع النبي ﷺ بعدها بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، ومدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته وجملتها ثلاثون سنة، وكان عمره ثلاثًا وستين، هذا هو الصحيح المختار في مدة عمره. وقال ابن حبان: اثنين وستين. وقد أفرد العلماء ترجمته بالتصنيف، قال الإِمام أحمد: لم يُروَ في فضائل الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائله مع قدم إسلامه. وكان ﵁ من ينابيع [الخير] (٢) [في الصحابة وأكثرهم علمًا وأعظمهم حلمًا، ومن كلامه: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك [ولكن] (٣) [الخير] (٤) أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلَّا لأحد رجلين: [رجل] (٥) أذنب

стр. 634

ذنوبًا فهو يتدارك [منها] (١) بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقلّ عمل في تقوى وكيف يقلّ ما تقبل (٢). ومن كلامه "احفظوا عني خمسًا فلو ركبتم الإِبل في طلبهن لا تصيبونهن قبل أن تدركوهن، لا يرجو عبد إلَّا ربه، ولا يخافن إلَّا ذنبه، ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له". ومن كلامه أيضًا: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل". ومن كلامه أيضًا: "أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال". وكان ﵁ من الزهاد (٣) يلبس ثيابًا رثة فعابوا عليه لباسه، فقال: تعيبون عليَّ لباسي وهو أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وقال يومًا وفد فرق جميع ما في بيت المال على

стр. 635

الناس حتى كنسه [ثم] (١) أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين رجاء أن يشهد له يوم القيامة: "يا صفراء ويا بيضاء غري غيري". وقال: "لقد رأيتني أربط الحجر على بطني من شدة الجوع على عهد رسول الله ﷺ [وإن] (٢) صدقتي اليوم أربعون ألف دينار". وليَ ﵁ الخلافة خمس سنين، وقيل: إلَّا أربعة أشهر، وقيل: إلَّا شهرين وأيامًا، وقال ابن حبان في ثقاته: خمس سنين وثلاثة أشهر إلَّا [أربعة عشر] (٣) يومًا، ولم يقم بالمدينة بعد الخلافة غير أربعة أشهر، ثم سار إلى العراق في سنة ست وثلاثين. وكان ما كان وقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي -وكان فاتكًا ملعونًا- ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وقيل غير ذلك، سنة أربعين وهو عام الجماعة. قال ابن حبان في ثقاته: واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شيء من ذلك فأذكره، وقيل: إنه دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجامع وعمي قبره، وقيل: برحبة الكوفة، وقيل: بنجف الحرة، وقيل: نقل إلى المدينة ودفن بالبقيع، وقال أبو جعفر الباقر: جهل قبره، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وحنط بحنوط فضل من حنوط
следующие страницы →