← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أمه: فاطمة بنت أسَد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، من كبار الصحابيات، هاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ وصلى عليها، ونزل في قبرها. وقيل: بل ماتت بمكة في الهجرة، والأول أشهر. وروى عنه أمم لا يحصون، منهم أولاده: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وفاطمة، وعمر، وابن أخيه عبد الله بن جعفر، وابن [عمه] (١) عبد الله بن عباس، وكاتبه عبد الله بن أبي رافع، وشريح القاضي، والشعبي. روي له عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين، انفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قاله الحافظ عبد الغني. وقال ابن الجوزي: له خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا مثل عمر ﵁. وهو رابع الخلفاء وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأقضى الأمة وأول خليفة أبواه هاشميان ولم يل بعده ممن أبواه هاشميان غير محمد الأمين بن زبيدة. وهو من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى في الأخوة وشد الأزر -ليس في النبوة- في حياته وبعد موته. وكان علي يقول أنا عبد الله [و] (٢) أخو رسوله لا يَقولها غيري إلَّا كذاب. وشبّهه ﵇ بعيسى في كونه يهلك فيه طائفتان من

стр. 632

اليهود والنصارى، حيث جعلته إحداهما ولد زانية فكفروا بذلك، والأخرى ابن الله فكفروا بذلك، فكذلك هلك في علي طائفتان: محب مفرط، ومبغض مفرط، فمن كفّره أو بدّعه أو استنقصه فهو ضال هالك، ومن رقاه إلى الإِلهية أو النبوة أو التقدمة في الخلافة على من تقدمه من الخلفاء أو التفضيل عليهم فهو ضال هالك، فعيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وعلي ابن عم الرسول ﷺ وزوج ابنته فاطمة البتول، ودعا له رسول الله ﷺ بالرحمة وأن يدور الحق معه حيث دار. وهو أول من أسلم وصلى مع النبي ﷺ من الصبيان وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة على الأصح، وتزوج بفاطمة سنة اثنين من الهجرة، وقال زوجتك سيدًا في الدنيا والآخرة. وشهد معه ﷺ مشاهده كلها إلَّا تبوك، خلّفه على المدينة وعلى عياله، فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي" رواه البخاري، قال ابن عبد البر وهو من أثبت الأحاديث. وقال في حقه: "من كنت مولاه فعلي مولاه" أي من كنت ناصره ومؤازره فعلي كذلك، وفي رواية: "اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه". وعن ابن عباس أنه ﵇ قال لعلي: "أنت ولي كل مؤمن من بعدي" ذكره أبو عمر. وروى جماعة من الصحابة أنه ﵇ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس

стр. 633

بفرار، يفتح الله على يديه، ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في [عينيه] (١) وأعطاه الراية ففتح الله عليه". وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء، فضرب صدره بيده وقال: "اللهم اهد قلبه وسدد لسانه" قال: فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وكان عمره مبدأ النبوة عشر سنين وبقي مع النبي ﷺ بعدها بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، ومدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته وجملتها ثلاثون سنة، وكان عمره ثلاثًا وستين، هذا هو الصحيح المختار في مدة عمره. وقال ابن حبان: اثنين وستين. وقد أفرد العلماء ترجمته بالتصنيف، قال الإِمام أحمد: لم يُروَ في فضائل الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائله مع قدم إسلامه. وكان ﵁ من ينابيع [الخير] (٢) [في الصحابة وأكثرهم علمًا وأعظمهم حلمًا، ومن كلامه: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك [ولكن] (٣) [الخير] (٤) أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلَّا لأحد رجلين: [رجل] (٥) أذنب

стр. 634

ذنوبًا فهو يتدارك [منها] (١) بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقلّ عمل في تقوى وكيف يقلّ ما تقبل (٢). ومن كلامه "احفظوا عني خمسًا فلو ركبتم الإِبل في طلبهن لا تصيبونهن قبل أن تدركوهن، لا يرجو عبد إلَّا ربه، ولا يخافن إلَّا ذنبه، ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له". ومن كلامه أيضًا: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل". ومن كلامه أيضًا: "أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ في المال". وكان ﵁ من الزهاد (٣) يلبس ثيابًا رثة فعابوا عليه لباسه، فقال: تعيبون عليَّ لباسي وهو أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وقال يومًا وفد فرق جميع ما في بيت المال على

стр. 635

الناس حتى كنسه [ثم] (١) أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين رجاء أن يشهد له يوم القيامة: "يا صفراء ويا بيضاء غري غيري". وقال: "لقد رأيتني أربط الحجر على بطني من شدة الجوع على عهد رسول الله ﷺ [وإن] (٢) صدقتي اليوم أربعون ألف دينار". وليَ ﵁ الخلافة خمس سنين، وقيل: إلَّا أربعة أشهر، وقيل: إلَّا شهرين وأيامًا، وقال ابن حبان في ثقاته: خمس سنين وثلاثة أشهر إلَّا [أربعة عشر] (٣) يومًا، ولم يقم بالمدينة بعد الخلافة غير أربعة أشهر، ثم سار إلى العراق في سنة ست وثلاثين. وكان ما كان وقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي -وكان فاتكًا ملعونًا- ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وقيل غير ذلك، سنة أربعين وهو عام الجماعة. قال ابن حبان في ثقاته: واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شيء من ذلك فأذكره، وقيل: إنه دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجامع وعمي قبره، وقيل: برحبة الكوفة، وقيل: بنجف الحرة، وقيل: نقل إلى المدينة ودفن بالبقيع، وقال أبو جعفر الباقر: جهل قبره، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وحنط بحنوط فضل من حنوط

стр. 636

رسول الله ﷺ وصلى عليه الحسن وكبر أربعًا، وقيل تسعًا، ليلًا في المسجد. قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي: قال عبد الله بن سلام المشهود له بالجنة: ما قتلت أمة نبيًا إلَّا قتل به منهم سبعون ألفًا، ولا قتلوا خليفتهم إلَّا قتل به منهم خمسة وثلاثون ألفًا، وكان له ﵁ من الولد أربعون [إلَّا] (١) ولدًا، خمسة (٢) من فاطمة الزهراء: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم الكبرى وزينب الكبرى، [والنسل] (٣) منهم بخمسة كما قال القضاعي في عيون الأخبار: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر الأكبر والعباس الأكبر. وكان علي ﵁ أصغر ولد أبيه، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر [سنين] (٤)، [وكان] (٥) عقيل أصغر من طالب بعشر، وأم الجميع فاطمة بنت أسد المقدم ذكرها. ومبارزته في بدر والخندق وغيرهما مشهورة، ولم يبارزه أحد إلَّا قتله، وشجاعته يضرب بها المثل، وكان ممن بذل نفسه في الله

стр. 637

ورسوله قام على فراشه وخلفه في مكانه حين أرادوا قتله فعلم الله مكانة صدقه فوقاه سيئات ما مكروا، ومناقبه ومآثره ﵁ لا تحصى وقد ذكرت طرفًا منها فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، وذكرت فيه أن في الرواة من اسمه علي بن أبي طالب ثمانية غيره فاستفدهم منه. الوجه الثاني: وقع في الحديث ذكر المقداد بن الأسود فينبغي ذكر طرف من حاله: هو المقداد بن [عمرو] (١) بن ثعلبة بن مالك الكندي الهراني، أبو عمرو، [ويقال: أبو الأسود] (٢) ويقال: أبو معبد [المكي] (٣) وهو حليف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكان الأسود قد تبناه وحالفه في الجاهلية فقيل ابن الأسود، ويقال: كان في حجره، ويقال: كان عبدًا حبشيًا [للأسود] (٤) فتبناه، وقال ابن حبان: كان أبو المقداد حالف كندة فلذلك قيل الكندي، شهد المشاهد كلها، وكان فارس المسلمين يوم بدر باتفاق، واختلف في الزبير فقيل: كان فارسًا معه أيضًا، وقد هاجر قبل الحبشة، وكان من الرماة المذكورين، وهو أحد الستة الذين أظهروا إسلامهم. قال ابن عبد البر: وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من الصحابة وهو أحد الأربعة عشر النجباء الوزراء الرفقاء الذين أعطيهم رسول الله ﷺ كما كان للأنبياء قبله.

стр. 638

روى عنه علي وابن عباس وآخرون من الصحابة وكبار التابعين، وروي له اثنان وأربعون حديثًا، اتفقا [منها] (١) على واحد، وانفرد مسلم ثلاثة. مات بأرضه بالجرف على عشرة أميال من المدينة فحمل ودفن بالمدينة، وصلى عليه عثمان سنة ثلاث وثلاثين عن نحو سبعين سنة، وأوصى للزبير بن العوام، وروي عنه أنه شرب دهن الخروع فمات، وعن كريمة ابنة المقداد أن أباها أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألف درهم، وأوصى لكل واحدة من أمهات المؤمنين بسبعة آلاف فقبلوا وصيته. روى بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرني [الله] (٢) بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد" وسمعه رسول الله ﷺ يقرأ رافعًا صوته فقال: "أوّابٌ" وقال للنبي ﷺ وهو يدعو على المشركين: لا نقول لك كما قال [قوم] (٣) موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله ﷺ (٤) وسرَّه، قال ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس، فذكره.

стр. 639

الوجه [الثالث] (١): الرواية الثانية التي عزاها المصنف للبخاري لفظه فيها: "فأمرت رجلًا يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغسل ذكرك"، ونص الحميدي في جمعه أيضًا على أنها من أفراد البخاري، وترجم البخاري على هذه الرواية: باب: غسل المذي والوضوء منه (٢)، وذكره أيضًا في باب (٣): من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين، ولفظه فيه: "فسأله المقداد فقال: [فيه] (٤) الوضوء" وهذه أخرجها مسلم، والرواية الثالثة التي عزاها المصنف إلى مسلم (٥) رواها من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: أرسلنا المقداد إلى رسول الله ﷺ "فسأله عن المذي يخرج من الإِنسان كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : توضأ وانضح فرجك" ونص الحميدي في جمعه أيضًا على أنها من أفراد مسلم، واستدرك الدارقطني على مسلم هذا الإِسناد وقال: قال حماد بن خالد (٦): سألت مخرمة (٧): سمعت من أبيك؟ فقال لا. وقد خالفه الليث عن

стр. 640

بكير فلم يذكر فيه ابن عباس، وتابعه مالك عن أبي النضر (١). قلت: وذهب بعضهم إلى أنه سمع من أبيه (٢). وفي رواية للكجي (٣) في سننه: "كل فحل يمذي وليس فيه إلَّا الطهور". الوجه الرابع: قوله: "كنت رجلًا مذاءً" فيه احتمالان: أحدهما: أن ذلك حكاية عما مضى وانقطع عنه حين إخباره به وهو بعيد، وأظهرهما (٤): أن هذه حالة مستدامة له ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ (٥). أي أنه لما علم الناس أنه تعالى عليم حكيم قيل لهم، ولذلك كان في الأول على ما هو عليه الآن.

стр. 641

الخامس: قوله: "مَذَّاء" أي كثير المذي وهو بفتح الميم وتشديد الذال المعجمة على الأفصح، وبالمد صيغة مبالغة على زنة فعال كضراب من الضرب، وفي رواية لأبي داود (١) والنسائي (٢) وابن حبان (٣) بعد مَذَّاء "فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ -أو ذُكر له- فقال: لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل". [ومعنى] (٤) "فضخت" بالفاء والخاء المعجمة: دفقت، وفي سنن البيهقي (٥) من حديث ابن جريج عن عطاء أن عليًّا "كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي". السادس: قوله "فاستحييت" هذه اللغة الفصيحة فيه بيائين، ويقال (استحيت) أيضًا بياء واحدة. السابع: المراد بالحياء هنا: تغير وانكسار يعرض للإِنسان من تخوف ما يعاتب به أو يذم عليه، وأما الحياء الشرعي الممدوح عليه الذي لا يأتي إلَّا بخير فهو: رؤية النعم ورؤية التقصير فيتولد

стр. 642

بينهما حالة تسمى حياء، وتلك حالة حاملة على مزيد الشكر واستقصار الأعمال، والحياء المذموم كالحياء المانع من التعلم، وحياء علي ﵁ لم يقض عليه ولهذا أرسل وسأل. الثامن: قوله: "أن أسأل" تقديره (من أن أسأل) وحرف الجر يحذف من أن وإن قياسًا. ثم اختلف: هل يكون أن وإن في موضع نصب أو جر؟ فيه خلاف للنحاة. التاسع: قوله: "لمكان ابنته" هو علة الاستحياء، فإن [المذي] (١) يكون غالبًا عند ملاعبة الرجل أهله وقبلتها ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع، ففيه استعمال الأدب ومحاسن [العبارات] (٢) في ترك المواجهة بما يستحيا منه عرفًا. العاشر: قوله: "فأمرت المقداد بن الأسود" وكذا هو في الصحيحين وفي رواية للبخاري أسلفناها: "فأمرت رجلًا" وفي رواية أحمد والنسائي وابن حبان "فأمرت عمار بن ياسر" وفي صحيح ابن خزيمة وغيره "أن عليًا سأل" من غير شك، وجمع ابن حبان (٣) بينهما: بأن يحتمل أن يكون عليًا أمر عمارًا أن يسأل ثم أمر المقداد أيضًا، ثم سأل بنفسه، وهو جمع حسن، ويؤيده رواية عبد الرزاق

стр. 643

عن ابن جريج عن عطاء: أخبرني [عائش] (١) بن أنس قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي فقال علي: إنه رجل مذّاء فسالا عن ذلك النبي ﷺ ، قال [عائش] (٢): فسأله أحد الرجلين -عمارًا والمقداد- قال عطاء: وسقاه عائش، ونسيته" قال ابن عبد البر: حديث المذي صحيح ثابت عند أهل العلم له طرق شتى عن علي والمقداد وعمار وكلها صحاح (٣)، أحسنها رواية عبد الرزاق (٤) هذه. وأما النووي فجمع في شرح المهذب (٥) بينها بأن قال رواية "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ " المراد: أمرت من ذكر كما جاء في معظم الروايات، قال: وتحمل رواية "فأمرت المقداد" ورواية "فأمرت عمارًا" على أنه أمر أحدهما ثم أمر الآخر قبل أن يخبر الأول. قلت: وفي الفاصل للرامهرمزي "أنه ﵇ هو السائل له لما رءاه شاحبًا، فقال له: يا علي لقد أشحبت، قلت: شحبت من اغتسال الماء وأنا رجل مذّاء [فإذا] (٦) رأيت منه شيئًا اغتسلت، قال:

стр. 644

لا تغتسل منه يا علي" الحديث. [اعلم] (١) أن ابن [بشكوال] (٢) صحيح أن السائل هو المقداد لا عمار بن ياسر (٣)، وقد علمت أن كلاهما صح مع زيادة وجمع بينهما (٤). الحادي عشر: [قوله] (٥) "وانضح فرجك" هو بكسر الضاد المعجمة، نص عليه الجوهري وغيره فمن فتحها فقد أخطأ، وهي بالحاء المهملة أيضًا، كذا [بخطه] (٦). قال الشيخ تقي الدين (٧): وكذا الرواية لا يعرف غيره، قال: ولو روي بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل فإن النضخ

стр. 645

بالمعجمة أكثر من المهملة (١). قلت: هذا قول كما ستعرفه في أثناء الحديث [الثالث] (٢) إن شاء الله. الثاني عشر: المراد بالنضح هنا الغسل بدليل الرواية الأولى والثانية، وفي حديث أم قيس الآتي الرش كما ستعلمه هناك، قال أبو عمر (٣): ورواية يحيى عن مالك وحده "فلينضح فرجه" (٤) ورواية الكل -منهم ابن وهب عن مالك- (فليغسل فرجه)، وهذا هو الصحيح قال: ولو صحت الأولى فتفسرها الثانية، لأن النضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش. وقال الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ: رواية الشافعى (٥) ويحيى بن بكير ومصعب وابن وهب وجماعات عددهم "فلينضح" إلَّا ابن وهب فإن في بعض ألفاظه "فليغسل" وهذا عكس ما ذكره أبو عمر، قال الشيخ تقي الدين (٦): ويؤيد أن المراد بالنضح هنا

стр. 646

الغسل بأن غسل النجاسة المغلظة لا بد منه ولا يكتفي فيها بالرش الذي هو دون الغسل. قلت: إطلاقه النجاسة المغلظة على نجاسة المذي خلاف الاصطلاح. الثالث عشر: قوله "يغسل ذكره" هو برفع اللام، هذا هو المشهور في الرواية كما قال الشيخ تقي الدين (١)، وهو خبر بمعنى الأمر واستعماله بمعنى الأمر جائز مجازًا لما يشتركان فيه من معنى الإِثبات للشيء. قال: ولو روي مجزومًا على حذف اللام الجازمة وإبقاء عملها لكان جائزًا عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلَّا لضرورة كقول الشاعر (٢): محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت [في أمر تبالا] (٣) تنبيه: جاء في القرآن الأمر بلفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٤)، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٥) وجاء أيضًا الخبر بلفظ الأمر كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٦) والسر في العدول عن الأصل فيهما ما أبداه الفاكهي: أما

стр. 647

سر الأول: فلأن الخبر يستلزم ثبوت مخبره ووقوعه إذا كان مبينًا، بخلاف الأمر فإذا عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان ذلك آكد، لاقتضائه الوقوع حتى كأنه واقع، ولذلك اختير [الدعاء بلفظ] (١) الخبر تفاؤلًا بالوقوع، وأما سر الثانى: فلأن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعية للأمر، وليس الخبر كذلك فإذا [عبر] (٢) عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية فيكون ثبوته وصدقه أقرب. الرابع عشر: في الحديث أن المذي لا يوجب الغسل وهو إجماع. الخامس عشر: فيه أيضًا أنه ناقض للوضوء وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد والجماهير قالوا: [ويوجوب] (٣) الوضوء. وقال الفاكهي: لا أعلم بين الأمة في نقض الوضوء به خلافًا، ثم قال بعدُ بورقة: سلس المذي عند مالك لا يوجب الوضوء ولا ينقضه، قال: [فإن] (٤) كان يعتريه المذي لطول عزبته وهو قادر على رفعه بالنكاح والتسري فلم يفعل فالمشهور إيجاب الوضوء، وإن لم يقدر فإن كان يلازم ولا يفارق فلا يجب الوضوء ولا يستحب، وقيل: يستحب، وإن استوت ملازمته ومفارقته فقولان، وإن كان

стр. 648

ملازمته أكثر فالمشهور استحبابه، [فإن] (١) كان عكسه فالمشهور وجوبه، ومنشأ الخلاف عندهم وجود الحرج وعدمه. فرع: إذا أنعظ (وهو قيام الذكر بشدة) فعند المالكية فيه أربعة [أحوال] (٢): أن يخرج معه ماء فيجب الوضوء قطعًا. وأن يلتذ ولا يخرج منه ماء فالمشهور من القولين وجوبه، وأن يخرج منه ولا لذة فالمشهور أيضًا الوجوب إذ الغالب أن لا يعرى عنها، وأن لا يكون منه إلَّا مجرد إنعاظ وانكسر من غير ماء فقولان، وهذا الخلاف لا يعرفه أصحابنا، والمجزوم به عندهم وجوب الوضوء عند خروج المذي. السادس عشر: فيه أيضًا نجاسة المذي لإِيجاب غسل الذكر منه وهو إجماع، وقال ابن عقيل الحنبلي: قد قيل إنه -يعني المذي- من أجزاء المني؛ فيجب حينئذ أن يتخرج في نجاسته روايتان. واختلف العلماء: هل يغسل [منه] (٣) كل الذكر أو محل النجاسة فقط؟ فالشافعي والجمهور قالوا بالثاني، والمشهور عن مالك [الأول] (٤) كما [قال] (٥) الفاكهي، قال: وإن غلّظ اللخمي (٦)

стр. 649

القول به، وهو رواية عن أحمد؛ لكون الذكر حقيقة في العضو كله، وخرجه ابن بشير المالكي على الخلاف الأصولي [على] (١) أن الأسماء تحمل على أوائلها أو على أواخرها، وفي التخريج نظر. واختلفوا في معنى غسل الجميع: هل هو [لمعنى] (٢) [تبريد] (٣) العضو فيضعف المذي، أو هو تعبد؟ وبنوا على ذلك فرعًا وهو وجوب النية لغسله إن جعلناه تعبدًا، وجبت؛ لأن الطهارة التعبدية تفتقر إلى النية كالوضوء، وعدل جمهور العلماء عن استعمال الحقيقة في الذكر كله نظرًا إلى المعنى الموجب للغسل وهو خروج الخارج، فاقتضى الاقتصار عليه، ومن جعل الحكمة فيه [التبرد] (٤) اقتضى عدم وجوبه أيضًا. السابع عشر: أوجب الإِمام أحمد [وجوب] (٥) غسل الأنثيين أيضًا لرواية [في] (٦) أبي داود (٧) بالأمر بغسلهما مع الذكر، وهي منقطعة؛ لأنها من حديث عروة عن علي، وعروة لم يسمع من علي.

стр. 650

لكن أخرجها أبو عوانة في صحيحه من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن [عبيدة] (١) السلماني عن علي، وفي هذا رد لما نقله أبو داود (٢) عن أحمد بن حنبل [ما قال] (٣) غسل الأنثيين إلَّا هشام بن عروة في حديثه، فأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا. فائدة: قيل: إنما أمر بغسل الأنثيين؛ لأن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد المذي وكسر حدته. الثامن عشر: فيه أيضًا وجوب غسل المذي بالماء، ولا يجوز فيه غيره مما يجوز الاستنجاء به في الغائط والبول؛ لكونه نادرًا فأشبه الدم، وهو أحد القولين عندنا، ومشهور مذهب مالك كما قاله ابن بشير منه وعلّله: بأنه يأتي مستحلبًا بخلاف البول والغائط فإنهما يخرجان [بطبع] (٤) الغذاء.

стр. 651

وعلله سند في (طرازه) بما فيه من [اللزوجة] (١) فقد [ينتشر] (٢) بالمسح إلى محل آخر فينجسه؛ ولأنه ليس في معنى الغائط حتى يلحق به. والتصحيح عندنا [إجزاء الحجر] (٣) وما في معناه فيه قياسًا على المعتاد، والحديث خرج على الغالب [فيمن هو في بلد أن يستنجي بالماء] (٤) أو يحمله على الاستحباب. ووقع في شرح مسلم للنووي: إن أصح القولين عندنا الأول (٥)، وهو سبق قلم منه، فالصحيح عندنا الثاني ولذا [فالذي] (٦) صححه هو في باقي كتبه وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه لهذا الكتاب، فقال: إنه أصح القولين عند الشافعي، فاحذر التقليد في النقول فإنه مذموم، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (٧): أنه الصحيح أيضًا لكنه لم يعزه لمذهب معين، فإنه قال: اختلفوا في أنه هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار؟ والصحيح: أنه يجوز، قال: ودليله أمره بغسل الذكر منه، فإن ظاهره بعينه [والمعين] (٨)

стр. 652

لا يقع الامتثال إلَّا به. التاسع عشر: قد يستدل به من قال: يجب الوضوء على من به سلس البول لكون، المذّاء من كثر منه المذي وقد أمر بالوضوء منه [فكذلك] (١) من به سلس البول لكن المذاء الذي يكثر مذيه يكون لصحته وغلبة شهوته غالبًا، وقد يكون لمرضه واسترساله بحيث لا يمكن دفعه، ففي الأول يجب دون الثاني على تفصيل سلف عن المالكية، وليس في الحديث ما يعين أحد الوجهين كما قال الشيخ تقي الدين (٢)، لكن رواية الموطأ التي نذكرها آخر الباب ظاهرة في الأول ثم هو نادر، بخلاف سلس البول فإنه مرض لا يزول غالبًا فافترقا. العشرون: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء للعذر سواء كان المستفتي حاضرًا أو غائبًا، وقد ترجم البخاري عليه في كتاب العلم من صحيحه: باب من استحى فأمر غيره بالسؤال (٣)، وأغرب ابن القطان المالكي المتأخر فمنع الاستنابة في ذلك معللًا بتطرق الوهم إلى النائب، بخلاف الصحابة فإنهم ثقات فصحاء، [وهو ضعيف] (٤). الحادى والعشرون: فيه أيضًا جواز الاعتماد على الخبر

стр. 653

المظنون مع القدرة على المقطوع به؛ لأن عليًّا اقتصر على قول المقداد في رواية المصنف مع تمكنه من رسول الله ﷺ . قال القاضي عياض: وليس هذا كالاجتهاد مع القدرة على النص؛ لأن قضية علي احتفت بها قرائن [توجب] (١) القطع عنده بخبر من أرسله فلم ينتقل إلَّا من علم إلى علم، لا من علم إلى ظن. قلت: وقد ينازع في هذا ويقال: لعل عليًّا كان حاضرًا مجلس السؤال وإنما استحى أن يكون السؤال منه بنفسه. فإن قلت: يلزم من قبول قول المقداد من غير أن يكون علي حاضرًا مجلس السؤال إثبات خبر الواحد بخبر الواحد، وقد انتقد على بعضهم حيث استدلَّ في المسألة بأخبار آحاد. فقيل: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد. فجوابه: أن المراد ذكر صورة من صور خبر الآحاد تدل على قبوله وهي فرد من أفراد لا تحصى، والحجة تقوم بجملتها لا بفرد معين منها، وإلَاّ لكان ذلك إثبات الشيء بنفسه وهو محال، لكنه يذكر للتنبيه على أمثاله لا للاكتفاء به، مع أن عليًّا إنما أمر المقداد بالسؤال استحياء، لا لأجل قبول خبره، فإن ثبت أن عليًّا أخذ هذا الحكم عن المقداد من غير حضوره ولا قرينة أوجبت قبول خبره ففيه الحجة. كيف وقد ثبت سؤاله بنفسه كما قدمناه؟ تنبيه: ادَّعى الجبائي (٢) أنه لا بد في خبر الواحد من نقل اثنين

стр. 654

له، أو يعضد الواحد ظاهرًا، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشرًا، ولا يسلم ذلك له (١). الثانى والعشرون: فيه أيضًا استحباب حسن العشرة مع [الأصهار] (٢)، وأن الزوج ينبغي له أن لا يذكر ما يتعلق بأسباب الجماع ومقدماته والاستمتاع بالزوجة مع حضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، مع كون السؤال في الحديث عن حكم شرعي، فما ظنك بذكر ذلك لغير حاجة؟ وقد أثنى ﷺ على نساء الأنصار لكونهن لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين لما سألنه عن أشياء تتعلق بأنفسهن مما يُستحى من ذكره عادة، كما ستعلمه في الحديث الخامس من باب الجنابة، فالعلم وتعلمه عبادة لا ينبغي أن تدخله النيابة وعدم مواجهة العلماء بالسؤال عنه، لكن تَرَكَهُ علي على رواية المصنف: لما ذكرناه. فرع: لا ينبغي لأحد الزوجين أن يذكر ما يجري بينهما من ملاعبة ونحوها لقريب ولا أجنبي، فإن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، نعم يجوز ذكر ذلك إذا دعت الحاجة إليه؛ لقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا. الثالث والعشرون: "الفرج" في الحديث: الذكر [وهو] (٣)

стр. 655

مأخوذ من الانفراج في اللغة فيدخل في عمومه الدبر، وقد تمسك به أصحابنا في انتقاض الوضوء بمسه في قوله ﵇ "من مس فرجه فليتوضأ" (١). نعم العرف يغلب استعماله في القبل من الرجل والمرأة، فيحتمل أن يكون استدلالهم به؛ لأنه لم يثبت عندهم عرف يخالف الوضع ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه ممن يقدم الوضع اللغوي على الاستعمال العرفي. الرابع والعشرون: قد يؤخذ من قوله "توضأ وانضح فرجك" جواز تأخير الاستنجاء عن الوضوء، وهو الأصح عندنا إذا كان بحائل يمنع الانتقاض، لكن إنما يتم ذلك على قول من يقول الواو للترتيب وهو مذهب ضعيف. الخامس والعشرون: احتج بعض متأخري المالكية بقوله: "اغسل ذكرك وتوضأ" بأنه إنما يغسل ذكره عند إرادة الوضوء ولا يجزيه قبل ذلك؛ لأن "الواو" ظاهرة في المعية ومشهور مذهبهم خلافه. السادس والعشرون: قال [المازري] (٢): لم يبين في هذه الروايات هل أمره أن يسأل سؤالًا عامًا أو خاصًا؟ فإن كان لا يلتفت إلى كيفية السؤال ففيه دلالة على أن قضايا الأعيان تتعدى وهي مسألة

стр. 656

أصولية مختلف فيها؛ لأنه لو كان يرى أنها لا تتعدى لأمره أن يسأله سؤالًا يخصه، ويسمي له السائل، [فإنه قد يفتح له ما لا يفتح لغيره] (١). قلت: رواية مسلم (٢) التي أسلفناها في الوجه الثالث فسأله له عن (المذي) (٣) يخرج من الإِنسان؟ فهذا [سؤال] (٤) عام، وكذا رواية الموطأ (٥): أن يسأل عن الرجل إذا دنى من أهله يخرج منه المذي؟

стр. 657

الحديث الثاني ٢٧/ ٢/ ٥ - عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: "شُكِي إلى النبي ﷺ رجل بخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (١). الكلام عليه من ثمانية أوجه: أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الحادي عشر في كتاب الطهارة مستوفى. ثانيها: عباد هذا بفتح أوله وتشديد ثانيه، وهو تابعي مدني ثقة باتفاق، ووالده صحابي وكذا عمه [كما أسلفته، وهو عمه] (٢) من

стр. 658

قبل أمه لا من قبل أبيه، وعباد كان يذكر أيام النبي ﷺ "قال: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين كنت مع النساء أذكر أشمياء وأعيها" والخندق كانت سنة أربع أو خمس من الهجرة كما ستعلمه في باب المواقيت فينبغي إذن أن يعد في صغار [الصحابة] (١)، وقد عُد أصغر منه فيهم. واعلم: أن عباد بن تميم هذا يشتبه بعُبَاد بضم أوله وتخفيف ثانيه وهو قيس بن عباد وغيره، وبعِبَاد بكسر أوله وفتح ثانيه، وبعياذ بالياء المثناة تحت وذال معجمة، وبِعياد مثله إلَّا أن الدال مهملة، وبعناد بإبدال الباء نونًا [وكلٌّ] (٢) موضح في كتابي مشتبه النسبة. ثالثها: الياء في (شكي) منقلبة عن واو، لأن من شكى يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال شكى يشكي، وشُكِي بضم أوله وكسر ثانيه مبني لما لم يسم فاعله، و (الرجل) مرفوع وهو القائم مقام الفاعل لشُكي، لا المجرور، لأنه مفعول به أعني الرجل وإذا وجد المفعول به لم يقم سواه عند الأكثرين، والجملة من قوله: "يخيل إليه" صفة [للرجل] (٣) وإن كان فيه الألف والسلام وهو من [وادي] (٤) قوله:

стр. 659

ولقد [أَمُرّ] على اللَّئيم يَسُبّنِي ... فمَضَيت ثُمَّتَ قلتُ [لا يَعْنِينِي] (١) فإنه لم يرد لئيمًا معينًا فهو نكرة في المعنى، نبه [عليه] (٢) الفاكهي، والقائم مقام المفعول "ليخيل" إن وما عملت فيه. والشاكي هو عبد الله بن زيد الراوي، كذا جاء في صحيح البخاري في باب: "لا يتوضأ من الله حتى يستيقن" (٣) وهذا لفظه عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكى إلى رسول الله الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: " [لا ينفتل] (٤) -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، قال النووي في شرحه (٥): وينبغي أن [لا] (٦) يتوهم [بهذا] (٧) أن شُكى بفتح الشين والكاف ويجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط، [وهذا لفظه] (٨) فتأمله.

стр. 660

رابعها: "الشيء" المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث وليس كذلك، ولهذا [قال] (١) ﵇: "حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". ومعناه [يعلم] (٢) وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإِجماع. وفي صحيحي ابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) ومستدرك الحاكم (٥) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت، إلَّا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفي رواية ابن حبان "فليقل في نفسه [كذبت] " (٦) وزعم بعض العلماء أنه ﵇ ذكر الصوت لمن حاسة شمه معلولة [والريح لمن حاسة سمعه معلولة] (٧).

стр. 661

وفي مسند أحمد من حديث أبي سعيد أيضًا: "إن الشيطان ليأتي إلى أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا" (١)، وفيها علي بن زيد وهو ابن جدعان [وهو ذو غرائب] (٢). قال الإِسماعيلي: هذا من رسول الله ﷺ فيمن شك في خروج ريح منه لا [نفي] (٣) الوضوء إلَّا من سماع صوت أو وجدان ريح، وقال الخطابي (٤): معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث، ولم يرد تخصيص هذين النوعين من الحدث وإنما هو جواب خرج [حذو سؤال السائل، ودخل] (٥) في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بول أو غائط أو مذي أو ودي أو دم وقد يكون بأذنه وقر فيخرج الريح ولا يسمع له صوتًا، وقد يكون أخشم فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه عليه [الصلاة والسلام] (٦) قال: "إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه" (٧). لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو

стр. 662

الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة وقبض وبسط، وهذا أصل في كل ما ثبت يقينًا فإنه لا يرفع بالشك. خامسها: ترجم البخاري (١) على هذا الحديث: "لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن" ثم ذكره باللفظ الذي أسلفناه عنه، وترجم عليه أيضًا: "من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين" (٢) ولفظه فيه: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". وذكره في البيوع (٣) في، "باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات" ولفظه فيه عن عباد بن تميم عن عمه قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: "لا، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" ووجه تبويبه عليه أنه نهى عن العمل بمقتضى الوسواس؛ لأن تيقن الطهارة لا يقاومه الشك، ففي هذا تنبيه على ترك موافقة الوسواس في كل حال. ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار في باب: عدة زوجة المفقود (٤)، ولفظه فيه "إن الشيطان ينقر عند عجُز أحدكم حتى يخيل

стр. 663

له أنه [قد] (١) أحدث، فلا يتوضأ حتى يجد ريحًا يعرفه أو صوتًا يسمعه" وفي سنده ابن لهيعة. سادسها: في الحديث مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع وجواب السائل. سابعها: هذا الحديث أصل من أصول الإِسلام، وقاعدة من قواعد الفقه وهو: أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الله الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم مختلفون في كيفية استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي: أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث [يحكم] (٢) ببقائه على الطهارة سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي وجمهور علماء السلف والخلف؛ إعمالًا للأصل السابق وهو الطهارة وإطراحًا للشك الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه الحالة، وهو ظاهر الحديث. وعن مالك ﵀ روايتان: إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقًا؛ نظرًا إلى الأصل الأول قبل الطهارة وهو ترتيب الصلاة في الذمة، فلا تزال إلَّا بطهارة متيقنة ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث، ووقع في شرح ابن العطار أنه وجه شاذ عن بعض الشافعية، وهو غلط منه، وكان سببه انتقال ذهني منه إلى الرواية الثانية المنفصلة، فإنها حكيت وجهًا لنا وهو

стр. 664

غلط أيضًا كما ستلعمه، وغلط أيضًا في حكايته ذلك عن الحسن البصري، وإنما حكى عنه الرواية الثانية، وليته تبع شيخه النووي (١) فإنه حكى ذلك عنهما أعني الرواية الثانية. وستعلم أن حكايته وجهًا عندنا غلط. الرواية الثانية: إن كان شكه في الصلاة لم يلزمه الوضوء، وإن كان خارجها لزمه، وحكاها الشيخ تقي الدين (٢) عن بعض أصحاب مالك، وحكاها الرافعي في (شرحه الكبير) وجهًا وعزاه إلى صاحب (التتمة) (٣) ولم يعزه في (الصغير)، وتابعه على حكاية هذا الوجه النووي في (الروضة وغيرها، [وابن الرفعه في (كفايته)] (٤)، وهو غلط فإن الذي في (التتمة) حكاية ذلك عن مالك، كذا رأيته فيها، وحكاه الماوردي (٥) عن الحسن البصري، فقد علمت بهذا إن هذا الوجه لا أصل لحكايته. ونقل القاضي والقرطبي (٦) عن ابن حبيب المالكي أن هذا

стр. 665

الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول والغائط، ولا يخفى ما فيه، وسيأتي مقالة لهم أيضًا مفرقة بين الشك: أن يكون الشك في سبب حاضر أو متقدم. كأن قائل الرواية الثانية أخذ ذلك أيضًا من حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" رواه مسلم (١) منفردًا [بل] (٢) ورواه الترمذي (٣) بلفظ: "إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحًا بين إليتيه فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" وحمل الحديث على العموم في الصلاة إذا كان في المسجد [وإن كان المراد بالمسجد] (٤) نفس الصلاة تسمية للصلاة باسم موضعها للزومها إيَّاه، ويؤيده رواية أبي داود (٥) لهذا الحديث "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". ولما ذكر الشيخ تقي الدين الرواية الثانية التي عزاها إلى أصحاب مالك قال: لها وجه حسن، فإن القاعدة أن مورد النص إذا

стр. 666

وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرًا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم إطراحه، وهذا الحديث بدل على إطراح الشك إذا وجد في الصلاة، وكونه موجدًا في الصلاة معنى يمكن أن يكون معتبرًا فإن الدخول إلى الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه من استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (١)، فصارت صحة [الصلاة] (٢) أصلًا سابقًا على [صحة] (٣) حالة الشك مانعًا من الإِبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل [ظاهرًا] (٤) معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، عكس اعتباره فلا ينبغي إلغاؤه. ومن أصحاب مالك من قيد هذا الحكم -أعني إطراح هذا الشك- بقيد آخر وهو أن يكون الشك في سبب حاضر كما في الحديث، حتى لو شك في تقدم الحديث على وقته الحاضر لم يبح له الصلاة، وهذا مأخذه ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي يمكن اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف وهو كونه شكًّا في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم، إلَّا أن هذا القول أضعف من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهر وانعقاد الصلاة مانع مناسب لإِطراح الشك، وأما

стр. 667

كون السبب [تأخر] (١) فإما غير مناسب وإما مناسب مناسبة ضعيفة. قال الشيخ: فالذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول وهو ترتب الصلاة في ذمته معمول به، فلا يخرج عنه إلَّا ما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج على الأصل بالنص إلى مناسب كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل، أعني أنهم اقتصروا على مورد النص إذا خرج عن الأصل أو [القياس من غير اعتبار مناسبة والسبب فيه أن [إعمال] (٢) النص في مورده لا بد منه، [والعمل] (٣) بالأصل أو القياس المطرد مسترسل لا يخرج منه إلَّا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده سواء كان مناسبًا أو لم يكن، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة، ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين: الأول: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك [لمن] (٤) هو في المسجد، يعني التي أسلفناها، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبر القائل الآخر وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه

стр. 668

شكًا في سب [ناجز] (١)، إلَّا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كونه في الصلاة، [أي] (٢) كما أسلفته، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة فقد يلازمها فيعبر عنها، وهذا وإن كان مجازًا إلَّا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث وكان حديثًا واحدًا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذٍ يكون ذلك الخلاف اختلافًا في عبارة الراوي فنفسر أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة. قلت: الحديث غير متحد ومخرجهما مختلف كما أسلفته لك، وإن رواية أبي داود صرح فيها بذكر الصلاة. الوجه الثاني: وهو أقوى من الأول: ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين إليتي الرجل" (٣) وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإِلغاء الشك، قال الشيخ: وإنما أفردنا هذه المباحث ليلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه، والشافعي ﵁ ألغى القيدين معًا، أعني كونه في الصلاة وكونه في سبب [ناجز] (٤) واعتبر أصل الطهارة، ورجح القرافي ما ذهب إليه مالك وقال: لأنه احتاط للصلاة التي هي مقصد، وألغى الشك في [السبب] (٥)، والشافعي

стр. 669

احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في [الحدث] (١) الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. قلت: لكن في الأول خروج عن [الحديث] (٢) جملة فإنه أمره بعدم الانصراف إلَّا أن يتحقق. تذنيب: هذه القاعدة تعرف في الأصول باستصحاب الحال، وهي أدلة الشريعة الثلاثة التي هي: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، ونعني بالأصل: الكتاب، والسنة، والإِجماع. وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب على ما تقرر في الأصول. ونعني باستصحاب حال الأصل: البقاء عليه حتى يدل دليل على خلافه، وهو على ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإِجماع. فالأول: [نحو] (٣) أن يدعي أحد الخصمين حكمًا شرعيًا في مسألة، ويدعي الآخر البقاء على حكم العقل، مثل أن يدعي من أوجب الوتر، فيقال: الأصل براءة الذمة، وطريق شغلها الشرع، فمن ادعى شرعًا يوجب ذلك فعليه الدليل. والثاني: مثل استدلال داود على أن أم الولد يجوز بيعها، بأنا قد أجمعنا على جواز بيعها قبل العمل، فمن ادَّعى المنع من ذلك

стр. 670

بعده فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإِجماع لا يتناوله موضع الاتفاق، وما كان حجة فلا يصح الاحتجاج به في الوضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعًا خاصًا لا يجوز الاحتجاج بها في الوضع الذي يتناوله. تنبيهات: أحدها: قال أصحابنا: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث وعدمه، أو ترجح أحدهما ويغلب على ظنه فلا وضوء عليه، نعم يستحب احتياطًا فلو بان بعدُ حدثه فوجهان: أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثم بان محدثًا فإنه [يجزئه] (١) قطعًا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه. ثانيها: لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإِجماع (٢). ثالثها: لو تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما فأوجه: أصحها: أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء بكل حال والمسألة مبسوطة في شرحي للمنهاج وغيره. رابعها: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث:
следующие страницы →