← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرًا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم إطراحه، وهذا الحديث بدل على إطراح الشك إذا وجد في الصلاة، وكونه موجدًا في الصلاة معنى يمكن أن يكون معتبرًا فإن الدخول إلى الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه من استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (١)، فصارت صحة [الصلاة] (٢) أصلًا سابقًا على [صحة] (٣) حالة الشك مانعًا من الإِبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل [ظاهرًا] (٤) معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، عكس اعتباره فلا ينبغي إلغاؤه. ومن أصحاب مالك من قيد هذا الحكم -أعني إطراح هذا الشك- بقيد آخر وهو أن يكون الشك في سبب حاضر كما في الحديث، حتى لو شك في تقدم الحديث على وقته الحاضر لم يبح له الصلاة، وهذا مأخذه ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي يمكن اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف وهو كونه شكًّا في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم، إلَّا أن هذا القول أضعف من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهر وانعقاد الصلاة مانع مناسب لإِطراح الشك، وأما

стр. 667

كون السبب [تأخر] (١) فإما غير مناسب وإما مناسب مناسبة ضعيفة. قال الشيخ: فالذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول وهو ترتب الصلاة في ذمته معمول به، فلا يخرج عنه إلَّا ما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج على الأصل بالنص إلى مناسب كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل، أعني أنهم اقتصروا على مورد النص إذا خرج عن الأصل أو [القياس من غير اعتبار مناسبة والسبب فيه أن [إعمال] (٢) النص في مورده لا بد منه، [والعمل] (٣) بالأصل أو القياس المطرد مسترسل لا يخرج منه إلَّا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده سواء كان مناسبًا أو لم يكن، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة، ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين: الأول: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك [لمن] (٤) هو في المسجد، يعني التي أسلفناها، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبر القائل الآخر وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه

стр. 668

شكًا في سب [ناجز] (١)، إلَّا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كونه في الصلاة، [أي] (٢) كما أسلفته، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة فقد يلازمها فيعبر عنها، وهذا وإن كان مجازًا إلَّا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث وكان حديثًا واحدًا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذٍ يكون ذلك الخلاف اختلافًا في عبارة الراوي فنفسر أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة. قلت: الحديث غير متحد ومخرجهما مختلف كما أسلفته لك، وإن رواية أبي داود صرح فيها بذكر الصلاة. الوجه الثاني: وهو أقوى من الأول: ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين إليتي الرجل" (٣) وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإِلغاء الشك، قال الشيخ: وإنما أفردنا هذه المباحث ليلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه، والشافعي ﵁ ألغى القيدين معًا، أعني كونه في الصلاة وكونه في سبب [ناجز] (٤) واعتبر أصل الطهارة، ورجح القرافي ما ذهب إليه مالك وقال: لأنه احتاط للصلاة التي هي مقصد، وألغى الشك في [السبب] (٥)، والشافعي

стр. 669

احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في [الحدث] (١) الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. قلت: لكن في الأول خروج عن [الحديث] (٢) جملة فإنه أمره بعدم الانصراف إلَّا أن يتحقق. تذنيب: هذه القاعدة تعرف في الأصول باستصحاب الحال، وهي أدلة الشريعة الثلاثة التي هي: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، ونعني بالأصل: الكتاب، والسنة، والإِجماع. وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب على ما تقرر في الأصول. ونعني باستصحاب حال الأصل: البقاء عليه حتى يدل دليل على خلافه، وهو على ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإِجماع. فالأول: [نحو] (٣) أن يدعي أحد الخصمين حكمًا شرعيًا في مسألة، ويدعي الآخر البقاء على حكم العقل، مثل أن يدعي من أوجب الوتر، فيقال: الأصل براءة الذمة، وطريق شغلها الشرع، فمن ادعى شرعًا يوجب ذلك فعليه الدليل. والثاني: مثل استدلال داود على أن أم الولد يجوز بيعها، بأنا قد أجمعنا على جواز بيعها قبل العمل، فمن ادَّعى المنع من ذلك

стр. 670

بعده فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإِجماع لا يتناوله موضع الاتفاق، وما كان حجة فلا يصح الاحتجاج به في الوضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعًا خاصًا لا يجوز الاحتجاج بها في الوضع الذي يتناوله. تنبيهات: أحدها: قال أصحابنا: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث وعدمه، أو ترجح أحدهما ويغلب على ظنه فلا وضوء عليه، نعم يستحب احتياطًا فلو بان بعدُ حدثه فوجهان: أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثم بان محدثًا فإنه [يجزئه] (١) قطعًا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه. ثانيها: لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإِجماع (٢). ثالثها: لو تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما فأوجه: أصحها: أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء بكل حال والمسألة مبسوطة في شرحي للمنهاج وغيره. رابعها: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث:

стр. 671

من شك في طلاق زوتجه، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، وطهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو (في) (١) أثناء هذه العبادات وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. قد استثنى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة: منها: من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها قبل وقتها، ومن شك في ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ؛ لا أثر له على الراجح. ومنها: عشر ذكرهن ابن القاصِّ -بكسر الصاد المهملة المشددة- من أصحابنا: الشك في مدة خف، وأن إمامه مسافر، أو وصل وطنه، أو نوى إقامة، ومستحاضة شفيت؛ وغسل [متحرية] (٢)، وثوب خفيه نجاسته، ومسألة الظبية (٣)، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه فغاب فوجده ميتًا. قال القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في

стр. 672

الأولى: [الغسل] (١)، وفي الثانية: الإِتمام، وكذا في الثالثة والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة: اشتراط الطهارة ولو ظنًا أو استصحابًا، والسابعة: بقاء النجاسة، والثامنة: لقوة الظن، والتاسعة: للشك في شرط التيمم وهو عدم الماء، وفي الصيد: تحريمه إن قلنا به. قال النووي في تحقيقه: بعد أن لخص المسألة هكذا وبسطها في شرح المهذب (٢): وقول ابن القاص (٣) أقوى في غير الثامنة والتاسعة والعاشرة. الوجه الثامن: قال الخطابي: في الحديث حجة لمن أوجب الحد على من وجدت منه رائحة المسكر وإن لم يشاهد يشربه ولا شهد عليه الشهود [واعترف به] (٤)، قال: وفيه دلالة أيضًا على أنه إذا تيقن النكاح وشك في الطلاق كان على النكاح [المقدم إلَّا إن تيقن] (٥) الطلاق. قلت: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها [ويتعلق بها ما

стр. 673

رويناه بالإِسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء قال: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها، قال: فتركه، ثم جاء إلى سفيان الثوري فسأله فقال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقت فقد راجعتها وإلَّا فلا تضرك المراجعة، فتركه، وجاء إلى شريك فقال له: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحدًا؟ قال: نعم، وقص عليه القصة، فقال في جواب أبي حنيفة: الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليًا، ثم قال: لأضربن لهم مثلًا: رجل مرة بشعب يسيل دمًا فشك في ثوبه هل أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله فإن كان نجسًا فقد طهرته وإلَّا فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُل عليه ثم اغسله] (١).

стр. 674

الحديث الثالث ٢٨/ ٣/ ٥ - عن أم قيس بنت محصن الأسدية: "أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه (١) ولم يغسله (٢) " (٣).

стр. 675

الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه: أم قيس هذه هي أخت عكاشة بتشديد الكاف وتخفيفها، والأول أكثر، ابن محصن بن حُدثان بضم الحاء المهملة، ووهم الفاكهي تبعًا للصعبي فضبطاه بالجيم، ابن قيس. لها صحبة، أسلمت قديمًا وهاجرت إلى المدينة وبايعت، قال ابن العطار في شرحه: لا اسم لها غير كنيتها. قلت: عجيب! فقد قال السهيلي في روض الأنف: اسمها آمنة، وقال ابن عبد البر: اسمها خُذامة، فاستفدها، وكأنه اغتر بابن حبان فإنه ذكرها في ثقاته فيمن عرف بكنيتها دون اسمها، لكن لا يلزم من ذلك ما قاله. روت أربعة وعشرين حديثًا، اتفقا منها على حديثين، قاله الحافظ المقدسي، وقال ابن الجوزي: لها في الصحيحين حديثان أحدهما للبخاري، والثاني لمسلم، روى عنها جماعة منهم وابصة بن معبد الأسدي، أخرج لها البخاري في الأدب والنسائي والطبراني أنها قالت: "توفي ابني فجزعت فقلت للذي يغسله لا تغسل ابني

стр. 676

بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكاشة بن محصن إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقولها فتبسم، ثم قال: طال عمرها، فلا نعلم [امرأة] (١) عمرت ما عمرت". والأَسدية: بفتح الهمزة والسين المهملة نسبة إلى أسد بن خزيمة (٢). وهي نسبة أيضًا إلى أسد [بن] (٣) قريش أسد بن عبد العزى بن قصي بن مالك (٤)، وأسد في مذحج أسد بن مُسلية بن عامر (٥)، وأسد بن عبد مناه بن عايذ الله بن سعيد [العشيرة] (٦). وفي الأزد أيضًا: أسد [بنو أسد] (٧) بن الحارث بن عتيك، ونسبة هذه النسبة [بالأسْدي] (٨) (٩) بسكون السين مبدلة من الزاي نسبة إلى أزد شنوءه، كذا قاله السمعاني، وحكى عن ابن السكيت وغيره أنه يقال فيه [الأزد] (١٠) بالزاي والسين لغتان، منهم من الصحابة ابن

стр. 677

بحينة (١) وابن اللتبية وغيرهما. ثانيها: في ألفاظه: وفيه مواضع: الأول: الابن: [لا] (٢) يقع إلَّا على الذَّكَرِ خاصة، بخلاف الولد فإنه يقع عليه وعلى الأنثى. ثانيها: قوله: "لم يأكل الطعام" هو في موضع خفض صفة لابن، وهو من باب اجتماع المفرد الجملة صفتين، والأحسن تقديم المفرد على الجملة، وإن كان الآخر حسنًا جيدًا ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (٣). ومن الآخر قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (٤). وإنما كان تقديم المفرد أولى؛ لأصالته، دون الجملة. [ثالثها] (٥): [الطعام] (٦) ما يؤكل اقتياتًا ليخرج ما يحنك به عند الولادة، وربما خصّ الطعام بالبر كما في حديث أبي سعيد في الفطرة.

стр. 678

[رابعها] (١): معنى "لم يأكل الطعام" لم يستغن به ويصير له غذاء عوضًا عن الإِرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيئًا قط؛ فإن الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ليدعوا لهم لا سيما عند شيء يجده أحدهم [من مرض ونحوه] (٢)، ويؤيد ذلك جلوسه في حجره ﷺ إذ الصبي عند الولادة لا يجلس، ويقويه أيضًا قولها: "لم يأكل الطعام" ولم تقل: لم يرضع، ويبعد أن يكون عبر بالإِجلاس عن الوضع كما قال الباجي (٣)؛ لأنه خلاف الأصل. [خامسها] (٤): الحجر بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان. [سادسها] (٥): النضح: هو إصابة الماء جميع موضع البول، وكذا غلبة الماء في الأصح عند أصحابنا: ولا يشترط أن ينزل عنه، ويدلّ عليه قولها: فنضحه ولم يغسله. والغسل: أن يغمره وينزل [عنه] (٦)، ولا يشترط العصر هنا، وقال المتولي من أصحابنا: معنى الرش أن يقلب عليه من الماء مايغلبه بحيث لو كان بدل البول نجاسة أخرى وعصر الثوب كان يحكم بطهارته. [سابعها] (٧): قال ابن الأثير في شرح المسند: النضح

стр. 679

بالمهملة: الرش، وبالمعجمة أكثر من النضح، وقيل: هما سواء، وخالف في نهايته (١) فقال: النضخ قريب من النضح، وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر أنه بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: هو بالمعجمة: الأثر يبقى على الثوب والجسد، وبالمهملة: الفعل نفسه، وقيل: ما فعل تعمدًا فبالمعجمة وإلَاّ فبالمهملة (٢)، وقيل: ما ثخن كالطيب فبالمعجمة، وما رقَّ كالماء فبالمهملة، وقيل عكسه (٣). قلت: ومما يدل على أنه بالمعجمة أكثر قوله تعالى: ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ (٤)، أي فوَّارتان، والفوران أكثر من الرش بلا شك. [ثامنها] (٥): في أحكامه وفوائده، ويحضرنا منها عشرة: الأولى: أن بول الصبي يكفي فيه النضح وهو مخالف للجارية في ذلك، وهو الصحيح عند الشافعية وبه قال أحمد وجماعة من السلف وأصحاب الحديث، منهم علي بن أبي طالب وأم سلمة والأوزاعي وإسحاق وداود. وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما والثوري (٦): لابد

стр. 680

من الغسل، ونص عليه الشافعي أيضًا تسوية بينهما، وقدموا القياس على الأحاديث وربما حمل بعضهم لفظ النضح في بول الصبي على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي الغسل والتفرقة بينهما في الحديث. وعندنا وجه أنه يكفي النضح في الجارية أيضًا، وهو قول النخعي ورواية عن الأوزاعي (١)، [ولا ينبغي] (٢) أن يقال: يكفي النضح فيها دونه معللًا بالاتفاق على محبة الغلام دونها فخفف أمرها بالنضح؛ لأنه مصادم للنص، وقد صحيح ابن خزيمة (٣) والحاكم (٤) من حديث أبي السمح واسمه إياد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام"، وأخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) وحسنه البخاري، ومن قال بالغسل تأول الحديث على أنه لم يغسله أي غسلًا مبالغًا فيه كغيره، فسمُي الأبلغ [فيه] (٨) غسلًا والأخف نضحًا، وهو خلاف الظاهر (٩).

стр. 681

ثانيها: قال النووي في شرح مسلم (١): هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير ما بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته، وكذا قال الخطابي (٢) أيضًا: ليس النضح لعدم نجاسته بل للتخفيف في إزالته، قال النووي: وقد نقل بعض أصحابنا الإِجماع على نجاسته وأنه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري، قال: وأما ما حكاه ابن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر [فينضح] (٣) حكاية باطلة قطعًا لا تعرف في مذهبنا.

стр. 682

قلت (١): نقله القرطبي (٢) في شرحه لمسلم عن إمامنا أيضًا، وكذا ابن عبد البر (٣) والباجي في المنتقى (٤)، ولم ينفردوا به فقد حكاه الشيخ أبو يحيى بن زكريا الصباحي البصري عن الشافعى في كتابه (اختلاف العلماء) وهذا لفظه: حُكي عن الشافعي أنه قال: الأبوال كلها نجسة، قال: وروي عنه في موضع آخر أنه قال: الأبوال كلها نجسة إلَّا بول الغلام الذي لم يطعم فإنه يرش عليه؛ لحديث رسول الله ﷺ . وحكاه القرطبي في شرحه لمسلم (٥) عن أحمد والحسن وابن وهب [و] (٦) رواية عن مالك أيضًا، قال: وحكي عن أبي حنيفة وقتادة، قال: ومشهور مذهب أبي حنيفة: النجاسة، وروى عن مالك القول بطهارة بول الذكر والأنثى، ففي مذهب مالك حينئذٍ ثلاثة أقوال. ثالثها: اختلف في السر في الفصل بين الذكر والأنثى على أقوال كثيرة ومُهِمُّهَا ما ذكره ابن ماجه (٧) في سننه عن أبي اليمان المصري قال: سألت الشافعي [عن الحديث السالف] (٨) والماءان

стр. 683

جميعًا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال: فهمت [] (١): [أو قال: لقنت] (٢) [أي] (٣) قلت: لا، قال: إن الله لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم. قال ليس: فهمت ذلك؟ قلت: نعم. قال: نفعك الله. قلت: وهذا عزيز حسن لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا أهملوا ذلك في كتبهم وهو قول إمامهم، ورأيت في شرح ألفاظ مصابيح البغوي للشيخ ضياء الدين أبي النجيب عبد القاهر السهروردي (٤) أن مالكًا قال: ربما جاء هذا الحديث -يعني التفرقة بينهما- وليس عليه العمل، وإن ابن وهب أخذ بهذا الحديث وقال: الصبي خلق من تراب والتراب إذا طرح في الماء طهر، والصبية خلقت من ضلع والضلع إذا طرح في الماء أنتن، هذا

стр. 684

ما ذكره فليتأمل فإن هذا موجود في بول الكبير. وقال الشيخ تقي الدين (١): ذكر بعضهم أن بول [الصبي يقع في محل واحد وبول الصية يقع منتشرًا] (٢) فاحتيج إلى صب الماء في مواضع معددة ولا يحتاج إليه في بول الصبي، قال: وأقوى ما قيل فيه: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإِناث فيكثر حمل الذكور فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح دفعًا للحرج والعسر، بخلاف الإِناث فإن هذا المعنى قليل فيهنَّ، فيجري على القياس في غسل الجنابة، وما قدمناه مهم بالغ فلا يعدل عنه مع هذا. رابعها: في الحديث التبرك بأهل الصلاح والفضل واستحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل والتبرك بهم، قال النووي: وسواء [في هذا] (٣) وقت الولادة وبعدها (٤). وفيه الندب إلى حسن

стр. 685

المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم. خامسها: فيه أيضًا دلالة على أن قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة إذا غلب عليها. سادسا: فيه أيضًا أنه لا يفتقر التطهير إلى إمرار اليد وإنما المقصود إزالة العين. سابعها: فيه أيضًا وجوب غسل بول الصبي إذا طعم ولا خلاف فيه.

стр. 686

ثامنها: فيه أيضًا الندب إلى حمل الآدمي [وما يعرض له فيه] (١). تاسعها: فيه أيضًا جبر قلوب الكبار بإكرام أطفالهم، وإجلاسهم في الحجر، وعلى الركبة ونحو ذلك. عاشرها: الصبي المذكور لا أعرف اسمه، ولم أره أيضًا في كتب المبهمات بعد التتبع الشديد.

стр. 687

الحديث الرابع ٢٩/ ٤/ ٥ - " عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إيَّاه". ولمسلم: "فأتبعه بوله، ولم يغسله" (١). أما راويه فقد تقدم التعريف به في الحديث الثالث من الطهارة. وأما ألفاظه: "فالصبي" جمعه صبيان، كقضيب وقضبان (٢)، والصبيان: بكسر الصاد وضمها، وهو الغلام من حين يولد إلى [أن] (٣) يبلغ كما أسلفته في الحديث الرابع من باب الاستطابة. وقولها: "فأتبعه بوله ولم يغسله" معناه رشه عليه، وفي رواية (٤) لمسلم: "فصبه عليه"، قال القرطبي (٥): وقد روى "فنضحه" وكلها بمعنى واحد.

стр. 688

وأما أحكامه: فتقدم بيانها في الحديث قبله، قال القرطبي (١): وتعسف بعضهم وقال: إن الضمير في قولها: "فبال عليه" عائد على الصبي نفسه، وهذا وإن كان [هذا] (٢) اللفظ صالحًا له، غير أن في حديث أم قيس السالف "فبال في حجر رسول الله ﷺ " أخرجه مالك (٣) كذلك، فبطل ذلك التأويل، وفيه أن إزالة النجاسة المقصود بها إذهاب عينها وأنها لا تفتقر إلى ذلك (٤)، قال الشيخ تقي الدين (٥): واستدلَّ به بعض المالكية على أن الغسل لا بدَّ فيه من أمر زائد على مجرد إيصال الماء من وجهة قولها: "ولم يغسله" مع كونه أتبعه بماء. واعلم أن الصبي المذكور في حديث عائشة يحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير أو الحسن أو الحسين؛ لروايات في ذلك ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي الذي لا يستغنى عنه.

стр. 689

الحديث الخامس ٣٠/ ٥/ ٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء، فأهريق عليه" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: [في] (٢) راويه، وقد تقدم التعريف به في أول الاستطابة. ثانيها: في ألفاظه وفيه مواضع:

стр. 690

الأول: الأعرابي: الذي (١) يسكن البادية وإن لم يكن من العرب، والعربي منسوب إلى العرب وإن كان في الحضر، والعرب ولد إسماعيل ﵇، وإنما نسب الأعراب إلى الجمع دون الواحد لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار، وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل: عربي، فيشتبه المعنى فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل ﵇ كما تقدم سواء كان ساكنًا في البادية أو لا، وهذا غير المعنى الأول. واعلم أن هذا الأعرابي لم أرَ أحدًا ممن تكلم على المبهمات سماه، وقد ظفرت به بحمد الله ومنِّه في معرفة الصحابة [لأبي] (٢) موسى الأصبهاني فإنه روى من حديث سليمان بن يسار قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيًا على رسول الله ﷺ في المسجد، وساق الحديث وفى آخره: أنه بال فيه وأنه أمر بسجل فصبه على مباله (٣)، وقد ذكرته كذلك في كتابي العدة في معرفة رجال العمدة نفع الله به. الثاني: الطائفة من الشيء: القطعة [منه] (٤)، وطائفة المسجد: ناحيته.

стр. 691

الثالث: المسجد: بكسر الجيم كالمجلس، لموضع السجود، ويجوز فتحها، وقيل بالفتح: اسم لمكان السجود، وبالكسر: اسم للموضع المتخذ مسجدًا. وحكى ابن مكي (١) في تثقيفه (٢) عن غير واحد من أهل اللغة أنه يقال للمسجد: مسيد، بفتح الميم وبالياء المكسورة بدل الجيم. وهو في الأصل: لموضع السجود ويطلق في العرف على كل مكان مبني للصلاة التي فيها السجود. الرابع: الزجر: النهي والمنع. يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر. الخامس: الذنوب: بفتح الذال المعجمة وضم النون، قال الشافعي في المختصر: هو الدلو العظيم، وكذا قاله غيره، زاد الأزهري (٣): وهو دون الغرب الذي يكون للسانية ولا يسمى ذنوبًا حتى يكون مُلىء ماء، ونقله النووي في شرح المهذب عن الأكثرين، وجزم به في شرحه لمسلم (٤)، وقال ابن السكيت (٥): هي التي فيها

стр. 692

قريب من الثلث، وقال ابن داود من أصحابنا: إنه لا يسمى ذنوبًا ما لم يكن الحبل مشدودًا فيه وهو مذكر وقد يؤنث، قاله ابن سيده (١): والجمع: في أدنى العدد أذنبة، والكثير ذنائب مثل قلوص وقلائص (٢). واعلم: أن الذنوب من الألفاظ المشتركة فهو ما ذكرنا وهو [من] (٣) الفرس الطويل، والنصيب، ولحم أسفل المتن. السادس: "أهريق عليه": سبب، والأصل (أريق) والهاء زائدة. ثالثها: في أحكامه وفوائده ويحضرنا منها ثلاث عشرة: [الأولى] (٤): نجاسة بول الآدمي وهو إجماع إذا أكل غير اللبن. ثانيا: احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وفي مسند إسحاق بن راهويه وصحيح ابن خزيمة (٥) أنه ﵇ قال له: "إن هذا المسجد إنما هو لذكر الله والصلاة، ولا يبال فيه". ثالثها: الرفق بالجاهل في التعليم وأنه لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا وعنادًا، وأخرج الشافعي

стр. 693

في الأم (١) هذا الحديث بفائدة حسنة من طريق أبي هريرة وهذا لفظه: "دخل أعرابي المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ : "لقد تحجرت واسعًا"، فما لبث أن بال في ناحية المسجد فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي ﷺ ثم أمر بذنوب من ماء [أو سجل من ماء] (٢) فأهريق عليه. ثم قال النبي ﷺ : "علموا ويسروا ولا تعسروا". وفي رواية أبي داود (٣) أنه صلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ... الحديث، وكذا أخرجه الترمذي (٤)، وقد يستنبط من هذه الرواية صحة صلاة مدافع الأخبثين؛ لأن الظاهر من حال من يبول عقب الصلاة أنه كان يدافعه، ويحتمل أنه سبقه والله أعلم. رابعها: أن الأرض تطهر بصب الماء ولا يشترط حفرها، على قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، والأمر بالحفر ورد من [طريق] (٥) معللة (٦).

стр. 694

خامسها: أن غسالة النجاسة طاهرة وفي ذلك خلاف للعلماء، والتصحيح عندنا طهارتها إن انفصلت غير متغيرة ولم يزد وزنها وقد طهر المحل. سادسها: أنه لا تحديد فيما يغسل بها. وقيل: يشترط بقيته أمثال البول. وقيل: لبول كل رجل دلو، وهما شاذّان، نعم قال الجرجاني (١) من أصحابنا في كتاب (البلغة) باستحباب الأول، وحكاه الشيخ تقي (٢) الدين فقال: وقيل: [إنه] (٣) يستحب أن يكون مثل سبعة أمثال البول، وفي كتاب المحاملي من أصحابنا أنه لا بدَّ في الأرض الرخوة من قلع ترابها، وأبعد بعض أصحابنا فاشترط نضوب الماه من الأرض وهو ذهابه. سابعها: فيه دلالة للجمهور على أن إزالة النجاسة لا يطهرها الجفوف، بل الماء خلافًا لأبي حنيفة. ثامنها: فيه أيضًا أن غيره من المانع لا يجزئ خلافًا له أيضًا.

стр. 695

تاسعها: فيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لنهيه ﷺ عن زجره، وفي الصحيح أيضًا: "دعوه"، وفيه مصلحتان: الأولى: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل؛ فكان احتمال زيادةٍ أولى من إيقاع ضرر به. الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد [فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد] (١)، وذكر هنا القرطبي (٢) ﵀ احتمالين فقال: يحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر، ولئلا يضر قطعه به. عاشرها: فيه أيضًا أن الماء إذا كان واردًا على النجاسة طهرها، وقال القرطبي (٣): فرقت الشافعية بن ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء، تمسكًا بهذا الحديث، وقالوا: إذا كان الماء دون القلتين [فحل به] (٤) نجاسة [تنجس، وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة] (٥)، قال: وهذه مناقضة [إذ المخالطة] (٦) حصلت في الصورتين، وتفريقهم بالورود فرق صوري

стр. 696

ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب [من] (١) [باب] (٢) التعبدات بل من باب عقلية المعاني، فإنه من [أبواب] (٣) إزالة النجاسة وأحكامها، قال: [ثم] (٤) هذا كله منهم يرده قوله ﵇: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلَّا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٥). قلت: هذا الاستثناء ضعيف، ويقوي الفرق الذي ذكروه قوله ﵊: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" (٦). كما قررناه هناك. حادي عشرها: في رواية [في] (٧) الصحيح: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول" (٨). قال القرطبي (٩): فيه حجة لمالك أنه [لا] (١٠) يتسوك فيه؛ لأنه من باب إزالة الأقذار، وغيره علله

стр. 697

بأنه يُخْشى أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه، وهذا يبعد إذا استعمل السواك المشروع وهو أن يكون عودًا بين عودين وقد قدمنا رد هذه المقالة في باب السواك. ثاني عشرها: قال الخطابي (١): إذا أصاب الأرض نجاسة ومطرت مطرًا عامًا كان ذلك مطهرًا لها، وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر. ثالث عشرها: فيه المبادرة إلى إنكار المنكر عند من يعتقده منكرًا [فإنهم] (٢) زجروا الأعرابي لكونهم اعتقدوه منكرًا فبادروا إلى منعه، لما فيه من تنزيه المسجد عن الأنجاس، لكنه فاتهم النظر إلى أن منعه وقطعه عليه يؤدِّي [إلي] (٣) الضرر به وزيادة التنجيس لمكان آخر من المسجد كما سلف، فلهذا نهاهم ﵊ عن زجره.

стр. 698

الحديث السادس ٣١/ ٦/ ٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في راويه، وقد تقدَّم التعريف به في الطهارة. ثانيها: في ألفاظه (٢): الأول: "الفطرة" المراد بها السنة كما نقله الخطابي (٣) عن الأكثرين، وصوبه النووي (٤)، أي أنها من سنن الأنبياء الذين يقتدى

стр. 699

بهم، ويؤيده رواية البخاري عن [بن] (١) عمر مرفوعًا: "من السنة قص الشارب ونتف الإِبط وتقليم الأظفار" (٢). وأصح ما فسر به الحديث بما ثبت في رواية أخرى، وقال الماوردي: والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٣): إنها هنا الدين، والصحيح الأول. وقال القزاز (٤): في تفسير غريب صحيح البخاري: الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه، مصدر فطر الله الخلق: أنشأه، والله فاطر: خالق، والفطرة: الجبلة التي خلق الناس عليها وجبلهم على فعلها، وكل مولود يولد على الفطرة، قيل: على الإِقرار بالله الذي أقرّ به لما أخرجه من ظهر آدم ﵇، والفطرة: زكاة الفطر، قال: وأولى الوجوه بما ذكرناه أنها (الجبلة) وهي كراهة ما في جسده مما ليس من زينته. قلت: والمراد بها دين الإِسلام في حديث البراء "إذا أويت إلى فراشك فقل اللهم أسلمت نفسي إليك -إلى قوله- فإن مِتَّ مِتَّ

стр. 700

على الفطرة" (١). وكذا في حديث حذيفة أنه رأى رجلًا لا يتم الركوع [ولا] (٢) السجود فقال: "لو مات هذا مات على غير الفطرة". الثاني: الختان: يقال ختن الصبي يختنه بكسر التاء وضمها ختنًا بإسكان التاء. الثالث: الاستحداد: استعمال [الحديد] (٣) في الحلق استفعال من الحديد [وهو الموسي] (٤). الرابع: الشارب: هو ما ينبت على الشفة العليا، وقيل: هو الإِطار الذي يباشر به الشرب، وقص الشارب هو بحيث نظهر الشفة، [واستئصاله] (٥) [مُثْلَةٌ] (٦) عند مالك وجماعة خلافًا للكوفيين. وقد ورد في رواية (٧): "انهكوا الشوارب"، وفي الصحيح (٨): "احفوا الشوارب"، وأُوِّلَ ذلك على أن المراد إحفاء

стр. 701

ما طال عن الشفتين، وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني، والربيع كانا حفيان يحفيان شواربهما ويدل ذلك (١) أنهما أخذا ذلك عن الشافعي، وذكر ابن خواز منداد عن الشافعي موافقة الكوفيين. وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا وسمعته يقول: وقد سئل عن الإِحفاء: إنه السنة، وجمع بعضهم بين الأحاديث فقال: يقص الشارب ويحف الإِطار، وقال القاضي عياض (٢): الحف من الأضداد يطلق على التوفير وعلى الحلق. الخامس: "تقليم الأظفار": تفعيل من القلم وهو القطع. قال الجوهري (٣): قلمت ظفري يريد بتخفيف اللام، وقلمت أظفاري مشددًا للكثرة أي للمبالغة، والقلامة ما سقط منه. وفي مسلم من حديث عائشة: "قص الأظفار". قال القاضي عياض في مشارقه: تقليم الأظفار [تقصيصها] (٤). قلت: ويحصل بأي آلة كانت من مقص وسكين، ويكره بالأسنان. السادس: نتف الإِبط: إزالة شعره بالنتف، ويحصل أيضًا

стр. 702

بالحلق والنورة، لكن الأفضل ما دلت السنة عليه وهو النتف وسيأتي ما فيه. والإِبط: بإسكان الباء، [و] (١) قال الجواليقي وبعض المحدثين: يقول الإِبط بكسرها، والصواب: سكونها، ولم يأت في الكلام شيء على فِعِل [إلَّا إبل وإطل (٢) وحبر، وهي صفرة الأسنان (٣)، وفي الصفات: امرأة بلز، وهي السمينة (٤) وأَتان إبِدٌ: تلد كل عام، [وقيل] (٥): هي التي أتى عليها الدهر] (٦)، وأما الإِطل [فهي] (٧): الخاصرة.

стр. 703

ثالثها: في فوائده وأحكامه. الأولى: قوله ﵇: "الفطرة خمس"، أي: خمس من الفطرة، كما في الرواية الأخرى، وفي الصحيح (١): "عشر من الفطرة"، وليست منحصرة في [العشر] (٢)، وقد أشار ﵊ إلى عدم انحصارها فيها بقوله: "من الفطرة"، والمراد [آداب] (٣) الدين المتعلقة بحلية البدن ويظهر أثرها فيه. وقال القاضي عياض: يحتمل أنه أعلم أولًا بالأول ثم بالثاني، وفيه نظر. وقد يجاب [أيضًا] (٤) عن رواية الحصر أن المراد به المجاز لا الحقيقة "كالحج عرفة"، "والدِّين النصيحة". وإن كان ظاهرها الحقيقي الحصر كالعالم في البلد زيد. الثانية: هذه الخصال [هي] (٥) التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهنَّ فجعله الله إمامًا يقتدى به ويستن بسنته، قال ابن عباس (٦)، وهو أول

стр. 704

من أمر بها من الأنبياء، قاله الخطابي (١)، وقيل: كانت عليه فرضًا ولنا سنة. الثالثة: الختان: واجب عند الشافعي ﵀ وجمهور أصحابه وكثير من العلماء، خلافًا لمالك وعامة العلماء كما نقله القرطبي (٢) وأكثرهم كما نقله النووي (٣) والمحب الطبري؛ لأنه لم يرد في الشرع ذم تاركه ولا توعده بعقاب، ومحل بسط المسألة كتب الخلافيات والفروع. ومن فسر الفطرة بالسنة في الجميع يستدل به على عدم الوجوب. وقد يجاب: بأن لفظ السنة استعمل في قدر مشترك بين الواجب والمستحب وهو ما رجح فعله، والجمع بن المختلفات غير ممتنع كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ (٤) والأكل مباح والإِيتاء واجب، وفرق بعض الفضلاء من المالكية بفرق لطيف بين الآية والحديث وهو أن الفطرة لفظة واحدة استعملت في [الكل] (٥)، وفي الآية كل جملة مستقلة على حالها.

стр. 705

تنبيه: إنما يجب الختان بعد البلوغ، ويستحب في سابعه، قال القرطبي في تفسيره: وثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام، وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال: إنه من عمل اليهود، وقال الليث بن سعد: يختن ما بين سبع إلى عشر، ونحوه رواية عن مالك، وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئًا (١). وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله ﷺ ؟ قال: "أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام". واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن، وكان عطاء يقول: لا يتم إسلامه حتى يختن وإن بلغ ثمانين سنة (٢). وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم أن لا يختتن ولا يرى به بأسًا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته (٣)، قال ابن عبد البر (٤):
следующие страницы →