← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ما طال عن الشفتين، وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني، والربيع كانا حفيان يحفيان شواربهما ويدل ذلك (١) أنهما أخذا ذلك عن الشافعي، وذكر ابن خواز منداد عن الشافعي موافقة الكوفيين. وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا وسمعته يقول: وقد سئل عن الإِحفاء: إنه السنة، وجمع بعضهم بين الأحاديث فقال: يقص الشارب ويحف الإِطار، وقال القاضي عياض (٢): الحف من الأضداد يطلق على التوفير وعلى الحلق. الخامس: "تقليم الأظفار": تفعيل من القلم وهو القطع. قال الجوهري (٣): قلمت ظفري يريد بتخفيف اللام، وقلمت أظفاري مشددًا للكثرة أي للمبالغة، والقلامة ما سقط منه. وفي مسلم من حديث عائشة: "قص الأظفار". قال القاضي عياض في مشارقه: تقليم الأظفار [تقصيصها] (٤). قلت: ويحصل بأي آلة كانت من مقص وسكين، ويكره بالأسنان. السادس: نتف الإِبط: إزالة شعره بالنتف، ويحصل أيضًا

стр. 702

بالحلق والنورة، لكن الأفضل ما دلت السنة عليه وهو النتف وسيأتي ما فيه. والإِبط: بإسكان الباء، [و] (١) قال الجواليقي وبعض المحدثين: يقول الإِبط بكسرها، والصواب: سكونها، ولم يأت في الكلام شيء على فِعِل [إلَّا إبل وإطل (٢) وحبر، وهي صفرة الأسنان (٣)، وفي الصفات: امرأة بلز، وهي السمينة (٤) وأَتان إبِدٌ: تلد كل عام، [وقيل] (٥): هي التي أتى عليها الدهر] (٦)، وأما الإِطل [فهي] (٧): الخاصرة.

стр. 703

ثالثها: في فوائده وأحكامه. الأولى: قوله ﵇: "الفطرة خمس"، أي: خمس من الفطرة، كما في الرواية الأخرى، وفي الصحيح (١): "عشر من الفطرة"، وليست منحصرة في [العشر] (٢)، وقد أشار ﵊ إلى عدم انحصارها فيها بقوله: "من الفطرة"، والمراد [آداب] (٣) الدين المتعلقة بحلية البدن ويظهر أثرها فيه. وقال القاضي عياض: يحتمل أنه أعلم أولًا بالأول ثم بالثاني، وفيه نظر. وقد يجاب [أيضًا] (٤) عن رواية الحصر أن المراد به المجاز لا الحقيقة "كالحج عرفة"، "والدِّين النصيحة". وإن كان ظاهرها الحقيقي الحصر كالعالم في البلد زيد. الثانية: هذه الخصال [هي] (٥) التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهنَّ فجعله الله إمامًا يقتدى به ويستن بسنته، قال ابن عباس (٦)، وهو أول

стр. 704

من أمر بها من الأنبياء، قاله الخطابي (١)، وقيل: كانت عليه فرضًا ولنا سنة. الثالثة: الختان: واجب عند الشافعي ﵀ وجمهور أصحابه وكثير من العلماء، خلافًا لمالك وعامة العلماء كما نقله القرطبي (٢) وأكثرهم كما نقله النووي (٣) والمحب الطبري؛ لأنه لم يرد في الشرع ذم تاركه ولا توعده بعقاب، ومحل بسط المسألة كتب الخلافيات والفروع. ومن فسر الفطرة بالسنة في الجميع يستدل به على عدم الوجوب. وقد يجاب: بأن لفظ السنة استعمل في قدر مشترك بين الواجب والمستحب وهو ما رجح فعله، والجمع بن المختلفات غير ممتنع كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ (٤) والأكل مباح والإِيتاء واجب، وفرق بعض الفضلاء من المالكية بفرق لطيف بين الآية والحديث وهو أن الفطرة لفظة واحدة استعملت في [الكل] (٥)، وفي الآية كل جملة مستقلة على حالها.

стр. 705

تنبيه: إنما يجب الختان بعد البلوغ، ويستحب في سابعه، قال القرطبي في تفسيره: وثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام، وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال: إنه من عمل اليهود، وقال الليث بن سعد: يختن ما بين سبع إلى عشر، ونحوه رواية عن مالك، وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئًا (١). وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله ﷺ ؟ قال: "أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام". واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن، وكان عطاء يقول: لا يتم إسلامه حتى يختن وإن بلغ ثمانين سنة (٢). وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم أن لا يختتن ولا يرى به بأسًا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته (٣)، قال ابن عبد البر (٤):

стр. 706

وعامة أهل العلم على هذا، وحديث بريدة في حج الأقلف لا يثبت، وروي عن ابن عباس (١) وجابر [] (٢) بن زيد وعكرمة أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته، ولا تجوز شهادته. فائدة: قال ابن الجوزي في (المجتبى) (٣): أسماء من ولد من الأنبياء مختونًا: آدم، شيث، إدريس، نوح، سام، هود، صالح، لوط، شعيب، يوسف، موسى، سليمان، زكريا، عيسى، يحيى، حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس على خلاف في نبوته، محمد رسول الله ﷺ ، فذلك سبعة عشر نبيًا، وما ذكره في آدم كأنه جاء على طريق التغليب، وقيل: إن نبينا ﷺ ختن. فائدة ثانية: لو ولد مختونًا لم يختن على الأصح؛ لأنها مؤنة كفيت، وقيل: لا بد من إجراء الموسي عليه ليقع الامتثال. فائدة ثالثة: السنة في ختان الذكور إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه، كذا رأيته في المدخل لابن الحاج المالكي ﵀، قال: واختلف في حق النساء: هل يخفضن مطلقًا أو يفرق بين أهل المشرق لوجود الفضلة عندهن في أصل الخلقة، وبين أهل المغرب لعدمها عندهن؟ وقال: وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونًا (٤).

стр. 707

فائدة رابعة: في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (إبراهيم أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من استحدّ، وأول من قلم الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب ما هذا؟ قال: وقار، قال: يارب زدني وقارًا) (١). وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن [سعد] (٢) بن إبراهيم عن أبيه قال: (أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله) قال غيره: (وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل) (٣). الرابعة: نتف العانة وقصها والأزالة بالنورة كالاستحداد، وذلك بحسب الحاجة. والعانة: هي الشعر النابت حول الفرج، وقيل: حول الدبر، وعبارة الباجي (٤) المالكي: العانة ما يستره الإِنسان. قلت: والأولى [حلقهما] (٥) أعني حلق ما حول الفرج والدبر، وحكى الفاكهي عن بعضهم: أنه لا يجوز حلق ما حول الدبر، وهو عجيب غريب، والسنة في حق الرجل الحلق، وفي المرأة النتف،

стр. 708

وقاله الدزماري (١) ثم النووي واستشكله الفاكهي بأن فيه ضررًا على الزوج باسترخاء المحل باتفاق الأطباء. قلت: وحديث جابر في الصحيح: "إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة" (٢) قد يقويه. الخامسة: يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة ولا حرمة، بخلاف الإِبط والعانة، والمختار أنه يقص حتى تظهر الشفة كما تقدم، والأصل في قص [الشارب] (٣) مخالفة المجوس كما جاء في الصحيح (٤) ولأن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام. وقال الحليمي في منهاجه: لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه، وإن كان له أن يحلق سباله؛ لأن لحلقه فائدة وهي أن لا يعلق به من دسم الطعام ورائحته ما يكره، بخلاف حلق اللحية فإنه هجنة وشهرة وتشبه بالنساء، فهو كجب الذكر، وما ذكره في حق

стр. 709

اللحية حسن وإن كان المعروف في المذهب الكراهة (١). السادسة: [المستحب] (٢) أن يبدأ في تقليم [الأظفار] (٣) باليدين قبل الرجلين [فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإِبهام] (٤)، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم

стр. 710

ببنصرها [ثم] (١) إلى آخرها ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ثم يختم بخنصر اليسرى، كذا جزم به النووي في شرح مسلم (٢) (٣)، وقال الشيخ تاج الدين بن الفركاح في الإِقليد: الذي يقتضيه التيامن بخنصر اليمنى حتى ينتهي إلى خنصر اليسرى، وقال الغزالي في الإِحياء (٤): يبدأ في يديه بمسبحة اليمنى ويختم بإبهامه، وذكر في الرجل كما تقدم، وفرق [بين] (٥) اليد والرجل [بما] (٦) ثبت للمسبحة من الفضل، قال النووي (٧): [ولا] (٨) بأس بما ذكره [إلَّا تأخير] (٩) [إبهام] (١٠) اليمنى،

стр. 711

فإن السنة إكمال اليمنى أولًا. وروي عن وكيع عن عائشة قالت: قال [لي] (١) رسول الله ﷺ : "يا عائشة إذا أنت قلمت أظفارك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإِبهام ثم البنصر ثم السبابة فإن ذلك يورث الغنى" (٢). وروى الموفق الحنبلي في المغني حديثًا: "من قص أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمدًا" (٣)، وفسر ابن [بطة] (٤) بأن يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإِبهام ثم البنصر ثم المسبحة ثم بإبهام اليسرى ثم وسطاها ثم خنصرها ثم السبابة ثم البنصر، والله أعلم بصحة ما ذكره. وقال ابن الرفعة في كفايته: إن الأولى في قص الأظفار هذه الكيفية، وحكى بعض شيوخنا الحفاظ عن المحدث شرف الدين الدمياطي أنه كان يقص أظفاره هكذا في اليدين والرجلين، ويأثر أن

стр. 712

ذلك أمان من الرمد، وقال: فعلته من خمسين سنة فلم أرمد، قال شيخنا الحاكي عنه: وأنا فعلته من إحدى وثلاثين سنة فلم أرمد إلَّا مرة واحدة. وكان الدمياطي المذكور يقلم أظفاره يوم الخميس، ويسلسل ذلك بسند ضعيف إلى رسول الله ﷺ وأنه قال: "يا علي قص الأظفار ونتف الإِبط وحلق العانة يوم الخميس والغسل والطيب [واللباس] (١) يوم الجمعة" (٢) قلت: ونظم بعضهم ذلك في أبيات فقال: ابدأ بيمناك وبالخنصر ... يوم الخميس الأفضل الأكبر وثن بالوسطى وثلث كما ... قد قيل بالإِبهام والبنصر واختم بسبابتها هكذا ... في اليد والرجل [ولا] (٣) تمتري وفي اليد اليسرى بإبهامها ... والأصبع الوسطى مع الخنصر واتبع الخنصر سبابة ... بنصرها خاتمة الأيسر (٤) [فذاك أمن لك إن حزته ... من رمد العين فلا تمتري] (٥)

стр. 713

(و) (١) قال القاضي عياض: يستحب تفقدها من الجمعة إلى الجمعة. وفي زيادات العبادي: كان سفيان الثوري يقلم أظفاره يوم الخميس (٢) فقيل له: غدًا الجمعة، فقال: السنة لا تؤخر قال: وروى عن النبي ﷺ قال: "من أراد أن يأتيه الغنى فليقلم أظفاره يوم الخميس" (٣). وفي الزيادات أيضًا أنها إذا قلمت تُفرق، قال ﷺ : "فرقوها فرق الله همومكم"، ونقل عن محمد بن مقاتل الرازي من الحنفية أنها تدفن ولا تُلقى في الكنيف. وروى الترمذي الحكيم في نوادره من حديث عبد الله بن [بشر] (٤) المازني [مرفوعًا] (٥) "قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم" (٦) ومن حديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يأمر بدفن

стр. 714

سبعة من الإنسان: الشعر والظفر والدم والحيض والسن والعلقة [والمشيمة] " (١) (٢). فائدة: في التقليم معنيان: تحسين الهيئة، والقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على الأكمل، إذا لم يخرج من طولها المعتاد خروجًا بينًا، فإن خرجت فذاك مانع من حصولها إذا تعلَّق بها وسخ. فائدة: قال الحافظ محب الدين الطبري في أحكامه: يستحب غسل رؤوس الأصابع بعد قصها، فقد قيل: إن حك الجلد بالأظفار قبل غسلها [مضر] (٣) بالجسد، كذا رأيته فيه وهي فائدة جليلة (٤).

стр. 715

فرع: يستثنى من استحباب تقليم الأظفار مريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة، فإن السنة أن لا يقلم ظفره ولا يزيل شعره حتى يضحي؛ للحديث الصحيح فيه. السابعة: نتف الإِبط سنة بالاتفاق أيضًا، قال الغزالي في الإِحياء: ويستحب في كل أربعين يومًا مرة، وذلك سهل على من تعود في الابتداء نتفه، فأمَّا من تعود الحلق فيكفيه الحلق إذ في النتف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة وأن لا يجتمع الوسخ في خللها وذلك يحصل بالحلق، ولهذا قال الشافعي ﵁ -والمزين يحلق إبطه-: علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع (١). واعلم أنه ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁: "وقت لنا في قص الشارب ونتف الإِبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة" (٢). وفي النسائي: "وقَّت لنا رسول الله ﷺ " (٣)، ومعناه: أن لا تترك تركًا تتجاوز به أربعين، لا أنه وقّت لهم الترك بأربعين، وكذا معنى ما روى عن علي ﵁ أن تقليم الأظفار يكون في كل عشرة أيام، ونتف الإِبط في كل أربعين [يومًا] (٤)،

стр. 716

وحلق العانة في كل عشرين يومًا، ونتف [الأنف] (١) في كل ثلاثين يومًا. تنبيه: خصّ النتف بالإِبط والحلق بالعانة؛ لأن الإِبط محل الرائحة الكريهة، والنتف يضعف الشعر فتخف الرائحة الكريهة، والحلق يكثر الشعر فتكثر فيه الرائحة الكريهة، ولهذا تصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع [التي] (٢) يراد قوته فيها. فائدة: يستحب البدء بالإِبط [الأيمن] (٣). الثامنة: يؤخذ من الحديث نقل ما سمع من النبي ﷺ وضبطه وأن لا نتجاوزه، وأن ذلك لا يمنع رواية ما سمعه غيره وضبطه زيادة [على] (٤) ما رواه هو [بل الزيادة من الثقة مقبولة إذا لم يخالف ما رواه هو] (٥) فإنه رُوي: "خمس من الفطرة" و"عشر من الفطرة" كما أسلفناه، وعمل العلماء بهما من غير اختلاف ولا إنكار، ورويَ في بعض طرقه "عشر من سنن المرسلين" ففيه تبيين العلم وهل [هو] (٦) مجتهد فيه أو منقول عن غيره.

стр. 717

انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب الجنابة

стр. 718

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام للإمام الحافظ العلامة أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤) هـ تقديم فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء حققه وضبط نصَّه وعزا آياته وخرّج أحاديثه وَوثّق نقوله وعَلّق عليه عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين الجزء الثاني تابع كتاب الطهارة وكتاب الصلاة إلي نهاية باب الإمامة (٣٢ - ٨٣) حديث دار العاصمة للنشر والتوزيع

стр. 719

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

стр. 720

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م دار العاصمة المملكة العربية السعودية الرياض - ص ب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١ هاتف ٤٩١٥١٥٤ - ٤٩٣٣٣١٨ - فاكس ٤٩١٥١٥٤

стр. 721

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 722

٦ - باب الجنابة الجنابة فعالة من البعد كما سيأتي واضحًا. وذكر المصنف ﵀ في الباب ثمانية أحاديث: الحديث الأول ٣٢/ ١/ ٦ - عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن [المسلم- وفي رواية] (١) المؤمن- لا ينجس" (٢). الكلام عليه من وجوه:

стр. 723

أحدهما: في راويه، وقد [تقدم] (١) التعريف به. ثانيها: فيما يتعلق بإسناده، وفيه انقطاع في مسلم، نبه عليه المازري (٢)، فإنه أخرجه من حديث حميد الطويل عن أبي رافع عن أبي هريرة، وسقط بين حميد وأبي رافع بكر بن عبد الله المزني، كذا أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في مسنديهما، وادعى [أبو] (٣) مسعود الدمشقي وخلف الواسطي (٤) أن مسلمًا أخرجه أيضًا كذلك، والموجود في نسخه ما تقدم، وهذا [الاستدراك] (٥) لا يقدح في أصل متن الحديث فإنه ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة (٦) أيضًا. ثالثها: في ألفاظه: الأول: الجنابة: فعالة من البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ

стр. 724

الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] (١) أي البعيد الذي ليس بقرابة على أظهر الأقوال فيه، وقد حمل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ (٢) أي عن بعد، ويثنى هذا ويجمع فيقال: جنبان وهم [جنوب] (٣) واجتناب. وقيل: معنى يجنب الرجل الشيء: جعله جانبًا وتركه، فقيل مِنْ هذا: رجل جنب، أي [أصاب] (٤) الجنابة، كأنه في جانب من الطهارة. وعن الشافعي ﵁: إنما سمي "جنبًا" من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل، إذا خالط امرأته. وقال بعضهم: وكان هذا ضد [المعنى الأول فإنه] (٥) من القرب منها. قال الشيخ تقي الدين (٦): وهذا لا يلزم، فإن مخالطتها مؤدية [للجنابة] (٧) التي معناها البعد. وقال الترمذي الحكيم: في علله: سميت جنابة؛ لأن ماء الرجل من ظهره فإذا وصل إلى رحم المرأة نزل الماء

стр. 725

[من] (١) ترائبها، يخرج من بين الصلب: يعني فقار الظهر، والترائب: يعني الصدر والثديين، فيختلط الماءان، فإن قضى الله من ذلك ولدًا جمد وصار علقة، إلى آخر ما أخبر الله تعالى، وإلَاّ غلب ماء الرجل ماء المرأة فذهب كأنه لم يكن، وأكثر ما يكون ذلك من البرودة، وأما ما يصير به ولدًا فيستوي الماءان في الرحم وينزل ماء المرأة من ترائبها إلى بين جنبيها، ولو نزل ماؤها من ظهرها خرج [لها] (٢) شعر [في] (٣) وجهها كما يخرج من الرجال، وأما الذي ينزل من المرأة من ترائبها: الذي بين جنبيها، فإن كان ما ينزل من الجنب الأيمن أكثر وأغلب وإن سعيدًا واسع الرزق حكيمًا يشبه بالصفة أباه في اللون وغيره من الجسد، وإن كان [الماء] (٤) الذي ينزل إلى الجانب الأيمن أغلظ من الذي ينزل [من] (٥) الجانب الأيسر كان الولد عالمًا حكيمًا وسطًا في أمر الدنيا، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلب وأكثر كان الولد: شقيًا موسعًا عليه في الدنيا وربما كان كافرًا، يشبه في الصفة واللون وغير ذلك [في] (٦) جسده أخواله، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلظ كان

стр. 726

الولد فاسقًا فاجرًا زانيًا فاحشًا متفحشًا مقترًا عليه في الدنيا، يروى ذلك عن علي ﵁، فمن ذلك سميت الجنابة جنابة؛ لأن ماء الرجل إذا وصل إلى رحم المرأة نزل ماؤها إلى بين جنبيها فيجتمع ثم ينزل إلى الرحم ثم يلحق بماء الرجل، قال: وقد قيل أيضًا: إنما سميت الجنابة جنابة، لقول حواء لما جامعها آدم: وجدت لذة ذلك بين جنبي إلى أن استقر ذلك فيّ. الثاني: "انخنست" فيه ثمان روايات: الأولى: بنون ثم خاء معجمة ثم نون: ومعناها: انقبضت وتأخرت عنه، قال الجوهري (١): خنس يخنس بالضم أي تأخَّر، وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه، وقال الشيخ تقي الدين (٢): الانخناس: الانقباض والرجوع، وهو راجع إلى الأول، ويقال: خنس، يستعمل لازمًا ومتعديًا، ومن الأول: "إذا ذكر الله خنس (٣) وإذا غفل وسوس"، ومن الثاني: "وخنس

стр. 727

إبهامه" (١) أي قبضها، وقد يكون [أُشْرِبَ] (٢) جنس بمعنى حبس بالباء الموحدة والحاء المهملة أو قبض فلا دليل فيه على التعدي، وقيل: إنه يقال: أخنسه، في المتعدي، حكاه صاحب مجمع البحرين (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ (٤): انخناسها: رجوعها وتواريها تحت ضوء الشمس، وقيل: إخفاؤها [بالنهار] (٥). الرواية الثانية: "انبجست" بنون ثم باء موحدة ثم جيم، ومعناه: اندفعت عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (٦) أي جرت واندفعت، ويؤيد هذه الرواية قوله في رواية البخاري (٧): "فانسللت منه"، وفي رواية أخرى (٨) "فانحاد عنه" أي

стр. 728

مال وعدل. وقال الترمذي (١): معناه: تنحيت عنه. الثالثة: "انبخست" بنون ثم باء موحدة بعدها خاء معجمة، من البخس الذي هو النقص، حكاها الشيخ تقي الدين (٢)، ثم قال: وقد [استبعدت] (٣) هذه الرواية، ووجهت على بعدها بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله ﷺ أو مصاحبته، لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا أو معناه. الرابعة: "انتجست" بنون ثم مثناة فوق ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسًا لا أصلح لمجالسة رسول الله ﷺ وأنا على تلك الحالة، ومعنى "منه": أي من أجله، حكاها ابن العربي (٤). الخامسة: "اختنست" بتقديم الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة فوق ثم نون ومعناها كالثانية، ذكر هذه الخمسة الحافظ أبو الحسين يحيى بن أبي الحسن القرشي المصري في كلامه على الأحاديث المقطوعة في مسلم (٥)، وعبر عن الثالثة بقوله: ذكر في هذه الكلمة قول آخر، ثم قال: فإن صحت فقد ذكر بعض العلماء أن معناها أنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله ﷺ لما اعتقد في نفسه من النجاسة فرأى أنه لا يقاومه ما دام في تلك الحالة، وهذا قد أسلفناه

стр. 729

أيضًا، ثم قال: ومعنى هذه الأقول كلها ترجع إلى شيء واحد وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له. وأهمل رواية سادسة: وهي "انبخشت" بالباء الموحدة بعد النون ثم شين معجمة، قال ابن التين شارح البخاري: ولا أعلم لها وجهًا في اللغة. وسابعة: وهي "انتجشت" [أي الإِسراع] (١) بنون ثم مثناة فوق ثم شين معجمة [من النجش] (٢) قال المنذري (٣): وهو من النجش أي الإِسراع. قال الزمخشري (٤): والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان. وأهمل ثامنة: وهي "احتبست" بحاء مهملة ثم مثناة فوق ثم موحدة ثم سين مهملة من الاحتباس، بمعنى حبست نفسي عن اللحاق به ﷺ . ومن الغريب أن النووي والقرطبي رحمهما الله لم يذكرا معنى هذه اللفظة في شرحيهما عوضًا عن هذه [اللفظة] (٥) فاستفدها.

стр. 730

اللفظ الثالث: قوله "كنت جنبًا" أي ذا جنابة، يقال: جنب الرجل وأجنب: إذا أصابته الجنابة، ويقال: جُنُب: للذكر والأنثي والمثنى والمجموع، قال تعالى في الجمع: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، وقال بعض أزواج النبي ﷺ : إني كنت جنبًا، وقد يقال: جنبان وجنبون وأجناب. الرابع: "سبحان الله" المراد بها التعجب من أن أبا هريرة اعتقد نجاسة نفسه بسبب الجنابة، وهذه اللفظة من المصادر [الملازمة] (٢) للنصب "كمعاذ الله" و"غفرانك" وشبههما مما هو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. ومعناه: تنزيه الله وبراءته عن النقصان الذي لا يليق [بجلال الله] (٣) وكماله. [وفي "الدعوات للمستغفري" (٤) عن طلحة بن

стр. 731

عبيد الله قال: "سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله، فقال: هو تنزيه الله". قلت:] (١) ويستعمل مفردًا ومضافًا، فإذا أُفرد فمنهم من ينونه ومنهم من لا ينونه، فمن الأول قوله: سبحانه ثم سبحانًا أسبحه ... وقبلنا سبح الجودي والجمد (٢) ومن الثاني قوله (٣): أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر فمن ترك تنوينه جعله علمًا فمنعه الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، ومن نوَّنه جعله نكرة، وقيل: بل صرفه للضرورة، وأبعد من قال: إنه مقطوع عن الإِضافة. الخامس: قوله: "إن المؤمن لا ينجس" يقال: نجس الشيء بالكسر، ينجس بالفتح، ونجس بالضم ينجس، قاله القرطبي (٤). وقال النووي: يقال بضم الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان: نجس ونجُس بكسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي ضمها في

стр. 732

المضارع أيضًا، [هذا] (١) قياس مطرد معروف عند أهل العربية إلَّا [أحرفًا] (٢) [مستثناه] (٣) من المكسور. قال القرافي: وحقيقة النجاسة أنها عبارة عن تحريم ملابسة المستقذرات فهي حكم شرعي راجع إلى الأحكام الخمسة [وهي] (٤): التحريم، قال: والاستقذار هو التتجيس عملًا بالمناسبة. وفيه أيضًا من الألفاظ: "المدينة": وهي مشتقة من دان إذا أطاع، وقيل: [من] (٥) مدن [بالمكان] (٦)، إذا أقام به، ولها أسماء كثيرة فوق العشرين ذكرتها موضحة في كتابي المسمى بـ"الإِشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات" فراجعها منه. [الرابع] (٧): في فوائده: [الأولى] (٨): فيه استحباب الطهارة عند مجالسة العلماء وأهل الدين والفضل حتى يكون على أكمل الحالات وأحسن الهيئات

стр. 733

احترامًا لهم وتوقيرًا، والنبي ﷺ إنما [رد] (١) على أبي هريرة [لاعتبار] (٢) الطهارة في مجالسته واعتقاده نجاسة الجنب، لأن الإِيمان كافٍ، وقد أزال اعتقاده بقوله: "سبحان الله" تعجبًا من اعتقاده وإعلامه بالحكم في عدم نجاسة الجنب كما سبق، وإن كان المستحب أن يكون الإِنسان على طهارة في ملابسته الأمور المعظمة كما سأذكره لك، لكن اعتقاد النجاسة أعظم مفسدة من مراعاة مصلحة مستحبة. قال العلماء: يستحب لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعر المأمور بإزالته وقص الأظفار وإزالة الروائح الكريهة، وغير ذلك مما في هذا المعنى فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء. الثانية: فيه أن العالم إذا رأى مِنْ تابعِهِ أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأل عنه، وقال له صوابه وبيَّن له حكمه. الثالثة: فيه أيضًا جواز التعجب "بسبحان الله" وأن ذلك لا يعد سوء أدب مع التزيه، وكأن في المعنى تذكير لمن تعجب من فعله المخالف بالرجوع إلى الله تعالى وتنزيهه. الرابعة: فيه أيضًا دلالة على أن للجنب تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه وأن له أن ينصرف في حوائجه وأموره قبل الاغتسال.

стр. 734

الخامسة: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًا وميتًا، فأما الحي فهو إجماع، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة باطن فرجها ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج. وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان: أصحهما طهارته، وصححه القاضي عياض في كتاب الجنائز (١)، ولهذا غُسّل، وللحديث المذكور، وذكر البخاري أيضًا في صحيحه عن ابن عباس تعليقًا: "المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا" (٢)، ورواه الحاكم في مستدركه مرفوعًا إلى النبي ﷺ "ولا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس [حيًا]، ولا ميتًا" (٣)، ثم قال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال الحافظ ضياء الدين (٤) في أحكامه: إسناده عندي على شرط الصحيح.

стр. 735

وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: ﴿الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١). فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة [كنجاسة] (٢) البول والغائط ونحوهما. أو المراد أنهم لا ينفكون عن النجاسة بعدم تحرزهم منها؛ ولأنه يقال للشيء: نجس [بمعنى أن عينه نجس، ويقال: إنه نجس] (٣) بمعنى أنه متنجس بإصابة النجاسة [له، فينبغي أن يحمل على الثاني لإِمكان نجاسته بإصابة النجاسة] (٤). وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المشرك نجس في حال حياته أيضًا [أخذًا] (٥) بالآية، وعزاه القرطبي في باب النهي عن الجلوس على القبور إلى الشافعي وغيره، وهو غريب، ونقل عن مالك وغيره طهارته، ونقل عن بعض المتأخرين أن الخلاف في طهارة الميت ونجاسته في المسلم دون الكافر فإنهم [متفقون] (٦) على نجاسته، قال: وهو قول حسن؛ لمفهوم الحديث السالف. قلت: وإذا ثبت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا فعرقه

стр. 736

ولعابه [طاهران] (١)، سواء كان محدثًا أو جنبًا أو نفسًا، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه ودلائل هذا كله من السنة والإِجماع مشهورة. وخالف ابن حزم (٢) الإِجماع فادَّعى نجاسة عرق الكافر عملًا بالآية السالفة وقد أسلفنا الجواب عنها، وقال القرطبي (٣) ﵀: هنا يقتبس من الحديث أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا، وأما طهارة الآدمي مطلقًا فلا ينازع بوجه. قلت: طهارة المسلم منتزعة من الرواية التي أسلفناها، ومن قال بطهارة الكافر قد يجيبون بأن الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. واعلم أن ابن العربي (٤): نقل الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت، والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أحياء في قبورهم، فتنبه له. السادسة: استدلَّ لمالك بهذا الحديث على كراهة نكاح نساء أهل الكتاب لقوله: "إن المؤمن لا ينجس" وبالنجاسة علل مالك الكراهة في ذلك لأجل مضاجعتهنَّ وشربهنَّ الخمر وأكلهنَّ الخنزير.

стр. 737

السابعة: اختلف العلماء في (١) الثوب إذا أصابته النجاسة: يكون نجسًا أم لا؟ حكاه الشيخ تقي الدين (٢)، فقيل: نعم، وأن اتصال النجس بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر، وقيل: لا، بل الثوب طاهر في نفسه وإنما امتنع استصحابه في الصلاة؛ لمجاورة النجاسة، فلهذا القائل أن يقول: دلَّ الحديث على أن المؤمن لا ينجس [ومقتضاه] (٣) أن بدنه لا يتصف بالنجاسة، وهذا يدخل تحت حالة ملابسة النجاسة له فيكون طاهرًا، وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب، لأنه لا قائل بالفرق، أو يقول: البدن إذا أصابته نجاسة من مواضع النزاع وقد دلَّ الحديث على أنه غير نجس وعلى ما قدمناه من أن الواجب حمله على نجاسة العين؛ يحصل الجواب عن هذا الكلام فقط، وقد يدعى أن قولنا الشيء نجس حقيقة في نجاسة العين، فيبقى ظاهر الحديث دالًا على أن نفس المؤمن لا ينجس، فيخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف.

стр. 738

الحديث الثاني ٣٣/ ٢/ ٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، [ثم] (١) اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده" (٢)، وقالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف منه جميعًا" (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في راويه، وقد سبق التعريف به في الطهارة. ثانيها: في ألفاظه: الأول: "كان" هنا تدل على الملازمة والتكرار كقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير" ويقال: كان فلان

стр. 739

يقري الضيف، وقد تستعمل كان لإِفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال. الثاني: قولها: "إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب قوله [تعالى] (١): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢) أي: إذا أراد الاغتسال. ويحتمل أن يكون اغتسل بمعنى شرع فيه، فإنه يقال: فعل كذا [إذا] (٣) فرغ منه، وفعل إذا شرع فيه، فإذا حملنا اغتسل على معنى شرع صحّ؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقت [الابتداء] (٤) بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة [فلهذا تعين حمله على الإِراد فقط. وقولها: "من الجنابة" (من) هنا بمعنى السببية مجازًا عن ابتداء الغاية من حيث إن السبب مصدر المسبب ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكمي الذي يتسبب عن التقاء الختانين أو الإِنزال] (٥). الثالث: "أروى" مأخوذ من الري الذي هو خلاف العطش وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء، تقول: رويت من الماء -بالكسر- أروى بالفتح رَيًا وريًّا وروى، وأرويته [أنا] (٦). والمقصود بالإِرواء

стр. 740

هنا: الوصول إلى جميع الجلد، والغالب أنه لا يصل إليه [إلَّا] (١) وقد ابتلت أصول الشعر أو كله، فإن البشرة ظاهر الجلد [كما ستعلمه على الأثر. الرابع: البشرة: ظاهر الجلد] (٢) وهذا هو المشهور، وقال أبو جعفر النحاس (٣) في كتابه "الاشتقاق" في الكلام على آدم: العرب سمَّت الجلد الظاهر: أدمة، والباطن: بشرة، قال: وحكى الأصمعي (٤): أن ظاهر [بشر] (٥) الإِنسان من رأسه وسائر جسده البشرة، وباطنه الأدمة، وإطلاق البشرة على الباطن غريب وليس [وهو] (٦) مراد الحديث ولا الفقهاء. وقال صاحب المهذب (٧): جلدة الرأس تسمى الفروة [والشواة] (٨)، وجلدة سائر الجسد يقال: لها البشرة: وظاهر
следующие страницы →