← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ولعابه [طاهران] (١)، سواء كان محدثًا أو جنبًا أو نفسًا، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه ودلائل هذا كله من السنة والإِجماع مشهورة. وخالف ابن حزم (٢) الإِجماع فادَّعى نجاسة عرق الكافر عملًا بالآية السالفة وقد أسلفنا الجواب عنها، وقال القرطبي (٣) ﵀: هنا يقتبس من الحديث أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا، وأما طهارة الآدمي مطلقًا فلا ينازع بوجه. قلت: طهارة المسلم منتزعة من الرواية التي أسلفناها، ومن قال بطهارة الكافر قد يجيبون بأن الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. واعلم أن ابن العربي (٤): نقل الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت، والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أحياء في قبورهم، فتنبه له. السادسة: استدلَّ لمالك بهذا الحديث على كراهة نكاح نساء أهل الكتاب لقوله: "إن المؤمن لا ينجس" وبالنجاسة علل مالك الكراهة في ذلك لأجل مضاجعتهنَّ وشربهنَّ الخمر وأكلهنَّ الخنزير.

стр. 737

السابعة: اختلف العلماء في (١) الثوب إذا أصابته النجاسة: يكون نجسًا أم لا؟ حكاه الشيخ تقي الدين (٢)، فقيل: نعم، وأن اتصال النجس بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر، وقيل: لا، بل الثوب طاهر في نفسه وإنما امتنع استصحابه في الصلاة؛ لمجاورة النجاسة، فلهذا القائل أن يقول: دلَّ الحديث على أن المؤمن لا ينجس [ومقتضاه] (٣) أن بدنه لا يتصف بالنجاسة، وهذا يدخل تحت حالة ملابسة النجاسة له فيكون طاهرًا، وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب، لأنه لا قائل بالفرق، أو يقول: البدن إذا أصابته نجاسة من مواضع النزاع وقد دلَّ الحديث على أنه غير نجس وعلى ما قدمناه من أن الواجب حمله على نجاسة العين؛ يحصل الجواب عن هذا الكلام فقط، وقد يدعى أن قولنا الشيء نجس حقيقة في نجاسة العين، فيبقى ظاهر الحديث دالًا على أن نفس المؤمن لا ينجس، فيخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف.

стр. 738

الحديث الثاني ٣٣/ ٢/ ٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، [ثم] (١) اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده" (٢)، وقالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف منه جميعًا" (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في راويه، وقد سبق التعريف به في الطهارة. ثانيها: في ألفاظه: الأول: "كان" هنا تدل على الملازمة والتكرار كقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير" ويقال: كان فلان

стр. 739

يقري الضيف، وقد تستعمل كان لإِفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال. الثاني: قولها: "إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب قوله [تعالى] (١): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢) أي: إذا أراد الاغتسال. ويحتمل أن يكون اغتسل بمعنى شرع فيه، فإنه يقال: فعل كذا [إذا] (٣) فرغ منه، وفعل إذا شرع فيه، فإذا حملنا اغتسل على معنى شرع صحّ؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقت [الابتداء] (٤) بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة [فلهذا تعين حمله على الإِراد فقط. وقولها: "من الجنابة" (من) هنا بمعنى السببية مجازًا عن ابتداء الغاية من حيث إن السبب مصدر المسبب ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكمي الذي يتسبب عن التقاء الختانين أو الإِنزال] (٥). الثالث: "أروى" مأخوذ من الري الذي هو خلاف العطش وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء، تقول: رويت من الماء -بالكسر- أروى بالفتح رَيًا وريًّا وروى، وأرويته [أنا] (٦). والمقصود بالإِرواء

стр. 740

هنا: الوصول إلى جميع الجلد، والغالب أنه لا يصل إليه [إلَّا] (١) وقد ابتلت أصول الشعر أو كله، فإن البشرة ظاهر الجلد [كما ستعلمه على الأثر. الرابع: البشرة: ظاهر الجلد] (٢) وهذا هو المشهور، وقال أبو جعفر النحاس (٣) في كتابه "الاشتقاق" في الكلام على آدم: العرب سمَّت الجلد الظاهر: أدمة، والباطن: بشرة، قال: وحكى الأصمعي (٤): أن ظاهر [بشر] (٥) الإِنسان من رأسه وسائر جسده البشرة، وباطنه الأدمة، وإطلاق البشرة على الباطن غريب وليس [وهو] (٦) مراد الحديث ولا الفقهاء. وقال صاحب المهذب (٧): جلدة الرأس تسمى الفروة [والشواة] (٨)، وجلدة سائر الجسد يقال: لها البشرة: وظاهر

стр. 741

الحديث يرد عليه فإنه أطلق على جلدة الرأس اسم البشرة. الخاص: "الإِفاضة": الإِفراغ، يقال: فاض الماء إذا جرى، وفاض الدمع إذا سال. السادس: "سائر" هنا بمعنى باقي وهو الأصل في استعمالها، وقد تستعمل بمعنى الجميع لكن الاستعمال الأول متعين هنا لذكرها الرأس أولًا وهو مأخوذ من السور، وغلّط الحريري (١) في "درته" (٢) من استعمله بمعنى الجميع، واستدلَّ على ذلك بحديث غيلان الثقفي الذي قال [له] (٣) [﵇] (٤): "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٥) أي باقيهن بعد الأربع المختارات، قال: والصحيح أنه يستعمل في كل باقي قلّ أو كثر، لإِجماع أهل اللغة إن معنى "إذا شربتم فأسئروا" (٦): أي أبقوا بقية، لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقى

стр. 742

الأكثر، وإنما ندب [إلى التأدب] (١) بذلك لأن الإِكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم وملامة عند العرب (٢). السابع: "الجسد": البدن، وهو لفظ مشترك يطلق على الزعفران ونحوه من الصبغ وهو الدم أيضًا، ومصدر جسدته الدم تجسيدًا: إذا [أطبق] (٣) به. ثالثها: في فوائده: الأولى: قولها "غسل يديه" أي قبل إدخالهما الإناء كما جاء مصرحًا به في رواية، ولا خلاف في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف في وجوبه كما تقدم في الطهارة. الثانية: قولها "وتوضأ وضوءه للصلاة" فيه استحباب تقديم أعفاء الوضوء [للغسل] (٤)، قال الشيخ تقي الدين (٥): وهل هو وضوء حقيقة فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب

стр. 743

الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحدًا، وإنما هو عن الجنابة وقدمت على بقية الجسد تكريمًا لها ويدرج الأصغر فيه، ينبغي أن يقع البحث فيه، قال: وقد يقول قائل: قولها: "وضوءه للصلاة" مصدر مشبه تقديره: وضوءًا مثل وضوء الصلاة [فيلزم] (١) لأجل ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ غير الوضوء للصلاة فلا يصح التشبيه؛ لأن التشبيه [يقتضي تغاير المشبه] (٢) والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه -بعد تسليم كونه مصدرًا مشبهًا- من وجهين: الأول: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجناية [بقيد] (٣) مغايرًا للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقة. الثاني: لما كان وضوء الصلاة أو صورته معنوية ذهنية، فشبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة. قلت: قد صرَّح بالبحث الثاني الداودي من الشافعية حيث

стр. 744

قال: قول الشافعي: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة" أي يقدم غسل أعضاء وضوءه على غيرها من الأعضاء على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة لا أن ذلك وضوء. هذا لفظه، وقد ذكرته في شرحي الصغير للمنهاج وهو غريب منه [في المذهب] (١). وادّعى أبو ثور (٢) وجوب الوضوء قبل الغسل [و] (٣) لا دليل له من هذا الحديث ولا من غيره؛ لأن فعله ﵇ محمول على الاستحباب إلَّا أن يدل دليل على الوجوب. الثالثة: قولها: "وضوءه للصلاة" ظاهره إكمال الوضوء، وسيأتي الخلاف في ذلك في الحديث الآتي على الأثر إن شاء الله. الرابعة: قولها: "ثم اغتسل" يعني ما هو مشروع معلوم عندكم، ثم ذكرت بعض هيئاته فقالت: "ثم يخلل بيده شعره" وحقيقة التخليل ستأتي، ويجوز أن يكون المراد بالاغتسال هنا صب الماء على الرأس، قال القاضي [عياض] (٤): واحتج بعضهم به على تخليل شعر اللحية في الغسل فإنه لم يجر في الحديث ذكر الرأس حتى يكون مختصًا بشعره، قال: وعندنا في تخليل شعرها قولان، ومنهم من احتج بالقياس على تخليل شعر الرأس. تنبيه: حقيقة التخليل: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر،

стр. 745

لكن هل يكون مع بلل الأصابع بغير نقل ماء، أو بنقل ماء؟ أشار بعضهم إلى ترجيح الثاني لرواية مسلم: "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر" وذكر النسائي في سننه ما يبين هذا حيث بوب: تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة هذا فقال فيه: "كان رسول الله ﷺ يُشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثًا" (١). وهذا فيه رد على الأول لأنه لا يقال: أشربت رأسي، بغير ماء. فائدة: للتخليل فوائد ثلاث: تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. ثانيها: مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه. ثالثها: تأنيس البشرة خشية أن يصيب بصبه [دفعة] (٢) آفة في رأسه. الخامسة: قولها: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته". يحتمل أن تريد بالظن هنا اليقين وقد كثر في كلام العرب، قال تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (٣)، أي أيقنوا؛ لأنه وقت رفع الشكوك والظنون، ويحتمل أن يكون الظن هنا على بابه؛ لأنه كافٍ، ويؤيده قولها بعد ذلك: "أفاض عليه الماء ثلاثًا"؛ لأنه ما اكتفى بري البشرة الذي لزم منه حصول الواجب حتى [ثلّث] (٤) بعد ذلك.

стр. 746

السادسة: فيه استحباب تثليث الغسل، وخالف فيه من أصحابنا الماوردي (١) فقال: لا يستحب. قال القاضي عياض: ولم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، قال: وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه. وقال [الباجي] (٢): يحتمل أن يكون أتى بالثلاث كما ورد في الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون للمبالغة فإنه لا يكفيه الغرفة الواحدة. وقال القاضي: ذكر عن بعضهم أن الثلاث غرفات مستحبة، ومن قال: إن التكرار غير مشروع في الغسل، حمل الثلاث على الرأس [واحدة للشق الأيمن وواحدة للأيسر وواحدة لوسط الرأس] (٣)، ويدل على صحة هذا الحمل قولها: في الحديث الآخر أي في البخاري: "أخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه" (٤). السابعة: فرق في الحديث بين إفاضة الماء وبين الغسل شروعه فذكرت إفاضة الماء مجردة بعد حصول التخليل ثم الغسل، فاستدلّ به المالكية على أن الغسل لا يكون إلَّا مع الدلك وإلَّا فلا فائدة

стр. 747

للتفرقة، وأنصف [المازري] (١) المالكي فقال: الحديث حجة للشافعية على عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه بخلاف الغسل، فيحمل المطلق على المقيد. الثامنة: فيه جواز اغتسال الرجل والمرأة [جميعا] (٢) من إناء واحد وأن اغترافهما من الإِناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم وتعذر تساويهما في الاغتراف من غير تعاقب، فيقتضي جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة لتأخر اغتراف الرجل عن المرأة في بعض الاغترافات، وإن كان لفظ الحديث محتمل لشروعهما في الاغتسال دفعة واحدة لكن ليس فيه عموم. واعلم أن الإِجماع قام على جواز [طهر] (٣) الرجل والمرأة من إناء واحد كما نقله القاضي ثم النووي في شرحهما (٤) لمسلم (٥)، وقال القرطبي: هو متفق عليه بين الأمة إلَّا شيء روي من ذلك عن أبي هريرة. وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإِجماع كما [نقله] (٦) النووي أيضًا.

стр. 748

وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عند الشافعي ومالك وأبي خيفة والجمهور، سواء خلت به أو لم تخل. قال أصحاب الشافعي: ولا كراهة في ذلك. وروي عن ابن المسيب والحسن كراهة فضل [وضوئها طهارة الرجل وغسلها] (١)، وكره أحمد فضل [وضوئهما وغسلهما] (٢)، وشرط ابن عمر: إذا كان أحدهما جنبًا أو المرأة حائضًا، [وما نقلناه] (٣) عن ابن المسيب والحسن وأحمد هو ما نقله القرطبي (٤)، ونقل النووي عن الأولين كراهة فضلها مطلقًا، [وعن أحمد وداود: أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها] (٥)، قال: وروي عن [عبد الله] (٦) بن سرجس والحسن البصري قال: وروي عن أحمد كمذهبنا (٧). والمختار ما قاله الجمهور؛ للأحاديث الواردة في تطهره ﷺ مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ولا تأثير للخلوة، وقد ثبت في الحديث الآخر: "أنه ﵇ اغتسل بفضل بعض أزواجه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، قال الترمذي: حسن

стр. 749

صحيح (١). وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه. أحدها: أنه ضعيف، ضعّفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره. والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها وذلك مستعمل. والثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل. وقال القرطبي (٢): سبب اختلافهم في المسألة اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومن صححها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها أو ما يعارضها، كحديث ميمونة أنه ﵇ توضأ

стр. 750

بفضلها (١)، وكحديث ابن عباس الذي في الترمذي (٢)، ولا شك أن حديث عائشة هذا وغيره أصح وأشهر فالعمل به أولى، وأيضًا فقد اتفقوا على غسلهما معًا مع أن كل واحد منهما يغتسل مما يفضله صاحبه عن غرفه. التاسعة: قال ابن القطان (٣) في أحكام النظر (٤): سئل مالك: أيجامع الرجل زوجته وليس بينهما ستر، قال: نعم، فقيل له: إنهم يرون كراهة ذلك، فقال: قد كان ﷺ وعائشة يغتسلان عريانين، والجماع أولى بالتجرد، وقال: لا بأس أن ينظر إلى فرجها في الجماع، قلت: وهو المرجح عندنا أيضًا (٥). العاشرة: يؤخذ من الحديث أيضًا أن أفعاله ﵇ حجة كأقواله.

стр. 751

الحديث الثالث ٣٤/ ٣/ ٦ - عن ميمونة بنت الحارث -زوج النبي ﷺ - قالت: " [وضعت] (١) لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثًا- ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، أو الحائط مرتين -أو ثلاثًا- ثم تمضمض واستنشق، [ثم] (٢) غسل وجهه وذراعه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، ثم تنحَّى، فغسل رجليه. [قالت] (٣): فأتيته بخرقة فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده" (٤). الكلام عليه من وجوه:

стр. 752

أحدها: [في] (١) التعريف براويه: [ميمونة] (٢) هذه هلالية تزوجها النبي ﷺ سنة ست، وقال جماعة: سنة سبع، قال محمد بن إبراهيم: في شوال، وفي الكلاباذي في [ذي القعدة] (٣) وبنى بها في ذي الحجة. روي لها عن النبي ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفقا [منها] (٤) على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة، قاله النووي، وقال ابن الجوزي: لها [ستة وسبعون] (٥) حديثًا، روى عنها ابن أختها ابن عباس وجماعة من التابعين. قيل: كان اسمها (برة) فسماها رسول الله ﷺ ميمونة، وتوفيت بسرف لأنها اعتلَّت بمكة، فقالت: أخرجوني من مكة؛ لأن رسول الله ﷺ أخبر أني لا أموت بها فحملوها حتى أتوا بها سرفًا فماتت هناك ودفنت بموضع القبة التي بني بها عندها، قاله البكري، وقال النسابة الحواني: ماتت بمكة فحملها ابن عباس على مناكب الرجال إلى سرف وهو بقرب مكة وهو ما بينه وبينها عشرة أميال، وقيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: اثني عشر، وقيل: تسعة، ورأيت بخط [الصديقي] (٦) عن عبد الغني أنه قال: بينهما تسعة أيام،

стр. 753

وهذا من طغيان القلم، وإنما أراد تسعة أميال. وهي مشتقة من اليمن: وهو البركة، كانت أولًا عند أبي رهم بن عبد العزى العامري أو سخبرة (١) بن أبي رهم [أو خروبة] (٢) أو حويطب بن عبد العزى بن أخي أبي رهم، أقوال. وتزوجها على خمسمائة درهم، وكان بعث جعفرًا وقد قدم من أرض الحبشة فخطبها له فجعلت أمرها إلى العباس، [وقيل] (٣): بعث أوس بن خولي وأبا رافع فزوجاه إياها، وفي رواية: قبل أن يخرج من المدينة (٤). قال أبو رافع: تزوجها حلال (٥). وقال ابن عباس: محرمًا (٦)، قال الزهري: وهي الواهبة نفسها (٧)، وقال غيره: الواهبة: زينب بت جحش، ويقال: أم شريك، وأختها أم

стр. 754

الفضل تحت العباس وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس. وفي وقت وفاتها ثمانية أقوال أوضحتها في كتابنا المسمى بـ"العدة في معرفة رجال العمدة"، أظهرها سنة إحدى وخمسين، وفي الصحيح أنها توفيت قبل عائشة، وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد أبناء أخواتها (١)، وربيبها عبد الله الخولاني، قال محمد بن عمرو وهي آخر من مات من أزواجه، وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة وكانت جلدة. قلت: وقيل: إن أم سلمة كانت آخرهنَّ موتًا، ولا خلاف أنها آخر من تزوج بها. الوجه الثاني: في ألفاظه: الأول: قولها: "وضوء الجنابة" هو بفتح الواو أي: ماء الجنابة، وقد تقدم في الطهارة أن الوضوء بفتح الواو: هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء بقيد كونه معدًا للوضوء، أو للماء بقيد كونه مستعملًا في أعضاء الوضوء؟ ونقلنا عن الشيخ تقي الدين أن الأقرب إلى الحقيقة الثالث، وقد يؤخذ من هذا اللفظ أنه اسم لمطلق الماء فإنها لم تضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة، كأنه يريد: لو كان إنما يطلق على الماء مضافًا إلى الوضوء لم يضفه للجنابة.

стр. 755

والظاهر أن الوضوء بالفتح هو: الماء المعد للغسل، وإن كان [يقال] (١) [له] (٢): غسول؛ لشرفه، ولهذا يستحب تجديده بخلافه. الثاني: معنى "أكفأ": قلب، وقد أسلفناه في كتاب الطهارة أنه (٣) يستعمل رباعيًا وثلاثيًا بمعنى واحد، وكفأْت ثلاثيًا بمعنى قلبْت، وأكفأْت رباعيًا بمعنى أَمَلْت، وأنه مذهب الكسائي وغيره (٤). الثالث: يقال: يمين ويمنى، ويسار ويسرى، وهما مؤنثان، واليمنى من [اليمن] (٥)، كما سلف في باب الاستطابة، واليسرى هي الشؤما ضد اليمنى. الرابع: قولها: "مرتين أو ثلاثًا" هما منصوبان على الظرف والعامل فيهما أكفأ. الخامس: الفرج: العورة، قاله الجوهري، واعترض [عليه] (٦) بعض المالكية بأنه يلزم منه أن يقع الفرج على الدبر أيضًا إذ هو عورة. ثم ادَّعى أن المعروف أن الفرج مختص بالقُبُل، والاست بالدُبُر. ولا يسلم له؛ فإن الفرج أصله لغة: الخلل بين شيئين، وذلك يعمهما، نعم المراد به هنا القبل فيما يظهر.

стр. 756

الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: الإِكفاء باليمين على اليسار سببه -والله أعلم- لأجل إدخال اليد الإِناء كما سلف في حديث عائشة. الثانية: فيه أنه لا يقتصر ع لى مرة واحدة في السنة المذكورة، وقد تقدم ما فيه في كتاب الطهارة. الثالثة: البدأة بغسل الفرج لإِزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يبدأ بغسله أولًا من الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد [غسل] (١) أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة واحدة فهل هي كافية للحدث مع النجس أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا مبنيان على أن للماء قوتين أو واحدة، أصحهما عند الرافعي: لا، وعند النووي: نعم، وقد يقوى بأن الوارد في الحديث مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، لكن قد يخدشه قوله بعده: "ثم غسل جسده". تنبيه: غسل الواحد منا فرجه قبل وضوء الجنابة: إما لنجس كائن عليه، وإما لطاهر كالمني عند من يرى طهارته، وكرطوبة فرج المرأة عند من قال بطهارته. الرابعة: قولها: "ثم ضرب يده بالأرض" الظاهر: أنه من المقلوب، والأصل: ضرب الأرض بيده؛ لأن اليد هي الآلة والباء لا تدخل إلَّا على الآلة كضربت بالعصا وكتبت بالقلم وشبه ذلك، وقد جاء القلب كثيرًا في كلامهم، قالوا: عرضت الناقة على الحوض

стр. 757

وأدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (١) أي العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها على ما قيل. الخامسة: ضربه ﵇ يده بالحائط أو الأرض لإِزالة ما عساه يعلق باليد من رائحته مبالغة في التنظيف، وقال الترمذي الحكيم في علله: وقيل: إن من داوم عليه عوفي من ميتة السوء (٢). قلت: ويؤخذ من الحديث أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يديه بتراب أو أشنان أو يدلكهما بالأرض أو الحائط؛ ليذهب الاستقذار منها، وبه صرح الخفاف من قدماء أصحابنا في كتابه الخصال، فعد من سنن المستنجي أن يغسل يده بالأشنان بعد فراغه. ويؤخذ منه أنه إذا غلب على ظنه زوال النجاسة ثم شم من يده ريحها [لا] (٣) يدل على بقائها في المحل وهو الأصح، وأما إذا زالت عين النجاسة وبقيت رائحتها لا يضر وهو الأصح، ووجه أخذ ذلك منه أن ضربه ﷺ بالأرض أو الحائط لا بدَّ أن يكون لفائدة ولا جائزًا أن يكون لإِزالة العين لحصولها قبله، وإلَاّ لنجست الأرض أو الحائط [لملاقاتها] (٤) ولا تكون لإِزالة الطعم؛ لأنه دليل على بقاء العين، ولا لبقاء اللون لبُعده، وإن وُجد فنادر، فتعين أن يكون فعله

стр. 758

استظهارًا في زيادة التنظيف أو إزالة احتمال [وجود] (١) رائحته مع الاكتفاء بالظن في زوالها. السادسة: قولها: "ثم تمضمض واستنشق" فيه مشروعيتهما في الغسل، وقد تقدم الخلاف في الوجوب فيه في بابه واضحًا فإن تمسك به من يرى بوجوبهما فيه فلا دلالة له فيه، لأن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، إلَّا ما كان بيانًا [لمجمل] (٢) تعلق به الوجوب على المختار، وليس الأمر بالغسل من الجنابة من قبل المجملات. السابعة: لم يذكر في هذا الحديث أنه مسح برأسه، وهو قول عند المالكية على القول بتأخير غسل الرجلين، حكاه الشيخ تقي الدين (٣)، ويحتمل أن يكون اكتفى بالإِفاضة على الرأس عنه، لأن فيه معنى المسح وزيادة، وقد اختلف أصحابنا في قيام غسل الرأس مقام مسحها على وجهين، وصححوا الجواز. [وهل] (٤) يكره؟ فيه وجهان، أصحهما: لا؛ لأنه الأصل، وقيل: نعم كغسل الخف بدل مسحه، لكن الفرق بينهما أن فيه إضاعة مال بخلافه. ثم [وقع] (٥) في شرح ابن العطار أن أصحابنا اختلفوا في أن

стр. 759

غسل الرأس والخُف: هل يقوم مقام مسحهما؟ على ثلاثة أوجه: أصحها أنه يجزئ في الرأس ولا يجزئ في الخف، وهو كما قاله من حكاية الخلاف دون التصحيح، فإن الأصح الأجزاء فيهما كما ذكره الرافعي والنووي وغيرهما، فاعلمه. الثامنة: قد يستدل بهذا الحديث على أن من غسل يديه قبل إدخالهما الإِناء ثم أحدث في أثناء وضوئه أنه لا يعيد غسلهما؛ فإنه ﵇ غسل يديه، ثم بعد غسلهما غسل فرجه ولم يعد غسلهما بعد ذلك. التاسعة: قولها: "ثم تنحى فغسل رجليه" فيه إشعار بتأخير غسل القدمين وهو [أحسن] (١) القولين عندنا وعند المالكية، قال القرطبي (٢): وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، قال: وروي عن مالك أنه إذا أخرهما أعاد وضوءه عند الفراغ، قال: والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي ﷺ على ذلك، وقال المازري (٣): ليس في الحديث تصريح بالتأخير بل هو محتمل؛ لأن قولها "توضأ وضوءه للصلاة" ظاهره إكماله، [وغسلهما] (٤) بعد ذلك يحتمل؛ لما نالهما من تلك البقعة. وقال القاضي عياض: ظاهر قولها في الأحاديث إتمام الوضوء. وإليه نحا ابن حبيب.

стр. 760

قلت: وهو الأصح عند الشافعية والمشهور عند المالكية، وروي عن مالك أن التأخير واسع، وفي مذهب مالك قول آخر أنه إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا والماء قيلًا أخَّر؛ جمعًا بين الأحاديث، واختيار أبي حنيفة التأخير، وقال في المبسوط: إن كان الموضع وسخًا أخَّرهما، وإن كان طاهرًا قدَّمهما. العاشرة: قال القاضي عياض: في تنحيته لغسل رجليه حجة في أن التفريق اليسير غير مؤثر في الطهارة، وما ذكره إنما يتأتى إذا قلنا بأنه لم يكمل وضوءه. فإن قلنا [إنه] (١) أكمله فلا حجة فيه، وقد يقال: أخرهما للمانع السالف عن [المازري] (٢)، ولا يلزم منه التأخير مطلقًا. الحادية عشرة: قولها: "فأتيته بخرقة فلم يردها" هذه الخرقة جاءت [غير] (٣) مسماة في هذا الحديث، وفي رواية [الدارمي] (٤) (٥) "فأعطيته ملحفة فأبى"، وفي الأحكام (٦) لأبي علي الطوسي

стр. 761

مصححًا: "فأتيته بثوب فقال بيده هكذا". ويؤخذ من [ذلك] (١) كله استحباب ترك تنشيف الأعضاء، وفي المسألة ثلاث مذاهب: أحدها: أنه يكره في الوضوء والغسل، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى. وثانيها: لا بأس به فيهما، وهو قول أنس بن مالك والثوري وبه قال مالك. وثالثها: يكره في الوضوء دون الغسل، روي عن ابن عباس، قال القرطبي (٢): وإلى الأول مال أصحاب الشافعي. قلت: هو أحد أوجه خمسة عندهم، وقد اضطرب في الراجح عندهم منها كما أوضحته في شرح المنهاج وغيره فإنه محله، [والمختار] (٣) أنه مباح يستوي فعله وتركه، قال القرطبي (٤): وقالوا: هو أثر عبادة فيكره إزالته كدم الشهيد وخلوف فم الصائم، قال: ولا حجة في الحديث، لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء رآه بالمنديل،-أي من وسخ أو صبغ من زعفران أو نحوه- أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعًا أو مجانبًا لعادة المترفهين، وأما القياس فلا نسلمه. قال الترمذي: لا يصح في الباب شيء، يعني في

стр. 762

التنشيف (١). قلت: واحتج بعضهم بهذا الحديث على إباحته حيث نفض الماء بيده، قال: فإذا كان النفض مباحًا كان التنشيف مثله أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ووقع [للمازري] (٢) أنه لا خلاف أن التنشيف لا يستحب، وإنما وقع الخلاف في الكراهة. قلت: لكن بعض أصحابنا قال باستحبابه. ووقع في شرح ابن العطار أنا لا نعلم أحدًا من العلماء قال باستحبابه، وهو غريب فإنه وجه في مذهبه، وكأنه تبع المازري (٣) في ذلك، واحتج من قال بعدم كراهته في الوضوء والغسل بحديث [سعد] (٤) بن عبادة أنه ﵇ التحف بملحفة بعد الغسل، لكنه قد ضُعِّف (٥). وحديث معاذ أنه ﵇ كان يمسح وجهه بطرف ثوبه، لكنه ضعيف (٦).

стр. 763

وحجة القول الثالث: أن أم سلمة ناولته الثوب ليتنشف به فلم يأخذه، وحجة الثاني أنه ﵇ كانت له خرقة يتنشف بها لكنه ضعيف (١) أيضًا أو يحمل كما قاله القاضي عياض على الضرورة وشدة البرد ليزيل برد الماء عن أعضائه ﷺ . الثانية عشرة: قولها: "وجعل ينفض الماء بيده" فيه دليل على أن نفض اليد بعد الغسل والوضوء لا بأس له [كما] (٢) قال القرطبي، وفيه رد على من كره التمندل وقال إن الوضوء يوزن، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه؛ لأن النفض كالمسح في إتلاف ذلك [الماء] (٣) (٤). قلت: والمسألة عندنا فيها ثلاثة أوجه ذكرتها في شرح المنهاج والتنبيه. والمختار أنه مباح يستوي فعله وتركه.

стр. 764

الثالثة عشرة: يؤخذ من الحديث إعداد ماء الغسل كالوضوء. الرابعة عشرة: يؤخذ منه [أيضًا] (١) استحباب تقديم غسل الفرج كما [سلف] (٢)، ثم الوضوء بعده ثم إفاضة الماء على الرأس ثم على سائر الجسد. الخامسة عشرة: يؤخذ منه أيضًا استحباب التنحي من المغتسل إذا كان وسخًا لغسل القدمين سواء أكمل وضوءه قبل الغسل أم لا.

стр. 765

الحديث الرابع ٣٥/ ٤/ ٦ - عن عبد الله بن عمر [أن عمر] (١) بن الخطاب ﵁ قال: "يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد [وهو جنب] (٢) (٣) ". الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة، وابنه عبد الله تقدَّم في الاستطابة. الثاني: فيه دلالة لمن يقول بوجوب الوضوء للجنب عند النوم، وهو قول كثير من أهل الظاهر ورواية عن مالك حكاها ابن بشير، وأغرب ابن العربي فحكاه عن الشافعي ولا أعرف من

стр. 766

حكاه عنه غيره، وروى صاحب المنتقى عن ابن نافع (١) عن مالك أن من تركه فليستغفر الله، فقيل: الاستغفار من لوازم الوجوب؟ وقيل: لا، وذهب ابن حبيب (٢) وابن العربي (٣) إلى الوجوب أيضًا، وقال بعض أشياخ المالكية لا تسقط العدالة [بتركه] (٤) لاختلاف العلماء فيه. ولعل الخلاف مبني على أن أوامره ﷺ هل تدل على الوجوب؟ وقد تقدم المختار فيه من الحديث قبله، والجمهور على الندب إذ في الترمذي (٥) وأبي داود (٦) و [النسائي] (٧) وابن ماجه (٨) عن عائشة ﵂ "أنه ﵇ كان ينام وهو جنب لا يمس ماء"، نعم قال البيهقي: طعن فيه الحفاظ، وأجاب هو وقبله ابن سريج: بأن المراد لا يمس ماء للغسل (٩).

стр. 767

وقال الشيخ تقي الدين (١): في الحديث متمسك للوجوب فإنه وقف إباحة النوم على الوضوء، وقال: هذا الأمر ليس للوجوب، ولا للاستحباب، فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، فإذًا هو للإِباحة فتتوقف الإِباحة على الوضوء، وذلك هو المطلوب. واختلف في علة هذا الوضوء، فقيل: ظاهر قول مالك؛ لأنه تعبد، ففي الإِكمال عنه: وضوء الجنب شيء لزمه لا لخوف موت عليه، وقال بعض المالكية: لعله ينشط فيغتسل (٢)، وقال بعضهم: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام، فعلى هذا تتوضأ الحائض، ولا تتوضأ [على] (٣) الأول، وينبني على ذلك التيمم أيضًا. وأما أصحابنا: فقالوا الحكمة فيه تخفيف الحدث فلا يستحب للحائض إلَّا أن ينقطع دمها. واختلف المالكية: هل يترك في وضوئه غسل رجليه أم لا؟ فذهب عمر بن الخطاب إلى جواز ذلك، ولم يره مالك،

стр. 768

[ووسع] (١) فيه ابن حبيب، وقد يصح بناؤه عندهم على الخلاف السالف عنهم، لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة أنه ﵇ "كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" (٢). واختلفوا: هل ينتقض وضوء الجنب بالحدث الأصغر؟ فروى الباجي (٣) عن مالك في المجموعة أنه إنما ينتقض بمعاودة الجماع دون البول والغائط. وقال اللخمي: ينتقض بالحدث الأصغر، وبناه على التعليل الثاني وهو ظاهر قول الداودي في تأويل قوله ﵇: "توضأ واغسل فرجك" (٤). وقال القاضي عياض: هو على طهارة ولا ينتقض إلَّا بمعاودة الجماع، ويلزم على القول من علل بالنشاط أنه إذا عاود الجماع عن قرب [لا] (٥) يعيد الوضوء لأجل النشاط بوضوئه الأول. والجواب: عن هذا [الإِلزام] (٦) أنه إذا عاد كَسُل فيحتاج إلى وضوء ينشطه ثانيًا.

стр. 769

واختلفوا: هل يؤمر الجنب بالوضوء إذا أراد معاودة أهله أم لا؟ فذهب مالك إلى [أنه لا] (١) يؤمر بذلك وإنما يؤمر بغسل ذكره فقط [لئلا] (٢) يدخل على المرأة نجاسة في فرجها بغير ضرورة. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله إلى أنه يؤمر بالوضوء. واختلفوا في الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب: هل يؤمر بوضوء الصلاة أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه إنما يؤمر بغسل يده (٣)، وقال ابن عمر: يؤمر بوضوء الصلاة. الثالث: قال ابن الجوزي في كشف مشكل الصحيحين (٤): دل هذا الحديث على استحباب التنظف من الأقذار عند النوم؛ لأن الإِنسان لا يكاد يتوضأ حتى يغسل ما به من أذى، وإنما أمر الإِنسان بذلك عند النوم؛ لأن الملائكة تبتعد عن الوسخ والريح الكريهة، والشياطين تتعرض للأنجاس والأقذار. وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: (إن الأرواح يعرج بها في منامها، إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهرًا سجد عند العرش، وما

стр. 770

ليس بطاهر سجد بعيدًا عن العرش) (١). ثم إن الوضوء يخفف الحدث، ولهذا يجوز عندنا للجنب إذا توضأ أن يجلس في المسجد، هذا كلامه. الرابع: قوله ﵇: "نعم" هذه اللفظة يعبر عنها النحاة أنها عدة وتصديق، زاد الجوهري: جواب الاستفهام، وربما ناقض [بلى] (٢)، إذا قال ليس [لي عندك] (٣) وديعة [فقولك:

стр. 771

نعم] (١) تصديق له، [وبلى] (٢) تكذيب، ونَعِمْ بكسر العين لغة فيه حكاه الكسائي ﵀. قاعدة لها تعلق بهذا الحديث: [التعليق] (٣) شرعًا على أربعة أقسام: تعليق واجب على واجب كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٤)، وتعليق مستحب على مستحب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٥): وتعليق واجب على غير واجب كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٦)، وعكسه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٧).

стр. 772

الحديث الخامس ٣٦/ ٥/ ٦ - عن أم سلمة ﵂ -زوج النبي- ﷺ - قالت: "جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، إذا رأت الماء" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: التعريف براويه، وهي أم سلمة هند. وقيل: رملة بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل، ويقال: زهير، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية أم المؤمنين. كنيت بابنها سلمة بن [عبد الله] (٢).

стр. 773

تزوجها في شوال سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد والد [عمر] (١) بن أبي سلمة، كذا قال أبو عمر وغيره أنه تزوجها سنة اثنين، وفي كتاب ابن الأثير: سنة ثلاث، وفيه نظر؛ لأن أبا سلمة شهد بدرًا سنة اثنين ومات سنة ثلاث أو أربع لا جرم، قال خليفة وغيره: تزوجها سنة أربع (٢)، وإنما التي بني بها في شوال عائشة ثم تزوج بعدها حفصة سنة ثلاث، ووقع في المستدرك للحاكم عن أبي عبيدة أنه تزوجها سنة [اثنين] (٣) قبل وقعة بدر وصوابه [بعد] (٤). وفي الطبقات (٥) عن أم كلثوم قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة ولا أراه إلَّا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت له إلَّا سترد إليَّ

стр. 774

فإذا رُدَّت إليَّ فهي لك. قالت: فكان كما قال رسول الله ﷺ . مات النجاشي [وردت إليه] (١) الهدية [فأعطى] (٢) كل امرأة من نسائه أوقية أوقية من مسك وأعطى سائره والحلة أم سلمة، وفيه إشكال؛ لأن النجاشي توفي سنة تسع فهذا بعد تزويجها بخمس سنين أو أكثر على ما سلف. قال ابن سعد: وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية ثم القرشية. وقال خليفة (٣): أمها أخته بنت عمرو بن الحارث القرشية. قال أبو عمر (٤): كانت هي وأبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، [وقيل] (٥): هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي حثمة. وقال ابن حزم: هي آخر نسائه موتًا، وقال عطاء: آخرهن حفصة، وهو وهم، وقد تقدم في ترجمة ميمونة قول الواقدي فيها. روي لها عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها، قال ابن

стр. 775

الجوزي: وللبخاري ثلاثة، روى عنها ابنها عمر وابنتها زينب وسعيد ابن المسيب وعروة وعطاء وغيرهم. قال ابن سعد: وهاجر بها أبوسلمة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا فولدت هناك زينب وسلمة وعمر ودرة، قال مالك: وهاجرت إلى المدينة مع رجل من المشركين وكان ينزل عنها ناحية ويرحل لها بعيرها ويتنحى (١) إذا ركبت فلما رأى نخل المدينة قال لها: هذا النخل الذي تريدين، ثم سلم عليها وانصرف، قال الضحاك بن عثمان: وهذا الرجل هو عثمان بن طلحة يعني العبدري. قال ابن المسيب: وكانت من أجمل الناس، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: دخلت [أيم] (٢) العرب على سيد المرسلين أول العشاء عروسًا، وقامت من آخر الليل تطحن، يعني أم سلمة (٣). وكان أبوها أحد الأجواد يعرف بزاد الراكب. وروى ابن سعد قصة غيرة عائشة منها لجمالها، وشهدت فتح خيبر فسمعت وقع السيف في أسنان مرحب. ولما انقضت عدتها أرسل إليها أبو بكر فخطبها ثم عمر ثم أرسل إليها رسول الله ﷺ فقالت: مرحبًا به، وروي أنه لم خطبها قالت: إني امرأة مصبية وفيّ غيرة وقد كبرت، قال ﵇: "أما الصبية فأنا وليهم- أو قال:
следующие страницы →