← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

نعم] (١) تصديق له، [وبلى] (٢) تكذيب، ونَعِمْ بكسر العين لغة فيه حكاه الكسائي ﵀. قاعدة لها تعلق بهذا الحديث: [التعليق] (٣) شرعًا على أربعة أقسام: تعليق واجب على واجب كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٤)، وتعليق مستحب على مستحب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٥): وتعليق واجب على غير واجب كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٦)، وعكسه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٧).

стр. 772

الحديث الخامس ٣٦/ ٥/ ٦ - عن أم سلمة ﵂ -زوج النبي- ﷺ - قالت: "جاءت أم سليم -امرأة أبي طلحة- إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، إذا رأت الماء" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: التعريف براويه، وهي أم سلمة هند. وقيل: رملة بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل، ويقال: زهير، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية أم المؤمنين. كنيت بابنها سلمة بن [عبد الله] (٢).

стр. 773

تزوجها في شوال سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد والد [عمر] (١) بن أبي سلمة، كذا قال أبو عمر وغيره أنه تزوجها سنة اثنين، وفي كتاب ابن الأثير: سنة ثلاث، وفيه نظر؛ لأن أبا سلمة شهد بدرًا سنة اثنين ومات سنة ثلاث أو أربع لا جرم، قال خليفة وغيره: تزوجها سنة أربع (٢)، وإنما التي بني بها في شوال عائشة ثم تزوج بعدها حفصة سنة ثلاث، ووقع في المستدرك للحاكم عن أبي عبيدة أنه تزوجها سنة [اثنين] (٣) قبل وقعة بدر وصوابه [بعد] (٤). وفي الطبقات (٥) عن أم كلثوم قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة ولا أراه إلَّا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت له إلَّا سترد إليَّ

стр. 774

فإذا رُدَّت إليَّ فهي لك. قالت: فكان كما قال رسول الله ﷺ . مات النجاشي [وردت إليه] (١) الهدية [فأعطى] (٢) كل امرأة من نسائه أوقية أوقية من مسك وأعطى سائره والحلة أم سلمة، وفيه إشكال؛ لأن النجاشي توفي سنة تسع فهذا بعد تزويجها بخمس سنين أو أكثر على ما سلف. قال ابن سعد: وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية ثم القرشية. وقال خليفة (٣): أمها أخته بنت عمرو بن الحارث القرشية. قال أبو عمر (٤): كانت هي وأبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، [وقيل] (٥): هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي حثمة. وقال ابن حزم: هي آخر نسائه موتًا، وقال عطاء: آخرهن حفصة، وهو وهم، وقد تقدم في ترجمة ميمونة قول الواقدي فيها. روي لها عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها، قال ابن

стр. 775

الجوزي: وللبخاري ثلاثة، روى عنها ابنها عمر وابنتها زينب وسعيد ابن المسيب وعروة وعطاء وغيرهم. قال ابن سعد: وهاجر بها أبوسلمة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا فولدت هناك زينب وسلمة وعمر ودرة، قال مالك: وهاجرت إلى المدينة مع رجل من المشركين وكان ينزل عنها ناحية ويرحل لها بعيرها ويتنحى (١) إذا ركبت فلما رأى نخل المدينة قال لها: هذا النخل الذي تريدين، ثم سلم عليها وانصرف، قال الضحاك بن عثمان: وهذا الرجل هو عثمان بن طلحة يعني العبدري. قال ابن المسيب: وكانت من أجمل الناس، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: دخلت [أيم] (٢) العرب على سيد المرسلين أول العشاء عروسًا، وقامت من آخر الليل تطحن، يعني أم سلمة (٣). وكان أبوها أحد الأجواد يعرف بزاد الراكب. وروى ابن سعد قصة غيرة عائشة منها لجمالها، وشهدت فتح خيبر فسمعت وقع السيف في أسنان مرحب. ولما انقضت عدتها أرسل إليها أبو بكر فخطبها ثم عمر ثم أرسل إليها رسول الله ﷺ فقالت: مرحبًا به، وروي أنه لم خطبها قالت: إني امرأة مصبية وفيّ غيرة وقد كبرت، قال ﵇: "أما الصبية فأنا وليهم- أو قال:

стр. 776

فإليَّ- وأما الغيرة فأنا أدعو الله لها [تذهب] (١) وأنا أكبر منها" فلما دخل بها قال: "إن شئت سبّعت عندك وسبعت [عند] (٢) نسائي وإن شئت ثلّثت ودرت" [قالت] (٣): بل ثّلث. [و] (٤) في تاريخ وفاتها خمسة أقوال: أحدها: سنة تسع وخمسين. ثانيها: سنة أربع وستين. ثالثها: سنة اثنتين وستين. رابعها: سنة إحدى وستين حين جاءها نعي الحسن، حكاه ابن عساكر وصححه، وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي ما يؤيده. وخامسها: في أول ولاية يزيد بن معاوية، وكانت ولايته لثمان بقين من رجب سنة ستين في اليوم الذي مات فيه معاوية. واختلف في الشهر على ثلاثة أقوال: أحدها: في ذي القعدة. وثانيها: [في] (٥) رمضان. وثالثها: ربيع الأول.

стр. 777

واختلف فيمن صلى عليها على قولين: أحدهما: أبو هريرة، قاله الواقدي. الثاني: سعيد بن زيد، وهو غريب جدًا، بل وهم، فإنه توفي سنة إحدى وخمسين أو سنة خمسين، وفي كتاب أبي عمر أنها أوصت بذلك وهو غريب أيضًا فحمل على أنها أوصت بذلك ثم مات قبلها، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة وقيل تسعون، ولا خلاف أنها دفنت بالبقيع، ونزل في قبرها ابنها عمر وأخوه سلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن وهب الأسدي [خ م دت ق] (١) (٢). وأما أم سليم: فهي بنت ملحان بكسر الميم على الأشهر وحُكِيَ فتحها، ابن خالد بن زيد، الأنصارية، أم أنس وأخت أم [حرام] (٣) [و] (٤) لها صحبة ورواية. يقال: إنها الغميصاء، ويقال: الرميصاء، وقال أبو داود: الرميصاء أخت أم سليم من الرضاعة، واسمها سهلة، ويقال: رملة، ويقال: رُميثة، ويقال أُنَيفة. وضعّفه ابن حبان، وقيل: مليكة، وجزم به جماعة، وزعم الأصيلي أنها بفتح الميم وكسر اللام، وزعم ابن

стр. 778

سعد أن مليكة اسم أمها، وورد ما يؤيده، فقال السمعاني: الرميصاء لقب لها، [أي] (١) لرمص كان في [عينها] (٢) كما قاله السهيلي. روي لها عن النبي ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم اثنان، روى عنها ابنها أنس وابن عباس وغيرهما، وكانت من عقلاء النساء، وفضلائهن. وفي البخاري عن جابر عن النبي ﷺ "دخلتُ الجنة (٣) فسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذه الرميصاء بنت ملحان أم أنس" وفي رواية "الغميصاء" (٤). قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له أنسًا فلما جاءها الله بالإِسلام اسلمت مع قومها وعرضت الإِسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري، خطبها مشركًا فلما علم أنه لا سبيل عليها إلَّا بالإِسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه (٥)، قال أنس: وكان صداقها الإِسلام، فولد له منها غلام كان قد أعجب به فمات صغيرًا فأسف عليه، ويقال: إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولد عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه وهو والد إسحاق بن

стр. 779

عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم. وروي عن أم سليم أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادة، وفي الطبقات أنها شهدت أحدًا ومعها خنجر (١). والمعروف أنها أم [أنس] (٢) ووقع في عدة من كتب الفقهاء كالنهاية والوسيط والبحر المحيط أنها جدته، وصرَّح به ابن منده، وورد في حديث مصرحًا به أيضًا، لكن في حديث صلاة الجماعة الذي ذكره المصف في باب الصفوف فاستفد ذلك من كتابي تذكرة الأخبار بما في الوسيط من [الأخبار] (٣) فإنه موضح فيه. وكانت هي وأختها خالتين لرسول الله ﷺ من الرضاعة، ذكره النووي [في تهذيبه] (٤)، وكان ﵇ يقيل عندها وتبسط له نطعًا فينام عليه وقال: "إني أرحمها قتل أخوها معي" (٥)، وشرب ﵇ عندها قائمًا من قربة فقطعت ذلك الموضع وأمسكته عندها (٦). وقصتها مشهورة مع أبي طلحة وقد مات ولده فلم تعرفه

стр. 780

بذلك حتى تغشاها وأصاب منها، وقولها له آخر الليل: يا أبا طلحة ألم تر أن آل فلان استعاروا عارية فمنعوها فطلبت (١) فشق عليهم، قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك عارية من الله فقبضه الله إليه، فاسترجع فحمد الله فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ فلما رآه قال: "بارك الله لكما في ليلتكما" فحملت بعبد الله (٢)، قال عباية بن رفاعة: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن (٣). ولم أر من أرّخ وفاتها، ولم يذكره أيضًا [المزي] (٤) في تهذيبه ولا من تبعه. وأما زوج أم سليم: فهو [أبو] (٥) طلحة زيد بن سهل ابن الأسود أحد النقباء ليلة العقبة. شهد بدرًا والمشاهد، روي له عن النبي ﷺ اثنان [وسبعون] (٦) (٧) حديثًا، اتفقا على اثنين، وانفرد كل واحد بواحد، روى عنه [ابن] (٨) عباس وأنس وابنه عبد الله وابن ابنه إسحاق بن عبد الله وغيرهم.

стр. 781

مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة وعاش بعد النبي ﷺ مدة، [سرد] (١) الصوم، وروي أنه غزا البحر فمات فيه، قال ابن حبان: وكان فارس رسول الله ﷺ ، وقتل يوم حنين عشرين رجلًا بيده وهو القائل: أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد وصحّ أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويقول: ليس بطعام ولا شراب (٢). وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها [منه] (٣). الوجه الثاني: قولها "إن الله لا يستحي من الحق" أي لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره، ويقال: يستحي بيائين وبياء واحدة وكلاهما صحيح، والأولى لغة أهل الحجاز، والثانية: لغة تميم، وأصل الثاني كالأول فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى التي هي عين الكلمة فنقلت إلى الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي هي ياء الكلمة فحذفت، وجمع ساكنان [فحذفت] (٤) الياء (٥). قال

стр. 782

ابن عطية (١): وقرأ ابن كثير وابن محيصن وغيرهما (يستحي) بكسر الحاء وهي لغة تميم كما تقدم، وذكر هذه القراءة القرطبي أيضًا. وأصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفًا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى (٢). الثالث (٣): قولها: "إن الله لا يستحي من الحق" أيضًا هو توطئة واعتذار لما ستذكره بعد مما يستحي النساء من ذكره غالبًا. وهو عند الكتّاب والأدباء أصل المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك أنه يقدم الاعتذار بسبب الإِدراك النفسي المعتذر منه صافيًا خاليًا عن العتب، بخلاف ما إذ تأخَّر فإن النفس تستقبل المعتذر منه بقبحه، ثم يأتي العذر رافعًا وفي الأول يكون دافعًا، ولا يخفى الفرق بين الدافع والرافع، وقريب من هذا الإِعلام بالمكروه قبل وقوعه فإن النفس

стр. 783

تتوطن عليه بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة والعياذ بالله وإن [وقع] (١) ذهب بعد ذلك. فيستنبط مما ذكرته ﵂ أن الشخص إذا عرضت له مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فإن ذلك ليس بحياء حقيقي؛ لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلَّا بخير والإِمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر فلا يكون حياء حقيقيًّا بل [هو] (٢) مجازي طبعي يسمى خورًا، وقد قالت عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (٣). فإن قلت: إنما يعتذر من المطلوب عادة بالحياء في الإِثبات لا في النهي كما ثبت "إن الله [حيي] (٤) كريم" فأما في النفي فالمستحيلات تنفي فلا يشترط فيه أن يكون ممكنًا. فالجواب: أنه لم يرد على النفي مطلقًا، بل على الاستحياء من

стр. 784

الحق، فمن حيث المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق فيعود من حينه إلى جانب الإِثبات. الرابع: اختلف العلماء في معنى قولها: "إن الله لا يستحي من الحق" على أقوال: أحدها: ما قدمته في أن معناه: إن الله لا يأمر بالحياء فيه ولا يمنع من ذكره، وبه جزم القرطبي في تفسيره، ونقل عن الطبري أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ (١) الآية أن معناها: لا يخشى، وأنه رجحه قال: وقال غيره: لا يترك، وقيل: لا يمنع. ثانيها: أن سنة الله وشرعه أنه لا يستحيي من الحق. ثاثها: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، قال الشيخ تقي الدين (٢): أما تأويله على أنه لا يمنع من ذكره فقريب؛ لأن المستحي يمتنع من فعل ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء على الامتناع إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم، وأما قولهم: [لا يأمر بالحياء] (٣) [ولا يقبحه، فيمكن في توجيهه أن يقال: التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء] (٤) متعلق بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلق على المتعلق، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء صح إطلاق عدم الحياء من الشيء على عدم الأمر به.

стр. 785

وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني ليخرج ظاهره [عن المنصوصية] (١) لا [على] (٢) أنه يجزم بإرادة [متعين منها] (٣)، إلَّا أن يقوم على ذلك دليل. وأما قولهم: "إن سنة الله وشرعه إنه لا يستحيي من الحق"، فليس فيه تحرير (٤) بالغ، فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى [أو لا] (٥) [و] (٦) يجعله فعلًا لما لم يسم فاعله، فإن أسنده إلى الله تعالى فالسؤال باق بحاله، وغاية ما في الباب: إنه زاد قوله "سنة الله وشرعه" وهذا لا يخلص من السؤال، وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف يفسر فعلًا بني للفاعل [و] (٧) المعنيان متباينان، والإِشكال إذًا وارد على بنائه للفاعل؟ قال: والأقرب: أن يجعل في الكلام حذف، تقديره: إن الله لا يمنع من ذكر الحق "والحق" هنا خلاف الباطل ويكون المقصود من الكلام: أن يقتدى بفعل الله في ذلك، أي في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (٨)

стр. 786

الآية، ويذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. الخامس: قولها: "إذا هي احتلمت" الظاهر أن "هي" زائدة لتوكيد المعنى وتحقيقه، وإن كان الأصل عدم الزيادة لدلالة المعنى على ذلك؛ لأن أصل المعنى لا يختل بإسقاطها (١)، ولأن "إذا" هنا فيها معنى الشرط وهو لا يليها [إلَّا الأسماء] (٢) عند البصريين غير الأخفش، فلا يجوز أن يكون في موضع المبتدأ ولا أن يكون فاعلًا بفعل مضمر، يفسره ما بعده من باب قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (٣) لأن الفاعل لا يكون ضميرًا منفصلًا بغير واسطة فتعين زيادتها، نعم يصح أن يكون مبتدأ عند الكوفيين والأخفش على أصلهم. السادس: "الاحتلام" كما قال الشيخ تقي الدين (٤) في الوضع: افتعال من الحلم -بضم الحاء وسكون اللام- وهو: ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلم -بفتح اللام [واحتلم] (٥) - واحتلمت به، واحتلمته.

стр. 787

وأما في الاستممال والعرف العام: فإنه قد خص هذا الوضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحه إنزال الماء، فلو رأى غير ذلك لصح أن يقال له: "احتلم" وضعًا، ولا يصح عرفًا. وقال الماوردي ﵀: الاحتلام هو إنزال المني في نوم أو جماع أو غيرهما، وأما النووي ﵀ [فخصه] (١) بما يراه النائم كما سلف. السابع: قوله ﵇: "نعم إذا رأت الماء" قال الشيخ تقي الدين (٢): يحتمل أن يكون مراعاة للوضع اللغوي في قوله: "واحتلمت" فإنا قد بينا أن "الاحتلام" رؤية المنام كيف كان وضعًا، فلما [سألت] (٣): [هل] (٤) على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ [وكانت لفظة "احتلمت" عامة، خصص الحكم بما إذا رأت الماء، أما لو حملنا لفظة "احتلمت] " (٥) على المعنى العرفي كان قوله: "إذا رأت الماء" كالتوكيد والتحقيق لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه. ويحتمل أن يكون الاحتلام الذي يحصل به الإِنزال على قسمين: تارة يوجد معه البروز [إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون قوله ﷺ "إذا رأت الماء" مخصصًا للحكم بحالة البروز

стр. 788

إلى] (١) الظاهر، ويكون قوله: "إذا رأت الماء" أفاد فائدة زائدة، وليس لمجرد التوكيد. الثامن: الرؤية: ظاهرها الخروج إلى ظاهر الفرج، وهو ما نقله الرافعي عن الأكثرين، وأما ابن الصلاح فأنكره عليه وقال: إنه مردود (٢). وقال الشيخ تقي الدين: [إن] (٣) ظاهر كلام بعض الفقهاء يقتضي وجوب الغسل بالإِنزال إذا عرفته بالشهوة ولا يوقفه على البروز إلى الظاهر، فتكون الرؤية بمعنى العلم ها هنا، أي إذا علمت نزول الماء فعلى هذا يكون حذف هنا للمفعول الثاني لرأى، وفي البسيط عن الأطباء أن منيها لا يخرج منها. وقال الفقيه ناصر الدين ابن المنير ﵀ في ترجيز التهذيب في مذهب مالك ﵀: إن قلت: كيف ينزلن النساء وهن لا يبدو لهن الماء؟ فاعلم أن فرجها مقلوب، يعرف شرح ذلك الأطباء

стр. 789

وفي الذخيرة للقرافي: إن المرأة [داخل] (١) فرجها ذكرًا وأنثيين، ويبعد أن تحمل [الرؤية] (٢) هنا على رؤية القلب وهو علمها بلذتها بانتقال مائها من مكان إلى مكان آخر من باطن الفرج، لكنه يظهر في جانب البكر كما سأذكره في الفرع الآتي على الأثر. فرع مهم ينتبه [له] (٣): وهو أنه لو نزل المني إلى باطن فرج ثيب، ولم يخرج وجب الغسل، أو بكر فلا، والفرق [أن باطن] (٤) فرج الثيب في حقها كالظاهر فإنه يجب عليها غسله في الاستنجاء، بخلاف البكر فإن باطنه كباطن إحليل الرجل، صرَّح به الماوردي (٥) وجزم به النووي في تحقيقه وشرحه لمسلم (٦)، وكلام الغزالي يقتضي الوجوب بالنسبة إلى البكر أيضًا. التاسع: اعلم أنه يجب الغسل على المرأة بالإِنزال كالرجل؛ للحديث الصحيح: "إنما الماء من الماء" (٧) فيحتمل أن أم سليم لم تسمع ذلك فسألت عنه لمسيس حاجتها إليه، ويحتمل أن يكون سمعته ولكنها سألت عن حال المرأة لقيام مانع منها يخرجها عن العموم وهو ندرة بروز الماء منها.

стр. 790

العاشر: يؤخذ من الحديث السؤال عن العلم إذا جهله وعلمه واحتاج إلى زيادة إيضاح. الحادي عشر: يؤخذ منه أيضًا تقديم الاعتذار قبل المعتذر عنه وإن كان واجب الفعل لأجل العادة. الثاني عشر: يؤخذ منه أيض الاحتياط لعدم سوء الظن بالشخص بعدم الأدب العادي وإن لم يكن سوء أدب شرعًا. الثالث عشر: يؤخذ منه أيضًا أن الحياء المطلوب إنما هو فيما وافق الشرع لا العادة. الرابع عشر: يؤخذ منه أيضًا السؤال في الاستفتاء بهل تنبيهًا على عدم معرفة السائل، فلا يقول: هكذا قلت أنا، ولا: كنت أعلم ذلك من [غيرك] (١) كذا، وقال فلان بخلاف قولك. الخامس عشر: يؤخذ منه أيضًا أن لفظة [على] (٢) مقتضاها الوجوب. السادس عشر: يؤخذ منه (٣) جواب المفتي بنعم مع قيد في الحكم إذا كان. السابع عشر: يؤخذ منه أيضًا أن المرأة يجب عليها الغسل بخروج المني سواء النوم واليقظة، كما يجب على الرجل بخروجه،

стр. 791

وهو إجماع، ويجب عليها بأمور أخرى، محل الخوض فيها كتب الفروع. الثامن عشر: يؤخذ منه (١) جواز استفتاء المرأة بنفسها. التاسع عشر: يؤخذ منه أيضًا استحباب حكاية الحال في الوقائع الشرعية مع الحكم.

стр. 792

الحديث السادس ٣٧/ ٦/ ٦ - عن عائشة ﵂ [قالت] (١): "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه" (٢). وفي لفظ لمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه" (٣). الكلام عليه من وجوه:

стр. 793

أحدها: في التعريف براويه، وقد سبق بيانه في الطهارة. ثانيها: في ألفاظه: الجنابة: تقدم بيانها أيضًا، وتسمية الجنابة باسم المني من باب تسمية الشيء باسم سببه، فإن خروج المني ووجوده سبب لاجتناب الصلاة -وما في معناها- وبعده عنها. والفرك: بفتح الفاء: الدلك، وبكسرها: البغض (١). ثالثها: في أحكامه: وفيه مسائل: أهمها ما يتعلق بنجاسة المني وطهارته. وقد اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي ونجاسته على ستة أقوال: أحدها: نجاسته، وبه قال مالك وأبو حنيفة، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وحكاه صاحب التتمة قولًا للشافعي، وأطلق ابن العربي في شرح الترمذي عن أبي حنيفة أنه يكفي الفرك ولم يخصه باليابس. قلت: والقائل بنجاسته اختلف قوله: هل هو نجس أصالة أو لمروره على مسلك البول؟ وقال مالك: لا بد من غسله رطبًا ويابسًا. ثانيها: أنه نجس ولا تعاد الصلاة منه، قاله الليث.

стр. 794

ثالثها: لا تعاد الصلاة منه في الثوب بخلاف الجسد، قاله الحسن بن صالح. رابعها: طهارته، وإليه ذهب الأكثرون وهو أصح القولين عندنا، وأصح الروايتين [عن] (١) أحمد، وقد غلط من زعم أن الشافعي تفرد به وهو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة، وبه قال داود أيضًا. خامسها: طهارته من الرجل ونجاصته من المرأة، وهو قول [للشافعي] (٢) لكنه شاذ، قال بعض العلماء: وينبغي أن يخص الخلاف فيها بالتي لم تحض، فأما من تقدم لها حيض أو نفاس فينبغي القطع بنجاسته فيها؛ لأن باطن الفرج قد تنجس بالدم وإذا جرى فيه المني تنجس به، وهذا البناء مشكل ويلزم طرده في مني الرجل، لكن أجاب الغزالي عنه بأن رطوبة الذكر لا تكاد تنفصل بخلاف رطوبة فرجها. سادسها: أن مني الخصي نجس؛ لأنه ينجس بملاقاة منفذ البول [لأنه] (٣) نجس بالأصالة، حكاه الجيلي من الشافعية عن كتاب الخصال للخفاف ورأيته فيه، وهذا لفظه: كل مني نجس إلَّا مني الفحل دون [الخصي] (٤). وحكاه صاحب الاستقصاء أيضًا. والتعليل المذكور موجود في مني الفحل؛ لأن مجراه غير

стр. 795

مجرى البول كما ستعلمه ويلتقيان في رأس الذكر، احتج لمن قال بنجاسته وهو القياس بالرواية الأولى السالفة في حديث عائشة المذكور وبالقياس على البول والحيض؛ ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة تجلب كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة، والاكتفاء بالفرك لا يدل على الطهارة بدليل الاكتفاء في النعل بالدلك بالأرض ولا يدل على طهارة الأذى المتعلق به، واحتج الجمهور: بالرواية الثانية في فركه، ولو كان نجسًا لم يكف [فركه] (١) كالدم والمذي وغيرهما. وفي صحيح ابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) عن عائشة أيضًا ﵂ "أنها كانت [تحتُّ] (٤) المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي" وظاهره أنه في الصلاة وهذا أقوى الأدلة: وإنما فركته تنزهًا واستحبابًا وكذا غسله كان للتنزيه والاستحباب، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث (٥) (٦).

стр. 796

قال القرطبي (١): لا حجة في حديث عائشة من وجهين، ثم أطال في ذلك بما يمكن الجواب عنه، ولا شك أن مذهبه فيه مخالفة لظاهر الحديث. فإن قلت: [في مسلم] (٢) أن عائشة قالت لرجل أصاب ثوبه مني فغسله كله: " [إنما كان] (٣) يجزيك أن رأيته [أن] (٤) تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه" (٥)، وظاهر هذا وجوب الغسل عند الرؤية. فالجواب: أنه محمول على الاستحباب؛ لأنها احتجت عليه بالفرك فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإِنكار عليه في غسل كل الثوب، فقالت: غسل كل الثوب بدعة منكرة وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل والأكمل كذا وكذا. وادَّعى ابن العربي (٦) أن قوله: "فيصلي فيه" هو من [رواية علقمة] (٧) والأسود متكلم فيه وغمزه الدارقطني وغيره، وهذا ليس بجيد منه.

стр. 797

وأما القياس على الدم والبول: فجوابه: أن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلافهما. وأما قولهم: إنه يخرج من مخرج البول: فجوابه: منع ذلك، بل مجراهما مختلف، ولهذا قال أصحابنا: يجب غسل المني إذا استجمر بالحجر؛ [لأنه] (١) يجتمع هو والبول في رأس الذكر وهو نجس معفو عنه بالنسبة إلى الصلاة، غير معفو عنه بالنسبة إلى ما لا يلاقيه من الرطوبات، [فلو] (٢) كان يجري مجرى البول لما كان لقولهم فائدة ولقالوا بوجوب غسله لتنجسه، وأما في إزالته بالماء فكسائر النجاسات إلَّا ما عفي عنه، والفرد يلحق بالأعم الأغلب. قال القاضي أبو الطيب (٣): ... وقد ............

стр. 798

[شق] (١) ذكر رجل بالروم فوجد كذلك فلا ينجسه بالشك، قال الشيخ أبو حامد (٢): ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر، وقال ابن العربي (٣): إنهما يجتمعان عند أصل الثقب فيتنجس مما يخرج عليه وادَّعى أنه لا جواب عن هذا. وأما قولهم: المذي جزء من المني: فجوابه: بالمنع أيضًا، [بل] (٤) هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج، لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، ومن به سلس المذي لا يخرج معه شيء من المني. واحتج من فرق بين البدن والثوب: بأنه ﵊

стр. 799

"كان إذا اغتسل من الجنابة غسل ما على فرجه من الأذى" وكانت عائشة تفركه كما تقدم. وجواب هذا يظهر مما تقدم. المسألة الثانية: قولها: "وإن بقع الماء في ثوبه" هو من أثر الغسل، وفي مسلم: "وأنا أنظر أثر الغسل فيه" (١) فيحتمل أن تريد أثر الماء، ويحتمل أن تريد أثر المني بعد غسله، فعلى هذا فيه دلالة لمن يرى بتنجيسه على أن النجاسة إذا ذهب عينها لا يضر بقاء أثرها ولونها، وبذلك ترجم البخاري (٢) على هذا الحديث حيث قال: "باب إذا غسل الجنابة أو غيرها قلم يذهب أثره" ويؤخذ منه أيضًا جواز الصلاة في الثوب الرطب وإن أصابه شيء من الأوساخ الطاهرة كالتراب والطين ونحوهما لا ينجسه. المسألة الثالثة: فيه خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة. المسألة الرابعة: فيه أيضًا أنه ينبغي للمقتدي أن ينقل أحوال المقتدى به، وإن كان يُستحى من ذكرها في العادة للناس [فيقتدى] (٣) بها. المسألة الخامسة: استدلَّ جماعة بهذا الحديث على طهارة

стр. 800

رطوبة فرج المرأة، وهو الأصح عندنا؛ لأن الاحتلام مستحيل في حقه ﵇ على الأشبه فتعين أن يكون المني من جماع، ومنع [ذلك] (١) بأنه قد يكون خرج بمقدمات فسقط منه شيء على الثوب. [فائدة] (٢) قد عرفت حكم مني الآدمي، وأما غيره من الحيوان الطاهر فالأصح عند الرافعي نجاسته، وعند النووي طهارته، وفي وجه ثالث أنه طاهر من مأكول اللحم، نجس من غيره كاللبن. وأما صفة المني فمحل الخوض فيه كتب الفروع، وقد أوضحته في شرح المنهاج والتنبيه والحاوي وغيرها. وهذه أقوال غريبة من مذهب مالك أحببت ذكرها هنا: فيه قوله: فيما إذا خرج عريًا عن اللذة أنه لا يجب الغسل. وفيه قول آخر: فيما إذا قارنته لذة غير معتادة كما إذا احتك أو اغتسل بماء حارٍّ أو لدغته عقرب أو ضرب فأنزل. وفيه قول: أن الواجب الوضوء، إذا قلنا: لا غسل. وفيه: فيما إذا التذ ثم خرج منه بعد ذهاب اللذة، ثلاثة أقوال: أضعفها: التفرقة بين أن يكون عن جماع وقد اغتسل له فلا يعيد، وعلى وجوب الغسل إذا صلى ففي الإِعادة قولان، وعلى عدمه: هل يتوضأ وجوبًا أو استحبابًا؟ قولان، ولو رأى في ثوبه احتلامًا اغتسل، وفي إعادته من أول يوم أو من أحدث [يوم] (٣) ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين أن يدع لبسه أم لا.

стр. 801

الحديث السابع ٣٨/ ٧/ ٦ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل". وفي لفظ: "وإن لم ينزل" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة. الثاني: في ألفاظه. الأول: الضمير المستتر في "جلس" والضميران البارز والمستتر في "جهدها" للرجل والمرأة وإن لم يجر لها ذكر فهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢)، وكذا قوله: "بين شعبها". من هذا الباب أيضًا.

стр. 802

الثاني: الشعب: جمع شعبة، وأما من قال: أَشْعُبِهَا: جمع شعب. وفي المراد بها خمسة أقوال: أحدها: اليدان والرجلان. ثانيها: الرجلان والفخذان. ثالثها: الاسكتان -وهما حرفا شق فرج المرأة- والفخذان، قاله الخطابي (١)، ومنهم من أبدل الاسكتين بالشفرين، قال الأزهري (٢): ويفترق الاسكتان والشفران في أن الاسكتين ناحيتا الفرج والشفران طرفا الناحيتين. رابعها: الرجلان والشفران. خامسها: واختاره القاضي (٣) عياض، أن المراد بها نواحي الفرج الأربع، والشعب النواحي، وهذا مثل قوله: "إذا التقى الختانان وتوارث الحشفة"؛ لأنها تتوارى حتى تغيب بين الشعب، ويروى: "إذا التقى الرفغان" (٤)، ويروى "إذا التقت

стр. 803

المواسي" (١) والمراد بها واحد. وقال الشيخ تقي الدين (٢): الأقرب عندي أن يكون المراد: اليدين والرجلين أو الرجلين والفخذين، فيكون الجماع مكنيًا عنه بذلك، فاكتفى بما ذكر عن التصريح. قال: وإنما رجحنا هذا، لأنه أقرب إلى الحقيقة [إذ] (٣) هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حمل على نواحي الفرج فلا جلوس بينهما حقيقة. فائدة: الشعب: من الألفاظ المشتركة فهي واحدة: الأغصان، والفرقة، يقال: شعبتهم المنية، أي فرقتهم، وتطلق ويراد بها المسيل الصغير، والطائفة من الشيء، وغير ذلك كما نبه عليه الجوهري (٤). الثالث: قوله: "ثم جهدها" هو بفتح الجيم والهاء وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: [حفرها] (٥) أي كدها بحركته، قاله الخطابي قال: والجهد من أسماء النكاح، وفي حديث آخر: "إذا خالطها"

стр. 804

والاختلاط: الجماع، قال القرطبي (١): وعلى هذا ينبغي أن يكون جهدها: نكحها. قلت: وعلى هذا القول لا يحتاج أن يجعل قوله: "بين شعبها" كناية عن الجماع فإنه صرح به بعد ذلك كما قاله هذا القائل. ثانيها: بلغ مشقها، قال أهل اللغة: يقال جهدته [و] (٢) اجتهدته: بلغت مشقته، وهذا أيضًا لا يراد حقيقته وإنما المقصود منه وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، فهو كناية [يكتفى] (٣) بفهم المعنى منها عن التصريح. ثالثها: -قال القاضي (٤) عياض: وهو الأولى-: أن يكون جهدها: بلغ جهده فيها، والجهد: الطاقة، وهو إشارة إلى الحركة وتمكين صورة العمل، وهو نحو قول الخطابي [يحفرها] (٥) أي كدها بحركته، وإلَاّ فأي مشقة بلغ بها في ذلك؟ وقيل: طلب منها مثل ما فعل بها، يقال: جهدته، إذا حملته أن يبلغ جهده، قال ابن الأنباري. وقال ابن العربي (٦): هو من

стр. 805

الجهد بفتح الجيم وهي المبالغة، وهو بناءٌ فيه نظر، قال: والمروي "اجتهد" وهو مثله. الوجه الثالث: في حكمه: فيه حكمان: الأول: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني بل متى غابت الحشقة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: "وإن لم ينزل" فيكون قوله: "جلس" إلى آخره، خرج [مخرج] (١) الغالب، لا أن الجلوس بين شعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة كعثمان وأُبيِّ ومن بعدهم كالأعمش وداود، ثم انعقد الاجماع على ما ذكرنا. وقال الشيخ تقي الدين: خالف بعض الظاهرية داود ووافق الجماعة، ومستند داود ["إنما الماء من الماء" (٢) وقد جاء] (٣) [في الحديث] (٤). "إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإِسلام ثم نسخ" رواه الترمذي (٥) وصححه، فزال ما استندوا إليه.

стр. 806

وقال ابن العربي (١): قد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا حتى رُوي عن عمر أنه قال: (من خالف في ذلك جعلته نكالًا) (٢)، وانعقد الإِجماع على ذلك ولا يعبأ بخلاف داود في ذلك فإنه لولا خلافه ما عُرف، وإنما الأمر الصعب: خلاف البخاري في ذلك وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد علماء الدين (٣)، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (٤) وبين حديث ..........

стр. 807

"عثمان" (١) و "أُبيِّ" في نفيه [الغسل إلَّا] (٢) بالإِنزال، وحديث عثمان ضعيف، لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم يرويه عن يحيى بن أبي ك ثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى وإنما نقله له، قال يحيى: ولذلك أدخله البخاري (٣) عنه بصيغة المقطوع وهذه علة [وقد خولف حسين فيه عن يحيى فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان ولم يذكر [فيه] (٤) النبي ﷺ وهذه علة ثانية] (٥)، وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة فرواه زيد بن أسلم عن عطاء عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من

стр. 808

الصحابة فأمروه بذلك، ولم يرفعه وهذه علة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث أُبيِّ أيضًا يصعب التعلق به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم مما كان أقوى منه، ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني في الدين (١)، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه [بإمامة] (٢) الرجل وعلمه. قلت: قد أخرج البخاري حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان رواه عن [سعيد] (٣) [بن] (٤) حفص عن شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن عطاء عن زيد بن خالد عن عثمان مرفوعًا (٥)، وقال الدارقطني: حدَّث به عن يحيى حسينُ المعلم وشيبان وهو صحيح عنهما، ورواه ابن شاهين (٦) من حديث معاوية بن سلَاّم عن يحيى به، والحسين بن ذكوان ثقة مشهور أخرج له الستة وأما العقيلي فضعَّفه بلا حجة. وقوله: إن البخاري رواه بصيغة المقطوع فيه نظر، بل ذكره في

стр. 809

موضع الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم (١) بصيغة: عن يحيى، بدل: قال يحيى، وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرحًا بالسماع من يحيى ابنُ خزيمة في صحيحه (٢) والبيهقي في سننه (٣) وغيرهما فلله الحمد. وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضره؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ وقد زاد فيقبل، ولأن [الراوي] (٤) قد ينشط فيرفع الحكم. الثاني: قوله ﵇: "فقد وجب الغسل" فيه دلالة على أنه ليس على الفور وهو إجماع، نعم اختلف في الموجب له على أوجه عندنا أوضحناها في كتب الفروع، ثم اعلم أن الأحكام كلها من وجوب الغسل والمهر وغيرهما متعلقة بتغييب الحشفة بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر. ويتعلق بذلك فروع محل بسطها كتب الفروع، ومسائل تغييب الحشفة كثيرة جدًّا أوصلها الجويني إلى ستين وغيره إلى نيف وسبعين وبعض المالكية إلى نيف وثمانين. وقال ابن أبي [جمرة] (٥) ﵀: إنها أصل لألف مسألة، وقد جمعت منها ما تيسر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد.

стр. 810

فروع: من مذهب مالك ﵀: أحببت ذكرها هنا: لو جومعت بكر فحملت وجب الغسل عليها؛ لأن المرأة لا تحمل حتى تنزل، أفاده ابن العربي (١) عن بعض شيوخه. ولو كان الواطىء والموطوءة غير بالِغَيْن: قال ابن بشير المالكي: مقتضى المذهب أن لا غسل وقد يؤمران به ندبًا. ولو وطئ الصغير كبيرة فلا غسل إلَّا بإنزال. وقيل: يجب. وإن وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فهل تغتسل الصغيرة؟ قولان. ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل ووصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، فإن لم تنزل ولم تلتذ فلا، وإن التذت ولم يظهر منها إنزال فقولان: قال القاضي (٢) أبو الوليد: والوجوب عندي قول مالك ونفيه، وهو تأويل قول ابن القاسم عن مالك.
следующие страницы →