← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقال ابن العربي (١): قد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا حتى رُوي عن عمر أنه قال: (من خالف في ذلك جعلته نكالًا) (٢)، وانعقد الإِجماع على ذلك ولا يعبأ بخلاف داود في ذلك فإنه لولا خلافه ما عُرف، وإنما الأمر الصعب: خلاف البخاري في ذلك وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد علماء الدين (٣)، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (٤) وبين حديث ..........

стр. 807

"عثمان" (١) و "أُبيِّ" في نفيه [الغسل إلَّا] (٢) بالإِنزال، وحديث عثمان ضعيف، لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم يرويه عن يحيى بن أبي ك ثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى وإنما نقله له، قال يحيى: ولذلك أدخله البخاري (٣) عنه بصيغة المقطوع وهذه علة [وقد خولف حسين فيه عن يحيى فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان ولم يذكر [فيه] (٤) النبي ﷺ وهذه علة ثانية] (٥)، وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة فرواه زيد بن أسلم عن عطاء عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من

стр. 808

الصحابة فأمروه بذلك، ولم يرفعه وهذه علة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث أُبيِّ أيضًا يصعب التعلق به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم مما كان أقوى منه، ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني في الدين (١)، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه [بإمامة] (٢) الرجل وعلمه. قلت: قد أخرج البخاري حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان رواه عن [سعيد] (٣) [بن] (٤) حفص عن شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن عطاء عن زيد بن خالد عن عثمان مرفوعًا (٥)، وقال الدارقطني: حدَّث به عن يحيى حسينُ المعلم وشيبان وهو صحيح عنهما، ورواه ابن شاهين (٦) من حديث معاوية بن سلَاّم عن يحيى به، والحسين بن ذكوان ثقة مشهور أخرج له الستة وأما العقيلي فضعَّفه بلا حجة. وقوله: إن البخاري رواه بصيغة المقطوع فيه نظر، بل ذكره في

стр. 809

موضع الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم (١) بصيغة: عن يحيى، بدل: قال يحيى، وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرحًا بالسماع من يحيى ابنُ خزيمة في صحيحه (٢) والبيهقي في سننه (٣) وغيرهما فلله الحمد. وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضره؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ وقد زاد فيقبل، ولأن [الراوي] (٤) قد ينشط فيرفع الحكم. الثاني: قوله ﵇: "فقد وجب الغسل" فيه دلالة على أنه ليس على الفور وهو إجماع، نعم اختلف في الموجب له على أوجه عندنا أوضحناها في كتب الفروع، ثم اعلم أن الأحكام كلها من وجوب الغسل والمهر وغيرهما متعلقة بتغييب الحشفة بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر. ويتعلق بذلك فروع محل بسطها كتب الفروع، ومسائل تغييب الحشفة كثيرة جدًّا أوصلها الجويني إلى ستين وغيره إلى نيف وسبعين وبعض المالكية إلى نيف وثمانين. وقال ابن أبي [جمرة] (٥) ﵀: إنها أصل لألف مسألة، وقد جمعت منها ما تيسر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد.

стр. 810

فروع: من مذهب مالك ﵀: أحببت ذكرها هنا: لو جومعت بكر فحملت وجب الغسل عليها؛ لأن المرأة لا تحمل حتى تنزل، أفاده ابن العربي (١) عن بعض شيوخه. ولو كان الواطىء والموطوءة غير بالِغَيْن: قال ابن بشير المالكي: مقتضى المذهب أن لا غسل وقد يؤمران به ندبًا. ولو وطئ الصغير كبيرة فلا غسل إلَّا بإنزال. وقيل: يجب. وإن وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فهل تغتسل الصغيرة؟ قولان. ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل ووصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، فإن لم تنزل ولم تلتذ فلا، وإن التذت ولم يظهر منها إنزال فقولان: قال القاضي (٢) أبو الوليد: والوجوب عندي قول مالك ونفيه، وهو تأويل قول ابن القاسم عن مالك.

стр. 811

الحديث الثامن ٣٩/ ٨/ ٦ - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بن أبي طالب [﵃] (١) أنه كان هو وأبوه عند بن عبد الله وعنده قومه، فسألوه عن الغسل؟ فقال: "يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى شَعرًا وخيرًا منك، يريد النبي ﷺ ، ثم أمنا في ثوب" (٢). وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا" (٣). الرجل الذي قال "ما يكفيني " هو: الحسن بن محمد بن بن أبي طالب، أبوه: ابن الحنفية. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه ونبدأ منهم: بجابر: وهو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة

стр. 812

أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي المدني، أكثر عن النبي ﷺ ، وعنه: بنوه محمد وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم، شهد العقبة مع أبيه -يعني الثانية-. وقال عن نفسه: غزوت مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي، قال الواقدي: ووهم من قال: كنت [أمنح] (١) أصحابي الماء يوم بدر، ونقل عن البخاري أنه قال ذلك. قال عمرو: سمعت جابرًا يقول: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض. وقال أبو الزبير عن جابر: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة، قال هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يؤخذ عنه [العلم] (٢). أمه: نسيبة بنت عقبة بن عدي. وشهد مع علي صفين. روي له عن النبي ﷺ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، أخرجا له مائتي حديث وعشرة حاديث، اتفقا منها على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين. مات بعد أن عمي سنة ثمان وسبعين عن أربع وتسعين سنة، وقيل: أربع، وقيل: تسع، وصلى عليه أبان بن عثمان، والقائل بأنه توفي سنة ثمان قال: هو آخر الصحابة موتًا بالمدينة. وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتًا بالمدينة، وقال

стр. 813

يعقوب بن سفيان الفسوي: آخرهم موتًا بالمدينة ليس [هو] (١) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، إنما هو جابر بن عبد الله بن ريّاب بن النعمان بن سنان. فائدة (٢): جابر بن عبد الله سبعة، أحدهم هذا. والثاني: جابر بن عبد الله بن ريّاب، صحابي أيضًا وقد سلف آنفًا. والثالث: جابر بن عبد الله بن عمرو السلمي روى عن أبيه عن كعب الأحبار. والرابع: جابر بن عبد الله بن عصمة المحاربي، روى عنه الأوزاعي. والخامس: جابر بن عبد الله الغطفاني، روى عن عبد الله بن الحسن العلوي. والسادس: جابر بن عبد الله بن عبيد بن جابر، روى عن الحسن البصري وكان كذابًا. والسابع: جابر بن عبد الله أبو الخير المصري، روى عنه يونس بن عبد الأعلى. فائدة ثانية: جابر يشتبه (بجاثر) بالمثلثة بدل الباء، و (بخاتر) بخاء معجمة ثم ألف ثم مثناة فوق ثم راء، فالأول [من] (٣) القبيلة التي [بعث الله] (٤) منها صالحًا وهم ثمود بن جاثر بن أرم بن سام بن نوح، وأخوه جَدِيس (٥) بن جاثر، والثاني سابر بن خاتر مغن له أخبار وحكايات [مشهور] (٦).

стр. 814

وأما أبو جعفر: الذي ذكره الشيخ أيضًا فهو محمد بن علي بن الحسين [بن علي] (١) بن أبي طالب القرشي الهاشمي، مدني تابعي يعرف بالباقر، لأنه بقر العلم أي شقه فعرف أصله. أمه: أم عبد الله بنت السيد الحسن، روى عن جديه الحسن والحسين مرسلًا وأبيهما (٢)، وعن أبيه (٣) وابن عمر، وأرسل أيضًا عن عائشة وأبي هريرة وجماعة، وعنه ابنه جعفر الصادق والزهري وخلق. مولده: ولد سنة ست وخمسين، ومات سنة أربع عشرة ومائة على أحد القولين، وكان سيد بني هاشم في زمانه علمًا وفضلًا وسؤددًا ونبلًا. وخير محمدي (٤) على وجه الأرض في زمنه. واتفقوا على إمامته وجلالته وتوثيقه، له ترجمة طويلة في تاريخ دمشق. وقيل: كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة. وأما والده: علي، فهو زي العابدين. قيل له ذلك، لكثرة عبادته، وهو تابعي جليل مدني، ثقة مأمون كثير الحديث عالٍ رفيع.

стр. 815

قال يحيى بن سعيد: كان أفضل هاشمي أدركته، يقول: "يا أيها الناس أحبونا حب الإِسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا" (١). وأمه: أم ولد، اسمها غزالة (٢)، كان مع أبيه يوم قتل، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تتعرضوا لهذا المريض (٣). قال أبو بكر بن أبي شيبة: وأصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي، وهذا أحد الأقوال في المسألة. [وقال] (٤) ابن المسيب: ما رأيت أورع منه (٥). وقال المقبري: بعث إليه المختار بمائة ألف فكرهها وخاف أن يردها فاحتبسها عنده، فلما قُتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان في أمرها فكتب إليه: خذها يا ابن عمي فقد طيبتها لك، فقبلها (٦). وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيته وهو [ساجد] (٧)

стр. 816

فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار، فما رفع رأسه حتى [طفئت] (١)، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى (٢)، وكان إذا قام للصلاة أخذته رعدة فقيل له في ذلك فقال: ما تدرون بين يدي من أن أقوم وأناجي (٣)؟ [وقيل] (٤): كان إذا توضأ اصفرّ [ويقول] (٥): تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ ولما حج وأحرم اصفرّ وانتفض وارتعد ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: مالك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول لبيك، فيقول (لي) (٦): لا لبيك، فقيل: لا بد من هذا، فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه (٧). وقال مصعب الزبيري [عن مالك] (٨): إنه لما سقط هشم (٩). وبلغني أنه كان يصلي في [كل] (١٠) يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات (١١).

стр. 817

وقال طاووس: رأيته ساجدًا في الحجر فأصغيت إليه فسمعته يقول: عُبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال: فوالله ما دعوت بها في كرب إلَّا كشف عني. وعن أبي جعفر: أن أباه قاسم الله ماله مرتين. وكان يحمل الخبز آناء الليل على ظهره يتتبع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في [ظلم] (١) الليل تطفئ غضب الشرب، فأثر ذلك في ظهره، وكأنه يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة في السر. ومناقبه كثيرة وقد أوضحتها فيما أفردته في رجال هذا الكتاب فراجعها منه. مات سنة اثنين وتسعين: وقيل: سنة ثلاث. وقيل: سنة أربع سنة الفقهاء، وسميت بذلك لكثرة من مات فيها منهم، وصلي عليه بالبقيع وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وأما جده: فهو أبو عبد الله سبط رسول الله ﷺ وريحانته، روى عن رسول الله ﷺ ثمانية، أحاديث، رويا له عن أبيه. وولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث. وقتل يوم عاشوراء يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة، بكربلاء من أرض العراق وهو عطشان، سنة إحدى وستين، وسمي ذلك العام: عام الحزن، وهو ابن ثمان وخمسين سنة كما سيأتي. قتله سنان بن أنس النخعي قاتله الله، وبه جزم ابن حبان في ثقاته، وقيل: قتله عمر بن سعد بن أبي وقاص، وقيل: شِمر بن ذي

стр. 818

الجوشن، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي، من حين حز رأسه، وأتى به عبد الله بن زياد وقال: أوقر ركابي فضة وذهبا ... [أنا] (١) قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أمًا وأبا ... [وخيرهم إذ يذكرون النسبا] (٢) وقيل: تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي ودخل به على ابن زياد وهو يقول الأبيات المذكورة بزيادة في آخرها: [من] (٣) أرض نجدٍ [وحرا] (٤) ويثربا فغضب ابن زياد من قوله. وقال: فإذا علمت [أنه] (٥) كذلك (٦) فلم قتلته؟ والله لا نلت مني خيرًا أبدًا ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه. وقيل: إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل. وكان سبب قتل الحسين أنه خرج يوم التروية يريد الكوفة، إذ ورد كتابهم عليه يبايعه في نحو من سبعين ألفًا، فمشى إليهم فكان هلاكه على أيديهم، وبلغ عدد مقاتليه الذين أرسلهم زياد اثنان وعشرون ألفًا، وأميرهم عمر بن سعد ووعده أن يملكه مدينة الري

стр. 819

فباع الفاسد الرشد بالغي، فضيق عليه [أشد] (١) ضيق إلى أن قتله قاتله الله. وقتل معه اثنان وثمانون رجلًا من أصحابه مبارزة فيهم الحر بن يزيد ثم قتل بعد ذلك جميع بنيه إلَّا عليًا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضًا فأخذ أسيرًا بعد قتل أبيه. وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه ووجد في قميصه مائة وبضع عشرة [من] (٢) بين رمية وطعنة وضربة. قال محمد بن الحنفية: قتل معه سبعة عشر رجلًا كلهم من ولد فاطمة. وقال الحسن: ستة عشر. وقيل: ثلاثة وعشرون. وجثته بكربلاء. واختلف في موضع رأسه على أقوال: أصحها: بالبقيع: [و] (٣) ثانيها: بدمشق. [و] (٤) ثالثها: بالرقة، ولم يعرف قط، قال مصعب الزبيري: حج الحسين خمسة وعشرين حجة ماشيًا. قال الشافعي: عن سفيان أن عليًا توفي وهو ابن ثمان وخمسين. وكذا الحسين ابنه وكذا علي بن الحسين. وكذا محمد بن علي بن [الحسين] (٥). وكذا جعفر بن محمد. قلت: وكان [بين] (٦) الحسين والحسن طهر واحد.

стр. 820

وأمهما: فاطمة الزهراء. وكان ﵇ (١) يقول: "اللهم إني أحبهما [فأحبهما] " (٢) وقال: أيضًا: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا، حسين سبط من الأسباط" وقال أيضًا: "ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة إلَّا ابني الخالة عيسى ويحيى". قال ابن حبان، في [ثقاته] (٣): وكان الحسين [يخضب] (٤) بالسواد. وأما جده -جد أبي جعفر- الأعلى: فقد سلفت ترجمته في باب المذي. وأما الحسن بن محمد بن الحنفية: فكنيته أبو محمد وهو عبد الله بن محمد بن الحنفية. [وكان الحسن هذا] (٥) يقدم على أخيه في الفضل وهو تابعي مدني ثقة من أوثق الناس. كان الزهري يعد من غلمانه -يعني في العلم-، مات سنة مائة أو تسع وتسعين. فأما أبوه محمد بن علي بن أبي طالب، فهو هاشمي مدني، والحنفية: أمه واسمها خولة بنت جعفر، رأى عمر، وروى عن أبيه وغيره. [وقال] (٦) ابن الجنيد: لا نعلم أحدًا أسند عن علي أكثر ولا أصح من محمد بن الحنفية. قال [] (٧) الزبير بن بكار: سمته

стр. 821

الشيعة المهدي كانت شيعته تزعم أنه لم يمت (١). قال العجلي: وهو تابعي ثقة، وهو أول من وضع الإِرجاء، مات سنة ثلاث وسبعين، وقيل غير ذلك. الوجه [الثاني] (٢): في ألفاظه: الأول: "الصاع" يذكر ويؤنث. ويقال فيه أيضًا: صوع وصواع، ثلاث لغات، وهو أربعة أمداد بمده [﵇] (٣)، والمد رطل وثلث كما في الفطرة وفدية الحج وغيرهما بالبغدادي تقريبًا. والرطل: مائة وثلاثون درهمًا على ما صححه الرافعي، ومائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم على ما صححه النووي. وقيل: بلا أسباع. وقيل: الصاع ثمانية أرطال، والمد رطلان. الثاني: "يكفي" بفتح أوله فقط. الثالث: "أوفى" يحتمل أن يكون بمعنى أطول فيرجع إلى الصفة، وبمعنى أكثر فيرجع إلى الكمية، ويقال: إن هذا الرجل كان رجلًا تامًا عظيم الخلق كثير الشعر. الرابع: قوله: "وخيرًا منك" هو بالنصب معطوف على "من" الذي هو مفعول "يكفي" ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.

стр. 822

الخامس: الهاء في (قومه) (١) يعود على جابر. والمراد "بالغسل" غسل الجنابة. وقوله: "فقال: يكفيك صاع" أي قاله للسائل عن قدر ما يكفي في الغسل [من الجنابة] (٢). وقوله في صدر الكلام: "فسألوه عن الغسل"، وقوله في الجواب: "يكفيك صاع" بلفظ الخطاب للواحد يحتمل أنهم سألوه عن [أشياء من] (٣) أنواع الغسل وأحكامه فسأله بعضهم عن صفته وبعضهم عن مقدار مائِهِ فاشتركوا في السؤال فأضيف إليهم، فنقل الراوي جواب مقدار الماء فقط، ويحتمل أنهم اشتركوا في السؤال عن مقدار الماء فأجابهم بلفظ الواحد، كأنه قال: يكفي أحدكم صاع. وقوله: "فقال رجل: ما يكفيني" ظاهره أنه هذا الرجل غير السائل، إذ لو كان هو لقال: فقال: ما يكفيني. الوجه الثالث: في فقهه. وفيه مسائل: الأولى: أن الصاع كافٍ في الغسل، ولهذا أنكر جابر على الحسن بن محمد، وهذا [في] (٤) حق من جسده يشبه جسده ﷺ

стр. 823

[كما] (١) نبه عليه الشيخ عز الدبن بن عبد السلام، وقد وردت أحاديث في سنن أبي داود وغيره دالة على مقادير مختلفة (٢). وذلك -والله أعلم- لاختلاف الأوقات والحالات، وهو دليل على عدم [التحديد] (٣) وقال النووي ﵀ في شرح مسلم (٤): فأجمع العلماء على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر. قلت: في نقل الإِجماع نظر، فقد قال القاضي عبد الوهاب المالكي: من الناس من حكى عنه أنه لا يجوز الاقتصار في الوضوء على أقل من مد، وفي الغسل على أقل من صاع؛ لورود الخبر بذلك، وأفاد غيره من المالكية أن هذا القول حكي في مذهب مالك، قال: وهذا لا معنى له؛ لأن ذلك إنما ورد على أنه [إخبار] (٥) عن القَدْر الذي كان يكفيه [﵇] (٦) لا أنه لا يجزئ دونه، وإنما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصار وترك الإِسراف، وقد أجمعو على النهي عن الإِسراف في الماء وإن كان على شاطئ نهر جار، والأظهر عندنا أنه للتنزيه لا للتحريم وخالفت الإِباضية من الخوارج في أن الإِقلال من صب الماء سنة، ولا عبرة بهم.

стр. 824

الثانية: قوله: "ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا" فيه دلالة على استحباب التثليث في الغسل، وقد تقدم في موضعه. الثالثة: قال بعض المالكية: فيه دلالة على وجوب [الدلك] (١)؛ لأن به يقع التعميم [بالصاع] (٢) وبالمد، ولا دليل فيه؛ لأن مالكًا يقول: إنه واجب وجوب المقاصد لا وجوب الوسائل. الرابعة: قوله: "ثم أمنا في ثوب" لا خلاف في مقتضاه فإنه يجوز الصلاة في الثوب الواحد وإن كان المصلي إمامًا، وقد روي أنه صلى وثيابه موضوعة عنده [وقال: لئلا يراني] (٣) أحمق مثلك، أي (٤) فيتوهم عدم جواز ذلك. الخامسة: في الحديث بيان ما كان عليه الصحابة وغيرهم (٥) من رجوعهم إلى قول النبي ﷺ وأفعاله وحالاته، فإن جابرًا لما كان عنده [آل] (٦) علي بن أبي طالب وسألوه عن الغسل [فأجابهم] (٧) بالصاع فأجابه أحدهم بعدم الكفاية، فرد عليه جابر بفعل النبي ﷺ وحاله [وأنه ﵇] (٨) أوفى منه شعرًا، فأفحمه ورجع إليه.

стр. 825

السادسة: فيه المباحثة في العلم والسؤال عنه وإن كان السائل أشرف نسبًا. السابعة: فيه [أيضًا] (١) جواز الرد بعنف إذا كان حقًا وصوابًا في إبلاغ الحق وإيصاله إلى المردود عليه. الثامنة: فيه أيضًا وجوب الوقوف عند الحق من غير [ممانعة] (٢) وجدال. التاسعة: فيه الرد على الموسوسة والتأسي بأفعال الشارع وتساوي الناس فيها.

стр. 826

٧ - باب التيمم نفتتحه بمقدمات: [الأولى] (١): التيمم في اللغة: القصد. وفي الشرع: قصد إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة. وهو ثابت بالكتاب والسنة (٢) الشهيرة والإِجماع، ورخصة (٣) وفضيلة خصت بها هذه الأمة، لم يشاركها فيها غيرها من الأمم، كما صرحت به الأحاديث الصحيحة. وقيل: إنه عزيمة (٤)، وبه جزم الشيخ أبو حامد في "تعليقه"،

стр. 827

وقال: الرخصة إنما هو إسقاط الفرض به. وقال الغزالي في "المستصفى": إنْ تَيَمَّمَ لعدم الماء فعزيمةٌ. وإن تَيَمَّمَ مع وجوده لمانع كمرض ونحوه فرخصة، وهو حسن. وتظهر فائدة الخلاف: في العاصي بسفره إذا تيمم، هل يقضي؟ وكذا في صحة التيمم بتراب مغصوب، فإن قلنا: عزيمةٌ صح، وإلَاّ فوجهان. وجزم النووي في باب الآنية ومسح الخف من "شرح المهذب" بالصحة، والتيمم بتراب المسجد حرام (١)، كما قاله النووي في "شرح المهذب". وحينئذٍ سيأتي في [صحة] (٢) ما ذكرناه في المغصوب. المقدمة الثانية: أجمع العلماء على أنه مخصوص بالوجه

стр. 828

واليدين، سواء تيمم عن الحدث الأصغر، أو الأكبر، تيمم عن كل الأعضاء أو بعضها. الثالثة (١): اخْتُلِفَ في وقت نزول فرضه. فقال ابن حبيب: سنة أربع. وقال غيره: سنة ست، وجزم ابن حبان في [ثقاته] (٢) بأنه سنة خمس، [قال: في] (٣) غزوة المريسيع في شعبان قصد بني [المصطلق] (٤) من خزاعة على مائهم، قريبٌ من الفَرْع (٥)، فقتل منهم رجالَهم، وسَبَى نساءَهم، وكان [ممن] (٦) سُبِيَ جويريةُ بنتُ الحارثِ، تزوجها رسولُ الله ﷺ ، وجعل صداقها أربعين أسيرًا من قومها. قال: وفي هذه الغَزَاة سَقَط عِقْدُ عائشةَ، فأقام رسول الله ﷺ بالناس على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت آيةُ التيمم [قال] (٧) أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

стр. 829

فبعثوا البعير الذي كانت عليه، فوجدوا العِقْدَ تحته (١). الرابعة: سبب مشروعيته: أنه لمَّا كان أصل الحياة الماءُ، والمصير إلى التراب، شُرِعَ التيممُ به، ليستشعرَ بفقد الماء موتَهُ، وبالتيمم بالتراب إقبارَهُ، فيذهبُ عنه الكسلُ، ويسهلُ عليه ما صعب من العمل. كذا قيل. وقال ابن العربي (٢): في خصوصية [هذه الأمة] (٣) بالتيمم حكمتان: الأولى: أنَّ طهارتهم الأصليةَ كانت بالماء، فنقل الله منها عند عدمها إلى التراب الذي هو أصل الخلقة، لتكون العبادة دائرةً بين قوام الحياة وأصل الخلقة. والثانيةُ: أن النفس خَلَقَها اللهُ -تعالى- على جبلة وهي أنها كلما تمرنت عليه أنست به، وكلما أعرضت عنه كسلت، فلو لم نوظف عليها عند عدم الماء حركة في الأعضاء، وإقبالًا على الطهور، لكانت عند وجود الماء [تُبعِد] (٤) عنها العبادة، فتشق عليها العبادة، فَشَرَع اللهُ لها ذلك دائمًا حتى يكونَ [أنسها] (٥) به، "فإنما الخير عادةٌ، والشر لجاجةٌ" (٦).

стр. 830

قال: [وإذا] (١) ثبت أنه قائم مقامه، فإنه عامل عمله، في إباحة الصلاة، ورفع الحدث، فإن الحدث ليس بمعنى حسي قائم، وإنما هو عبارة عن المنع من الصلاة، فإذا تَيَمَّمَ وصَلَّى زال المانعُ، وارتفعَ حكم الحدث. قال: وقد مد الله طهارة الماء إلى غاية وهي: وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية وهي: وجود الماء. قال: والذي يقول: إنَّ عليه أَنْ يطلبَ الماءَ لكل صلاة، فإنْ وجده استعمله وصلّى، وإن لم يجده بقي على حكم التيمم الأول، وقد تقدم [الكلام] (٣) على هذه المسألة في حديث "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٣) مستوفى. إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: ذكر المصنف ﵀ فى الباب ثلاثةَ أحاديث: ...

стр. 831

الحديث الأول ٣٩/ ١/ ٧ - عن عمران بن حصين ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا، لم يصل في القوم، فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه وهو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبدنهم بن سالم بن غاضرة أبو نجيد -بنون مضمونة ثم جيم- الخزاعي أسلم هو وأبو هريرة أيام خيبر. روى عنه ابنه نجيد وغيره، وكان من علماء الصحابة، بعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم. وكان الحسن يحلف ما قدم عليهم رجل خير لهم منه، كان يلبس الخز، وكانت الملائكة تسلم [عليه] (٢)، فلما اكتوى تركته،

стр. 832

فلما تركه عادوا (١). ولي القضاء أيامًا لابن عامر وقضى على رجل بقضية، فقال: والله لقد قضيت علي بجَوْرٍ، فقال: وكيف ذلك؟ قال: شُهِدَ عليّ بزور، قال: ما قضيت عليك فهو في مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا (٢). وقال ﵁: ما مسست ذكري بيميني منذ [بايعت] (٣) رسول الله ﷺ (٤) وقال ابن سيرين: ما قدم البصرة أحد يفضل على عمران، وقال قتادة: بلغني عن عمران أنه قال: وَددتُ أني رماد [يذروني] (٥) الريح (٦). وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة وذمَّها. قال ابن سبرين: سقى بطنه ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى، حتى [كان] (٧) قبل موته بسنتين فاكتوى (٨). قال مطرف عنه: فما أفلحن ولا أنجحن- يعني: المكاوي-.

стр. 833

وقال أبو مجلز: كان ينهى عن الكي، فابتلي فاكتوى، فكان يعج، قال الحسن: وأوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخ علّي منهن فلا وصيةَ لها. كان نقثى خاتمه تمثال رجل [متقلد] (١) بسيف، جملة أحاديثه مائة حديث وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة. ومسلم بتسعة: مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وكان أبيض الرأس واللحية، وبقي له عقب بالبصرة. فائدة: والد عمران ذكره البخاري وغيره في الصحابة. قال [ابن سعد] (٢): أسلم قديمًا عمران هو وأبوه وأخته. [وذكره] (٣) أبو الحسين المرادي في جملة العميان عن الصحابة، وحسنن الترمذي (٤) حديث إسلامه، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين، وحكى المزي في "تهذيبه" قولًا: إنه مات مشركًا.

стр. 834

وهو عجيب غريب (١) (٢). فائدة ثانية حديثية: في الرواة أربعة عمران بن حصين أحدهم هذا. والثاني: ضَّبِّيّ، حدَّث عن ابن عباس. والثالث: يقال: إنه أبو رؤبة القشيري بصري، روى عن عائشة. والرابع: أصبهاني، روى عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة. الوجه الثاني: [في فن] (٣) المهمات هذا الرجل المبهم هو: خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري أخو رفاعة [بن رافع] (٤) شهد بدرًا. قال ابن الكلبي: وقتل يومئذ. وقال غيره: له رواية. وهذا يدل على أنه عاش بعد

стр. 835

النبي ﷺ (١) [قاله] (٢) أبو عمر: وللنظر فيه مجال. الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه. الأول: "المعتزل" المنفرد عن القوم المتنحي عنهم، قال الجوهري (٣): اعتزله، وتَعَزَّلَه، بمعنى، والاسم: العُزْلةُ. الثاني: "فلان" كناية عن الأعلام، وكذا فلانة. ولذلك لا يثنيان، ولا يجمعان. والظاهر أنه [﵇] (٤) خاطب الرجل بلفظ: يا فلان! ويحتمل أن يكون خاطبه باسمه، ولكن الراوي كنَّى عنه، إما لأنه نسي اسمه، أو لأمر آخر.

стр. 836

الثالث: قوله: "في القوم" روى بدل "في" " [مع] (١) " ومعنى الحرفين: مختلف فإن "في" للظرفية، فكأنه [جعل] (٢) اجتماع القوم ظرفًا، فأخرج منه هذا الرجل، و"مع" المفتوحة العين وإن كانت ظرفًا، لكن فيها معنى المصاحبة فكأنه، قال: ما منعك أن تصحبهم في فعلهم. الرابع: اعتزال هذا الرجل عن القوم فيه استعمال الأدب. والسنة في ترك جلوس الإِنسان عند المصلين إذا لم يصل معهم. الخامس: "القوم" الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه، كما قاله الجوهري (٣)، قال -تعالى-: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (٤). وجمع القوم: الأقوام. وجمع القوم: أقاويم. وقال ابن السكيت: يقال أقائم وأقاويم. والقوم يذكر، ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا [كانت] (٥) للآدميين يذكر ويؤنث [مثل] (٦) "رهط"

стр. 837

و "نفر" قال -تعالي-: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (١)، فذكر وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٢) فأنث، فإن صغرت لم تدخل فيها الهاء، وقلت: قويم، ورهيط، ونفير. وإنما يلحق التأنيث فعله، وتدخل الهاء فيما [يكون] (٣) لغير الآدميين مثل: الإِبل والغنم، لأن التأنيث لازم له. وأما جمع التكسير، مثل: جمال ومساجد. فإن ذكر وأُنث فإنما يريد الجمع إذا ذكرت والجماعة إذا [أُنثت] (٤). السادس: قوله "ولا ماء" هو بفتح الهمزة اسم "لا" مبني معها، والخبر محذوف أي: لا ماء معي أو عندي أو موجود أو نحو ذلك. السابع: "الصعيد" المراد به التراب، وهو مذهب الأكثرين، كما ستعلمه. وقيل: هو جميع ما صعد على الأرض. الثامن: "يكفيك" بفتح أوله [فقط] (٥) كما مضى. الوجه الرابع: في فوائده وهي خمس عشرة. الأولى: المشهور الصحيح من مذهب الشافعية: أنه لا يصح التيمم إلَّا بتراب، فلا يصح بالمعادن وغيرها، وبه قال أحمد وداود وابن المنذر (٦) وحكي عن مالك، قال الأزهري والقاضي

стр. 838

أبو الطيب: وهو قول أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بكل أجزاء الأرض، حتى بصخرة مغسولة. وقال بعض أصحاب مالك: يجوز بكل ما اتصل بالأرض كالخشب وغيره. وفي الملح ثلاثة أقوال لأصحابه، أشهرها: إن كان مصبوغًا لم يجز التيمم به، وإلَّا جاز. وخصص ابن حبيب الإِجزاء بعدم التراب. وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالثلج وكل ما علا الأرض. واحتجوا بقوله -تعالى-: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) والصعيد: ما علا الأرض وبالحديث المذكور أيضًا، وباقي أحاديث الباب، وبحديث تيممه [﵇] (٢) على الجدار، كما أخرجه البخاري مسندًا (٣) ومسلم تعليقًا (٤)، وغير ذلك من الأحاديث. قالوا: [وهذا] (٥) يدل على أنه لا يختص بتراب ذي غبار، يعلق بالعضو، كما قلتم. قالوا: ولأنه طهارة بجامد، فلم يختص بجنس كالدباغ.

стр. 839

واحتج الأكثرون: بقوله -تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). وهذا يقتضي أن يمسح بما له غبار، يعلق بعضه بالعضو، وبحديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جعلت الأرض كلها لنا مسجدًا، وترابها (٢) لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" رواه الدارقطني (٣) في سنة وأبو عوانة (٤) في صحيحه وهو في مسلم (٥) أيضًا لكن بلفظ "تربتها" بدل "ترابها". وروى البيهقي (٦) ء عن ابن عباس قال: "الصعيد: الحرث، حرث الأرض، ولأنه طهارة عن [حدث] (٧) فاختص بجنس واحد كالوضوء، وبهذا يقع الاحتراز عن الدباغ. وأما قولهم: الصعيد: ما صعد على وجه الأرض، فلا نسلم اختصاصه به، بل هو مشترك يطلق على وجه الأرض، لأنه صعِدَ عليها، وعلى التراب، وعلى الطريق، وكذا نقله الأزهري (٨) عن العرب، وإذا كان كذلك لم يختص بأحد الأنواع إلَّا بدليل. وحديث حذيفة وتفسير ابن عباس ترجمان القرآن قاضٍ بتخصيص التراب.

стр. 840

وقال الشيخ تقي الدين في شرح الإِلمام: الألف واللام في قوله [﵇] (١): "عليك بالصعيد" يحتمل أن تكون للعهد، إذ هنا صعيد معهود، وهو المكان الذي هم فيه. ويحتمل أن يكون للجنس، فإذا حمل على العهد دل على جواز التيمم بما هو سعيد حينئذٍ لذلك المكان، ولا دليل لنا على تعيين ذلك الصعيد مما اختلف فيه من المسائل، ولا يمكن الاستدلال بهذا عليه. وإن حمل على الجنس رجع الحال إلى معرفة ما يسمى صعيدًا، ويكون الحديث: كالآية في أخذ حكم التيمم منه، ولا شك في تناول اللفظ لذلك الصعيد إما بخصوصه أو بعمومه. وأما حديث: "جعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا" فمختص محمول على ما قيده في حديث حذيفة. وأما التيمم بالجدار: فمحمول على جدار عليه غبار، لأن جدرانهم من الطين، فالظاهر حصول الغبار منها، وحديث النفخ في اليدين من حديث عمار الثابت في الصحيحين محمول على أنه علق باليد غبار كثير فخففه، ونحن نقول: باستحباب تخفيفه. ورواية مسلم (٢) [فيه] (٣) "إنما [كان] (٤) يكفيك أن تضرب بيديك الأرض،

стр. 841

ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" محمولة على ما إذا علق بها. [من] (١) غبار كثير. ولا يصح أن يعتقد أنه أمره بإزالة جميع الغبار. والفرق: بين التيمم والدباغ، أن المراد بالدباغ: تنشيف فضول الجلد، وذلك يحصل بأنواع فلم يختص، والتيمم: طهارة تعبدية، فاختصت بما جاءت به السنة كالوضوء. [الثانية] (٢): في الحديث دليل صريح على جواز تيمم الجنب، وسيأتي ما فيه في الحديث الآتي بعد. الثالثة: فيه الاجتهاد في زمنه ﷺ ، لأن هذا المعتزل عن الناس لأجل الجنابة لوجوه عديدة وتعيينه لبعضها طريقة اجتهادية، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وإن تيمم المحدث كما نقل عن بعض الصحابة، ثم إذا لم يتيمم كان كمن عدم الماء والصعيد، فأحتمل أن يصلي ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي، كما اختلف [الفقهاء] (٣) في ذلك. والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم لما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، أو بقع احتماله التيمم مع احتماله القضاء، وتعيين المحتملات طريقة الاجتهاد. ولأنه عمل على كون التيمم ليس مشروعًا وأن ذلك قبل نزول الآية، لأن قوله

стр. 842

[﵇] (١): "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" دليل على تقدم مشروعية التيمم على هذا القول، لأن مشروعية التيمم لم تعلم إلَّا بالآية ونزولها، فالحكم بمقتضاها يقتضي تقديمها، وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة رسول الله ﷺ مع إمكان من يفتيه، قاله كله الشيخ تقي الدين في "شرح الإِلمام". الرابعة: قوله: "أصابتني جنابة ولا ماء". [لا] (٢) ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد: أن المحدث لا يتيمم، لأن مشروعية التيمم كانت متقدمة على زمن إسلام عمران بن حصين راوي هذا الحديث، كما تقدم، فإنه أسلم عام خيبر، ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك، كما سلف أول الباب. وإنما ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد: أن الجنب لا يتيمم، كما سيأتي عن عمر وغيره. وتكون الملامسة المذكورة في قوله -تعالى-: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ عندهم أعني عند من شك في تيمم الجنب محمولة على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوه على الجماع لكان تيمم الجنب مأخوذ من الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب، إلَّا أن يكون هذا الرجل لم يبلغه نزول الآية، فيحمل على أنه لم يعلم مشروعية التيمم، وفيه بعد. فائدة: لا خلاف أنه يجب عليه تحصيل الماء بثمن مثله، وأبعد من قال بالمنع، كما حكاه صاحب "الحلل" الزناتي من المالكية،

стр. 843

عمن لا يعتد بخلافه، إنّ دفع الثمن في شراء الماء للطهارة من: إضاعة المال، والنفقة التي لا يؤجر عليها، فإن الله -تعالى- جعل منه بدلًا، وهو: التراب الذي لا يتصور فيه غرم. الخامسة: في حديثه بسط لعذره لما فيه من عموم النفي: كأنه نفى وجود الماء بالكلية، بحيث لا يوجد بسبب أو سعي أو غير ذلك يحصله، فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغ في النفي وأعذر له، قال الشيخ تقي الدين: وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في قوله: "لا إله إلَّا الله لنا أو في الوجود" (١).

стр. 844

وقال: إن نفى الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا [نفيت] (١) مقيدة كان ذلك دليلًا على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت غير مقيدة كان نفيًا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد، أما [إن] (٢) نفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر هذا أو معناه. قال غيره: وفي هذا الإِنكار نظر. فإن قولنا: "لا إله في الوجود إلَّا الله"، يستلزم نفي كل إله غير الله قطعًا؛ فهو في الحقيقة نفي [الحقيقة] (٣) مطلقة لا مقيدة، وقد قدره ابن عطية: "لا إله [إلَّا الله] (٤) معبود أو موجود" وهو قريب مما تقدم، أو هو من حيث المعنى فلا معنى لهذا الإِنكار. وليت شعري ما يقدر هذا المنكر فيه إذ لا بد من تقدير الخبر، وإلَّا أدّى ذلك إلى خرم قاعدة [عربية] (٥) مجمع عليها (٦).

стр. 845

السادسة. فيه أن العالم إذا رأى من فعل فعلًا يحتمل أن يسوغ، ويحتمل أن لا يسوغ أن يسأله ليتبين حاله. السابعة: فيه أن انفراد الإِنسان بحضرة المصلين أمر منفي على صاحبه. الثامنة: فيه حسن الملاطفة والرفق في إنكار ما ينكر، ويحتمل لما هو منكر لإِخراجه [﵇] (١) [كلامه] (٢) في معرض السؤال عن السب المقتضي للترك. فإن قلت: لما قال [﵇] (٣) لذلك الرجل الذي وجده جالسًا: "ما منعك أن تصلي بالناس! ألست برجل مسلم؟! " (٤) ولم ينكر علي [هذا] (٥): فالجواب: أن ذلك كان في الحضر في المسجد، وهذا كان في السفر، لأن هذا حديث الراوي، ولم يورده المصنف بكماله، والسفر مظنة الإِعذار من إعواز الماء وغيره؛ فهو أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر ومن هذا يظهر رد ما قاله ابن [العطار] (٦) في شرحه: إن الظاهر أنه كان في المسجد، ثم بني عليه
следующие страницы →