← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" محمولة على ما إذا علق بها. [من] (١) غبار كثير. ولا يصح أن يعتقد أنه أمره بإزالة جميع الغبار. والفرق: بين التيمم والدباغ، أن المراد بالدباغ: تنشيف فضول الجلد، وذلك يحصل بأنواع فلم يختص، والتيمم: طهارة تعبدية، فاختصت بما جاءت به السنة كالوضوء. [الثانية] (٢): في الحديث دليل صريح على جواز تيمم الجنب، وسيأتي ما فيه في الحديث الآتي بعد. الثالثة: فيه الاجتهاد في زمنه ﷺ ، لأن هذا المعتزل عن الناس لأجل الجنابة لوجوه عديدة وتعيينه لبعضها طريقة اجتهادية، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وإن تيمم المحدث كما نقل عن بعض الصحابة، ثم إذا لم يتيمم كان كمن عدم الماء والصعيد، فأحتمل أن يصلي ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي، كما اختلف [الفقهاء] (٣) في ذلك. والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم لما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، أو بقع احتماله التيمم مع احتماله القضاء، وتعيين المحتملات طريقة الاجتهاد. ولأنه عمل على كون التيمم ليس مشروعًا وأن ذلك قبل نزول الآية، لأن قوله

стр. 842

[﵇] (١): "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك" دليل على تقدم مشروعية التيمم على هذا القول، لأن مشروعية التيمم لم تعلم إلَّا بالآية ونزولها، فالحكم بمقتضاها يقتضي تقديمها، وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة رسول الله ﷺ مع إمكان من يفتيه، قاله كله الشيخ تقي الدين في "شرح الإِلمام". الرابعة: قوله: "أصابتني جنابة ولا ماء". [لا] (٢) ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد: أن المحدث لا يتيمم، لأن مشروعية التيمم كانت متقدمة على زمن إسلام عمران بن حصين راوي هذا الحديث، كما تقدم، فإنه أسلم عام خيبر، ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك، كما سلف أول الباب. وإنما ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد: أن الجنب لا يتيمم، كما سيأتي عن عمر وغيره. وتكون الملامسة المذكورة في قوله -تعالى-: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ عندهم أعني عند من شك في تيمم الجنب محمولة على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوه على الجماع لكان تيمم الجنب مأخوذ من الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب، إلَّا أن يكون هذا الرجل لم يبلغه نزول الآية، فيحمل على أنه لم يعلم مشروعية التيمم، وفيه بعد. فائدة: لا خلاف أنه يجب عليه تحصيل الماء بثمن مثله، وأبعد من قال بالمنع، كما حكاه صاحب "الحلل" الزناتي من المالكية،

стр. 843

عمن لا يعتد بخلافه، إنّ دفع الثمن في شراء الماء للطهارة من: إضاعة المال، والنفقة التي لا يؤجر عليها، فإن الله -تعالى- جعل منه بدلًا، وهو: التراب الذي لا يتصور فيه غرم. الخامسة: في حديثه بسط لعذره لما فيه من عموم النفي: كأنه نفى وجود الماء بالكلية، بحيث لا يوجد بسبب أو سعي أو غير ذلك يحصله، فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغ في النفي وأعذر له، قال الشيخ تقي الدين: وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في قوله: "لا إله إلَّا الله لنا أو في الوجود" (١).

стр. 844

وقال: إن نفى الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا [نفيت] (١) مقيدة كان ذلك دليلًا على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت غير مقيدة كان نفيًا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد، أما [إن] (٢) نفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر هذا أو معناه. قال غيره: وفي هذا الإِنكار نظر. فإن قولنا: "لا إله في الوجود إلَّا الله"، يستلزم نفي كل إله غير الله قطعًا؛ فهو في الحقيقة نفي [الحقيقة] (٣) مطلقة لا مقيدة، وقد قدره ابن عطية: "لا إله [إلَّا الله] (٤) معبود أو موجود" وهو قريب مما تقدم، أو هو من حيث المعنى فلا معنى لهذا الإِنكار. وليت شعري ما يقدر هذا المنكر فيه إذ لا بد من تقدير الخبر، وإلَّا أدّى ذلك إلى خرم قاعدة [عربية] (٥) مجمع عليها (٦).

стр. 845

السادسة. فيه أن العالم إذا رأى من فعل فعلًا يحتمل أن يسوغ، ويحتمل أن لا يسوغ أن يسأله ليتبين حاله. السابعة: فيه أن انفراد الإِنسان بحضرة المصلين أمر منفي على صاحبه. الثامنة: فيه حسن الملاطفة والرفق في إنكار ما ينكر، ويحتمل لما هو منكر لإِخراجه [﵇] (١) [كلامه] (٢) في معرض السؤال عن السب المقتضي للترك. فإن قلت: لما قال [﵇] (٣) لذلك الرجل الذي وجده جالسًا: "ما منعك أن تصلي بالناس! ألست برجل مسلم؟! " (٤) ولم ينكر علي [هذا] (٥): فالجواب: أن ذلك كان في الحضر في المسجد، وهذا كان في السفر، لأن هذا حديث الراوي، ولم يورده المصنف بكماله، والسفر مظنة الإِعذار من إعواز الماء وغيره؛ فهو أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر ومن هذا يظهر رد ما قاله ابن [العطار] (٦) في شرحه: إن الظاهر أنه كان في المسجد، ثم بني عليه

стр. 846

لبث الجنب في المسجد، وأن جمهور العلماء على المنع منه خلافًا لأحمد والمزني وطَوَّلَ في ذلك. التاسعة: فيه أمرٌ بالصلاة جماعة. العاشرة: فيه ذكر إبداء العذر لنفي اللوم. الحادية [عشر] (١): هذه اللفظة قد تدل على أن الذي عرض للمفعول هو اعتقاد أن التيمم ليس سائغًا للجنب؛ لأنه [﵇] (٢) أحاله على الصعيد من غير بيان [للتعبد] (٣) بما يفعله، فيه وصفة تيممه به، ولم يرد على قوله "عليك بالصعيد" هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غير عالم بكيفية التيمم وصفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمال بيانه من غير أن ينفك البيان. خلاف ما دل عليه ظاهر اللفظ. الثانية عشر: فيه الاكتفاء في البيان للأحكام الشرعية بما يحصل به المقصود من الأفهام، دون نفي ما هو صريح غير محتمل لشيء آخر، لقوله [﵇] (٤): "عليك بالصعيد". الثالثة عشر: فيه دليل على اعتبار ما دلت عليه القرائن من فهم المقصود في العام والمطلق إذا اقتضت القرائن تخصيصًا أو تقييدًا؛ فإن قوله [﵇] (٥): "فإنه يكفيك" لا بد أن يفهم منه "فإنه

стр. 847

يكفيك في هذه الحالة أو في مثل هذه الحالة". [ولا] (١) يؤخذ منه إطلاق الكفاية، بل يتقيد بما يؤخذ منه الشرط والركن في التيمم. الرابعة عشر: قد يؤخذ من الاكتفاء عدم القضاء للمسافر المتيمم، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهو متأخر أيضًا عن الأمر بالتيمم كما سلف. الخامسة عشر: فيه الجريان على تنبيه العادة التي أجراها الله في خلقه، وعدم التوقف لأجل انحرافها، وأن ذلك غير منفي [ولا يناقض] (٢) في التوكل والتوحيد يحرك نظرًا كثيرًا في مسائل التوكل والانتصاب، وما ينافي التوكل في المباشرات للأسباب، وما لا ينافيه، وله موضع آخر إلَّا أن الذي يحتاج إليه هنا هو أن مثل هذا السبب غير مناف.

стр. 848

الحديث الثاني ٤٠/ ٢/ ٧ - عن عمار بن ياسر ﵁ قال: "بعثني النبي ﷺ (١) في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما [تتمرغ] (٢) الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه" (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وهو: عمار بن ياسر صحابي بن صحابي بن عامر بن مالك [العبسي] (٤) أبو اليقظان مولى بني مخزوم.

стр. 849

وأمه سمية مولاة أبي حذيفة بن المغيرة صحابية أيضًا. وكان [وأبواه] (١) ممن عذب في الله ورد أنه [﵇] (٢) مر بهم وهم يعذبون، فقال: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" (٣). ثم إن أبا جهل قتل سمية طعنها بحربة في قُبُلها، فكانت أول شهيدة في الإِسلام، ثم هاجر عمار الهجرتين كما سيأتي. روى عنه ابنه محمد وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين. له عن النبيِّ ﷺ اثنان وستون حديثًا اتفقا على حديثين. وقال ابن الجوزي: على واحد، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث. وقال البرقي: جاء عنه من الحديث تسع وعشرون، وأكثرها لأهل الكوفة. وثلاثة لأهل المدينة. قال عبد الله: أول من أظهر إسلامه سبعة منهم عمار، فعُذِبُوا في الله إلَّا [أبْا] (٤) بكر فمنعه قومه. هاجر ﵁ الهجرتين، وصلَّى إلى القبلتين. وقيل: لم يهاجر إلى الحبشة.

стр. 850

وفيه نزل قوله -تعالى-: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) قال أبو عمر: أجمع أهل التفسير عليه، وشهد بدرًا والمشاهد كلها وأبلى ببدر بلاءً حسنًا، وشهد اليمامة، وآخا النبيُّ ﷺ بينه وبين حذيفة بن اليمان، وهو أول من بنى مسجدًا في الإِسلام. وهو مسجد قباء حكاه ابن الأثير. وعن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثة تشتاق الجنة إليهم: علي، وسلمان، وعمار" (٢) وقال ﵇ في حقه: "مرحبًا بالطيب المطيب" (٣)، وقال في حقه: "مليء إيمانًا إلى مشاشه" (٤). وقال: "واهتدوا بهدي عمار" (٥) وقال: "من أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن عاداه عاداه الله" (٦)،

стр. 851

أخرجه النسائي، وتواترت الروايات عن رسول الله ﷺ أنه قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (١) وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته. وكان الذي قتله أبو غادية الجهني، وقيل: المزني طعنه برمح فسقط وهو ابن أربع. [أو] (٢) ثلاث وتسعين سنة، قتل في وقعة صفين بين علي ومعاوية في صفر، ربيع الأول سنة سبع وثلاثين. قال ابن حبان في ثقاته: وقد قطعت أذنه يوم اليمامة. وكان عدد من قُتل في هذه الوقعة أعني وقعة صفين [سبعون] (٣) ألفًا: خمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق منهم عمار، وخمسة وأربعون ألفا من أهل الشام. وصلّى عليه علي ولم يغسله، ومناقبه كثيرة جدًّا، ولاه عمر الكوفة، ورضي أهلها به. [فائدة] (٤) ياسر: والد عمار يشتبه بباشر بالباء الموحدة بدل المثناة تحت وهو ابن حازم [روى] (٥) عنه المقدمي. وبناشر: بالنون والشين المعجمة وهو والد أبي ثعلبة الخشني (٦). الوجه الثاني: في ألفاظه: يقال: بعثه وابتعثه بمعنى أي أرسله فابتعث. وهو من المطاوع، ومنه بعثت الناقة أثرتها، وبعثه من منامه

стр. 852

أي [نبهته] (١) وبعث الله الموتى أي: نشرهم ليوم البعث، وانبعث في السير [أي] (٢) أسرع فيه. والحاجة: معروفة، قال الجوهري (٣): والجمع: حَاجٌ، وحَاجَاتٌ، وحِوَجٌ، وحَوَائج، على غير قياس: كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، وإنما أنكره لخروجه عن القياس، وإلَّا فهو كثير في كلام العرب. والتمرغ في الشيء التمعك فيه. ويقال للموضع المتمرغ فيه، متمرغ، ومراغ، ومراغة. وقوله كما " [تتمرغ] (٤) الدابة" أصله تتمرغ فحذف إحدى التائين تحقيقًا وهو القياس في كل تاءين اجتمعتا في أول الفعل المضارع بشرط اتحاد حركتهما، فإن اختلفتا وجب الإِثبات نحو: تتغافر الذنوب، وتتواضع الأمة وشبه ذلك. والصعيد: تقدم الكلام عليه في [الحديث] (٥) قبله. والدابة: في [أصل] (٦) اللغة كل ماش على وجه الأرض، وقد أخرجها العرف عن هذا الأصل فاستعملها أهل العراق في الفرس

стр. 853

خاصة، وأهل مصر في الحمار، قال الجوهري: وقولهم أكذب من دب ودرخ، أي: أكذب الأحياء والأموات (١). وقوله: "أن يقول" أي: أن يفعل، فأطلق القول على الفعل مجازًا، وقد قيل: إن العرب أطلقت القول في كل فعل. يكفيك: [هو] (٢) بفتح أوله فقط، كما مضى في الحديث قبله، واليد: مؤنثة لا غير وهي اسم للجارحة المعروفة من المنكب إلى رؤوس الأصابع. والكف: مؤنثة وقد تذكر سميت بذلك لأنها تكف عن [البدن] (٣) أي تدفع وقيل: لأن بها يضم ويجمع. وفي الإِنسان عشرة أشياء أولها كاف: كوع، كرسوع، كف، كتف، وكتد -وهو طرف [عظم] (٤) لوح الكتف- كاهل، [كلية] (٥)

стр. 854

وهو ما بين الكتفين، كبد، كمرة وهي الحشفة، كعب. والوجه: مأخوذ من المواجهة، ويقال: له المحيا [أيضًا] (١). الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: فيه مشروعية التيمم للجنب، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إلَّا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي، فإنهم منعوه. قاله ابن الصباغ وغيره. وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا. واحتج من منعه: بأن الآية فيها إباحة للمحدث فقط. وقال الشيخ تقي الدين (٢): كأن سبب التردد ما أشرنا إليه من حمل الملامسة على غير الجماع مع عدم وجود دليل عندهم على جوازه. واحتج الجمهور بالآية [أيضًا] (٣)، فإن قوله -تعالى-: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (٤) يعود إلى المحدث والجنب جميعًا، فإنه قال قبل ذلك أيضًا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقد ثبت في الصحيحين (٥) من حديث أبي موسى الأشعري "قال عبد الله بن مسعود: لو أن جنبًا لم يجد الماء شهرًا لا يتيمم. فقال له

стр. 855

أبو موسى: وكيف تصنع بهده الآية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾. فقال عبد الله: لو رخص لهم لأوشكوا إذا أبرد عليهم الماء أن يتيمموا"، فهذا دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب. ودليل المسألة من السنة [أيضًا] (١): حديث عمران بن حصين السالف أول الباب، وحديث أبي ذر أنه كان يغرب في الإِبل وتصيبه الجنابة، فأخبر النبي ﷺ فقال له: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وصححه الترمذي وابن حبان (٥) والحاكم. وفي هذا الحديث دليل أيضًا على [أن] (٦) من تيمم ثم قدر على استعمال الماء أنه يلزمه الغسل، وهو قول العلماء كافة، وخالف أبو سلمة بن عبد الرحمن التابعي فقال: لا يلزمه (٧)، وهو متروك بإجماع من قبله. الثانية: فيه أنه لو معك في التراب وجهه ويديه كفى، وهو

стр. 856

الصحيح عند أصحابنا، ونص عليه في "الأم". والوجه: القطع به لأن الأصل قصر التراب، وقد حصل، ولا خلاف في الاكتفاء عند العذر: كالأقطع وغيره. الثالثة: فيه مشروعية الضرب باليدين على التراب، وهو محمول على ما إذا كان الغبار لا يصل إلَّا بالضرب، أما إذا كان يصل بدونه فالوضع كافٍ. الرابعة (١): فيه دلالة لمذهب من يقول: تكفي ضربة واحدة للوجه والكفين جميعًا، وهو ما صححه الرافعي، وعلى المنصوص [وهو] (٢) وجوب ضربتين، وصححه النووي. يجاب عنه: بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، كذا أجاب به النووي في "شرحه لمسلم" (٣)، وليس بظاهر كما ستعلمه بعد، وحكى ابن المنذر هذا القول عن: علي، وابن عمر، والحسن [البصري] (٤)، وسالم، و [مالك] (٥)، والثوري، وأصحاب الرأي، وعبد العزيز بن سلمة. قال أصحابنا: وهو قول أكثر العلماء،

стр. 857

والمشهور [من] (١) مذهب مالك أن من اقتصر على ضربة واحدة لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره. وقيل: يعيد في الوقت. وأغرب يعض أصحابنا، فقال: يستحب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربتان لليدين. وأغرب منه ما حكاها الماوردي وغيره عن ابن سيرين أنه لا يجزيه إلَّا بثلاث ضربات: ضربة لوجهه، وضربة لكفيه، وضربة لذراعيه. وأغرب من الكل طائفة قالوا بوجوب أربع ضربات: ثنتان للوجه، وثنتان لليدين. حكاه ابن بزيزة وقال: لا أصل [له] (٢). وفي "قواعد" ابن رشد روي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث والفرض اثنتان. فرع: الزيادة على مسحة للوجه ومسحة لليدين مكروهة، كما قاله الروياني والمحاملي. وقيل: يستحب تكرار المسح كالوضوء، وليس بشيء، لأن السنة فرقت بينهما، ولأن في تكرار الغسل زيادة تنظيف بخلافه (٣).

стр. 858

فرع: إمرار التراب على العضو تطويلًا للتحجيل سنة مع الأصح للخروج من خلاف من أوجبه وهو أبو حنيفة ﵀ إذا قطع من فوق المرفق. الخامسة: فيه [دلالة] (١) على أنه يكفي المسح إلى الكوع، ولهذا خاطبه بلفظ "إنما" لينحصر القدر الواجب، وحكاه ابن المنذر (٢) عن عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال ابن المنذر: وبه أقول، وبه قال داود. وحكاه الخطابي: عن عامة أصحاب الحديث. وحكاه أبو ثور وغيره: قولًا قديمًا للشافعي، وأنكر أبو حامد والماوردي وغيرهما عليه حكايته، ولا يقبل منهم لجلالته، وهو قوي في الدليل، وأقرب إلى ظاهر السنة، كما قاله النووي في "شرح المهذب". والمشهور من مذهبنا: أنه إلى المرفقين (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأبو حنيفة (٥) وأكثر العلماء.

стр. 859

وحكى الماوردي وغيره: عن الزهري (١) أنه يجب مسحهما إلى الإِبطين قال النووي: وما أظن هذا يصح [عنه] (٢). قال الخطابي (٣): لم يختلف العلماء أنه لا يجب مسح ما وراء المرفقين. وحكى ابن بزيزة في "شرح أحكام عبد الحق" عن طائفة: أن الجنب يتيمم إلى المنكب، وغيره إلى الكوع. واحتج أصحابنا بأدلة أقربها أن الله -تعالى- أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء. وقال في آخر الآية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وظاهره أن المراد الموصوفة أولًا وهي المرفق، وهذا المطلق محمول على ذلك المقيد لا سيما وهي آية واحدة (٤). وذكر الإِمام الشافعي هذا الدليل

стр. 860

[بعبارة] (١) أخرى، فقال كلامًا معناه: إن الله -تعالى- أوجب طهارة الأعضاء الأربعة في الوضوء في أول الآية، ثم أسقط منها عضوين في التيمم في آخر الآية، فيبقى العضوان في التيمم على ما ذكر في الوضوء إذ لو اختلفا لبينهما، وقد أجمع المسلمون على أن الوجه يستوعب في التيمم كالوضوء فكذا [اليدان] (٢). قال البيهقي في "المعرفة": قال، الشافعي إنما [منعنا] (٣) أن نأخذ برواية عمار في الوجه والكفين ثبوت حديث عن النبيِّ ﷺ أنه مسح وجهه وذراعيه [ولأن] (٤) هذا أشبه بالقرآن والقياس أن البدل من الشيء يكون مثله (٥). قال البيهقي: حديث عمار أثبت من مسح الذراعين إلَّا أن

стр. 861

حديث الذراعين جيد بشواهده. ورواه جابر عن النبي ﷺ : "التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" قال: وقد صح عن ابن عمر أيضًا ذلك من قوله وفعله.

стр. 862

قلت: وقد أثنى الحاكم على رواية ابن عمر ذلك مرفوعًا من عليه [أفضل] (١) الصلاة والسلام لما ذكره في مستدركه (٢).

стр. 863

وقال الخطابي (١): الاقتصار على الكفين أصح في الرواية ووجوب الذراعين أشبه بالأصول الظاهرة وأصح في القياس. السادسة: فيه إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه والشعر الظاهر عليه، وهو قول أكثر العلماء. كما حكاه العبدري وعن أبي حنيفة روايات: الأولى: كذلك وهي التي ذكرها الكرخي في "مختصره". وثانيها: إن ترك قدر درهم منه لم [يجزئه] (٢). والثالث: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلَاّ فلا. والرابعة: إن مسح [أكثره] (٣) وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلَاّ فلا. وحكى ابن المنذر عن سليمان بن داود: أنه جعله كمسح الرأس. السابعة: قال الشيخ تقي الدين: استعمال القياس لا بد في من تقدم العلم بمشروعية التيمم وكأن عمارًا لما رأى أن الوضوء خاص ببعض الأعضاء، وكان بدله وهو التيمم خاصًّا وجب أن

стр. 864

يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما [لجميع] (١) البدن. وقال ابن حزم الظاهري (٢): في هذا الحديث إبطال القياس، لأن عمارًا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله ﷺ ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكم المنصوص عليه فقط. والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر: وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد ألغي فيه مساواة المبدل له، فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء، [وصار] (٣) مساواة [البدل] (٤) للأصل ملغى في محل النص، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلًا على صحة أصل القياس، فإن قوله ﵇: "إنما كان يكفيك كذا وكذا" يدل [عليه] (٥) أنه لو [كان] (٦) فعله لكفاه، وذلك دليل على صحة

стр. 865

قولنا لو كان فعله [لكان] (١) [مصيبًا] (٢)، ولو كان فعله لكان قايسًا التيمم على الجنابة للتيمم على الوضوء، على تقدير أن يكون اللمس المذكور في الآية [ليس] (٣) هو الجماع؛ لأنه لو كان عند عمار هو الجماع لكان حكم التيمم مبينًا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن اعتقاد كونه ليس عاملًا للنص، بل بالقياس وحُكْمِ النبيِّ ﷺ بأنه كان يكفيه التيمم مع الصورة المذكورة مع ما بيناه من كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص. الثامنة: فيه أن من أرسل [في] (٤) أمر عظيم، ينبغي أن يتحفظ ويثبت، ولا يشهر ما أرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار حيث لم يصرح بالحاجة ما هي. التاسعة: فيه أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه لأنه ﵇ لم يأمر بالإِعادة وإن كان قد أخطأ في اجتهاده، لأنه إنما ترك هيئة الطهارة. وفيه جواز الاجتهاد للغائب في حياته [وفي هذه المسألة مذاهب: أصحها: جواز الاجتهاد للغائب في حياته] (٥).

стр. 866

وفي هذه المسألة مذاهب: أصحها: جواز الاجتهاد في زمنه لقصة عمار هذه والقائلون بذلك جوزوه بحضرته أيضًا. والثاني: لا يجوز بحال. والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها. العاشرة: قدم في اللفظ مسح اليدين على الوجه، لأن الواو لا تقتضي ترتيبًا، لكن جاء في صحيح البخاري أنه [﵇] (١) قال له: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا. وضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه" وهذا يقتضي عدم الترتيب، ولا أعلم من قال به من أصحابنا. وقال الشيخ تقي الدين (٢): استدل بهذه الرواية على عدم الترتيب لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم ثبت في الوضوء، إذ لا قائل بالفرق. واعلم أن هذه الرواية التي ذكرناها تقتضي أيضًا إجزاء التيمم بالمستعمل، وهو وجه عندنا والأصح المنع.

стр. 867

الحادية [عشر] (١): فيه دليل على طلب الماء، وإن نفي الوجود يستلزم الطلب. الثانية عشر: فيه دليل على أن من فعل ما أمر به بزيادة أنه يصح لاندراج أعضاء التيمم في التمرغ، وله نظائر منها من اغتسل بدل الوضوء. الثالثة عشر: ظاهر الحديث أنه لا يمسح باطن كفيه. قال ابن عطية: وظاهر كلام "المدونة" أنه يستغني عن مسح الكف بالاخرى، ووجهه أنها في الإِمرار على الذراع ماسحة ممسوحة. وقال ابن حبيب (٢): يمر بعد ذلك كفه مع الكف الأخرى. وقال اللخمي في كتاب "المدونة": يريد ثم يمسح كفه بالأخرى، فيجيء على تأويل كلام اللخمي كلام ابن حبيب تفسيرًا وليس بخلاف، قال غيره: وتبع صاحب "الرسالة" (٣) ابن حبيب، وكثيرًا ما يختار رأيه فإنه كان يحفظ "واضحته" (٤).

стр. 868

الرابعة عشر: يستفاد من الحديث أيضًا مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد فإن عمارًا راجع فيما اجتهد فيه. الخامسة عشر: يستفاد منه أيضًا ذكر العلماء لمن راجعهم وجه الصواب وتبيينه.

стр. 869

السادسه عشر: فيه أيضًا البيان بالفعل، وأنه أبلغ في التفهم من القول. خاتمة: في الصحيح (١) إنكار عمر على عمار حيث قال: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به. وذلك لا يوهن الحديث.

стр. 870

الحديث الثالث ٤١/ ٣/ ٧ - عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "أعطيت خمسًا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس [عامة] (١) ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم في الباب قبله. ثانيها: في [ألفاظه] (٢) فيه مواضع. الأول: "النصر"، قال ابن فارس (٣): العون، وانتصر الإِنسان انتقم، والنصر: الإِتيان، يقال: نصرت [أرض] (٤) بني فلان أي أتيتها.

стр. 871

والنصر: المطر، يقال: نصرت الأرض أي مطرت. والنصر: العطاء وهو مصدر والاسم، النصرة. الثاني: "الرعب" الخوف والوجل، لتوقع نزول محذور، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم [العين] (١)، والباقون بسكونها. ويقال: رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته ولا يقال أرعبته. نعم حكاه الليلي عن ابن طلحة. الثالث: "الشفاعة" الدعاء. قاله المبرد وثعلب، كما حكاه عنهما الأزهري، وهي كلام الشفيع للمالك في حاجة يسألها لغيره، وفي "جامع القزاز": الشفاعة الطلب من فعل الشفيع. وهذا الرعب والله أعلم هو الذي ألقاه الله في قلوب الكفار في قوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٣). الرابع: "المسجد" بفتح الجيم وكسرها، كما تقدم في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد. الخامس: قوله ﵊ "وطهورًا" اعلم أن فعولًا قد تكون للمبالغة، وهو أن يدل على زيادة في معنى فاعل مع مساواته له في التعدي كضرب، أو للزوم كصبور، وقد تكون اسمًا

стр. 872

لما يفعل به الشيء كالسنون وهو ما يسنن به، وكالبرود وهو ما تبرد به العين. قاله ابن مالك كما نقله عنه النووي إملاءًا، وقد يكون أيضًا مصدرًا كما نقله الراغب (١) عن سيبويه: و "طهور" في هذا الحديث، يجوز أن تكون من القسم الأول، وأن تكون من الثاني. قال القاضي عياض: [استدل] (٢) الشافعية والمالكية على الحنفية بهذا الحديث في أن المراد بالطهور في قوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (٣) أي مطهرًا [فإنه] (٤) متعد خلافًا لهم، فإنهم قالوا: إنه طاهر في نفسه، قاصر غير متعد. قال الشيخ تقي الدين: ووجه الاستدلال [منه] (٥) أنه ﵊ ذكر خصوصية لكونها طهورًا أي مطهرة [ولو] (٦) كان "الطهور" هو الطاهر لم تثبت الخصوصية، فإن طهارة الأرض عامة في [حق] (٧) كل الأمم. (٨) السادس: قوله: "فأي ما"، "أي": اسم مبتدأ فيه معنى الشرط.

стр. 873

"وما": زائدة لتوكيد معنى الشرط، والجملة التي هي "أدركته الصلاة" في موضع خفض صفة للرجل و"الفاء" في "فليصل" جواب الشرط، تقديره والله أعلم سيما نقصّ عليكم، أو سيما فرض عليكم، أيما رجل. الحديث وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (١) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٢). وأشباه ذلك على مذهب سيبويه، فإنه قدره: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم. وقيل: الخبر ما بعده، كما تقول زيد [فاضرب] (٣) وكأن الفاء زائدة وعلى هذا يكون "فليصل" الخبر لكن فيه بعد كما قال الفاكهي: من حيث [إنما] (٤) شرط صريح تقتضي الجواب، ولا جواب له هنا إلَّا الفاء بخلاف الاثنين، فإنهما صريحين في الشرط فيتعين الوجه الأول وهو حذف الخبر. الوجه الثالث: في فوائده: [الأولى] (٥): في هذا الحديث: "أعطيتُ خَمْسًا" وكون الأرض مسجدًا وطهورًا، خصلة واحدة وإلا كانت سادسة، وفي حديث أبي هريرة في مسلم (٦): "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون" الحديث. وعنده أيضًا من حديث،

стр. 874

(١) حذيفة (٢): "فضلنا على الناس بثلاث. جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" فاعلم أن ذكر الخمس والست والثلاث لا يظن أنه تعارض، وإنما هذا من توهم أَنَّ ذكر الأعداد يدل على الحصر وأنها دليل خطاب، وكل ذلك باطل كما قاله القرطبي، فإن القائل: عندي خمسة دنانير، مثلًا لا يدل [على] (٣) هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أُخرى: عندي عشرون وأُخرى ثلاثون، فإن من عنده الأكثر يصدق عليه أن عنده الأقل، فلا تعارض، ويجوز أن يكون الرب -سبحانه- أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بست. الثانية: قال الداودي: في قوله: "لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" يعني لم يجمع لأحد قبله [هذه] (٤) الخمس لأن نوحًا ﷺ بعث إلى كافة الناس، وأما [الأربع] (٥) فلم يعط واحدة منهن قبله أحدًا، وأما كونها مسجدًا فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة. وقال القاضي عياض (٦): من كان قبله من الأنبياء إنما أُبيح لهم

стр. 875

الصلوات في مواضع مخصوصة: كالبيع والكنائس. وقيل: في موضع يتيقنون طهارته، وخصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض، إلَّا في المواضع المستثناة بالشرع أو في موضع تيقنت نجاسته. وزعم بعضهم: أن نوحًا ﵊ بعد خروجه من السفينة كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض [لأنه] (١) لم يبق إلَّا من كان مؤمنًا وقد كان مرسلًا إليهم. ويجاب: بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنما وقع لأجل الحادث [الذي حدث] (٢) وهو انحصار الخلق في الموحدين، ونبينا ﷺ عموم رسالته في أصل البعثة. وزعم ابن الجوزي: أنه كان في الزمان الأول إذا بعث نبي إلى قوم (٣) بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمن الواحد جماعة من الرسل، فأما نبينا (٤) ﷺ فإنه انفرد بالبعثة فصار نذيرًا للكل. الثالثة: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث، أعني: الرعب مسيرة شهر. متقيدة بالقدر المذكور من الزمان، ويفهم منه أمران: الأول: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة.

стр. 876

الثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها ولا في مثلها، فإنه مذكور في سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته أن يذكر الغاية فيه، وأيضًا فإنه لو وجد أكثر من هذه المسافة لا تبقى الخصوصية فيه، والظاهر أن ذلك مختص به في نفسه، حتى لو لم يكن في معسكر يوم أرسلهم مثلًا لم يسبقهم الرعب إلى قلوب أعدائهم، ويحتمل أن ذلك له ولأمته على الإِطلاق، إذ ورد في مسند أحمد: "والرعب يسعى بين بدر أمتي شهرًا" (١) ورُوِّينا من حديث السائب بن أخت نمر: "فضلت على الأنبياء بخمس: فذكر منها: ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي" (٢). وفي مسند عبد بن حميد من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ومقسم [عن] (٣) ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا ولا أقول فخرًا: بعثت إلى الأسود والأحمر، ونصرت بالرعب، فهو يسير أمامي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، فأدخرتها لأمتي إلى يوم القيامة، وهي [أيضًا] (٤) نائلة لمن لا يشرك بالله [شيئًا] (٥) " وذكر باقي الحديث (٦).

стр. 877

الرابعة: [الذي] (١) ينبغي حمل المسجد عليه في هذا الحديث موضع السجود في أي مكان كان، وهو الموضوع اللغوي دون الاصطلاحي. قال الشيخ تقي الدين (٢): ويجوز أن يجعل مجازا. عن المكان المبني للصلاة، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها. كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق اسمه عليها من مجاز التشبيه. والذي يقرب هذا التأويل أن الظاهر أنه إنما أريد أنها موضع [الصلاة] (٣) بجملتها، لا السجود فقط منها. لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده بموضع دون موضع. قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل [من حيث كان موضع دون موضع: قال غيره: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل] (٤) من حيث كان موضع السجود بعضًا للمسجد العرفي. الخامسة: استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض كما سلف في الحديث الأول، ويمكن أن يجاب عنه كما [قاله] (٥) الشيخ تقي الدين في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق

стр. 878

الحكم بالتربة، وهي الاقتران [في اللفظ] (١) بين جعلها مسجدًا وجعل تربتها طهورًا على ما في ذلك الحديث، وهذا الاقتران في هذا السياق قد يدل على الاقتران في الحكم [أو لا] (٢)، لعطف أحدهما على الآخر نسقا كما في الحديث الذي ذكره المصنف. ومن اشترط التراب استدل بما في الحديث الآخر: "وجعلت تربتها [لنا] (٣) طهورًا" كما أسلفته في الحديث الأول من الباب، وهو خاص فينبغي أن يحمل العام عليه كما يحمل المطلق على المقيد واعترض على ذلك بوجوه. منها: منع كون التربة مرادفة للتراب وادعى أن التربة اسم لما كان [في المكان] (٤) من تراب أو غيره مما يقاربه. ومنها: أنه مفهوم لقب أعني الاحتجاج بالتربة ومفهوم اللقب (٥) ضعيف لم يقل به إلَّا الدقاق (٦)، ويمكن أن يجاب عن هذا

стр. 879

بما أسلفناه أولًا واضحًا. ومنها: أن حديث التربة لو سلم أن مفهومه معمول به لكان الحديث الآخر يدل على طهورية بقية [أجزاء] (١) الأرض أعني قوله: "مسجدًا وطهورًا" [بمنطوقه] (٢) [ودلالة] (٣) المنطوق أقوى من دلالة المفهوم، وقد قالوا: إن المفهوم مخصص للعموم فيمتنع هذه الأولوية إذا سلم المفهوم ها هنا، وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه القاعدة، أعني: تخصيص [المفهوم] (٤) للعموم. السادسة: أخذ بعض المالكية من هذا الحديث أن لفظة: "طهور" تستعمل لا بالنسبة إلى الحدث، ولا الخبث. وقال: إن "الصعيد" قد سمي طهورًا وليس بحدث، ولا خبث. لأن التيمم لا يرفع الحدث، وجعل ذلك جوابًا عن استدلال أصحابنا على نجاسة الكلب بقوله ﵊: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا" حيث قالوا: "طهور" يستعمل إما عن الحدث أو عن الخبث، ولا حدث على الإِناء. فتعين الخبث فمنع هذا الحصر، وقال: لفظة "طهور" تستعمل في إباحة الاستعمال، كما في التراب. إذ لا يرفع الحدث كما قلناه، فيكون قوله ﵊: "طهور إناء أحدكم" مستعملًا في إباحة استعماله، أعني الإِناء، كما في التيمم، وأجاب الشيخ

стр. 880

تقي الدين (١) عن هذا، فقال: عندي فيه نظر، فإن التيمم -وإن كان لا يرفع الحدث- لكنه سبب عن الحدث، أي الموجب لفعله الحدث، وفرق بين قولنا: "أنه عن حديث" وبين قولنا: "إنه يرفع الحدث" وأيد بعض فضلاء المالكية الاعتراض المذكور بقول الشاعر: *عِذَابُ الثنايا ريقهن طهور* إذ لا حدث هنا أيضًا ولا خبث فلا حصر إذًا. قلت: لا حجة في هذا على ما ذكره، فإنه وصفه بأعلى الصفات، وهي التطهير لأن قصد تفضيلهن على سائر النساء [فوصف] (٢) ريقهن بأنه مطهر [يتطهر] (٣) به لكمالهن، وطبب ريقهن، وامتيازه على غيره. السابعة: قوله - عليه [الصلاة] (٤) والسلام -: "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" يستدل به أيضًا على عموم التيمم بأجزاء الأرض، لأن صيغته صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد ترابًا ووجد غيره من أجزاء الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج إلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم يجد ماءًا ولا ترابًا صلّى على
следующие страницы →