← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

- ﵇: "صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات ﷺ ولم يعد إلى أن يسفر" صححه ابن حبان (١) وقال الخطابي (٢): صحيح الإِسناد. ثانيها: معنى "يشهد" هنا يحضر ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) أي حضره. ثالثها: "النساء": من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، إذ الواحد امرأة وله نظائر كثيرة. رابعها: قولها: "من المؤمنات" وفي رواية لمسلم (٤): "نساء المؤمنات" وصورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه. واختلف في تقديره على أوجه. أحدها: نساء الأنفس المؤمنات. ثانيها: نساء الجماعة المؤمنات.

стр. 947

ثالثها: أن نساء [ها هنا] (١) بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم أي فضلاؤهم ومتقدموهم. وقولها: "من المؤمنات" يحتمل أنه بيان لوصفهن ليخرج المنافقات وهو الأقرب، ويحتمل أنه بيان لنوعهن ليخرج الكافرات. خامسها: "متلفعات" هو بالعين المهملة بعد الفاء أي متلحفات كما فسره المصنف أثر الحديث (٢). وروى (٣) متلففات تكرير الفاء ومعناهما متقارب إلَّا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن حبيب (٤): لا يكون [الالتفاع] (٥) إلَّا [بتغطية] (٦) [الرأس] (٧).

стр. 948

سادسها: "المروط" جمع مرط بكسر الميم أكسبته معلمة تكون من خز وتكون من صوف كما فسره المصنف ومن كتان (١): قاله الخليل، وزاد بعضهم في صفتها أن تكون مربعة. وقيل: سداها شعر. الواحد مِرط بكسر الميم كما سلف. وقال ابن الأعرابي (٢): هو الإِزار. وقال النظر (٣): لا يكون إلَّا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المِرط إلَّا الأخضر ولا يلبسه إلَّا النساء. وفي الحديث (٤):

стр. 949

"مرط [مرجل] (١) هن شعر أسود". سابعها: "الغلس" اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل كما فسره المصنف [أيضًا] (٢). والغبش (٣): -بالباء بدل اللام والشين المعجمة- قريب منه لكن يفترقان في أن الغلس آخر الليل [والغبش] (٤) قد يكون في أول الليل وفي آخره. وأما الغبس: -بالسين المهملة- فيكون كون الرماد وهو بياض فيه كدرة، يقال: لبن أغبش. قال القاضي: والغبش بالمعجمة، قيل [العبس] (٥) بالمهملة ثم الغلس، وكلها في آخر الليل [ويكون العبس في أول الليل] (٦).

стр. 950

وقال ابن الأثير (١): عند أول طلوع الفجر الغبش ثم الغبس ثم الغلس، ثم قال: وقد يكون بالمعجمة في أول الليل (٢). [ثامنها] (٣) قولها: "ما يعرفهن أحد من الغلس" وفي الموطأ (٤) "ما يُعرفن من الغلس" على الباء للمفعول. قال الداودي: [معناه] (٥) ما يعرفن أنساء هن أم رجال أي إنما يظهر للرأي الأشباح خاصة. وقيل: ما يعرف أعيانهن وضعفه. النووي (٦) لأن المتلفعة في النهار لا يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة. وادعى بعضهم أنه أرجح من الأول بقوله (٧) "ما يعرفهن" والمعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو [كان] (٨) المراد نفى كونهن ذكورًا أو إناثًا. لقال: لا يعلمهن لأن الحكم بالذكورة والأنوثة إنما يتعلق به العلم دون المعرفة.

стр. 951

قال الباجي في المنتقى (١): وهذا الوجه يقتضي أنهن سافرات بوجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا من الغلس إلَّا أنه يجوز أن [لهن] (٢) كشف وجوههن أحد أمرين [إما] (٣) أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده [لكن هنّ] (٤) أمنّ أن تدرك صورهنّ من شدة الغلس. وأبيح لهن كشف وجوههن (٥). تاسعها: استدل بعضهم من هذا الحديث على جواز صلاة المرأة مختمرة الفم والأنف ولعله يجعل "متلفعات" صفة [لشهود] (٦) الصلاة وانصرافهن. وقال القاضي: لا دليل فيه لأنها إنما أخبرت بذلك في الانصراف لا في الصلاة (٧). عاشرها: في الحديث دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور على أبي حنيفة في أن الأفضل التغليس بالصبح لا سيما

стр. 952

مع طول قراءته ﷺ فيها، وأما حديث: "أسفروا [بالفجر] (١) فإنه أعظم للأجر" صححه الترمذي (٢) فعنه أجوبة: [أحدها] (٣): أنه محمول على تحقق طلوع الفجر عند خفائه في [مبتدأ] (٤) طلوعه. ثانيها: أنه محمول على الليالي [المقمرة] (٥) التي يصبح فيها القمر فإن الفجر يخفى فيها غالبًا لغلبة ضوء القمر عليه. وقال الشيخ تقي الدين: فيه نظر لأنه [قبل] (٦) التبين للفجر لا يجوز إيقاع الصلاة فيه، والحديث دل على أن ثم وقتين أحدهما. أعظم أجرًا ولا اشتراك بين إيقاع الفجر قبل وقتها وبعد دخول وقتها. وفيما ذكره نظر فتأمله. ثالثها: "أن أعظم" [هنا] (٧) بمعنى عظيم كلاهما قوله تعالى:

стр. 953

﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١) أي هين وشبهه فيكون المعنى: أسفروا بالفجر فإنه عظيم الأجر، وذلك بسبب التسبب والتبيين لطلوع الفجر على التحقيق وهذا يرجع إلى الذي قبله. رابعها: قال البيهقي في خلافياته: إنه حديث [ضعيف] (٢) [اختلف في إسناده ومتنه، وقال ابن العطار في شرحه: إنه حديث ضعيف] (٣) (٤). خامسها: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بعد الفجر الأول والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم صلوا بعد الثاني وأصبحوا بها، فإنها أعظم لأجركم. فإن قيل: لو صلوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر. فالجواب: أنهم يؤجرون على نيتهم وإن لم تصح صلاتهم لقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" (٥). (٦) وأما حديث عبد الله بن مسعود قال: "ما رأيت

стр. 954

رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلَّا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء. بجمع يعني [المزدلفة] (١) وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها" متفق عليه (٢). قالوا: ومعلوم أنه لم [يكن] (٣) يصليها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا بها. وجواب هذا: أن معناه أنه صلاها في هذا اليوم قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر بقدر ما يتطهر المحدث والجنب ونحوه. وأغرب الطحاوي (٤): فادعى أن حديث الإِسفار ناسخ لحديث التغليس. قال الحازمي (٥): وهو وهم لأنه ثبت أنه ﵊ داوم على التغليس حتى فارق الدنيا كما رواه أجر داود (٦) وهو حديث مخرج في الصحيح رواته عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد قدمت هذا الحديث في الوجه الأول، وأن ابن

стр. 955

حبّان صححه والخطابي (١) قال، إنه صحيح الإِسناد. واعلم أن البغوي (٢) روى في شرح السنة من حديث معاذ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كنت في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان في الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير، والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا" ولم أر من قال بهذا التفصيل، ولو قيل به لم يبعد، وبه يجمع بين الأحاديث، فالتغليس يحمل على الشتاء، وحديث الإِسفار يحمل على الصيف (٣) والله أعلم بذلك.

стр. 956

الحادي عشر: فيه دليل على خروج النساء إلى المساجد لصلاة الصبح وعشاء الآخرة ملحقة بها لكونها في معناها من حيث وجود الظلمة فيها، وهذا كله بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن. وادعى القاضي: أن فيه دليلًا على خروج النساء إلى المساجد، وتبعه النووي في شرحه (١)، فقال: فيه جواز حضور النساء الجماعة في المسجد، والحديث إنما فيه ذكر الليل فقط، وكأنهما أخذاه من باب أولى، لأن الليل مظنة الفساد، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عجزًا أو شواب. وكره بعضهم للشواب الخروج. وقال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلَّا بخمسة شروط: أن يكون ذلك لضرورة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن لا يظهر عليها الطيب، وما في معناه من البخور، وأن يكون خروجها في طرفي النهار، وأن تمشي في طرفي الطرقات دون وسطها لئلا تختلط بالرجال. وفي صحيح ابن حبّان (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ليس للنساء وسط الطريق".

стр. 957

وزاد بعضهم أن لا تكون ممن يفتتن بها وقد سلف. وأن لا تكون ذات خلخال يسمع صوته. وفي معناه الحذاء المصرصر [والإِزار] (١) المقعقع الذي يوجب رفع الأبصار إليها بسببها. وزاد بعضهم [أيضًا] (٢) أن لا تخاف في طريقها مفسدة. وزاد بعض المتأخرين من المالكية على وجه البحث أن لا ترفع صوتها من غير ضرورة، وأن لا يظهر منها ما يجب ستره، والذي ينبغي في هذه الأزمان المنع مطلقًا إلَّا أن تكون عالمة عاملة لا يفتتن بها، وذلك أن صلاتها في بيتها أفضل من المسجد مطلقًا، وفي مخدع بيتها أفضل من بيتها مطلقًا للأحاديث (٣) في ذلك. وفي صحيح ابن حبان (٤) من حديث عبد الله مرفوعًا: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها [الشيطان] (٥) وأقرب ما تكون من ربها إذا [هي] (٦) في قعر بيتها". والثاني عشر: قال القاضي (٧): فيه دليل على خروجهن قبل

стр. 958

الرجال اغتنامًا لظلمة الغلس ومبادرة حقوق الأزواج في بيوتهن، انتهى. ورواية الموطأ (١) إن كان رسول الله ﷺ "ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات" ظاهرة في ذلك دون الرواية المذكورة فإن فيها "ثم" التي للتراخي. الثالث عشر: فيه دلالة على استقرار المرأة في بيتها، وأن لا تخرج منه إلَّا لمصلحة شرعية، وأن ترجع إليه بعد فراغها منه. الرابع عشر: للصبح خمسة أسماء أخر [غير الفجر] (٢) كما ستعلمها في الحديث الرابع وقولها: "كان يصلي الفجر" أي صلاة الفجر على حذف المضاف.

стр. 959

الحديث الثالث ٤٩/ ٣/ ٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر: بالهاجرة، والعصرَ: والشمسُّ نقيةٌ، والمغربَ: إذا وجَبَتْ، والعشاءَ: أحيانًا [وأحيانًا] (١). إذا رآهم اجتمعوا: عجَّل، وإذا رآهم ابطأوا: أَخَّرَ، والصبحَ: كان النبي ﷺ يُصَليها بغَلَس (٢) ". [الهاجرة: هي شدة الحر بعد الزوال] (٣). الكلام عليه من وجوه وراويه تقدم في الغسل: أحدها: في ألفاظه. الظهر: في سبب تسميتها بذلك أقوال، ذكرتها في لغات المنهاج للنووي -رحمنا الله وإياه-. ومنها: لأنها ظاهرة وسط النهار.

стр. 960

والهاجرة: شدة الحر. والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال من الهجر، وهو الترك: لترك الناس التصرف حينئذ لشدة الحر، ويقيلون. قال الخليل (١): [الهجر] (٢) والهجير و [الهاجرة] (٣): نصف [النهار] (٤) وأهجر القوم، وأهجروا: ساروا في الهاجرة. والعصر: [أصله الزمان] (٥). والمراد [به] (٦) هنا طرفه. ومنه قيل لصلاة الصبح والعصر. العصران. ويقال: العصران للغداة والعشي. [سميتا] (٧) باسم الوقت. وقيل: لتأخيرها.

стр. 961

والنقي: الصافي الخالص. والمغرب: في اللغة: يطلق على وقت الغروب، وعلى مكانه سميت المغرب بذلك: لفعلها في هذا الوقت، ويبعد أن يكون مصدرًا. وأصل الغرب: البعد. وتسمى المغرب أيضًا: صلاة الشاهد لطلوع نجم حينئذ، يسمى الشاهد، فنسبت إليه (١). وقيل: [لاستواء] (٢) الشاهد وهو الحاضر والمسافر في عذرها أي أنها لا تقصر، وفيه نظر، لأن الصبح لاتقصر، وهي لا تسمى الشاهد. والوجوب: السقوط للغروب. والمراد: سقوط فرضها. ويستدل عليه. بطلوع الليل من [المشرق] (٣) وهو الوقت الذي يفطر فيه الصائم، وفاعل [وجبت] (٤) مستتر، وهو الشمس، وهو من الضمير الذي يفسره سياق الكلام، نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ (٥) ونحو ذلك.

стр. 962

والعشاء: كأنها سميت باسم الوقت الذي يقع فيه. والأحيان: جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان. وقيل: إنه يقع على ستة أشهر. وقيل: على أربعين سنة (١). والغلس: تقدم تفسيره في الحديث قبله. والصبح: [بضم] (٢) الصاد وكسرها لغة حكاها ابن مالك (٣) في مثلثه (٤)، وهو في اللغة أول النهار، فسميت بذلك. ثانيها: الحديث دال على فضيلة أول الوقت، وعورض في الظهر بحديث الإِبراد بالصلاة، [وجمع] (٥) بينهما فحمل حديث الإِبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير. قاله بعض أصحابنا وغيرهم، وفيه بعد لأن علة الإِبراد تقتضي أن التأخير أفضل، أو يكون أطلق الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت فيطلق على الوقت مطلقًا

стр. 963

[بطريق] (١) الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد. ذكره الشيخ تقي الدين (٢) واستبعده. قال: أو يقول من يرى الأبراد سنة: إن الهجير لبيان الجواز. قال: وفيه بعد، لأن قوله "كان" يشعر بالكثرة والملازمة عرفًا. قلت: والأشبه أن حديث التعجيل نسخه حديث الإِبراد، كما قيل في حديث خباب: "شكونا إلى النبي ﷺ حر الرمضاء في [جباهنا] (٣) وأكفنا فلم يشكنا" (٤) أي لم يُزِلْ شكوانا أنه منسوخ بأحاديث الإِبراد. وقول القاضي عياض (٥): إن معناه لم يحوجنا إلى الشكوى، فرخص لنا في الإِبراد عجيب لأن في آخره، قال زهير: قلت لأبي إسحاق (٦): "أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم". وروى ابن المنذر والبيهقي (٧) من طريق آخر فقال: "فما أشكانا. وقال: إذا زالت الشمس فصلوا" وصححه ابن القطان،

стр. 964

وهذه الرواية ترد أيضًا قول من حمله على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإِبراد فاعلمه. ثالثها: فيه دليل أيضًا على المبادرة بالعصر في أول وقتها، وأبعد من قال: إن أول وقتها ما بعد القامتين. رابعها: فيه دليل أيضًا على أن سقوط قرص الشمس يدخل [بها] (١) وقت المغرب. والأماكن تختلف فما كان منها منه حائل بين الرأي وبين القرص لم يكف بغيبوبته عن العين. ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق. قال ﷺ : "إذا غربت الشمس من ها هنا، وطلع [الليل] (٢) من ها هنا فقد أفطر الصائم" (٣) وإن لم يكن ثَمَّ حائل. فقد قال بعض أصحاب مالك: إن الوقت يدخل بغيبوبة النمس وشعاعها المستولي عليها. وقال الماوردي: وقتها أن يسقط القرص، ويغيب حاجب الشمس، وهو [الضياء] (٤) المستعلي عليها: كالمتصل بها؛ وهو غريب.

стр. 965

خامسها: قال بعضهم: فيه دليل على أن المغرب لا يتنفل قبلها لقوله: "كان يصلي المغرب إذا وجبت" والمشهور عندنا أنه لا يستحب، وبه قال الخلفاء الأربعة ومالك وأكثر الفقهاء. وصحح المحققون: الاستحباب، وهو المختار لأحاديث ثابتة فيه، وبه قال أحمد (١). ووهم النخعي فقال: إنها بدعة. وأغرب من ادعى نسخ هذه الأحاديث المشار إليها، ومن قال: [إنه] (٢) يؤدي إلى تأخير المغرب، فإنه زمن يسير. سادسها: استمر العمل بصلاة المغرب عقب الغروب، وقد أخذ منه أن وقتها واحد، وهو المشهور في المذهب، والحق امتداده إلى مغيب الشفق. سابعها: فيه دلالة لمن يقول: إن تقديم العشاء أفضل عند اجتماع الجماعة، والتأخير أفضل عند عدم [الاجتماع] (٣). وهو قول عند المالكية وأكثر أهل العلم على أن تأخيرها أفضل، حكاه الترمذي (٤) عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، قال: وبه يقول أحمد وإسحاق. قلت: وأبو حنيفة والصحيح عند الشافعي ومالك أن تقديمها أفضل.

стр. 966

وقال ابن أبي هريرة (١) من الشافعية: إن علم من نفسه أنه إذا أخرها لا يغلبه نوم ولا غسل استحب تأخيرها، وإلَاّ فتعجيلها. قال الشاشي: وهو متجه للمنفرد دون الجماعة لاختلاف أحوالهم. وقال قوم: إنه يختلف باختلاف الأوقات ففي الشتاء وفي رمضان تؤخر، وفي غيرهما تقدم لتشاغل الناس بفطرهم ونحو ذلك، وقد لا يدرك الجماعة لو أخرت، وإنما أخرت في الشتاء لطول الليل وكراهة الحديث بعدها، وهو قول في مذهب مالك، وتحرير مذهب مالك أن تقديم الصبح والمغرب في أول وقتها أولى [للفذ] (٢) وللجماعة؛ حتى إذا أراد أن يصليها الفذ أول الوقت، أو ينتظر الجماعة: كانت صلاته لها أول الوقت أفضل من انتظار الجماعة. وأما الظهر: فالمستحب عند مالك أن يصلي في الصيف والشتاء والفيء قدر ذراع. والعصر: دون ذلك على المشهور. وقيل: هي كالظهر؛ ولا فرق في ذلك بين الفذ والجماعة. واستحب ابن حبيب: تعجيلها يوم الجمعة ليقترب انصراف المتطهرين لها ممن صلى الجمعة. وأما العشاء الآخرة: فعندهم أربعة أقوال [ثالثها] (٣).

стр. 967

ورابعها التفصيل كما تقدم. قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أن من سنة الصلاة في الغيم تأخير الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء إلَّا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى لا يشك في الفجر. وذهب بعض العلماء: إلى أن تأخير الصلوات إلى آخر الوقت أفضل؛ إلَّا الحاج يوم النحر بالمزدلفة فإنه يصليها بغلس، وقد أسلفت ذلك [في] (١) أواخر الكلام على الحديث الأول. ثامنها: قال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث يتعلق [بشيء لم يتكلموا فيه] (٢)، وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت، وبالعكس حتى إنه إذا تعارض في [حق] (٣) شخص أمران: أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردًا أو يؤخرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ قال: والأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وهذا الحديث يدل عليه، لقوله: "وإذا رآهم [ابطأوا] (٤) أخّر" [وهو] (٥) لأجل الجماعة مع إمكان التقديم، ولأن التشديد في ترك الجماعة، والترغيب في فعلها موجود في الأحاديث

стр. 968

الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أول الوقت ورد على وجه الترغيب في الفضيلة (١). قلت: هذه المسألة النسبة فيها خلاف منتشر لأصحابنا والمختار التقديم في أول الوقت إن فحش التأخير؛ وإلَّا انتظار الجماعة. تاسعها: فيه دلالة على التغليس بالصبح وقد تقدم مبسوطًا في الحديث قبله مع الجواب عما عارضه.

стр. 969

الحديث الرابع ٥٠/ ٤/ ٩ - عن أبي المنهال -سيار بن سلامة- قال: "دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي. فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير [الذي] (١) تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس. ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية. ونسيت ما قال في المغرب. وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، التي تدعونها العتمة. وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وبقرأ بالستين إلى المائة (٢) ". الكلام عليه من وجوه:

стр. 970

أحدها: سيار هذا تابعي ثقة، قال ابن حبّان: مات سنة تسع وعشرين ومائة والده سلامة ذكره العسكري. وسيار: يشتبه بيسار بتقديم الياء على السين، وذكر الأمير مع سيار سنانا أيضًا. ثانيها: أبو برزة: هذا هو نضلة بن عبيد، هذا أصح ما فيه وأشهره، شهد الفتح. ورد أنه قتل ابن خطل يومئذ، وغزا مع النبي ﷺ غزوات، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة. وغزا بِخُرَاسانَ، فمات بها أو بالبصرة أو بنيسابور أقوال بعد سنة أربع وستين، وقال ابن عبد البر: سنة ستين وقيل: سنة أربع وكان يقوم من جوف الليل فيتوضأ ولا يوقظ أحدًا من خدمه وهو شيخ كبير ثم يصلي. روي له عن النبي ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفقا منها على حديثين. وقال ابن الجوزي: على حديث. وانفرد مسلم بأربعة والبخاري بحديثين. وأما نسبة الأسلمي: فإلى جد من أجداده [اسمه] (١) أسلم بن أفصى بالفاء، ابن حارثة. [فائدة] (٢): برزة: بفتح أوله وإسكان ثانية ثم زاي ثم هاء ملفوظًا بها وهي تاء في الوصل. فيشتبه: بأبي بردة صورة لا لفظًا ولهم في الأسماء بُرزه بضم

стр. 971

أوله سمع منه ابن ماكولا (١). ونَضْلة بفتح أوله وسكون ثانيه. ويشتبه بنَضْلَةِ بن قُصَيَّةِ في [القريب] (٢): قال ابن ماكولا: هو بفتح الضاد وما عداه فبإسكانها (٣). ويشتبه أيضًا [ببَصَلة] (٤) بالصاد المهملة لقب محمد بن محمد بن عبيد الله [الجرجاني] (٥) المقريء. ثالثها: "كان" هذه قد تقدم أنها تشعر بالدوام. رابعها: قوله: "المكتوبة" أي الصلاة المكتوبة وهي المفروضة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ (٦) وأفردت لأن المراد الجنس وتصح المكتوبات على تقدير الصلوات المكتوبات. والألف واللام فيها للاستغراق، ولهذا أجاب فذكر الصلوات كلها لفهمه من السائل العموم.

стр. 972

خامسها: في ذكره الصلواتِ الخمسَ دون الوتر يدل على أنها ليست مكتوبة، وأبو حنيفة قال: إنه واجب على قاعدته في الفرق بين الفرض والواجب (١). سادسها: للظهر أربعة أسماء: هذا، [والهجيرة] (٢)، والهاجرة الظهر لما تقدم، والأولى، لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ على المشهور. وقال الشيخ تاج الدين ابن الفركاح (٣): يكره أن يقال لها:

стр. 973

الأولى فلم [يسمع] (١) في استعمال معتمد. والهجير، والهاجرة: نصف النهار كما سلف [والهجر] (٢) أيضًا، فكأنها سميت باسم الزمان [التي تقع] (٣) فيه، فيكون تسميتها به من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. [تقديره] (٤) كأنه يصلي صلاة الهجير. وهما أعني الهجير والهاجرة في أصل اللغة اسم لشدة الحر كما سلف. وفي حديث أبي هريرة الآتي حيث ذكره المصنف: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي [العشي] (٥) والمراد الظهو والعصر، وفي الصحيح (٦): "من صلى البردين دخل الجنة" يعني الصبح والعصر. وسمتا بذلك لأنهما يفعلان في وقت البرد. وأما العصر فلها اسمان: هذا، والعشي، وفي الحديث: "حافظوا على العصرين. قيل: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" (٧) سماهما العصرين، لأنهما يقعان في طرفي

стр. 974

العصرين، وهما الليل والنهار، وهو من باب تغليب أحد الاسمين على الآخر: كالعُمرين والقمرين. وأما المغرب: فلها اسمان هذا، والشاهد على ما تقدم، ويكره تسميتها عشيًا (١). وأما العشاء الآخرة: فلها اسمان: هذا، والعتمة، وفي كراهة الثاني خلاف. وصح النهي عنه (٢)، وعنه أجوبة:

стр. 975

منها: أن المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة، بحيث يهجر تسميتها بالعشاء. ومنها: أنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء، وفيه بعد. ومنها: أنه حيث وقع تسميتها بذلك يحمل على الجواز. وأما ابن عمر ﵁ "فكان إذا سمع أحدًا يقول العتمة صاح به وغضب" (١). وأما الصبح: فلها أسماء هذا، والفجر، كما ذكره في الحديث الثالث من باب صلاة الجماعة، والغداة، كما هو مذكور هنا. نعم قال الشافعي في الأم: أحب أن لا تسمى بذلك، فإن الله -تعالى- سماها الفجر، ورسوله سماها الصبح. وقال صاحب "المهذب" (٢): يكره وتسمى أيضًا الصلاة الوسطى، وصلاة التنوير، وقرآن الفجر. سابعها: قوله: "تدعونها العتمة" أي تسمونها، وفيه دليل على جواز تسميتها بذلك وإن تركها أحسن. ثامنها: معنى "تَدحض" بفتح أوله وثالثه، تزول عن كبد

стр. 976

السماء، وهو الدلوك والميل أيضًا، فهذه أربعة أسماء لوقتها. والصلاة لها أوقات كما تقدم أيضًا، وظاهر قوله " [حين] (١) تدحض" يقتضي وقوع الظهر عند الزوال، فلا بد من تأويله، وقد يتمسك [به] (٢) من يقول من أصحابنا: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلَّا إذا قدم ما يمكن تقديمه على الوقت: كالطهارة وغيرها، وهو ضعيف، إذ لا يمكن وقوع جميع الصلاة عند الزوال لتعذره [ولا انطباق] (٣) أول جزء من الصلاة على أول جزء من الوقت لعسره، ولهذا كان الصحيح عند أصحابنا أن فضيلة [أول] (٤) الوقت يحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت. وقوله: "والشمس حية" حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير. وقيل: وجود حرها وهو مجاز عن نقاء بياضها، وعدم مخالطة الصفرة لها (٥). تاسعها: [قوله] (٦) "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء" فيه [دليل على] (٧) استحباب التأخير قليلًا، لأن حرف التبعيض يدل

стр. 977

عليه، قاله الشيخ تقي الدين (١): وفيه نظر لأن التبعيض مطلق، لا دلالة فيه على القليل بخصوصه (٢). عاشرها: كره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها المختار أو الضروري [أو] (٣) [لخشية] (٤) نسيانها وقد كرهه عمر وابنه وابن عباس وغيرهم من السلف، وبه قال مالك وأصحابنا، ورخص فيه علي وابن مسعود والكوفيون (٥). قال الطحاوي: رخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه. وروى عن ابن عمر مثله، وخص بعضهم الرخصة برمضان، وكره الحديث بعدها أي [بعد] (٦) فعلها، إما لخشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل، وإما لخشية الوقوع في [الغلط] (٧) واللغو وما لا ينبغي أن يختم به اليقظة، وهذا العموم يستثنى منه؛ إذا كان

стр. 978

في خير كمذاكرة العلم ونحوه. وقد بوب البخاري عليه "باب: السمر في العلم" (١). وقال القرطبي في تفسيره (٢): في قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ (٣). سبب كراهة الحديث بعدها أن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة وقد ختم كتاب صحيفته بالعبادة. وروى جابر مرفوعًا: "إياكم [والسهر] (٤) بعد هدأة الرجل، فإن أحدكم لا يدري ما بيت الله من خلقه، أغلقوا الأبواب" (٥) الحديث وروي عن عمر (٦) أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: "سمرًا أول الليل ونومًا آخره أريحوا كتابكم". وقد قيل: الحكمة في ذلك أن الله جعله سكنًا فلا يخالف. وقيل: إنه من أفعال الجاهلية فلا يتشبه بهم. وبالجملة فتقليل

стр. 979

الكلام بالشخص أولى ما لم يتعلق بمصلحة دينية أو دنيوية، سواء كان في ليل أو نهار. ويقال: لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب، فنظمه بعضهم فقال: إذا ما اضطررت إلى كلمة ... فدعها وباب السكوت اقصد فلو كان كلامك من فضة ... لكان سكوتك من عسجد وسأل بعضهم مالكًا ﵁ في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني. فقال: إن شئت جمعت لك: علم العلماء، وحكم الحكماء، وطب الأطباء في ثلاث كلمات. أما علم العلماء إذا سئلت عما لا تعلم فقل: لا أعلم. وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم فكن أسكتهم، فإن أصابوا كنت من جملتهم. وإن أخْطَأُوا سلمت من خَطَّائهم. وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعامًا فلا تقم إلَّا ونفسك تشتهيه، فإنه لا يلم جسدك غير مرض الموت أو قريبًا من هذا وقال أيضًا: من عبد كلامه من عمله قل كلامه. أي إلَّا فيما يعنيه. وقيل: إنما جعل لك لسان واحد وأذنان، ليكون ما تسمع أكثر مما تقول. الحادي عشر: استنبط ابن الصلاح في فتاويه (١) من النهي عن

стр. 980

النوم قبلها أنه لو قصد بالنوم حيث يحتمل عنده الاستيقاظ قبل خروج الوقت [وعدمه على السواء أنه يعصي، ولو غلب على ظنه الاستيقاظ قبل خروج الوقت] (١) فيظهر عدم عصيانه، وإن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ عصى قطعًا مهما نام بعد الوقت، أما إذا نام قبله فلا؛ لأن التكليف لم يتعلق به [ورع] (٢) يعلم من [عادته] (٣) أنه لا يستيقظ إلَّا بعد الوقت. الثاني عشر: قوله: "وكان ينفتل من صلاة الغداة" إلى آخره فيه دلالة على ما تقدم من تقديم صلاة الصبح أول وقتها، فإن ابتداء معرفة [الإِنسان] (٤) جليسه يكون مع بقاء الغلس. وفيه دلالة أيضًا على أنه لا كراهة في تسمية الصبح غداة، وقد تقدم [ما فيه] (٥). [الثالث عشر] (٦): معرفة الرجل جليسه حين يسلم هو نظره إلى وجهه، ولهذا جاء في رواية [في] (٧) مسلم (٨): "حين يعرف بعضًا وجه بعض" وليس في هذا مخالفة لقوله في الحديث السالف في

стр. 981

النساء "ما يعرفهن أحد من الغلس" لأن هذا إخبار عن رؤية جليسه، وذلك إخبار عن رؤية النساء من بعد. [الرابع عشر] (١): انفتاله ﵊ يحتمل أن يكون [أراد به الراوي السلام أي انفتل بوجهه للسلام. ويحتمل أن يكون] (٢) أراد [أنه] (٣) انفتل بجميع بدنه، وأقبل على المأمومين. واعلم أنه إذا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل على [الناس] (٤) للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، والأصح عندنا أن [الأفضل] (٥) أن بجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل: عكسه، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال إمام الحرمين: إن لم يصح حديث يخير. قلت: صح بالأول في مسلم (٦) من حديث البراء ﵁ وفي فوائد الرحلة (٧) لابن الصلاح [عن المدخل] (٨) لزاهر

стр. 982

السرخسي (١): أن الإمام إذا مسلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل بوجهه على الناس. ونقل ابن العطار في شرح هذا الكتاب: عن الشافعي ومن وافقه، وتبعه أن بقاء الإِمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل خصوصًا إن جلس للذكر والدعاء لقوله ﵇: "خير المجالس ما اُستقبل به القبلة" (٢)، ولحثه ﵇ على نوع من الذكر بعد الصبح، وهو ثان رجليه على هيئة الجلوس في الصلاة (٣) قبل أن يقوم؛ لأنه أجمع للقلب، وأبعد من شغله، قال:

стр. 983

فيكون انفتاله ﵇ على أحد الاحتمالين لبيان الجواز أو محمولًا على حالة دعت إليه مصلحتُها متعدية عامة. قال: وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى [أن] (١) انفتال الإِمام إلى المأمومين بجميع بدنه عقب السلام أفضل، واستدل بأحاديث أخر، قال فيها: فلما [سلم] (٢) إنفتل، وأقبل على جلسائه، قال: والذي يقتضيه الجمع بين الأدلة أنه إن كانت المصلحة الشرعية في الاستقبال أكثر كان أفضل، وإن كانت في الانفتال إلى المأمومين [أفضل كان أكثر] (٣). [الخامس عشر] (٤): قوله: "كان يقرأ بالستين إلى المائة" أي كان يقرأ بالستين من الآى المائة آية، وهذا يدل أيضًا على التقديم، لأن ﵊ كان يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل جليسه، وتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وهذا الحكم وهو التطويل في القراءة أمته فيه كهو. نعم إذا أموا خففوا إلَّا إذا رضوا بالتطويل وانحصروا. [السادس عشر]: هل المراد بالجليس من جرت عادته مجالسته في غير الصلاة، أو [من] (٥) بإزائه في الصلاة عن يمينه أو يساره

стр. 984

خاصة، فيه احتمال، والأول هو ظاهر اللفظ، لأن جليسًا "فعيل" وهو من أبنية المبالغة المشعرة بالتكرار والكثرة، ويختلف المعنى باختلاف ذلك، فإن معرفة من جرت عادته بمجالسته كثيرًا أسرع قطعًا من معرفة غيره. [السابع عشر]: فيه تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال، وفيه [جواز] (١) مسارعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرًا له لإتيانه بالفاء المعقبة.

стр. 985

الحديث الخامس ٥١/ ٥/ ٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (١). وفي لفظ لمسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر. ثم صلاها بين المغرب والعشاء" (٢). الكلام عليه من جوه: أحدها: في راويه وقد تقدم بيانه في باب الْمَذْيِ وغيرِه. ثانيها: قوله: "يوم الخندق"، أي: في يوم من أيام حفر الخندق، وكان حضره في سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة أربع.
следующие страницы →