← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13771

انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٧٠٠ - باب قول الرجل جعلني الله فداك قال (ح): وقال أبو بكر للنبي ﷺ : فديناك بآبائنا وأمهاتنا، وهو طرف من حديث لأبي سعيد تقدم في مناقب أبو بكر الصديق (١٣٤٤). قال (ع): ليس كذلك بل هو تقوية [تنويه] للطالب، لأن الذي في مناقب أبي بكر من حديث أبي سعيد أوله خطب رسول الله ﷺ الناس وليس فيه لفظ: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، بل هو في باب الهجرة (١٣٤٥). قلت: كأنه نظر في متن البخاري في مناقب أبي بكر فما وجد هذا اللفظ في حديث أبي سعيد، ولو راجع الشرح المسمى فتح الباري لوجده بعينه، فإن المراد بقوله، تقدم، أي شرحه، والحديث واحد له طرق في بعضها ما ليس في بعض، وعادة الفتح أن يجمع ألفاظ الطرق في الموضع الذي يشرحه فيه، ويكتفي في الموضع الآخر أو الموضع بالحوالة عليه، فليس فيه تنويه على الطالب الحاذق، وبهذا يظهر أن جزمه بالرد حيث قال: قلت: ليس كذلك.

стр. 1157

٧٠١ - باب أحب الأسماء إلى الله قال (ح): وود بنحو هذا اللفظ حديث أخرجه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رفعه: "إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إلى الله عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ" وله شاهدان فذكرهما (١٣٤٦). قال (ع): فيه نظر لا يخفى (١٣٤٧). قلت: حذف من كلام (ح) الاستثناء وما بعده، ثم نظر عليه، وبإثبات الإستثناء يذهب نظره.

стр. 1158

٧٠٢ - باب من دعى صاحبه فنقص من اسمه حرفًا قال (ح): كذا اقتصر على حذف حرف وهو مطابق لأحاديث الباب، أمّا حديث عائشة فلقوله: "يَا عَائِشُ" وأمّا حديث أنس فلقوله: "يَا أَنْجَشُ" وأمّا حديث أبي هريرة ففيه نظر، ويمكن أن يكون لَحَظَ الِاسْمَ قَبْلَ التَّصْغِير، فإنّه يصير يا أبا هرة، فإذا حذف الهاء الأخيرة صدق أنّه نقص من الاسم حرفًا، وقد نازع ابن بطّال فيه فَقَالَ لَيْسَ مِنَ التَّرْخِيمِ وَإِنَّمَا هُوَ نَقْلُ اللَّفْظِ مِنَ التَّصْغِيرِ وَالتَّأْنِيثِ إِلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّذْكِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ كُنَّاهُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُرَيْرَةُ تَصْغِيرُ هِرَّةٍ فَخَاطَبَهُ بِاسْمِهَا مُذَكَّرًا فَهُوَ نُقْصَانٌ فِي اللَّفْظِ وَزِيَادَةٌ فِي الْمَعْنَى. قلت: فهو نقص في الجملة (١٣٤٨). قال (ع): لا ينبغي للشخص أن يتكلم في فن، وليس له فيه يد فليت شعري هل الذي قاله هل يردّ كلام ابن بطّال؟ انتهى (١٣٤٩).

стр. 1159

وجوابه قول القائل: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَاَرُ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ ويقال له: كيف ساغ لك أن تتكلم في علم الحديث، وتتصدى لأعظم شيء فيه، وهو شرح هذا الجامع الذي جمع فنونه ونور عيونه ثمّ ترجع فتقول: لم يتلفظ البخاريّ وإنّما ترجم بنقص حرف، وهو يصدق عليه الترخيم وعلى غيره، فالأولان ظاهران في الترخيم، والثّالث إن لم تصح فيه صورة الترخيم بالتقريب المذكور، وإلا فقد صدق عليه نقص حرف، وليس شرط الإستدراك على السابق أن يردّ عليه جميع كلامه، بل يصور بعدم إلغاء كلامه أصلًا، كما إذا رد الصواب بصواب آخر، فإن كلامه يسلم لكنه لا يصلح أن يتعقب الكلام الأوّل كما وقع لابن بطّال هنا والله المستعان.

стр. 1160

٧٠٣ - بَابُ الكُنْيَةِ لِلصَّبِيِّ وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ لِلرَّجُلِ قال (ح): ذكر فيه حديث أنس في قصة أبي عمير: "مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ" وذكر فيه أنّه كان فطيمًا، ومطابقته للخبر الأوّل ظاهرة، ويؤخذ الثّاني بالإلحاق بطريق الأولى، وأشار بذلك إلى الرد على من منع من كنية من لم يولد له، لكونه خلاف الواقع. فقد أخرج ابن ماجه [وأحمد والطحاوي] وصححه الحاكم أن عمر قال لصهيب: مالك تكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ قال: النّبيّ ﷺ كناني (١٣٥٠). قال (ع): هذا كلام غير موجه، لأنّ جواز التكني للصبي يستلزم جواز التكني للرجل قبل أن يولد، فكيف يصح الإلحاق به فضلًا عن الأولوية (١٣٥١).

стр. 1161

قلت: لم يظهر له التوجيه فنفاه، وتقريره أنّه إذا جاز أن يقال للصبي أبو فلان، وهو لا ولد له، فكذلك الرَّجل هنا بطريق الإلحاق، وأمّا طريق الأولوية فلأن الرَّجل يمكن أن يكون أبًا في الحال بالقوة، إنَّ لم يقع بالفعل، بخلاف الصبي، فإنّه يتراخى عن ذلك حتّى يبلغ. قال (ع): والظاهر أنّه لم يظفر بحديث على شرطه مطابقًا للجزء الثّاني فلذلك لم يذكر فيه شيئًا (١٣٥٢). قلت: قد مضى قريبًا أنّه ﷺ كنى أبا هريرة ولم يكن له حينئذ ولد.

стр. 1162

٧٠٤ - باب أبغض الأسماء قال (ح): قال الداودي في الحديث: " أَبْغَضُ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ خَالِدٌ وَمَالِكٌ" وذلك أن أحدًا ليس يخلد ومالك هو الله تعالى. ثمّ قال: وما أراه محفوظًا، لأنّ بعض الصّحابة كان اسمه خالدًا ومالكًا، قال: وفي القرآن تسمية خازن النّار مالكًا، قال: والعباد وإن كانوا يموتون فإن الأرواح لا تفنى، ثمّ تعود الأجسام الّتي كانت في الدنيا وتعود فيها تلك الأرواح، ويخلد كلّ فريق في أحد الدارين. هذا آخر كلامه. وأورده شيخنا ابن الملقن عنه ... إلى قوله: كان اسمه خالدًا ومالكًا، فتعقب بقوله: قلت: هذا عجيب، ففي الصّحابة خالد فوق السبعين ومالك في الصّحابة فوق المائة، والعباد وإن كانوا ... الخ، فأدرج قوله والعباد في كلامه وهو في الأصل بقية كلام الداودي (١٣٥٣). قال (ع): قال صاحب التوضيح: وهذا عجب وساقه ... الخ تقليدًا ولم يفصل (١٣٥٤). ثمّ قال (ح): احتجاجه بجواز التّسمية بخالد بما ذكر أن الأرواح لا تفنى، فعلى تقدير التسليم ليس بواضح، لأنّ الله تعالى قال لنبيه: ﴿وَمَا

стр. 1163

جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والبقاء الدائم بغير موت، فلا يلزم من كون الأرواح لا تفنى أن يقال لصاحب الرُّوح بعد أن مات خالد، وإنّما يقع له بعد أن يبعث بعد الموت (١٣٥٥). قال (ع): إعتراضه غير واضح ولا وارد، لأنّ نفي الخلد لبشر من قبل النّبيّ ﷺ إنّما هو في الدنيا، والنتيجة الّتي جناها على تلك المقدِّمة الفاسدة ممتنعة، وهي قوله: ولا يلزم ... الخ، بل يلزم ذلك في الآخرة (١٣٥٦). قلت: اجتمع في كلامه مع قلته إساءة ومكابرة وسوء فهم لا يخفى على من تدبر هذه القطعة منه شيء والله المستعان.

стр. 1164

٧٠٥ - باب المعاريض مندوحة عن الكذب قال (ح): باب منون غير مضاف (١٣٥٧). قال (ع): ليس كذلك، لأنّ شرط الإعراب التركيب، وإنّما يكون معربًا إذا قال: هنا باب والمعاريض [هذا باب فيه المعاريض] مندوحة عن الكذب (١٣٥٨). قلت: قد ثبتت الرِّواية بالتنوين، وهذا تقديره فلا وجه للإنكار.

стр. 1165

٧٠٦ - باب تشميت العاطس إذا حمد الله ذكر فيه حديث أبي هريرة معلقًا، وأشار به إلى حديث له ذكر في الباب الذي بعده، فحق على كلّ من سمعه أن يشمته ... الحديث، وحديث البراء موصولًا وفيه الأمر بتشميت العاطس. قال (ح): قال ابن بطّال: ليس في حديث البراء التفصيل الذي في التّرجمة، وإنّما ظاهره أن كلّ عاطس يشمت على التعميم، وإنّما التفصيل في حديث أبي هريرة الآتي، وكان ينبغي أن يذكره بلفظه في هذا الباب، ويذكر بعده حديث البراء، ليدل على أن حديث البراء وإن كان ظاهره العموم، لكن المراد الخصوص ببعض العاطسين، وهم الحامدون، قال: وهذا من الأبواب الّتي أعجلته المنية عن تهذيبها. كذا قال، والواقع أن هذا الصنيع لا يختص بهذه التّرجمة، بل أكثر منه البخاريّ في الصّحيح، فطالما ترجم بالتقييد أو بالتخصيص، ويورد في الباب حديثًا مطلقًا أو عامًا يشير إلى مطلقه مقيد أو عمومه مخصوص بحديث آخر، إمّا أن يذكره في باب آخر، ويشير إليه إشارة كما فعل في هذا الباب، حيث قال "فيه أبو هريرة" فإنّه تخصيص التشميت بمن حمد، وهذا أدق التصرفين، وقد دل إكثاره من ذلك على أنّه فعله عن عهد منه، لا أنّه مات قبل تهذيبه، ولقد عد العلماء ذلك من دقيق فهمه ولطف تصرفه، فإن في إيثار الأخفى على الأجلى شحنًا للذهن وبعثًا للمطالب على تتبع طرق الحديث إلى غير ذلك من الفوائد (١٣٥٩).

стр. 1166

قال (ع): أمّا كلام ابن بطّال فإنّه غير جلي، لأنّه لو قدم المقيد على المطلق لأورد عليه أن المقيد جزء المطلق، فتقديم المتضمن للحمد أولى، والذي قصده يفهم من هذا الموضع أن التهذيب ليس بشرط. قال: وأمّا كلام (ح) فلا يجدي شيئًا، لأنّ من وقف على أحاديث الباب يتعسر عليه أن يقف على ما وقع في بعض طرقه، وفي تفصيل حديث آخر. وقوله: إنَّ في إيثار الأخفى ...... إلخ تقوية [تنويه] للناظر وإحالة على تتبع أمر مجهول، وليس هذا بدأب عند العلماء (١٣٦٠). قلت: هذا الفصل وحده يظهر به قدر هذا المعترض وينبىء عن قدره في البلاغة والمعرفة والتمكن من ترجيح ما يخفى ترجيح بعضه على بعض والله المستعان. قال (ح): فرع من عطس وهو يجامع أو وهو في الخلاء فلم يحمد فَلِسامِعِه أن يشمته، فلو خاف العاطس فحمد في تلك الحال فهل يستحق التحميد؟ فيه نظر (١٣٦١). قال (ع): النظر أن التشميت لظاهر الحديث (١٣٦٢). قلت: من أراد أن يطلع على ما تعمده هذا المعترض من المفازة على

стр. 1167

فتح البارى بأن يكتب منه في شرحه الذي زعم أنّه جمعه ما يدعي بظاهر صنيعه أنّه كلامه، وإنّما ينقله بألفاظه ومعانيه من الفتح، فلينظر إلى هذا الفصل فإنّه ساقه كما هو في نحو صفحة، حتّى أن فيه مواضع يقول صاحب الفتح قلت فينقلها المعترض بلفظ قلت، موهمًا أن ذلك من تصرفه، لكونه لا ينسب لقائله، وأكثر الكتاب على هذا النمط، وقد نبهت على ذلك في أوائل هذا الكتاب، ومن أراد مصداق ذلك فليقابل بابًا منه بباب من الفتح، وينظر هل يزيد هذا المعترض إِلَّا شيئًا لو أراد صاحب الفتح أن يذكره لكان أعرف به منه، لكنه يعرض عنه اختصارًا أو فرارًا من التكرير والله المستعان.

стр. 1168

٧٠٧ - باب ما يستحب من العطاس ذكر فيه حديث: "إِنَّ الله يُحِبُّ اْلعُطاَسَ". قال (ح): المراد منه ما لا ينشأ عن الزكام، لأنّه المأمور فيه بالتحميد والتشميت، ويحتمل التعميم (١٣٦٣). قال (ع): ظاهره التعميم، لكن خرج منه الذي يعطس أكثر من ثلاث مرات (١٣٦٤). قلت: هذا غير الذي أراده (ح)، لأنّه ذكر احتمالين: أحدهما: أنّه عام مخصوص. والثّاني: أنّه باق على عمومه من جهة كونه محبوبًا بخلاف التثاؤب، وقد أفصح بذلك في الأصل، لأنّه بقية كلامه، ويحتمل التعميم في نوعي العطاس والتفصيل في التشميت خاصّة.

стр. 1169

كتاب الاستئذان ٧٠٨ - باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ ... إلى أن قال (ح): وأخرج الطّبريّ من طريق قتادة قال: "الاستئناس هو الاستئذان ثلاثًا، فالأولى ليسمع والثّانية ليتأهبوا، والثالثة إنَّ شاؤوا أذنوا". انتهى. والاستئناس في اللُّغة طلب الإيناس، وهومن الأُنس ضد الوحشة، وقد تقدّم في حديث عمر الطويل لما آلا رسول الله ﷺ نساءه واعتزل في المشربة قال عمر: فقلت: استأنس يا رسول الله. وحكى الطحاوي أن الاستئناس الاستئذان بلغة اليمن، وجاء عن ابن عبّاس إنكار لفظ الاستئناس في الآية فأخرج سعيد بن منصور وغيره عن ابن عبّاس بسند صحيح أنّه كان يقرأ حتّى تستأذنوا ويقول: أخطأ الكاتب، وساق الكلام على ذلك (١٣٦٥). قال (ع): قصد بما نقله عن الطحاوي إظهار ما في قلبه من الحقد للحنفية، وهذا قتادة قد فسر الاستئناس بالاستئذان (١٣٦٦).

стр. 1170

قلت: هذا التعقيب مردود، لأنّ تفسير قتادة راعى فيه معنى الاستئذان بخلاف ما نقله الطحاوي، ولأن الذي ينقل عن غيره لا يلزم بالخطأ أن لو كان المنقول خطأ إِلَّا أن يعاب بكونه يقر على الخطأ، ولم يصرح (ح) بأن الطحاوي أخطأ، وأكثر ما يوجد من الذي ساقه أنّه إطلاق في موضع التقييد الذي أظهره من ألحقه. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

стр. 1171

٧٠٩ - باب تسليم الصغير على الكبير قال (ح): "يُسَلِّمُ الْمَارُّ عَلى اْلقَاعِدِ" وهو أشمل من رواية ثابت: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلى اْلمَاشِي" لأنّه أعم من أن يكون المار ماشيًا أو راكبًا، وقد اجتمعا في رواية فضالة بن عبيد بلفظ: "يُسَلِّمُ اْلفَارِسُ عَلى اْلمَاشِي وَاْلمَاشِي عَلى اْلقَائِم" وَاْلقَائِمُ ضد القاعد، والجالس، وقد يطلق القائم ويراد به المستقر، فيكون أعم من أن يكون واقفًا أو جالسًا أو متكئًا أو مضطجعًا (١٣٦٧). قال (ع): هذا كلام لا يصح لا من حيث اللُّغة ولا من حيث الاصطلاح ولا من حيث العرف، فإن أحدًا لا يقول للقائم جالس ولا مضطجع (١٣٦٨). قلت: لا يزال يدفع بالصدر، وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي ملازمًا له لتقاضيه، وصرح بعضهم بأنّه ليس من القيام على رجل. قال الراغب: قام يقوم قيامًا فهو قائم، ثمّ قال: القيام على أضرب منها بالتسخير مثل قائم وحصيد، ومنها بالاختيار مثل ساجدًا وقائمًا، ومنها المراعاة للشيء أفمن هو قائم على كلّ نفس أي حافظ.

стр. 1172

وقوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ وصرح بعضهم بأنّه ليس من القيام على الرجل. وقال الراغب: قام يقوم قيامًا فهو قائم ثابتًا على طلبه، ومنها بمعنى العزم ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي أردتم، ومنها الدوام ﴿تُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي تديمون فعلها، قال: والقيام والقوام اسم لما يثبت به الشيء كالعماد كما يعمد، ويقال: قام وركد، وثبت بمعنى، وقام مقام فلان ناب عنه، ويتخلص من كلامه أن القائم يطلق على الحافظ للشيء وعلى الملازم وعلى المديم له وعلى الثابت عن غيره، وكل من ذلك، لا يتقيد بمعنى الوقوف الذي هو ضد القعود. وقال ابن الأثير في حديث حكيم بن حزام: بايعت رسول الله ﷺ ، يقال: قام فلان على الشيء إذا ثبت عليه وتمسك به. ثمّ قال: قوله: أو سنة قائمة، القائمة الدائمة المستمرة، وكذا حديث: "لو لم تكسلون لقام لكم" أي لدام لكم، وهذا تكثر شواهده وبعض ما استشهدت به في ما تقدّم يكفي في الرد على من أنكره وبالله التوفيق.

стр. 1173

٧١٠ - باب من رد فقال: عليك السّلام قال (ح): يحتمل أن يكون أشار إلى من قال لا يقدم على لفظ السّلام شيء، بل يقول في الابتداء والرد: السّلام عليك، وعلى من قال لا يقتصر على الإفراد بل يأتي بصيغة الجمع، وعلى من قال لا تحذف الواو بل تثبتها، وعلى من قال لا يقتصر على السّلام بل يزيد ورحمة الله، فهذه أربع [خمسة] مواضع جاءت فيها آثار تدل عليها ... وساق الكلام على ذلك (١٣٦٩). قال (ع): هذا تخمين فلا يعول عليها [عليه] وإنّما وضع التّرجمة في القول بعليك السّلام، ولم يحصرة على هذا، ثمّ نقل كلام (ح) واختاره ولم ينسب إليه شيئًا منه على العادة (١٣٧٠).

стр. 1174

٧١١ - باب المعانقة قال (ح): قال ابن بطّال [عن المهلب:] ترجم بالمعانقة ولم يذكر لها شيئًا فبقى الباب فارغًا حتّى مات ... إلى آخر كلامه، وكلام شارح التراجم الذي نقل كلامه الكرماني وأقره ثمّ تعقب (ح) كلامهم بما يراجع من كتابه (١٣٧١). قال (ع): بعد أن ساق ما نقله الكرماني وما قاله ابن بطّال ما نصه: وقد طول بعضهم كلامًا يمزق فكر الناظر بحيث لا يرجع بشيء (١٣٧٢). قلت: إن أراد بنفسه ومن كان في مثل فكره فهو معذور، وإلا فمن كان فكره سليمًا ونظره مستقيمًا لا يرجع إِلَّا وقد فهم واستفاد، قيل لأبي تمام: لا يقول ما يفهم، فأجاب: لم لا يفهم ما يقال.

стр. 1175

٧١٢ - باب من اتكأ بين يدي أصحابه قال (ح): ذكر فيه حديث خباب: أتيت النّبيّ ﷺ وهو متوسد بردة فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ قيل: الاتكاء الاضطجاع كما مضى في حديث عمر في الطّلاق وهو متكئ على سرير أي مضطجع. قوله: قد أثر السرير في جنبه، قاله عياض وفيه نظر، لأنّه يصح بدون تمام الاضطجاع، وقد قال الخطابي: كلّ معتمد على شيء متمكن منه فهو متكىء، وإيراده حديث خباب يشير به إلى أنّه اتكاء وزيادة (١٣٧٣). قال (ع): ليس كذلك لأنّ الاضطجاع هو النوم قاله ابن الأثير. وقال الجوهري: اضطجع وضع جنبه على الأرض (١٣٧٤). قلت: الذي قلت موافق لقول الخطابي، ولا ينافيه قول الجوهري.

стр. 1176

٧١٣ - باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة قال (ح): عطف المناجاة على المسارة من عطف الشيء على نفسه إذا كان بغير لفظه، لأنّهما بمعنى واحد كما قال أهل اللُّغة، وقيل: بينهما مغايرة وهو أن المسارة وإن اقتضت المفاعلة، لكنها باعتبار من يلقى السر ومن يلقى إليه، ولا يلزم أن الآخر يلقى سرًا، والمفاجأة تقتضى وقوع الكلام سرًا من الجانبين، فالمفاجأة أخص من المسارة، فيكون من عطف الخاص على العام (١٣٧٥). قال (ع): إذا كان لفظان معناهما واحد يجوز عطف أحدهما على الآخر باعتبار اختلاف اللفظين، وقوله بينهما مغايرة غير صحيح، لأنّه لا فرق بينهما من حيث اللُّغة. قال الجوهري: السر هو الذي يكتم، ثمّ قال: النجوى السر بين اثنين نجوته نجوًا ساررته، وكذا ناجيته (١٣٧٦). قلت: لم يزد على المكابرة والرد بالصدر.

стр. 1177

٧١٤ - باب الختان بعد الكبر قال (ح): قوله: "اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ ﵇ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً" ... إلى أن قال: ووقع في الموطَّأ عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إنَّ إِبْراَهيِمَ أَوَّلُ مَنْ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ عِشْريِنَ وَمِئَةِ سَنَة وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانيِنَ سَنَةً". ورويناه في فوائد ابن السماك من طريق أبي أويس عن أبي الزِّناد بهذا السند مرفوعًا، وأبو أُويس فيه لين، وأكثر الروايات على ما في حديث الباب عن طريق شعيب عن أبي الزِّناد بهذا السند مرفوعًا، وأبو أُويس فيه لين، وأكثر الروايات على ما في حديث الباب من طريق شعيب عن أبي الزِّناد: "أَنَّهُ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً". وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له بالختان الجمع بين الروايتين بأن إبراهيم عاش مائتي سنة، منها ثمانين غير مختون، ومنها مائة وعشرون وهو مختون. فمعنى الحديث الأوّل أنّه اختتن لثمانين سنة مضت من عمره. ومعنى الحديث الثّاني مئة وعشرين سنة بقيت من عمره (١٣٧٧). قال (ع): إنّما يجمع بينهما إذا كانا متساويين في الصِّحَّة، فحديث

стр. 1178

الباب لا يقاومه الآخر لما في صحته من النظر، وقد ذهب هو إلى عدم صحته (١٣٧٨). قلت: جرى على عادته في ادعاء الحصر فيما ليس بمحصور، فما زال العلماء يجمعون بين الحديثين المختلفين في الظّاهر على تقدير صحة كلّ منهما، وإن كان ضعف أحدهما ظاهرًا، فمن الذي اشترط في بيان الجمع فسادهما في الصِّحَّة، وقد اختلفوا في اشتراط مقاومة الناسخ للمنسوخ، فعند قوم لا يحكم بنسخه إِلَّا إذا ساواه، وكان الناسخ أقوى ولم يشترطه آخرون.

стр. 1179

كتاب الدعوات ٧١٥ - باب أفضل الاستغفار قال (ح): قوله:"سَيِّدُ الإسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي" أي يقول العبد، وثبت في رواية أحمد والنسائي:"إنَّ سَيِّدَ الْاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ اْلعَبْدُ" (١٣٧٩). قال (ع): أن يقول بصيغة المخاطب يعني بالمثناة الفوقانية ولا يحتاج إلى تقدير، لأنّ الأصل عدمه ورواية التّرمذيّ ألا أدلك يؤيدُ ما ذكرناه (١٣٨٠). قلت: لم يثبت في البخاريّ إِلَّا في المثناة التحتانية فتعين التقدير المذكور.

стр. 1180

٧١٦ - باب التوبة قوله: نزل منزلًا وبه مهلكة. قال (ح): كذا في الرِّواية الّتي وقفت عليها من صحيح البخاريّ بواو ثمّ موحدة ثمّ هاء ضمير، ووقع في رواية مسلم وغيره من أصحاب السنن والمسانيد "بِدَوِيَّةٍ" بموحدة ثمّ دال مفتوحة ثمّ واو مثقلة ثمّ مثناة تحتانية ثقيلة وهي الأرض المقفرة. وحكى الكرماني أنّه وقع في صحيح البخاريّ "وبيئة" بعد الموحدة مثناة تحتانية، ثمّ مد وهمز وزن عظيم من الوباء، ولم أقف على ذلك في كلام غيره، ويلزم منه أن يصف المذكور وهو المنزل بوصف المؤنث في قوله "وبيئة مهلكة" وهو جائز على إرادة البقعة (١٣٨١). قال (ع): عدم وقوفه على هذا لا يستلزم عدم وقوف غيره، ومن أين له الوقوف على كلام القوم كلهم، حتّى يقول: لم أقف واللزوم المذكور غير صحيح، لأنّ المنزل يطلق على البقعة (١٣٨٢).

стр. 1181

٧١٧ - باب إذا بات طاهرًا قال (ح): قال الكرماني في قوله ﷺ -في حديث البراء: "لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ". قال الكرماني: هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في "منك" وإن كانا ظرفين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره ألَّا ملجأ إلى أحد إِلَّا إليك ولا منجا إِلَّا إليك (١٣٨٣). قال (ع): لم يذكر الكرماني هذا في هذا الموضع (١٣٨٤). قلت: هذا ينادى عليه بعدم الاطلاع، لأنّه لو عرف بجمع طرق الحديث ويحيط علمًا بالأماكن الّتي يذكرها فيه البخاريّ كان يدعي قبل ذلك في أوائل الشرح، لاطلع على الموضع الذي ذكر الكرماني فيه الكلام المذكور والله المستعان.

стр. 1182

٧١٨ - باب التعوذ والقراءة عند المنام قال (ع): طول الشارح في هذا الموضع كلامًا من غير ترتيب بحيث أن الناظر فيه يتشوش ذهنه. لا سيما إذا كان مبتدئًا (١٣٨٥). قلت: لهم أن ينشدوه على نحب القوافي وما علي إذا لم.

стр. 1183

٧١٩ - باب ليعزم المسألة قال (ح): وقع في حديث أنس "فَإِنَّهُ لَا مُستَكْرِهَ لَهُ" وفي حديث أبي هريرة "فَإنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَه" وهما بمعنى (١٣٨٦). قال (ع): ليس كذلك بل السين تدل على الشدة (١٣٨٧). ثمّ قال: في الباب ثلاثة. قوله: يستجاب أي يجاب (١٣٨٨). وقال الكرماني: يستجاب من الاستجابة بمعنى الإجابة (١٣٨٩).

стр. 1184

٧٢٠ - باب التعوذ من جهد البلاء ذكر حديث: كان يتعوذ من جهد البلاء، قال سفيان هو ابن عيينة: الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري. انتهى. قال (ح): يريد أن الحديث الذي رواه يشتمل على ثلاث جمل من الأربع المذكورة، والرّابعة زادها هو من قبل نفسه، ثمّ خفي عليه تعيينها. قال الكرماني: فإن قلت: كيف جاز له أن يخلط كلامه بكلام رسول الله ﷺ بحيث لا يفرق بينهما؟ قلت: ما خلطها وإنّما اشتبهت عليه الثّلاثة، وكان يحفظ رابعة خارجة عن الحديث، فذكر الأربعة تخفيفًا لرواية الثلاث، وقال غيره: كان سفيان مَيَّزَها إذا حدث، ثمّ خفي عليه وكان يعتذر عن تمييزها (١٣٩٠). قلت: وهذا فيه نظر، فقد روى الحديث الحميدي في مسنده وأبو عوانة في صحيحه والإسماعيلى وأبو نعيم من طريق الحميدي عن سفيان مقتصرًا على ثلاث من الأربع. وأخرجه مسلم عن أبي حميد وعمرو الناقد والنيسابوري عن قتيبة، والإسماعيلي أيضًا من رواية العباس بن الوليد وأبو عوانة أيضًا من رواية عبد الجبار بن العلاء وأبو نعيم أيضًا من رواية سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان ابن عيينة، فذكر الأربع فلم يميز ولم يعتذر.

стр. 1185

وكذا وقع عند البخاريّ في كتاب القدر عن مسدد، إِلَّا أن مسلمًا قال: عن عمرو الناقد قال: عن سفيان: أشك أني زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان مثل رواية الحميدي، لكنه قال في آخره قال سفيان: وشماتة الأعداء ففصلها عن الثلاث. وأصرح منه ما أخرجه ابن أبي عمر في مسنده والإسماعيلى من طريقه عن سفيان، فصرح بأن الخصلة المزيدة وهي شماتة الأعداء، وهي الخصلة الّتي لم يذكرها الحميدي، وكذا اقتصر شجاع بن مخلد عن سفيان أخرجه الإسماعيلى أيضًا من طريقه. قال (ع): نقل بعضهم عن الكرماني أنّه اعتذر عن سفيان فقال: يجاب عنه بأنّه كان إذا حدث ميزها ولم يقل الكرماني ما نقله عنه أصلًا (١٣٩١). قلت: هو كذلك، ولكن النسخة الّتي نقل منها (ع) سقط منها ما جبر الكلام الذي نقله (ح) عن غير الكرماني عن الكرماني، وبالله التوفيق.

стр. 1186

٧٢١ - باب الصّلاة على النّبيّ ﷺ - قال (ح): هذا الإطلاق يحتمل أن يكون المقدر حكم الصّلاة وفضلها وكيفيتها ومحلها، ولكن الحديثان في الباب مختصان بالكيفية (١٣٩٢). قال (ع): حديثًا الباب يُعيدَان هذا الإطلاق، لأنّهما يبينان عن الكيفية والمطابقة مطلوبة (١٣٩٣). قلت: انظروا وتعجبوا.

стр. 1187

٧٢٢ - باب التعوذ من عذاب القبر قوله: ودخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنَّ عجوزين، وذكرت له فقال: "صَدَقَتَا". قال (ح): قال الكرماني: حذف خبر إنَّ للعلّم به. قلت: يظهر أن البخاريّ حذفه اختصارًا، فقد أخرجه الإسماعيلى عن عمران بن موسى عن عثمان شيخ البخاريّ فيه ولفظه: فقلت: يا رسول الله، إنَّ عجوزين من عجائز يهود المدينة دخلتا عليَّ فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال:"صَدَقَتَا" انتهى. فعلى هذا فتقرأ وذكرتُ بصيغة المخاطِب بكسر الطاء ويجوز بلفظ الماضي كالحكاية من الذي اختصره (١٣٩٤). قال (ع): الظّاهر أن الذي حذفه أحد الرواة (١٣٩٥). قلت: توجيه ما قال (ح) أن سند البخاريّ والإسماعيلي اتحد من شيخ البخاريّ فصاعدًا، فساقه شيخ الإسماعيلي بتمامه وساقه البخاريّ مختصرًا، فإذا اتفق اثنان على رواية شيء وزاد أحدهما على الآخر إمّا أن يكون الظّاهر أن النقص جاء من غير الذي زاد وإن احتمل أن يكون شيخهما رواه مرّة ناقصًا ومرة تامًا، ثمّ إذا عرفنا أن النقل الصّحيح والتجربة المتكررة أن البخاريّ يخير اختصار الحديث والاقتصار على بعضه، وروايته بالمعنى ولم ينقل لنا ذلك عن شيخه، فما تكون هذه القرينة في صحه النسبة إليه لولا المعاندة وإيثار إكثار الاعتراض.

стр. 1188

٧٢٣ - باب التعوذ من المأثم والمغرم قوله:"ومن شَرِّ فِتْنَة الْغِنى". قال الكرماني: إنّما ذكر فيه لفظ الشر، ولم يذكره في فتنة القبر، لأنّ مضرة الغنى أكثر أو تغليظًا على الأغنياء حتّى لا يفروا أو إيماء إلى صورة إخوانه أن لا خير فيها بخلاف صورته، فإنها قد تكون خيرًا. قال (ح): هذه غفلة عن الواقع، فإن لفظ شر ثابتة في الموضعين، وإنّما اختصرها بعض الرواة، كما اختصرها غيره من فتنة الفقر أيضًا، فسيأتي بعد قليل في "باب الاستعاذة من أرذل العمر" من وجه آخر عن هشام رواية بإثبات شر فتنة الغنى، وفي [شر] فتنة القبر، ويأتي بعد أبواب من وجه آخر عن هشام بحذفهما، والحكم عند الاختلاف لمن زاد، وكل من الغنى والفقر فيه خير وشر باعتبار. ثمّ ساق كلام الغزالي مبينًا للسر الذي في كلّ منهما، وقد سوى بينهما البخاريّ بعد ذلك فترجم باب الاستعاذة من فتنة القبر (١٣٩٦). قال (ع): بل هذه غفلة منه حيث يدعي اختصار بعض الرواة بغير دليل، والكلام الذي استدل به لا يساعده، لأنّ الكرماني يقول: يحتمل أن يكون شر في فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرواة، مع أنّه لا يلزمه ذلك، لأنّه في بيان هذا الموضع الذي وقع لنا خاصّة (١٣٩٧).

стр. 1189

٧٢٤ - باب الدُّعاء برفع الوباء قال (ح): فسر بعضهم الوباء بالطاعون وزعم أنّهما مترادفان، وفيه نظر، فإن الوباء مرض عام ينشأ عن فساد الهواء يقع بسبب موت ذريع وهو أعم من الطّاعون، والدّليل على تغايرهما أن المدينة لا يدخلها الطّاعون كما ثبت في الصّحيح، وتقدم بيانه في الطب وأنّه دخلها الوباء كما ثبت في حديث العرنيين (١٣٩٨). قال (ع): يحتمل أن يقال لا يدخل المدينة الطّاعون بعد قدوم النّبيّ ﷺ (١٣٩٩). قلت: غفل عن قصة العرنيين، فإنها كانت بعد مقدم النّبيّ ﷺ . قوله: عن عائشة لحديث: "أَنْقُلْ حُمَاهَا إلى اْلجُحْفَةِ". قال (ح): أشار إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقد تقدّم في أواخر الحجِّ (١٤٠٠). قال (ع): هذا تعسف والمطابقة لا تكون إِلَّا عن التّرجمة وحديث الباب بعينه (١٤٠١). كذا قال، ومن أين له هذا الحصر والمطابقة يكفي في وجودها المناسبة؟ وهي تحصل بالعبارة تارة، وبالإِشارة أخرى، وقد أثبت (ع) ما نفاه فقال بعد

стр. 1190

قليل: "باب الدُّعاء إذا أراد سفرا أو رجع". ذكر فيه حديث أنس في قصة صفية، وفيه: فلما أشرفنا على المدينة ما نصه: فإن قلت: التّرجمة ستأتي فأين الأولى؟ قلت: لحديث ابن عمر طريق أخرى عند مسلم فيها ذلك (١٤٠٢). وقال في بعض المواضع في حديث أنس:"إِنَّ حَقًّا عَلى الله أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" مطابقة الحديث للترجمة من حيث أن في طريق هذا الحديث عند النسائي: "أَنْ لَا يَرفْعَ شَيْء نَفْسَهُ فِي الدُّنْيا إِلَّا وَضَعَهُ". وقال في أثناء كتاب القدر ما نصه: ومن عادة البخاريّ أن يترجم بما ورد في بعض طرق الحديث وإن لم يسق ذلك اللّفظ بعينه. وقال في باب من اطلع على بيت غيره: قيل: لا يطابق الحديث التّرجمة لأنّه ليس فيه التصريح بأن لا دية له. وأجيب: بأن عادة البخاريّ الإشارة إلى ما ورد فيه من ذلك، وقد عمل ذلك كثيرًا. قوله في حديث سعد: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من شكوى ... الحديث. قال (ح): هذا يتعلّق بالركن الثّاني عن التّرجمة، لأنّ في بعض طرقه: من وجع كان بي. قال (ع): التّرجمة الدُّعاء برفع الوجع. انتهى. وغفل هذا المعترض عن بقية الكلام عن الحديث، فإن فيه أن في بعض طرقه عند مسلم قلت: فادع الله أن يشفيني فقال:"اللَّهُمَّ أَشْفِ سَعْدًا" ثلاث مرات، وقد تقدّم أيضًا ذلك (ح) في كتاب الوصايا.

стр. 1191

٧٢٥ - باب الدُّعاء على المشركين ذكر فيه حديث علي بن أبي طالب في الصّلاة الوسطى. قوله في آخره: وهي صلاة العصر. قال الكرماني: هو تفسير من الراوي إدراجًا منه. قال (ح): فيه نظره الحديث تقدّم في الجهاد وعدة مواضع من طرق عن هشام وليس فيه ذكر العصر، إِلَّا أنّه وقع في المغازي إلى أن غابت الشّمس، كما وقع هنا حتّى غابت الشّمس، وهو مشعر بأنّها العصر (١٤٠٣). قال (ع): هذا لا يدلُّ على أنّها العصر وحده، لأنّه يجوز أن يكون الظهر معه. قال: واستدل (ح) على أن هذه اللفظة ليست مدرجة بحديث حذيفة شغلونا عن صلاة العصر، وليس استدلا له صحيحًا، لأنّ فيه التصريح في نفي الحديث، وحديث الباب ليس كذلك على ما لا يخفى (١٤٠٤). كذا قال.

стр. 1192

٧٢٦ - باب قول النَّبيِّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْت " ذكر فيه حديث أبي موسى مرفوعًا كان يدعو بهذا الدُّعاء: "رَبِّ اغفِرْ لى خَطِيئَتي وَجهْلِي وَإسْراَفِي فِي أَمْريِ". قال (ح) بعد أن شرح الحديث: تكميل نقل الكرماني تبعًا لمغلطاي عن القرافي أن قول القائل في دعائه: اللَّهُمَّ اغفر [لي و] لجميع المسلمين دعاء بالمحال, لأنّ صاحب الكبيرة قد يدخل النّار، وأمّا الإخراج بالشفاعة والعفو، فهو غفران في الجملة، وتعقب أيضًا بالمعارضة بقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ويقول إبراهيم ﵇ نحوه. والتحقيق أن السؤال بلفظ التعميم، لأنّه يستلزم طلب ذلك لكل فرد فرد بطريق التعيين، فلعلّ مراد القرافي منع ما يشعر بذلك لا منع أصل الدُّعاء لِذلك فرد فرد من أفراده، ثمّ إنِّي لا يظهر لي مناسبة ذكر هذه المسألة في هذا الباب (١٤٠٥). قال (ع): ما نصه بعد أن أغار على ما تعقب به (ح) الكلام المذكور وصدره بقوله أقول: فيه منع ومعارضة، ثمّ ذكره. ثمّ قال: قلت: لم يتبع الكرماني في نقله هذا عن القرافي وفيه ترك

стр. 1193

الأدب أيضًا، حيث يصرح بقوله مغلطاي، ولو كان الشّيخ علاء الدِّين مغلطاي تلميذه أو رفيقه في الاشتغال لم يكن من الأدب أن يذكره باسمه بدون التعظيم، وقال في آخر كلامه: لم يظهر لي مناسبة ذكر هذه المسألة في هذا الباب. قلت: وجه المناسبة في ذلك أظهر من كلّ شيء، وقد ظهر لغيره من أهل التحقيق ما لم يظهر له لقصور تأمله انتهى كلامه (١٤٠٦). وما ادعاه من الظهور فيلزمه بيانه، وأمّا ما انتصر به لمغلطاي فقد وقع هو في أشد منه حيث يذكر كلام صاحب المشارق والكمال والشفاء بلفظ: قال عياض، مجردًا عن الإمام أو الشّيخ، ولا يشكّ أحد أن منزلة عياض أعلى من منزلة مغلطاي كثرة أوهامه ونحو ذلك، بخلاف (ع) مع عياض، فإنّه يذكره مجردًا حيث يكون مصيبًا محققًا، فأي العلمين أولى بالإنكار أو الاعتذار؟

стр. 1194

كتاب الرقاق ٧٢٧ - باب مثل الدنيا في الآخرة قال (ح): هذه التّرجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق قيس بن أبي حازم عن المستور بن شداد رفعه: "وَالله مَا الدُّنْيَا في اْلآخِرَةِ إِلَّا مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إصْبَعَهُ فِي اْليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرَجْعُ" (١٤٠٧). قال (ع): قلت: لا وجه أصلًا في الذي ذكر، ولا خطر ببال البخاريّ هذا، وإنّما وضع هذه التّرجمة، ثمّ ذكر حديث سهل، لأنّه يطابقه في المعنى، ولا يخفى ذلك إِلَّا على القاصر في الفهم. ثمّ قال: لما ساق الحديث مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث من حيث أن قدر السوط إذا كان خيرًا من الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كلا شيء (١٤٠٨). قلت: قال (ح) متصلًا بكلامه: واقتصر البخاريّ على حديث سهل بن سعد: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي اْلجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" فإن قدر السوط إذا كان خيرًا من الدنيا، فيكون الذي يساويها ممّا في الجنَّة دون قدر السوط، فيوافق ما دل عليه حديث المستورد. انتهى.

стр. 1195

٧٢٨ - باب ذهاب الصالحين ويقال: الذهاب: المطر. قال (ح): مراده لفظ الذهاب مشترك بين المضي والمطر (١٤٠٩). قال (ع): ليس كذلك، بل المضي بالفتح والمطر بالكسر. قال صاحب المحكم: الذاهبة بالكسر المطرة والجمع الذهاب (١٤١٠): قلت: حذف بعض الكلام ثمّ اعترض، وذلك أن عند (ح) متصلًا بقوله بين المضي والمطر، وقال بعض أهل اللُّغة: الذهاب بالكسر: المطر اللين، وهو جمع ذهبة بكسر أوله وسكون ثانيه ويجوز فتحه.
следующие страницы →