قال (ع): إنّما يكون القياس في مقابلة النص فاسدًا إذا كان النص سالمًا عن المعارض وليس كذلك حديث سليك، كذا قال (٨٣٩).
وقال (ح) أيضًا: قالوا: لا نسلم أن المراد بالركعتين اللتين أمر بهما سليك التحية بك يحتمل أن يكون صلاة فائتة كالصبح، وقد تولى رد ذلك ابن حبّان فقال في صحيحه: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّة بعد أخرى (٨٤٠).
قال (ع): أخذ هذا من ابن المنير المالكي فإنّه قال: لعلّه ﷺ كان كشف له عن سليك أن عليه صلاة فائتة فاستفهمه ملاطفة له، ولو كان أراد التحية لما استفهمه لأنّه رآه لما دخل (٨٤١).
قال (ع): وهذه تقوية جيدة بانصاف، وما نقله عن ابن حبّان ليس بشيء، لكن تكراره يدلُّ على أنّه أمره به من الصّلاة الفائتة لأنّ التكرار لا يحسن في غير الواجب (٨٤٢).
وقال (ح) أيضًا ناقلًا عن شارح التّرمذي: كلّ من نقل عنه منع الصّلاة والإِمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد لأنّه لم يقع عن أحد التصريح بمنع التحية (٨٤٣).
قال (ع): قد ذكرنا ما أخرج عن عقبة بن عامر أن الصّلاة والإِمام على المنبر معصية، فكيف يقول: لم يثبت عن أحد ما يخالف ذلك وأي مخالفة تكون أقوى من هذا، وأي تصريح أتقن من هذا، ولو كان عقبة قال هو
стр. 387
مكروه لكان صريحًا فضلًا عن قوله معصية (٨٤٤).
قلت: إنّما نفى التصريح وليس هذا صريحًا لأنّه يجوز أن يحمل على من كان داخلًا لو ثبت ويحتمل أن يحمل على من صلّى والإِمام يخطب ممّن كان في المسجد قبل أن يخرج الإمام، ومن جاء بعد وصلّى التحية ثمّ جلس، ثمّ قام يصلّي في أثناء الخطبة كما يصنعه كثير من النَّاس في أثناء الخطبة الثّانية، والغرض أنّه غير ثابت لأنّه من رواية ابن لهيعة.
قال (ع): ما لابن لهيعة؟ قد قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه؟ انتهى (٨٤٥).
ومن يصل في التعصب إلى نقل ما قيل في الراوي من التوثيق، ويسكت عما قيل فيه من التجريح يسقط الكلام معه لارتكابه الصعب مع قولهم إنَّ الجرح مقدم على التعديل، بل إذا كان مفسرًا، والواقع أن في ابن لهيعة من القدح المفسر ما يمتنع معه الاحتجاج به إذا انفرد.
قال (ح): أيضًا: نقل الطحاوي عن عبد الله بن صفوان أنّه دخل المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن، ثمّ سلم عليه، ثمّ جلس، قال: وهما صحابيان فلم ينكر ابن الزبير على صفوان ولا من حضر، دل على ما قلناه، كذا قال، وتعقب أن تركهم النكير لا يدلُّ على تحريمها بل يدل على عدم وجوبها (٨٤٦).
قال (ع): هذا التعقب مردود لأنّه من ادعى تحريمها حتّى يرد ما استدل به الطحاوي ولم يقل هو ولا غيره بالحرمة، وإنّما قالوا: إنّما الداخل
стр. 388
ينبغي أن يجلس ولا يصلّي إذا كان الإمام يخطب، وقال أيضًا: المراد بحديث عقبة أنّه معصية مبالغة (٨٤٧).
وقال (ح) أيضًا: يندفع جيمع ما احتجوا به بعموم حديث أبي قتادة في الصحيحين: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ اْلمَسْجدَ فَلَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ".
قال النووي: هذا نصّ لا يتطرق إليه التّأويل (٨٤٨).
قال (ع): قد أجبنا عن هذا بأنّه عام مخصوص، وفرق بين التّأويل والتخصيص، فإن أحدًا من المانعين لم يقل إنّه مؤول، وإنّما قالوا: مخصوص (٨٤٩).
وقال (ح) أيضًا: في حديث الباب جواز صلاة التحية في الأوقات المكروهة لأنّها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإِنصات فغيرها أولى.
قال (ع): حديث عقبة بن عامر: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلّي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشّمس بازغة .... "
الحديث رواه مسلم والأربعة، وعمومه يمنع سائر الصلوات، فهذه الأوقات من الفرائض والنوافل، وصلاة التحية من النوافل، كذا قال (٨٥٠) من.
стр. 389
١٧٣ - باب إذا نفر النَّاس عن الإمام في صلاة الجمعة
قال (ح): قول جابر: بينما نحن نصلّي .... إلى أن قال: إذ أقبلت عير تحمل طعامًا فالتفتوا إليها وفي قوله "فالتفتوا" التفات, لأنّ السياق يقتضي أن يقول فالتفتنا وكأن النكتة فيه أن جابرًا لم يكن ممّن التفت (٨٥١).
قال (ع): ليس فيه التفات لأنّ جابرًا كان من الإِثنى عشر غير المنفضين (٨٥٢).
стр. 390
١٧٣ مكرر- من: بَابُ الحِرَابِ وَالدَّرَقِ
قال (ح): قوله: "وعندي جاريتان تغنيان".
في كتاب العيدين لابن أبي الدنيا من طريق فليح عن هشام عن عروة: وحمامة وصاحبتها تغنيان، وإسناده صحيح ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصّحابة حمامة هذه (٨٥٣).
قال (ع): ذكر الذهبي في التجريد حمامة أم بلال اشتراها أبو بكر وأعتقها (٨٥٤).
فانظر وتعجب فإن بعض طرق الحديث: أنّهما جاريتان من الأنصار.
قوله: وكان يوم عيد يلعب فيه الحبشة.
قال (ح): في رواية النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة: دخل الحبشة المسجد، فقال النّبيّ ﷺ : "يَا حُمَيْرَاُء أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظرُي إِلْيهِمْ؟ " فقلت: نعم.
إسنادة صحيح ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إِلَّا في هذا (٨٥٥).
قال (ع): قد روي من حديث هشام بن عروة عن أبيه قالت عائشة: أسخنت ماءً في الشّمس، فقال النّبيّ ﷺ : "يَا حُمَيْرَاُء، فَإِنَّهُ يُورِثُ اْلَبَرصَ" وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا ففيه ذكر الحميراء (٨٥٦).
стр. 391
١٧٣ مكرر- من: باب العلم الذي بالمصلّى
قوله: فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه
قال (ح): أي يلقينه (٨٥٧).
قال (ع): تفسير يهوين بيلقين يقتضي أن يبقى يقذفنه تكرارًا بلا فائدة، كذا قال (٨٥٨).
стр. 392
١٧٤ - باب موعظة الإمام النِّساء
قوله: فتلقين اْلفَتَحَ.
قال (ح): هومن الإِلقاء، والمعنى تلقي الواحدة وكذلك الباقيات (٨٥٩).
قال (ح): هذا تخمين وحساب، ويحتمل أن تكون غيرها، وباب الإِحتمال واسع (٨٦٠).
стр. 393
١٧٥ - باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد
قوله: "تُلْبسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبهِا" ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد (٨٦١).
قال (ع): هذا الذي قاله هذا لم يقل به أحد ممّن له ذوق في معاني التركيب لأنّه ظن أن معنى قوله: "مِنْ ثَوْبِهَا" بعضًا من ثوبها، بأن تدخلها في ثوبها حتّى تصير كلتاهما في ثوب واحد، وهذا لم يقل به أحد، ويعسر ذلك عليهما جدًا في الحركة، وإنّما فسروا قوله في الحديث: "لتلبسها" يعني لتعيرها جلبابًا لا تحتاج إليها (٨٦٢).
قال: وفيه: لِيَخْرُجِ اْلعَوَاتِقُ ..... الخ.
قال ابن بطّال: فيه تأكيد خروجهن إلى العيد.
وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون هذا الأمر في أول الإسلام، والناس قليل فأريد التكثير بحضورهن.
ورده الكرماني بأنّه يحتاج إلى التاريخ والنسخ لا يثبت إِلَّا باليقين (٨٦٣).
قال (ح): وقد أفتت به أم عطية بعد النّبيّ ﷺ بمدة،- ولم يثبت عن أحد من الصّحابة مخالفتها في ذلك صريحًا (٨٦٤).
стр. 394
قال (ع): بل رد الكرماني مردود، وأمّا القائل فيعارض بقول عائشة: لو رأى النّبيّ ﷺ ما أحدث النِّساء لمنعهن ... الحديث، فكيف يقول هذا لم يثبت عن أحد من الصّحابة وأين أم عطية من عائشة؟ كذا قال (٨٦٥).
стр. 395
١٧٦ - باب المشي والركوب إلى العيد
قال (ح): اعترض ابن التين لأنّه ليس فيما ذكره ما يدل على مشي ولا ركوب، وأجاب الزين بن المنير بأن عدم الذكر يشعر بأنّه لا مزية لأحدهما. قلت: يحتمل أن يكون استنبطه من قوله في حديث جابر وهو يتوكأ على يد بلال فإنّه يؤخذ منه أن المشي لمن يشق عليه أولى، وأنّه إذا لم يتيسر ما يركب يتوكأ لتخف عنه مشقة المشي (٨٦٦).
قال (ع) بعد أن نقل ذلك: قلت: بقي الجزء الأوّل خاليًا.
ثمّ نقل كلام ابن المنير فاعترضه فقال: ليس هذا بشيء، ولكن يستأنس في ذلك قوله: وهو يتوكأ [يد] على بلال لأنّ فيه تخفيفًا عن مشقة المشي (٨٦٧).
стр. 396
١٧٧ - باب من خالف الطريق
قال (ح): في سياق مناسبة مخالفة الطريق فبلغها زيادة على عشرين فحذف من هذه الأوجه ما كان واهيًا ويتبين ما عداه، وقد قال القاضي عبد الوهّاب: أكثرها دعاوي فارغة (٨٦٨).
قال (ع): لكنها اختراعات جيدة فلا تحتاج إلى دليل ولا إلى تصحيح وتضعيف (٨٦٩).
стр. 397
١٧٨ - من أبواب الوتر
قوله: فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم في كلّ ركعتين.
قال (ح): فيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى مثنى أن يتشهد بين كلّ ركعتين, لأنّ راوي الحديث أعلم بالمراد به وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم, لأنّه يقال في الرباعية مثلًا أنّها مثنى (٨٧٠).
قال (ع): زعم هذا الحنفي بما ذكر لا يستلزم نفي السّلام، ومقصوده أن لا بد من التشهد بين كلّ ركعتين، وأمّا أنّه يسلم أو لا يسلم فهو بحث آخر، ويجوز أن يقال في الرباعية مثنى مثنى بالنظر إلى أن كلّ ركعتين منها مثنى مع قطع النظر عن السّلام (٨٧١).
قوله: عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الله بن عمر رفعه: "صَلَاةُ الَّليْلِ مَثْنَى مَثْنَى" قال: ورأينا أُناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلًا لواسع.
قال (ح): القاسم هذا هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق وكلامه هذا هو بالإِسناد المذكور، كذلك أخرجه أبو نعيم في مستخرجه، ووهم من زعم أنّه معلق (٨٧٢).
قال (ع): الصواب مع من ادعى أنّه معلق لأنّه فصله عما قبله، ولا يلزم من استخراج أبي نعيم إياه موصولًا أن يكون هذا موصولًا (٨٧٣).
стр. 398
ثمّ قال (ح): فيه: إنَّ القاسم فهم من قوله فاركع ركعة منفردة منفصلة، ولذلك قائلها يقول: يوترون بثلاث أي متصلة ورأى أن كلا جائز (٨٧٤).
قال (ع): القاسم صاحب لسان وفهم وعلم كيف ينسب إليه ما لا يدلُّ اللّفظ عليه، فإن قوله: "فاركع ركعة" أعم من أن تكون متصلة أو منفصلة، ولكن قوله: توتر لك يدلُّ على أنّه وصلها بالركعتين قبلها, لأنّ قوله ما صلّيت أي الذي صلّيت وهو ما فعل الركعة، ولا يكون ذلك وترًا إِلَّا إذا انضم إليه هذه الواحدة من غير فصل، فلو فصل لم يكن الوتر إِلَّا هذه الواحدة، كذا قال (٨٧٥).
стр. 399
١٧٩ - باب ليجعل آخر صلاته وترًا
وقوله: "اجْعَلوُا .... الخ".
قال (ح): استدل به بعض من قال بوجوب الوتر، وتعقب بأن صلاة اللّيل ليست واجبة على من خوطب بذلك، فكذلك آخرها، والأصل عدم الوجوب حتّى يقوم دليله (٨٧٦).
قال (ع): هذا قول وَاه, لأنّ الدلائل قامت على وجوب الوتر، ثمّ سرد الأحاديث الضعيفة وشهرتها في كتب الخلاف يغني عن الإِطالة، ومما عد منها حديث علي مرفوعًا: "يَا أَهْلَ اْلقُرْآنِ أَوْتِروُا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ اْلوِتْرَ".
وأورد كلام الخطابي وهو قوله: تخصيصه أهل القرآن بالأمر على أن الوتر غير واجب، إذ لو كان واجبًا لكان عامًا ولم يختص به الخواص دون العوام، ورده بأن أهل القرآن لغة يتناول كلّ من معه شيء من القرآن، ولو كان آية فيهم، ثمّ أورد حديث ابن مسعود مثل حديث علي وزاد فيه: فقال أعرابي:- ما تقول؟ فقال: ليس لك ولا لأصحابك (٨٧٧).
فنقض ما أسس ولم يتيقظ لذلك.
قوله: إِن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير.
قال (ح): هذا يدلُّ على كون الوتر نفلًا (٨٧٨).
стр. 400
قال (ع): يا للعجب كيف تركوا الأحاديث الدالة على وجوب الوتر فعدلوا إلي التعسف وتركوا الإنصاف لترويج ما ذهبوا إليه بغير برهان (٨٧٩).
ثم قال (ح): واستدل على أن الوتر ليس بفرض وعلى أنه لم يكن فرضه من الخصائص النبوية (٨٨٠).
قال (ع): ونحن نقول بأنه ليس بفرض ولكنه واجب، وحديث أبي قتادة مصرح بالوجوب، وفي الموطأ أن ابن عمر سئل عن الوتر أواجب؟ فقال عبد الله: قد أوتر النبي ﷺ وأوتر المسلمون، وفيه دلالة ظاهرة علي وجوبه. كذا قال (٨٨١).
قال (ع)، وأما قول ابن الجوزي لا نعلم في تخصيص النبي ﷺ بوجوب الوتر حديثًا صحيحًا.
قال (ع): عدم علمه لا يستلزم نفي علم غيره (٨٨٢).
قلت: وعلم غيره يحتاج لدليل وما هو الدليل.
قال (ع): حديث أبي حمزة الأعور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو علي عصية وذكوان، فلما أظهر عليهم ترك القنوت.
قال البزار: لا نعلم رواه عن أبي حمزة غير شريك، وأبو حمزة ضعيف، وتابعه أبو معشر وهو ضعيف.
قال (ع): قد رواه أبو يعلى، وأبو معشر اسمه سويد بن يزيد احتج به الشيخان، فكيف يكون الحديث ضعيفًا؟
стр. 401
قال: وأبو حمزة قد روى عنه جماعة منهم الثّوري، وإن تكلم فيه من قبل حفظه متقوي بالمتابعة (٨٨٣).
كذا قال، وأبو معشر هنا هو الضعيف لا الذي أخرج له الشيخان (٨٨٤)
стр. 402
من الإِستسقاء
١٨٠ - باب تحويل الرداء في الإِستسقاء
قوله: عبد الله بن أبي بكر أنّه سمع عباد بن تميم يحدث أباه.
قال (ع): الضمير في قوله: أباه يعود على عبد الله لا على عباد.
ونقل الكرماني عن بعض النسخ أنّه رأى فيها بدل قوله: أراه بضم الهمزة أي أظنه، ولم أر ذلك في شيء من الروايات الّتي اتصلت لنا (٨٨٥).
قال (ع): لا يستلزم عدم رؤيته بذلك عدم رؤية غيره، والنسخة التي اطلع عليها الكرماني أوضح وأظهر (٨٨٦).
قلت: ممّا يدل علي أنّه يتكلم بغير علم لأنّ (ح) ما نفى إِلَّا وجود ذلك في نسخة اتصلت روايته بها، فليس نفيه مطلقًا، وقد بين (ح) ما يقتضي أصحية الرِّواية المشهورة وهو ما نقله في صحيح ابن خزيمة عن سفيان قال: قلت لعبد الله بن أبي بكر حديث حدّثنا يحيى عن أبيك عن عبادة فقال: سمعت أنا من عباد يحدث عن عبد الله بن زيد فعرف أن قوله يحدث أباه بفتح الهمزة وبالموحدة هو الراجح.
стр. 403
من - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين
قوله: وزاد اسباط .... الخ.
قال (ع): اعترض على البخاريّ فقال الداودي: أدخل قصة المدينة في قصة قريش [وهو غلط].
وقال أبو عبد الملك: الذي زاده أسباط وهم واختلاط لأنّه ركب سند عبد الله بن مسعود علي متن حديث أنس وهو قوله: فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث ... الخ، وكذا قال الدمياطي حديث ابن مسعود كان بمكة وليس فيه هذا.
والعجب من البخاريّ كيف أورد هذا مع كونه مخالفًا لما رواه الثقات.
قلت: لا مانع أن يقع ذلك مرتين.
قال: هذا فيه نظر لا يخفى (٨٨٧).
стр. 404
١٨١ - مكرر - باب الإستسقاء في المصلّى
قوله: حدّثنا عبد الله بن محمَّد حدّثنا سفيان عن عبد العزيز بن أبي بكر سمع عباد بن تميم عن عمه خرج النّبيّ ﷺ إلى المصلّي يستسقي واستقبل القبلة فصلّى ركعتين وقلب رداءه.
قال سفيان: فأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعل اليمين علي الشمال.
قال (ح): قال المزي: علم له علامة التعليق في تهذيبه (٨٨٨).
قال (ع): فيه نظر والظاهر ما قاله المزي، وإنّما يصح قول (ح) لو كان قال: وقال سفيان بواو العطف ليكون عطفًا علي الإِسناد الأوّل، ولكنه قطعه عن الأوّل بالفصل فلا يفهم منه الإتصال (٨٨٩).
وقد قال ابن القطان: لا يدري عمن أخذه ولهذا لا يعدون المسعودي من رجاله.
стр. 405
١٨٢ - باب من تمطر في المطر حتّى يتحادر على لحيته
قوله: تمطر.
قال (ح): أليق المعاني هنا أنّه بمعنى مواصلة العمل في مهلة نحو تفكر، ولعلّه أشار إلى ما أخرجه مسلم قال: حَسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبه حتّى أصابه المطر وقال: "لَأنَّهُ حَديِثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ" قال العلماء: معناه قريب العهد بتكوين ربه، وكأنّه أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته، لم يكن اتفاقًا وإنّما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله: من تمطر، أي قصد نزول المطر عليه لأنّه لو لم يكن باختياره لنزل أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتّى كثر نزوله بحيث تحادر علي لحيته (٨٩٠).
قال (ع): قوله: أشار. . . . الخ ليس في حديث مسلم ما يدلُّ على مواصلة العمل في مهلة، وإنّما نبه أنّه كشف ثوبه ليصيبه المطر، وهذا لا يدلّ علي أنّه واصل وتمادى، وقصد هذا المعنى من الحديث غير صحيح، ولا وضع البخاريّ التّرجمة لهذا.
وقوله: لم يكن اتفاقًا غير مسلم من وجهين:
أحدهما: أن الذي تحادر إنّما كان من الماء الذي نزل من وكف السقف، وإن كان هو من المطر في الأصل، ولم يكن من المطر الذي أصاب ثوبه في حديث مسلم حاجز بينه وبين الموضع الذي وصل إليه.
стр. 406
والآخر: أن قوله: إنّما كان عن قصد، دعوى بلا برهان وليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، واستدلاله على ما ادعاه بقوله لأنّه لو لم يكن باختياره لنزل لا يساعده لأنّه قد يكون لئلا تنقطع الخطبة (٨٩١).
стр. 407
١٨٣ - أبواب الكسوف
في حديث أبي بكرة: فصلّى ركعتين، زاد النسائي: كما تصلون.
قال (ح): خاطب أبو بكرة بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عبّاس علمهم أن صلاة الكسوف ركعتان في كلّ ركعة ركوعان.
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره ويؤيد ذلك أن في بعض طرق حديث أبي بكرة كما سيأتي في آخر الكسوف أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم.
وحديث عائشة في الصحيحين مصرح بأنّه يوم مات إبراهيم صلّى صلاة الكسوف ركعتين، في كلّ ركعة ركوعان، ويتقوى ذلك بما حمل عليه ابن حبّان والبيهقي أن معنى قوله: كما تصلون أي في الكسوف (٨٩٢).
قال (ع): لا إجمال في رواية أبي هريرة، وإنّما في حديث من قال ركوعان في كلّ ركعة زيادة ثقة، والأخذ بالزيادة أولى، والجواب أن ذلك فيما لا يخالف الأصول، ودعواهم أن القصة متحدة أبطلناها فيما مضى (٨٩٣).
стр. 408
من
١٨٣ - مكرر - باب الصَّدقة في الكسوف
قوله: خسفت الشّمس علي عهد رسول الله ﷺ فصلّى، فيه دليل على أنّه كان على وضوء.
قال: فيه نظر لأنّ في السياق حذفًا لما ثبت في رواية ابن شهاب فخرج إلى المسجد فصف النَّاس وراءه وفي لفظ: فرجع ضحى فمر بين الحجر ثمّ قام فصلّى، وإذا كانت هذه الأفعال في الخبر فحذفت، جاز أن يكون فيه فتوضأ، ولا يكون نصًا أنّه كان على وضوء (٨٩٤).
قال (ع): هذا الذي ذكره لا يدلُّ على أنّه كان على وضوء أو لم يكن، ولكن حالة وجلالة قدره يستدعي كونه محافظة الوضوء (٨٩٥).
قوله: فخطب النَّاس.
قال: والعجب أن مالكًا روى حديث هشام بن عروة وفيه التصريح بالخطبة ولم يقل به أصحابه.
قال (ح): اللام فيه للعهد أي الصّلاة الّتي تقدمت على الخطبة وهي الصّلاة الخاصة، ولم يصب من استدل به على مطلق الصّلاة (٨٩٦).
قال (ع): الذي استدل به على مطلق الصّلاة هو المصيب، لأنّ
стр. 409
الصّلاة إذا ذكرت تنصرف إلى الصّلاة المعهودة فيما بينهم ولا تذهب الأذهان إلى خلاف ذلك.
فالعجب من غير المصيب يردّ كلام المصيب (٨٩٧).
قوله: وكان يحدث كَثِيرُ بْنُ عبّاس، إلى أن قال: قال يعني عروة أجل يعني أخاه عبد الله بن الزبير أخطأ السُّنَّة.
قال (ح): اعترض بعض الحنفية بأن عروة تابعي وعبد الله صحابي، فالأخذ بقوله أولى، وجوابه: أن صنيع عبد الله وإن تأدى به أصل السُّنَّة لكونه قصر عن كمال السُّنَّة، فيحتمل أن يكون لم يقصد ذلك لكونها لم تبلغه (٨٩٨).
قال (ع): عروة أحق بالخطأ من عبد الله الصاحب الذي عمل بما علمَ، وعروة أنكر ما لم يعلم، ولا نسلم بجزم أنّها لم تبلغه لاحتمال أنّه بلغه خبر عائشة فاختار حديث أبا بكرة لموافقته القياس (٨٩٩).
стр. 410
١٨٤ - باب صلاة الكسوف جماعة
قال (ح): يعني وإن لم يحضر الإِمام (٩٠٠).
قال (ع): إذا لم يكن الإِمام حاضرًا كيف يصلون جماعة، ولا تكون الصّلاة بالجماعة إِلَّا إذا كان فيهم إمام، فإن لم يكن إمام وصلوا فرادى، لا يقال صلوا بجماعة وإن كانوا جماعات (٩٠١).
فانظروا وتعجبوا فهم هذا المعترض، وإنّما أراد (ح) بقوله: وإن لم يحضر الإِمام السلطان، فأطال (ع) في الرد في غير طائل، فترى كيف خفي عليه إمكان أن يقدموا واحدًا منهم فيصير إمامًا بناء على أن المنفي عموم الإِمام، وإنّما المنفي الإِمام الخاص، والمراد الرد على من اشترط في صلاة الكسوف أن لا يصلّيها بالناس إِلَّا الإِمام الذي يصلّي الجمعة والعيدين.
стр. 411
من ١٨٥ - باب الصّلاة في خسوف القمر
ذكر فيه حديث أبي بكرة: انكسفت الشّمس على عهد النّبيّ ﷺ فصلّى ركعتين.
قال (ح) حكى ابن التين أنه وقع في رواية الأصيلي فقال: انكسفت القمر. انتهى، وهو تغيير لا معنى له وكأنّه عسرت عليه مطابقة الحديث للترجمة فظن أن لفظه مغير فغيره هو إلى باطنه صوابًا وليس كذلك، فإنّه أخرج هذا الحديث هنا من طريق أشعث عن الحسن عن أبي بكرة هكذا مختصرًا، ثمّ أورده مختصرًا ثمّ أورده مطولًا من طريق يونس عن الحسن وفيه من الزيادة: "إنَّ الشَّمْسَ وَاْلقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وإنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ، فَإنْ كَان ذَلِكَ فَصَلوُّا".
ووقع عند ابن حبّان من هذا الوجه: "فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ" فدخلت فيه الصّلاة في كسوف القمر طبق التّرجمة (٩٠٢).
قال (ع): هذا بعيد لأنّ الذي نقل هذا نسبه إلي رواية الأصيلي، والذي قاله هذا إنّما يتوجه لو عرف المغير ووقع اطباقهم على تغييره على أنّه لا فساد فيه من جهة المعنى ولا اللّفظ.
стр. 412
وأمّا قوله: إنَّ المطابقة بهذا الطريق المختصر تؤخذ من مطوله. . . . . . الخ ففيه أيضًا ما فيه، وليس ما بين الحديث والترجمة مطابقة أصلًا ظاهرًا إِلَّا إذا اعتمدنا على ما نقله ابن التين عن الأصيلي. فيكون الناسخ بدل لفظ الشّمس بالقمر واستمر عليه (٩٠٣).
стр. 413
من
١٨٦ - باب سجود القرآن
قوله: عزائم السجود.
قال (ح): جمع عزيمة وهي التي أكدت بمثل صيغة الأمر (٩٠٤).
قال (ع): التمثيل بصيغة الأمر لا يصح لأنّ الأمر يختلف فتارة يدلُّ على الإِستحباب وغير ذلك (٩٠٥).
стр. 414
من
١٨٧ - باب من قرأ السجدة ولم يسجد
قوله: عن عطاء بن يسار أنّه أخبره أنّه سأل زيد بن ثابت فزعم أنّه قرأ الحديث.
حذف المسؤول عنه، وظاهر السياق يوهم أن المسؤول عنه السجود في النجم وليس كذلك، وقد بينه مسلم عن علي بن حجر وغيره عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد قال: سألت زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنّه قرأ والنجم ... الحديث، فحذف المصنف الموقوف لأنّه ليس من غرضه هنا، ولأنّه يخالف زيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام .... الخ (٩٠٦).
قال (ع): هذا مردود من وجوه:-
الأوّل: قوله: يوهم، ليس كذلك بل تحقق أن المسؤول عنه السجود في النجم، وذلك لأنّ حسن ترتيب الكلام أن يكون بعضه ملتئمًا بالبعض، ورواية البخاريّ هكذا تقتضي ذلك.
الثّاني: قوله: ليس من غرضه، كلام واه [لأنّه يقتضي أن يكون البخاريّ يتصرف في متن الحديث بالزيادة والنقصان] وهو برئ من ذلك، وإنّما البخاريّ روى هذا الحديث عن أبي الربيع سليمان، ومسلم روى عن أربعة أنفس يحيى بن يحيي، ويحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد وعلي بن
стр. 415
حجر وهم وسليمان اتفقوا على روايتهم عن إسماعيل بن جعفر، فسليمان روى عنه بالسياق المذكور، والأربعة رووا عنه بالزيادة المذكورة، وما الداعي للبخاري أن يحذف تلك الزيادة لأجل غرضه فلا ينسب ذلك إلي البخاريّ وحاشاه من ذلك.
الثّالث: وقوله: لأنّه يخالف زيد بن ثابت، مردود أيضًا، لأنّ مخالفته لزيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام لا يستدعي حذف ما قاله زيد بن ثابت، لأنّ هذا الموضوع ليس فيه بيان قراءة المقتدي خلف الإمام، وإنّما الكلام والترجمة في السجدة في سورة النجم، وليس من الأدب أن يقال: يخالف البخاريّ مثل زيد بن ثابت كذا بالتصريح، حتّى لو سئل البخاريّ أنت تخالف زيد بن ثابت في قوله في هذا لكان يقول زيد بن ثابت ذهب إلي شيء لما ظهر عنده، وإنّما ذهبت إلى شيء لما ظهر عندي فيراعي الأدب ولا يصرح بالمخالفة ... الخ (٩٠٧).
стр. 416
١٨٨ - باب من سجد لسجود القارئ
قال (ح): في التّرجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع (٩٠٨).
قال (ع): ليس كذلك لأنّ تعلّق السجدة بالسامع سواء كان من حيث الوجوب أو من حيث السُّنَّة لا يتعلّق بسجدة القارئ بل بسماعه يجب عليه أو يسن على الخلاف، سواء سجود القارىء وعدمه (٩٠٩).
стр. 417
من
١٨٩ - باب من رأى أن الله لم يوجب السجود
قوله: وقال الزّهريُّ: لا يسجد إِلَّا إن كان طاهرًا .... الخ.
قال (ح): قيل ليس هذا بدال علي عدم الوجوب لأنّ المدعي يقول: علّق [فعل السجود من القارئ والسامع] علي شرط وهو وجود الطّهارة، فحيث وجد الشرط لزم (٩١٠).
قال (ع): هذا كلام واه، كيف ينقله من له وجه إدراك, لأنّ أحدًا هل قال يلزم من وجود الشرط وجود المشروط والشرط خارج عن الماهية، والوجوب وعدم الوجوب يتعلّق بالماهية لا بالمشرط وغايته أنّه إذا ثبت وجوبه يشترط له الطّهارة.
ثمّ قال (ح): والجواب أن موضع التّرجمة من هذا الأثر قوله: فإن كنت راكبًا فلا عليك حيث كان وجهك، لأنّ هذا دليل النفل، إذ الواجب لا يؤدى على الدابة في الأمن.
قال (ع): كيف يطابق هذا الجواب لقول هذا القائل المذكور وبينهما بعد عظيم يظهر بالتأمل (٩١١).
قوله: وزاد نافع عن ابن عمر قال: إنَّ الله لم يفرض علينا السجود إِلَّا أن نشاء.
стр. 418
قال (ح): هذا مقول ابن جريح والخبر موصول بالإِسناد الأوّل، وقد بين ذلك عبد الرزّاق، قال في مصنفه: عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، فذكر الأوّل ثمّ قال: قال ابن جريج: وزادني نافع عن ابن عمر.
وكذا رواه الإِسماعيلي والبيهقي وغيرهما من طريق حجاج بن محمَّد عن ابن جريج، وزاد نافع فذكره، وفي هذا رد على الحميدي في زعمه أنّه معلق، وكذا علم عليه المزي علامة التعليق وتبعه الكرماني وهو وهم (٩١٢).
قال (ع): هذا القائل هو الذي يرد عليه، وهو الذي وهم، لأنّ الذي زعمه لا يقتضيه رواية عبد الرزّاق لأنّها تشعر بخلاف ما قاله لابن جريج يقول: زادني نافع عن ابن عمر، معناه أنّه زادني على روايتي عن أبي بكر. والمزيد هو قول ابن عمر أي قوله: إنَّ الله ... الخ وهو ينادي بصوت عال أنّه موقوف مثل ما قال الكرماني ومعلق، مثل قال الحافظان الكبيران الحميدي والمزي فبمثل هذا التصرف يتعسف بالرد عليهما (٩١٣)
قلت: الدّليل لا يطابق الدعوى، لأنّ النزاع في سند ابن جريج هل علقه البخاريّ أو هو موصول بالإسناد الذي قبله، وليس النزاع في أنّه مرفوع أو موقوف، فقوله: موقوف، مثل ما قال الكرماني حشو مع أنّه وإن كان ظاهره الوقف لكن له حكم الرفع, لأنّ عمر لا يقول: إنَّ الله لم يفرض علينا، معناه لم يفرض علينا على لسان رسوله.
وقوله: معلق مثل ما قال الحافظان تقليد محض وتمسك بالجاه في موضع إقامة الدّليل، فقد ظهر من رواية حجاج بن محمَّد وعبد الرزّاق عن ابن جريج أن هشام بن يوسف عطف رواية ابن جريج عن نافع على رواية ابن جريج عن أبي بكر بن أبي مليكة.
стр. 419
والعجب أن في كلام (ع) ما يدل على تسليم هذا القدر ثمّ حاد عنه لما شرع في الإِعتراض.
قال (ح): وقول عبد الزراق في رواية أنّه قال: الضمير في أنّه لعمر أشار إليه التّرمذيّ في جامعة بحيث نسب ذلك إلى عمر في هذه القصة بصيغة الجزم (٩١٤).
قال (ع): لم يجزم التّرمذيّ بذلك ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج، وإنّما لفظ التّرمذيّ: احتجوا بحديث عمر أنّه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد، ثمّ قرأها في الجمعة الثّانية، فتهيأ النَّاس للسجود، فقال: لم تكتب علينا إِلَّا أن نشاء فلم يسجد، فلينظر من له بصيرة وذوق من دقائق تركيب الكلام هل تعرض التّرمذي إلى زيادة نافع عن ابن عمر، أو ذكر أن الضمير لعمر؟ لو كان قال مثل ما روى نافع عن ابن عمر، ذكر التّرمذيّ عن عمر مثله لكان له وجه (٩١٥).
قال (ح): واستدل بقوله: لم يفرض علينا على عدم وجوب سجدة التلاوة، وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب، وتعقب بأنّه اصطلاح لهم حادث وهو أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي والواجب ما ثبت بدليل ظني، وما كان الصّحابة يفرقون بينهما، ويغني عن هذا قول عمر بعد: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فإن نفي الإِثم عن ترك الفعل مختار يدلُّ على عدم وجوبه (٩١٦).
قال (ع): نحن نقول أيضًا: لم يفرض علينا ولكنه واجب، وأمّا التعقب فلا نسلم أنّه اصطلاح حادث، فكيف يقال إنّه حادث وأهل اللُّغة
стр. 420
قد فرقوا بين الفرض والواجب، ومنكر هذا معاند ومكابر، والأحكام الشرعية إنّما تؤخذ من الألفاظ اللغوية.
وأمّا قوله: وما كان الصّحابة يفرقون، سوى دعوى بلا برهان، والصحابة هم كانوا أهل اللُّغة والتصرف في الألفاظ العربيّة، وهذا القول فيه نسبة الصّحابة إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم.
وأمّا قوله: فيغني عن هذا. . . . . . الخ فقد أجبنا عنه بأن المراد لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع كذا (٩١٧).
قال (ح) واستدل بقوله: إِلَّا أن نشاء أن المراد فخير بين السجود وعدمه فيكون ليس بواجب، وأجاب من أوجبه بأن المعنى إِلَّا أن نشاء قراءتها، فيجب ولا يخفى بعده، ويرده قول عمر في رواية الموطأ لم يكتبها علينا إِلَّا أن نشاء. وقرأها ولم يسجد ومنعهم.
وقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه (٩١٨).
قال (ع): لا شك أن مفعول من نشاء محذوف فيحتمل السجدة ويحتمل القراءة فلا ترجيح إِلَّا بمرجح، كذا قال (٩١٩).
стр. 421
من أبواب التقصير
من
١٩٠ - باب الصّلاة بمنى
قوله: صلّى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فسئل في ذلك ابن مسعود فاسترجع .... الخ.
قال (ح): هذا الحديث يدل على أن ابن مسعود كان يرى الإِتمام جائزًا وإلا لما كان له حط من الأربع ولا من غيرها، فإنها تكون فاسدة كلها وإنّما استرجع لما وقع عنده من مخالفة الأولى.
ويؤيده ما أخرجه أبو داود أن ابن مسعود صلّى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعًا؟ فقال: الخلاف شر، وهذا يدلُّ على أنّه كان لا يعتقد أن القصر واجب كما قال الحنفية (٩٢٠).
قال (ع): هذا القائل تكلم بما يوافق غرضه، فقد قال الداودي أن ابن مسعود كان يرى القصر فرضًا، وأمّا قول ابن مسعود: الخلاف شر، فلو لم يكن القصر عنده واجبًا لما استرجع، ولما أنكر قوله: صلّيت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين (٩٢١).
стр. 422
من
١٩١ - باب في كم تقصر الصّلاة
قوله: وسمى النّبيّ ﷺ يومًا وليلة سفرًا.
قال (ح): بناؤه على أن أقل ما ورد في منع المرأة من السَّفر بدون زوج أو محرم يوم وليلة، وتعقب فإن في بعض طرقه بريد (٩٢٢).
قال (ع): ليس فيه تعقب لأنّ هذا مختاره من الأقوال الواردة في هذا الحكم وهو يوم وليلة، ولا يقال في بعضهما يوم فقط بدون ليلة لأنا نقول إذا ذكر اليوم مطلقًا يراد بها الكامل وهو اليوم بليلته (٩٢٣).
قال (ح): في الموطَّأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنّه كان يقصر في مسيرة اليوم التام، وهذا يشكل علي الحنفية لأنّهم تمسكوا لقولهم بأن مسافة القصر ثلاثة أيّام لحديث. ابن عمر في الباب، مع أن الثابت عن ابن عمر يوم تام، وعندهم العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى (٩٢٤).
قال (ع): لا إشكال فيه لأنّ هذا لا يشبه أن يكون رأيًا إنّما يشبه أن يكون توقيفًا على أن أصحابنا اختلفوا في هذا الباب يعني مسافة القصر اختلافًا كثيرًا، ثمّ أوردها من كتب أصحابهم (٩٢٥).
стр. 423
١٩٢ - باب ينزل للمكتوبة
قال (ح) في حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة ... الخ: التسبيح حقيقة في قول سبحان الله، ومعناه تنزيه الله عن النقائص، وقد يطلق التسبيح على الصّلاة وهو من إطلاق البعض على الكل (٩٢٦).
قال (ع): ليس كما قال، إنّما التسبيح تنزيه الله، ثمّ يطلق على غيره من أنواع الذكر، ويطلق على صلاة التطوع سبحة من قبيل إطلاق الجزء على الكل (٩٢٧).
стр. 424
من
١٩٣ - باب الإِيماء على الدابة
قوله: يسبح يومىء برأسه.
قال (ح): التسبيح من قوله سبحان الله، فإذا أطلق على الصّلاة كان من إطلاق البعض على الكل، ولأن المصلّي ينزه الله تعالى بإخلاص العبادة، والتسبيح التنزيه ثمّ يطلق مجازًا على أنواع الذكر كالتحميد والتمجيد وغيرهما، وقد يطلق على صلاة التطوع وهو مجاز من إطلاق الجزء على الكل وعليه بيان الملازمة التي ذكرها (٩٢٨).
стр. 425
من
١٩٤ - باب ينزل للمكتوبة
فذكر حديث جابر.
قال (ح): استدل به على أن الوتر ليس بواجب عليه ﷺ (٩٢٩).
قال (ع): كان له أن يصلّي ما هو فرض على الراحلة إذا شاء (٩٣٠).