نقلا نقل كلام غيره وادعاه لنفسه من غير مبالاة بعيب عائب أو عتاب عاتب والله المستعان (١٢١).
ومن عجيب ما استلبه أن يأخذ كلام الشارح ويبسطه يوهم أنّه من تصرفه كما وقع في أثناء الطّهارة.
стр. 72
١٥ - باب من الكبائر أن لا يستبرىء من بوله
قال (ح): قوله من النّبيّ ﷺ بحائط أي بستان.
وللمصنف: خرج النّبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة، فيحمل على أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي به مر.
وفي الأفراد للدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأمِّ مبشر الأنصارية، وهو يقوي رواية الأدب أنّه جزم فيها بالمدينة من غير شك [في رواية شريك] (١٢٢).
فقال: مر في حائط أي بستان النخل إذا كان عليه جدار ويجمع على جدران.
واسترسل في هذا إلى أن قال: فإن قلت أخرج: البخاريّ: هذا من الأدب، ولفظه خرج النّبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة، وهنا مر النّبيّ ﷺ بحائط وبينهما تنافٍ.
قلت: ففيه أن الحائط الذي فرج منه غير الحائط الذي مر به.
وفي أفراد الدارقطني ... الخ حتّى أن (ح) لما ذكر الجواب عما وقع في مسلم نقل عن النووي أنّه جمع بأن يكون معمر حدث به على الوجهين (١٢٣).
стр. 73
فقال (ع) ما نصه: وأجاب النووي بأنّه يحتمل أن سفيان سمعه من الزّهري مرّة، ومن معمر عن الزّهري فرواه على الوجهين فقال بعض الشراح فيه نظر ولم يبين وجهه ووجهه أن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عيينة عن معمر عن الزّهري بزيادة معمر ولم يوجد بإسقاطه إِلَّا عند مسلم إلى آخر الكلام.
قوله: إنَّ معظم الروايات ... الخ كلام (ح) بعينه بزيادة أيضًا والله المستعان (١٢٤).
ثمّ أخذ كلامه في قصة جعيل الذي قال سعد في حقه إنِّي لأراه مؤمنًا من قوله، فإن قيل: كيف لم تقبل شهادة سعد الجعيل بالإِيمان فكتب من ذلك نحو الصفحة بعضها على الولاء وبعضها يزيد في الكلام حشوًا، ويقدم بعضًا ويؤخره ولا تخفى هذه المصالقة عند من له أدنى حذق والله المستعان (١٢٥).
وقد كنت قصدت أن أتتبع جميع ما أخذه بها وأبين كيفية أخذه له على نمط ما قدمته في هذه الأبواب طلبنا أنّه يقع له أحيانًا، فلما أمعنت وجدت الأمر فيه يطول جدًا لأنّه لا يخلو في جميعه عن شيءٍ من ذلك إمّا في الكلام على الإِسناد وإما في الكلام في المتن، وإنّما يخفي عمله في ذلك لا يتبع ما حذفته من كلام الكرماني، ومن كلام ابن الملقن بما أرى منه حشوًا وتكريرًا ومردودًا، فإني اعتقبت في هذا الفتح بالإِيجاز ما وجدت إليه سبيلًا، ثمّ أني لا أحب أن أضيع الوقت في بسط الرَّدِّ على من وهم بل أكتفي بالإِشارة في غالب الأحوال، وكأنّه يظن أني أغفلته سهوًا فيبادر هو إلى إيراده كله وربما
стр. 74
بالغ في بسط الكلام على إعراب جملة أو تصريف كلمة بما لا يستفاد منه كبير أمر كقوله: "آيةُ اْلمُنَافِقِ ثَلَاثٌ".
فإن قلت: ما وزان آية؟
قلت: فيه أربعة أقوال.
فاستمر يسرد ورقة في النقل عن أهل التصريف، فلو التزم ذلك في جميع أنظاره لكان كتابه أضعاف ما اقتصر عليه، لكنه بحسب ما يجده مسطورًا لغيره فيحب أن يتكثر به ويقع له نحو ذلك إذا وجد مغلطاي قد تكلم على لغات بعض الأسماء فإنّه لما يشرح كلمة الكذب قال: الْكَذِب نقيض الصدْق، كذب يكذب كذبًا وكذبة وكذبة وكذابًا وَرجل كَاذِب وَكَذَّاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان (١٢٦). واستمر في هذا الهذيان ضعفي ما ذكره في تصريف آية.
ومما أعتمده في هذا الفتح أن لا أطيله بتراجم الرواة اعتناء بالكتب المؤلّفة في ذلك، لكن إن اتفق التباس الراوي بغيره بينته، وكذا من ليست له رواية في البخاريّ إِلَّا في موضع أو موضعين، وكذا من ذكرنا بالتضعيف فاعتنى بالبحث عن ذلك ويرفع اللوم عن من أورد حديثه في الصّحيح فظن هذا الرَّجل يظن أني غفلت عن هذا الفن مع اشتهار تصانيفي فيه وتحقيقي بمعرفته فرأى مكان القول ذا سعة فبسط قلمه مكثرًا بما هو مستغن عن سياقه، وربما تعرض لإعراض بعض الأحاديث فزل قدمه فيه تارة ويأتي بما لا طائل تحته تارة، فلما رأيت ذلك اقتصرت على هذا العنوان.
قال (ح) في الكلام على حديث: "آية المنافق ثلاث": الآية العلامة، وإفراد الآية إمّا على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنّما تحصل باجتماع الثلاث
стр. 75
والأول أليق بصنيع المؤلِّف فلهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشّاهد بذلك (١٢٧).
قال (ع): كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك لأنّ التاء فيها كالتاء في التّمرة فالآية والآي كالتّمرة والتّمر.
وقوله: والعلامة إنّما تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنّه إذا فقدت فيه واحدة من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق وليس كذلك، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنّه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملًا (١٢٨).
قلت: وليس في كلام الأصل ما يخالف هذا، ودعوى المنع في الأوّل ممنوعة والله أعلم.
قال (ح) في الجمع بين حديث أبي هريرة "آيَةُ اْلمُنَافِق ثلاث" وبين حديث عبد الله بن عمرو: "أًرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقًا" فقال: ليس بين الحديثين تعارض لأنّه يلزم من عد الخصلة في النفاق وكونها علامة على أن في رواية لمسلم من طريق العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدلُّ على عدم إرادة الحصر فإن لفظة من علامة المنافق ثلاث، وكذا في الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد، وإذا حمل على الأوّل هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت (١٢٩).
قال (ع): كيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة ولا فرق بين الخصلة والعلامة لأنّ كلا منهما يستدل به على الشيء.
وقوله: على أن في رواية لمسلم .. الخ ليس بجواب طائل بل المعارضة
стр. 76
ظاهرة بين الروايتين، وحمل اللّفظ الأوّل على هذا لا يصح من جهة التركيب (١٣٠).
قلت: هي دعوى بلا دليل وإثبات المعارضة معارض بقوله في أول ما استفتح الكلام على هذا الموضع بما نصه.
فإن قلت: يعارضه الحديث الذي فيه لفظ أربع.
قلت: لا معارضة. أصلًا، ثمّ نقل كلام النووي حيث قال: لا منافاة، وكلام الطيبي كذلك، وكلام القرطبي باحتمال أن يكون استجد له العلم بالخصلة الرّابعة، ثمّ رد جميع ذلك بأن التخصيص بالعدد لا مفهوم له.
ثمّ تشاغل بالإعتراض على كلام (ح) بما تقدّم فانظر وتعجب (١٣١).
قال (ح): في قوله تابعه شعبة عن الأعمش وصل المؤلِّف هذه المتابعة في كتاب المظالم، وروايةِ قبيصة. عن سفيان وهو الثّوريّ ضعفها يحيى بن معين، واعتذر النووي بأن البخاريّ إنّما أوردها علي طريق المتابعة لا الإِصالة، وتعقبه الكرماني بأنّها مخالفة لها في اللّفظ والمعنى من عدة جهات فكيف تكون متابعة.
قلت: المراد بالمتابعة هنا كون الحديث مخرجًا في صحيح مسلم وغيره من طريق أخري عن سفيان الثّوريّ، وعند المؤلِّف من طريق أخري عن الأعمش شيخ سفيان فيه منها رواية شعبة المشار إليها وهذا هو السر في ذكرها هنا، وكأن الكرماني فهم أن المراد بالمتابعة حديث أبي هريرة المذكور الباب وليس كذلك، إذ لو أفاده لسماه شاهدًا.
وأمّا دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس لما قررناه آنفًا. وغايته أن
стр. 77
يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة لأنّها من ثقة متقن (١٣٢).
قال (ع): نفيه التسليم ليس بمسلم لأنّ المخالفة في اللّفظ ظاهرة لا تنكر وكأنّه فهم من قوله من جهات أن الاختلاف يتعلّق بالمعنى وليس كذلك بل يتعلّق بقوله لفظًا انتهى (١٣٣).
ولينظر التعقب في قول الكرماني مخالفة لها في اللّفظ والمعنى من عدة جهات هل يكون قوله من عدة جهات تختص باللفِظ دون المعنى وقد أخذ هذا المعترض ما تعب فيه السابق في شرح هذا الحديث فتصرف فيه بالتقديم والتأخير وإيهام أنّه الذي تعب في تحرير ذلك ولفظه في تعقب كلام الكرماني.
قلت: أراد البخاريّ بالمتابعة هنا كون الحديث مرويًا من طريق آخر عن الثّوريّ منها رواية شعبة عن الأعمش نبه على ذلك هاهنا وإن كان قد رواها في كتاب المظالم، وكذلك هو مروي في صحيح مسلم وغيره من طرق أخرى عن الثّوريّ فانظر كيف يأخذ كلام الشارح فيدعيه ثمّ يتعقب منه مالًا يرتضيه ولو كان في نفس الأمر مرضيًا أو ما لا يفهمه على وجهه والله المستعان.
قال (ح): في الكلام على حديث من يقم ليلة القدر غفر له، وفي استعمال الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا نزاع بين النحويينِ فمنعه الأكثر وأجازه آخرون لكن بقلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ ... آية﴾ لأنّ قوله فظلت بلفظ الماضي وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلوا أيضًا بهذا الحديث وعندي في الاستدلال به نظر لأني أظنه من تصرف الرواة، لأنّ الروايات فيه مشهورة بلفظ المضارع في الشرط والجواب.
стр. 78
وقد رواه النسائي عن محمَّد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ البخاريّ فيه ولم في يخالف بين الشرط والجزاء بل قال: من يقم ليلة القدر يغفر له.
ورواه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني عن أحمد بن عبد الوهّاب بن نجدة عن أبي اليمان بلفظ: "لَا يَقُومُ أَحَدٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا إيمَانًا وَإحْتَسابًا إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
وقوله: فيوافقها زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتب على قيام القدر ولا يصدق قيام ليلة القدر إِلَّا على من وافقها، والحصر المستفاد في النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلكَ مستفاد من تصرف الرواة بالمعنى لأن مخرج الحديث واحد (١٣٤).
قِال (ع): لا نسلم أن تابع الجواب جواب بل هو في حكم الجواب، وفرق بين الجواب وحكم الجواب (١٣٥).
وقوله: عندي في الاستدلال به نظر، ثمّ ساق ما تقدّم مختصرًا، ثمّ قال: ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون من تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني فإن رواية الراويين المذكورين لا تعادل رواية البخاريّ فيكون اللّفظ بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللّفظ النبوي (١٣٦).
قلت: أمّا التجويز فلا مانع منه لكن الرواة إذا اختلفوا في اللّفظ الوارد امتنع الاحتجاج في اللُّغة ببعض المختلف لأنّه يطرقه الاحتمال سواء كان الاحتمال راجحًا أو مرجوحًا، وأمّا تقديم رواية البخاريّ على غيره فمسلم لكن يحتمل أن يكون الاختلاف من شيخهم فحيث حدث به البخاريّ
стр. 79
حدثه باللفظ الذي نقله عنه وحيث حدث به غيره حدثهم باللفظ الآخر ويدلُّ على ذلك الألفاظ الزائدة في رواية شيخ الطبراني فإنّما تدل على أبي اليمان، ولما حدثه به أورده بالألفاظ الزائدة وإلا فليس هو بأحفظ ممّن رواه عن أبي اليمان، وإذا وقع التصرف في اللّفظ من أبي اليمان امتنع الجزم بأن اللّفظ النبوي هو بعض تلك الألفاظ فامتنع الاحتجاج بذلك في اللُّغة ولم يلزم من ترجيح البخاريّ على أن تجده، والمنوي الجزم بأن اللّفظ الذي رواه هو اللّفظ النبوي بعينه ليصح الاحتجاج في اللُّغة والله أعلم.
قال (ح): قوله:
стр. 80
١٦ - باب الجهاد من الإِيمان
أورد البخاريّ هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه فأمّا مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكهما في كونها من خصال الإيمان، وأمّا إيراده بين هذين البابين مع أن تعلّق أحدهما ظاهر لم أر من تعرض لها بل قال الكرماني: صنيعه هذا دال على أن النظر مقطوع عن [غير] هذه المناسبة أعني اشتراكها في كونها من خصال الإِيمان.
وأقول: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لالتماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة ومع ذلك فقد يوافقها أَو لا، وكذلك المجاهدة يلتمس الشّهادة، وإعلاء كلمة الله قد يحصل له ذلك أو لا فتناسبا في أن كلًّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي أو لا، والقائم لالتماس ليلة القدر مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشّهادة مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرًا (١٣٧).
قال (ع): وجه المناسبة من حيث أن المذكور في الباب الأوّل هو قيام ليلة القدر ولا يحصل إِلَّا المجاهدة التامة.
وساق كلام (ح) وتصرف فيه بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص، ثمّ قال قال الكرماني: وساق لفظه وتعقبه بأنّه كلام من يعجز عن إبداء وجه
стр. 81
المناسبة الخاصة مع بيان المناسبة العامة وما ينبغي أن يذكر ما ذكرته فافهم (١٣٨).
قلت: انظروا وتعجبوا.
قال: (ح) في الكلام على:
стр. 82
١٧ - باب الصّلاة من الإِيمان
قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت إلى أن قال: قال النووي: هذا مشكل فإن المراد صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا مراده فتناول كلامه عليه.
قلت: يحتمل أن يكون مراده بقوله: عند البيت إلى البيت ويراد به بيت المقدس أو يراد به الكعبة فإن صلاتهم كانت إلى بيت المقدس والكعبة بينهم وبين بيت المقدس.
قيل: إنَّ فيه تصحيفًا والصواب يعني صلاتكم لغير البيت، ولا تصحيف فيه عندي بل هو الصواب الموجه، فإن العلماء اختلفوا في الجهة الّتي كان النّبيّ ﷺ يصلّي إليها وهو بمكة، فقيل: كان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون أنّه كان يصلّي إلى بيت المقدس، وقيل: إنّه كان يصلّي وهو بمكة إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدس، وهذا ضعيف إذ يلزم منه النسخ مرتين والأول أصح لأنّه يجمع القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عبّاس.
كأن البخاريّ أشار إلى الجزم بالأصح من أن الصّلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس (١٣٩).
قال (ع): هذه اللفظة ثابتة في الأصول ومعناها صحيح غير أنّه واقع
стр. 83
فيها حذف والتقدير يعني صلاتكم إلى بيت المقدس عند البيت. انتهى (١٤٠).
فحكى كلام (ح) ثمّ ادعى حذفًا، والأصل عدم الحذف، ثمّ اعترض بأن قول من قال فيه تصحيف غلط، قال ولو كان الذي حكاه يعرف ما هو التصحيف لم يقل ولا تصحيف فيه، بل كان يقول: ليس هذا تصحيفًا، بل نقل كلام الصغاني في تعريف التصحيف لفظة بلفظة ثمّ قال: ومن لم يعرف معنى التصحيف كيف في يجيب عنه بالتحريف (١٤١).
قلت: مراد القائل أن فيه تصحيفًا أن لفظة غير تصحفت بلفظ عند وتعريف التصحيف بأنّه تغيير لفظ بلفظ ناقص بل لا بد من زيادة تخصيص وهو بلفظ يقاربه في الخط وإلا لكان كلّ لفظ تغير بلفظ ولو لم يكن فيه حرف من حروفه يسمى تصحيفًا وليس كذلك عرفًا، فعرفت أنّه هو الذي ما عرف ما المراد بالتصحيف هنا لا تصويرًا ولا تعريفًا.
قال (ح): في الكلام على حديث البراء في تحويل القبلة فداروا كما هم قبل، أي قبل البيت الذي بمكة ولهذا قال: فداروا كما هم قبل البيت و (ما) موصولة، والكاف للمبادرة.
وقال الكرماني: للمقارنة وهم مبتدأ خبره محذوف (١٤٢).
قال (ع) لم يقل أحد أن الكاف للمقارنة، ثمّ نقل كلام صاحب المغني في معاني الكاف فأطال ثمّ قال: يحتمل وجهين أن يكون للإِستعلاء والتقدير، فداروا عِلى ما هم عليه، والثّاني: للمبادرة، أي فداروا مبادرين في الحال، والأول أحسن (١٤٣).
стр. 84
وأقول. كيف يكون أحسن والثّاني يستلزم الأوّل من غير عكس، ثمّ دعواه بنفي ورودها للمقارنة ممتنعًا حجة لفظية لأنّ المراد بالمقارنة أنّهم داروا مبادرين لم يتشاغلوا بأمر آخر وهذا عين المقارنة.
قال (ح): في قوله في هذا الحديث أيضًا، وكان اليهود أعجبهم إذ كان يصلّي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فاعل أعجبهم النّبيّ ﷺ ، وأهل الكتاب بالرفع عطفًا على اليهود، وهو من عطف العام على الخاص.
وقيل: المراد النصارى لأنّهم من أهل الكتاب وفيه نظر، لأنّ النصارى لا يصلون لبيت المقدس فكيف يعجبهم.
وقال الكرماني: كان إعجابهم بطريق التبعية لليهود.
قلت: وفيه بعد لأنّهم أشد عداوة لليهود فكيف يتبعونهم ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع أي يصلّي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس (١٤٤).
قال (ع): قوله: وأهل الكتاب بالرفع على قوله اليهود، فهو من قبيل عطف العام على الخاص لأنّ أهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى وغيرهما ممّن يتعبد بكتاب منزل.
وقال الكرماني: أو المراد به النصارى فقط من عطف خاص على خاص.
قال بعضهم: فيه نظر لأنّ النصارى لا يصلون لبيت المقدس.
قلت: سبحان الله إنَّ هذا عجيب شديد كيف لم يتأمل هذا كلام الكرماني بتمامه حتّى نظر فيه فإنّه قال: لما أراد به النصارى فقط، قال: وجعلوا تابعة لأنّه لم تكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود على أن
стр. 85
نفس عبارة الحديث تشهد بإعجاب النصارى أيضًا، لأن قوله وأهل الكتاب إذا كان عطفًا على اليهود يكونون داخلين فيما وصف بهم اليهود والنصارى من جملة أهل الكتاب فهم أيضًا داخلون فيه وإلا ظهر أن يكون أهل الكتاب بالنصب والواو بمعنى مع، وهذا الوجه يدخل فيهم النصارى أيضًا لأنّهم من أهل الكتاب (١٤٥).
قلت: لم يقل (ح) أن النصارى لم يكونوا في أهل الكتاب، ولا صرح بإخراجهم بل كلامه ظاهر في إدخالهم، ولا صرح أيضًا بنفي إعجابهم، بل نظر على الإطلاق لا سيما وقد جعلهم الكرماني تبعًا، إذ لا يلزم من إعجابهم بصلاته إلى غير الكعبة أن يكونوا في ذلك تبعًا لليهود بل اعجاب اليهود من وجهين:
أحدهما: مخالفته لقبلة إبراهيم ﵇ مع قوله إنّه على ملة إبراهيم.
ثانيهما: موافقته لهم في قبلتهم وإعجاب النصارى من الجهة الأولى فقط، فطاح جميع ما اعترض وانقلب عجبه ممّن تقدّم عَجَبًا مِنْهُ، ثمّ أنّه لا يبالي أن يأخذ كلام السابق أولًا وآخرًا فيدعيه لنفسه ثمّ يتعقب منه ما يظن أنّه متعقب والله المستعان.
قال (ح): في قول البخاريّ عقب حديث البراء قال -وهو حدّثنا أبو إسحاق عن البراء- في حديثه هذا أنّه مات على القبلة قبل أن تحول رجال الحديث.
قوله: قال زهير، أي ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته في الموصول، وإثبات حرف العطف في المعلق، ووهم من قال: أنّه
стр. 86
معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير عن أبي نعيم عن زهير مع جملة الحديث سياقًا واحدًا (١٤٦).
قال (ع): قال الكرماني: يحتمل أن البخاريّ ذكره على سبيل التعليق منه، ويحتمل أن يكون داخلًا تحت حديثه السابق.
وقال بعضهم: وهم من قال إنّه معلق، فإن المصنف ساقه في التفسير مع الحديث مساقًا واحدًا.
قلت: أمّا الكرماني فإنّه جوز، وأمّا القائل المذكور فإنّه جزم بأنّه مسند ووهم من قال: إنّه معلق، وهذا هو الواهم لأن صورته صورة المعلق بلا شك، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة سياقًا واحدًا أن يكون هذا موصولًا وهذا ظاهر لا يخفى. انتهى (١٤٧).
وهذا ممّا يتعجب منه جدًا فإن (ح) ما وَهَّمَ كلام من جوز لقيام الاحتمال وإنّما وهم الكلام من جزم فإنّه معلق فكيف يتوجه عليه الإِعتراض ثمّ قوله: لا يلزم ... الخ كلام من لا يعرف إصطلاح المحدثين في مثل هذا وقد نسي ما ذكره هنا وأثبت ما نفاه بعد قليل حيث قال: قول البخاريّ:
وقال مالك: عن زيد بن أسلم ... الخ هذا تعليق بلفظ جازم فهو صحيح.
وقال ابن حزم: إنّه قادح في الصِّحَّة لأنّه منقطع، وليس كما قال لأنّه موصول من جهات أخر (١٤٨).
قال. (ح): فانظر وتعجب!! في بقية الكلام على الحديث المذكور.
قوله: إنّه مات على القبلة: أي قبلة بيت المقدس قبل أن تحول رجال
стр. 87
وقتلوا، ذكر القتل لم أره إِلَّا في رواية زُهَيْر إلى أن قال: والذين ماتوا بعد فرض [الصّلاة] وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس، إلى أن قال: ولم أجد في شيءٍ من الأخبار أن أحدًا من المسلمين [قتل] قبل تحويل القبلة لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة حمل على أن بعض المسلمين ممّن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط إسلامه [اسمه] لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ثمّ وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سُوَيْد بن الصامت، فقد ذكر ابن إسحاق أنّه لقي النّبيّ ﷺ قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة فعرض عليه الإسلام فقال: إن هذا القول حسن فانصرف إِلى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث وكانت قبل الهجرة، وكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد. انتهى (١٤٩).
وقال (ع): قوله على القبلة قبل أن تحول إِلى أن قال: والذين ماتوا على القبلة المنسوخة قبل تحويلها إلى الكعبة عشرة أنفس، فنقل كلام (ح) بلفظه ثمّ قال: فإن قلت: كلامه يشعر بقتل رجال قبل تحويل القبلة وليس بشيء لأنّه لم يعرف قط في الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة على أن لفظ وقتلوا لا يوجد في غير رواية زهير وإنّما في غيرها ذكر الموت فقط فيحتمل أن تكون هذه غير محفوظة.
وقال بعضهم: فإن كانت محفوظة فيحمل أن بعض المسلمين ممّن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الإعتناء بالتاريخ إذ ذاك.
فساق كلام (ح) بعينه إِلى قوله: فيحتمل أن يكون هو المراد، ثمّ قال: فيه نظر من وجوه:
стр. 88
الأوّل: أن هذا الحكم بالإِحتمال فلا يصح.
الثّاني. قوله لقلة الإِعتناء بالتاريخ إذ ذاك ليس كذلك فكيف اعتنوا بضبط [أسماء] العشرة الميِّتين ولم يعتنوا بضبط الذين قتلوا، بل الاعتناء بالمقتولين أولى، لأنّ لهم مزية على غيرهم.
الثّالث: أن الذي وجده في المغازي لا يصلح دليلًا لتصحيح اللّفظ المذكور، لأنّ الرَّجل لم يتفق على إسلامه، ولأن قوله: وقتلوا بصيغة الجمع يدلُّ على أن المقتولين جماعة وأقلها ثلاثة أنفس وهذا واحد.
الرّابع: أن وقعة بعاث كانت في الجاهلية كما قال الصغاني، ولم يكن في ذلك الوقت إسلام، فكيف يستدل يقتله في بعاث على أن قتله كان في وقت كون القبلة هو بيت المقدس فهذا ليس بصحيح. انتهى قول المعترض (١٥٠).
فأمّا قوله: هذا حكم بالإِحتمال فمردود لأنّه لم يحكم بذلك بل ذكره احتمالًا.
وقوله: في رد كونهم لم يعتنوا بالتاريخ لا يساوي سماعه لأنّ الذين نسب عليهم قلة الاعتناء ما اعتنوا بضبط أسماء العشرة، وإنّما اعتنى به المتأخرون الذين اعتنوا بالتاريخ فتتبعوهم من أنباء الأخبار الواردة في السيرة النبوية، وانظر هل نرى ذكرهم مجموعًا في شيءٍ من كلام المتقدمين في عهد الصّحابة وكأنّه ما تأمل.
قوله إذ ذاك فإنّه مفهومه أن الاعتناء بالتاريخ وقع بعد ذلك فهو كذلك.
стр. 89
وقوله: ان الذي وجده لا يصح لأنّ الرّجل لم يتفق على إسلامه فجوابه أن ذلك لا يمنع الاحتمال.
وقوله: يدلُّ على أن المقتولين جماعة وأقلها ثلاثة لا يمنع لأن اللّفظ صالح إذا أريد التوزيع فيكون تقدير الكلام ومات وقتل رجال فيصح أن يكون من مات أكثر ممّن قتل وبالعكس، ولو كان أحد الشقين واحدًا أو إثنان.
والذي بني على قول الصغاني أن وقعة بعاث كانت في الجاهلية إن وقت قتل سُوَيْد لم يكن في ذلك الوقت إسلام خطأ نشأ عن قلة فهم لأن الجاهلية تطلق ويراد بها قياس قبل البعثة، وتطلق ويراد بها ما قبل الإسلام من يحكي عنه.
والثّاني هو المراد هنا ودليله أن نفس القصة المذكورة عن ابن إسحاق أن النّبيّ ﷺ عرض على سُوَيْد الإسلام فانتفى أن يكون وجوده قبل الإِسلام وبالله التوفيق.
قال (ح) في الكلام على فوائد حديث البراء المذكور وفيه بيان ما كان في الصّحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمْر كما صح عن حديث البراء فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله: باب حسن إسلام المرء (١٥١).
стр. 90
قال (ع): بعد أن نقل هذا كله منسوبًا لبعضهم انظر يا هذا هل ترى له تناسبًا لوجه المناسبة بين البابين (١٥٢).
قلت: يوضح وجه المناسبة أن الصّحابة لما أشفقوا على إخوانهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة بينت الآية أن كلا من الطائفتين مستحسن في عمله، أمّا الذين ماتوا فلطاعتهم وعملهم بما أمروا به، وأمّا الذين تعبوا فلإشفاقهم عليهم، ولما ذكر الإِحسان في العمل فناسب أن يعقبه بما ليس أحسن في عمله من الثّواب فمن تخفى عليه هذه المناسبة له وللاعتراض ولا سيما بهذا التركيب القلق، على أن (ح) قد أشار إلى هذا في آخر كلامه، فقال بعد قول إسلام المرء فذكر الدّليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها بما ذكر، فحذف (ع) هذا القدر وشرع في الإِعتراض والله الموفق.
قال (ع) في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه بضم الراء، لأنّ إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم عند الجمهور (١٥٣).
قال (ع): هذا كلام [من] لم يشتم شيئًا من العربيّة، وقد قال الشاعر:
استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
قال: فجزم تصبك (١٥٤).
قلت: لم يدع إجماعًا.
قوله: في أول الحديث: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه.
стр. 91
قال (ح) في فوائده: فيه الرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإسلام من قوله فحسن إسلامه، لأنّ الحسن تتفاوت درجاته (١٥٥)
قال: هذا كلام ساقط لأنّ الحسن وصف ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الموصوف، كذا قال (ع) (١٥٦).
وقال (ح): في الكلام على. قوله: "أَحَبُّ الدِّين إلى اللهِ أَدوَمُهُ" مراد المصنف الإِستدلال على أن الإِيمان يطلق على الأعمال، لأنّ المراد بالدين هنا العمل الصالح، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإِسلام الحقيقي مرادف الإِيمان، فيصح بهذا مقصودة ومناسبته لما قبله من قوله: "عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ" لأنّه لما قدم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب بل المطلوب استمراره بعد ذلك (١٥٧).
قال (ع): فيه نظر من وجوه:
الأوّل: أن قوله: مراد المصنف إلى قوله على الأعمال، غير صحيح لأنّ الحديث ليس فيه ذلك، والاستدلال بالتوحيد ليس باستدلال يقوم به المدعى، لأنّ قوله في الحديث: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ" أي إلى الله، ما داوم عليه صاحبه ليس المراد بالدين في الحديث الدين، وإنّما المراد به الطّاعة، فإن لفظ الدين مشترك بين معاني كثيرة.
قلت: سياق هذا الكلام يغني عن تكلف الرد عليه.
ثمّ قال: الثّاني: قوله: الإسلام الحقيقي مرادف الإِيمان، وقال: إنَّ
стр. 92
الإِيمان يطلقُ على الأعمال، ثمّ قال الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة،
فكأنّه قال: الإسلام يحسن بالإِسلام
قلت: ليس هذا المراد، وإنّما المراد الإيمان يطلق على الأعمال مجازًا.
ثمّ قال: الثّالث: قوله: فيصح بهذا مقصودة ومناسبته لما قبله غير مستقيم لأنّه لا يظهر وجه المناسبة لما قبله، لما قاله أصلًا (١٥٨).
كذا قال، وجوابه "لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتأْتِيَ مِثْلَه".
قال (ح) في الكلام على حديث طلحة في قصة ضمام بن ثعلبة قال: هل [عَلي] غيرها؟ قال: "لا إِلَاَّ أن تَطَوَّعَ" من قال: إن الاستثناء منقطع يحتاج إلى دليل، لأنّ الأصل الاتصال، لكن دليله ما رواه النسائي وغيره أن النّبيّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثمّ يفطر.
وفي البخاريّ أنّه ﷺ أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه. فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإِتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم وبالقياس في الباقي، فيظهر وجه حمل الاستثناء في الحديث على الانقطاع (١٥٩).
قال (ع): من العجب أن هذا القائل لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة الإِتمام، وعلى القضاء بالإِفساد، كحديث عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة فأكلنا، فقال لنا رسول الله ﷺ : "صومًا يَوْمًا مَكَانَهُ" أخرجه أحمد، والأمر للوجوب فدل على أن الشروع ملزم وأن القضاء بالإِفساد واجب.
وفي الدارقطني أن أم سلمة صامت يومًا تطوعًا فأفطرت فأمرها النّبيّ ﷺ أن تقضي يومًا مكانه.
стр. 93
والجواب عن حديث النسائي أنّه ليس فيه أنّه ﵊ ترك القضاء، وإفطاره ربما كان عن عذر، وحديث جويرية أنّه أمرها بالإفطار لتحقق واحد من الأعذار، وكذا كلّ ما جاء من حديث هذا الباب (١٦٠).
قلت: حديث عائشة أخرجه مع أحمد أصحاب السنن الثّلاثة (١٦١)، ورجح التّرمذيّ أنّه عن الزّهري عن عائشة منقطع، وأسند عن ابن جريج: سألت الزّهري فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، وصححه ابن حبان من وجه آخر عن عائشة (١٦٢) وله شاهد عن ابن عمر عن عبد الرزّاق (١٦٣).
وأخرجه عن ابن عبّاس عند الطبراني في الكبير وعن أبي هريرة في الأوسط (١٦٤).
وحديث أم سلمة أخرجه الدارقطني وفيه الضحاك بن حُمْرَةَ وهو ضعيف.
ويجوز الجمع يحمل الأمر على على الندب إن ثبت الخبر، وإلا فالراجح من حيث السند حديث عائشة وجويرية والله أعلم.
قال (ح) في الكلام على قوله:
стр. 94
١٨ - باب اتباع الجنائز
ختم المصنف معظم التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه التّرجمة لأنّه آخر أحوال الدنيا (١٦٥).
قال (ع): هذا ليس بصحيح لأنّه بقي من الأبواب المترجم بها شعب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان (١٦٦).
قلت: قد احترز عن ذلك بقوله: معظم، فانتفى نفي الصحة.
قال (ح) في الكلام على قوله: من تبع تمسك بهذا اللّفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل ولا حجة فيه لأنّه يقال: تبعه إذا مشى خلفه، وإذا مر به فمشى معه (١٦٧).
قال (ع): هذا القائل نفي حجة هؤلاء بما هو حجة عليه، لأنّه فسر لفظ تبع بمعنيين:
أحدهما: حجة لمن يزعم أن المشي خلفها أفضل وإلا فهو ليس بحجة له ولا هو حجة لخصمه. انتهى (١٦٨).
وذكر هذا الرد كاف عن تكلف الرد عليه، كأنّه ما درى أن اللّفظ إذا
стр. 95
احتمل معنيين لم يكن فيه حجة لأحدهما لاحتماله إرادة الثّاني، ولم يدع الشارح أن في هذا اللّفظ حجة لمن قال: يمشي أمامها حتّى يقال في التعقيب لا حجة فيه.
قال (ح): في معنى قول ابن أبي مليكة كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنّه على إيمان جبريل وميكائيل؛ أي لا يجزم أحد منهم بعدم عروض النفاق له كما يجزم بذلك في إيمان جبريل، وفي هذا إشارة إلى قولهم بتفاوت درجات المؤمنين في الإِيمان خلافًا للمرجئة (١٦٩).
قال (ع): هكذا فسره الكرماني وتبعه بعضهم وليس المعنى هكذا وإنّما المعنى كلهم كانوا على حذر وخوف من أن يخالط إيمانهم النفاق، ومع هذا لم يكن أحد منهم يقول: إنَّ إيمانه كإيمان جبريل لأنّ جبريل معصوم لا يطرأ عليه الخوف من النفاق بخلاف هؤلاء فإنهم غير معصومين (١٧٠).
فلينظر المنصف هل بين المقالتين تفاوت إِلَّا في تطويل العبارة وإيجازها والله المستعان.
قال (ح): في الكلام على حديث زبيد بن الحارث سألت أبا وائل عن المرجئة، أي عن مقالة المرجئة.
ولأبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت وذلك له، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، فإن ذلك كان حين ظهورهم (١٧١).
قال (ع): هذا التقدير لا يصح لأنّه لا يطابق الجواب السؤال، وإنّما
стр. 96
المطابق أن يكون التقدير سألت أبا وائل عن المرجئة هل هم يصيبون في مقالتهم أو مخطئون؟ فأجابه بالحديث الدال على خطيانهم، ثمّ قال: ولا نسلم أن في رواية الطيالسي دلالة تدل أنّه وقف على مقالتهم حتّى سأل أبا وائل هل هي صحيحة؟ أو باطلة؟ انتهى (١٧٢).
وكلام (ح) لا يخالف التقدير المذكور، بل هو ساكت عن كون السائل اطلع على مقالتهم واستفهم عن صحتها، أو لم يطلع فسأل عن كيفيتها وحمله على الأوّل أولى وبالله التوفيق.
قوله: "سِبَابُ المُسْلِمِ" هو بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة.
قال (ح): وهو مصدر.
وقال الحربيّ: السباب أشد من السب (١٧٣).
قال (ع): ليس هذا مصدرًا لِسَبَّ يسب، وإنّما هو اسم بمعنى السب، أو مصدر بمعنى المفاعلة، وكلام الحربيّ يدلُّ على أنّه ليس بمصدر (١٧٤).
قال (ح): في تأويل قوله: "سِبَابُ اْلمُسْلِم فُسُوق وَقِتَالُهُ كُفْر" أوله الكرماني بأن المراد أنّه يؤول إلى الكفر لتشوفه أو أنّه كفعل الكفار.
وأوله الخطابي بالمستحل، والأول بعيد والثّاني أبعد لأنّه لا يطابق التّرجمة ولو كان مرادًا لم يحصل الفرق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل كفر أيضًا (١٧٥).
стр. 97
قال (ع): إذا كان اللّفظ محتملًا لتأويلات كثيرة لا يلزم أن يكون جميعها مطابقًا للترجمة، ومن ادعى هذه الملازمة فعليه البيان، فإذا وافق أحد التأويلات التّرجمة فإنّه يكفي التطابق.
وقوله: لو كان مراد ... الخ غير مسلم لأن تخصيص الشق الثّاني بالتأويل لكونه مشكلًا بحسب الظّاهر، والشق الأوّل لا يحتاج إلى التّأويل لكونه ظاهرًا غير مشكل (١٧٦).
قلت: لم يرد الشارح الأوّل الملازمة، وإنّما مراده أن الأولى لشارح الكتاب أن يختار من التأويلات إذا اقتصر على بعضها أقربها إلى مطابقة التّرجمة، فهذا وجه الاستبعاد وجوابه عن الإِعتراض الأخير لا يمنع من ذكره.
قال (ح) في الكلام على حديث عبادة بن الصامت: خرج ليخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت.
قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة بأنّها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان، وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان يرفع منه الخير والبركة.
فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الخق مذمومة؟ قلنا: إنّما كانت لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، ثمّ في الوقت المخصوص أيضًا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذم لما عرض فيها لا لذات الخصومة، ثمّ إنّها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرة الرسول منهي عنه لقوله تعالى ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
قلت: ومن هذا اتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد
стр. 98
خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب حتّى قال بعضهم: إنَّ إيراد هذا الحديث في هذه التّرجمة وهو خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر سهو من بعض من نسخ الكتاب (١٧٧).
قال (ع): أخذ هذا الكلام من الكرماني وهو عجيب شديد يأخذ كلام النَّاس وينسبه إلى نفسه مدعيًا أن غيره قد خفي عليه ذلك على أن هذا الذي ذكره الكرماني في وجه المطابقة إنّما يقاد بالجر الثقيل على ما لا يخفى على من تأمله، فإذا أمعن الناظر فيه لا يجد لذكر هذا الحديث هنا مناسبة ولا تطابقًا للترجمة. انتهى (١٧٨).
وفيه مناقشات:
الأولى: دعواه أخذ الكلام من الكرماني ولا زيادة يوهم أخذ جميعه من غير تصرف فيه بنقص وليس كذلك ومن أراد بيان ذلك، فليتأمل ما ذكره الشارح هنا، وفيما ذكره الكرماني يظهر له التفاوت.
الثّانية: قوله: مدعيًا أن غيره قد خفي عليه ليس كذلك، وإنّما ذكر أنّه خفي على كثير فليس فيه دعوى خفاء ذلك على غيره بطريق التعميم فإن مفهومه أن القليل منهم لم يخف عليه فيدخل فيه الكرماني.
الثّالثة: دعواه نفي المناسبة والمطابقة بعد التأمل مكابرة، ويكفي في الرد عليه أنّه نافٍ، والسابق مثبت والمثبت مقدم على النافي، والذي لا ارتياب فيه أن المناسبة والمطابقة ظاهرة ولا سيما عند التأمل، وحاصله أن ارتكاب المؤمن ما نهي عنه قد يحبط عمله وهو لا يشعر لتهاونه كما في رفع الصوت بحضرة النّبيّ ﷺ لقوله تعالى في ذلك: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وقد ظهر أثر ذلك من رفع صوت المتخاصمين بحضرته ﷺ
стр. 99
حيث منعوا معرفة ليلة القدر التي كان يحصل بمعرفتها من الخيرات ما شاء الله.
الرّابعة: تعجبه ممّن يأخذ كلام النَّاس وينسبه لنفسه وينسى نفسه مع ظهور الفرق بين الآخذين فإن غيره إن أخذه تصرف فيه بنوع من التصرفات المناسبة، وأمّا هو فأخذه لكلام الشارح المذكور واضح لا يحتاج إلى استدلال فما من باب من أول الكتاب إلى هنا، ولا حديث إِلَّا وقد أخذ من كلام الشارح فيه الكثير منه بألفاظه وبالمعنى، وقد أشرت إلى بعض ذلك قريبًا، ومن أقربه قوله في الكلام على قوله.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ فإنّه أخذ الكلام على ترجمته وعلى بيان من خرج أثره هذا بألفاظه، وكذا الأثر الذي بعده عن الحسن أخذ قوله، وأثر الحسن أخرجه الفريابي فإنّه كتب بلفظه نحو الصفحة على الولاء، وقد عقد في الباب الذي بعد هذا الاختلاف ألفاظ الرواة لحديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإِيمان والإِسلام من كلام الشارح السابق ما يزيد على ورقة بلفظه إِلَّا أنّه جمع ما فصله الأوّل في الكلام على ألفاظ الحديث لفظة بعد لفظة فأورده مساقًا واحدًا، فمن أراد الوقوف على ذلك فليقابل أحدهما بالآخر ليراه واضحًا، وكذا صنع في أكثر الكلام على شرح معاني الحديث المذكور وأوضحها الكلام على قوله لم يذكر الحجِّ لأنّه لم يكن فرض، ويرد هذا ما أخرجه ابن منده إلى آخر الكلام على ذلك في بضع عشر سطرًا على الولاء.
وكذا صنع في الكلام على قوله: باب قول النّبيّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحَةُ" من قوله التألف أنّه ذكر هذا معلقًا، ولم يخرجه مُسْنَدًا فكتب من كلام الشارح نحوًا من ثلاثين سطرًا كتابة مستريحة، والشارح ما جمع ذلك إِلَّا في أيّام كثيرة مع تعب قوي وسهر شديد، وتتبع زائدٍ، والله المستعان.
وكذا في الرد على قول الواقدي أن وفادة ضمام بن ثعلبة كانت في سنة
стр. 100
خمس، فإن (ح) رده من عدة أوجه فتقبلها (ع) باللفظة وصدر بقوله قلت في نحو صفحة.
وكذا صنع في حديث عقبة بن الحارث في باب الرحلة، فمن المسألة النازلة في الكلام على سماع ابن أبي مليكة بن عقبة وغير ذلك من تعليقاته يظهر لمن ينظر الأصل والفرع، وهذا ذكرته على سبيل المثال وإلا فالكتاب كله ملآن من ذلك ولله الحمد على كلّ حال، وكلما وقع له من ذلك في أول الكتاب قليل ممّا فعله في وسطه، وأمّا في الثلث منه وخصوصًا في النّصف الثّاني من هذا الثلث، فلو قال قائل: إنّه لم يزل على نسخه لما أبعد.
قال (ح) في الكلام على حديث جبريل:
قال الخطابي: معنى قوله إذا ولدت الأُمَّة ربتها أن يتسع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم فإذا ملك الرَّجل الأمة واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها لأنّه ولد سيدها.
قال النووي وغيره: هذا قول الأكثرين.
وقال بعضهم: لكن في كونه المراد نظر لأن الاستيلاد ما كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره. في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضي الإِشارة إلى وقوع ما لم يقع ممّا سيقع قبل قيام السّاعة (١٧٩).
قال (ع): في نظره نظر، لأنّ قوله: "إِذَا وَلَدَتِ الْأمَةُ رَبتَهَا" كناية عن كثرة التسري من فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد الشرك وهذا بلا شك لم يكن واقعًا وقت المقالة، والتسري وإن كان موجودًا حين المقالة ولكنه لم
стр. 101
يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك، والمراد أن يكون من هذه الجهة (١٨٠).
قلت: محصل نظر الأوّل أن الخطابي إن كان أراد مطلق التسري فلا يصح لأنّه كان موجودًا عند المقالة وإن كان أراد بقيد من الاستيلاء فلا يصح لأنّ الاستيلاء قد وجد في صدر الإسلام، والسؤال إنّما وقع عن العلامات التي إذا وجدت قامت السّاعة، وإنّما لم يجزم الشارح بردة لاحتمال أن يكون المراد بالعلامة ما يتجدد بعد وقت المقالة سواء قرب عهد تجدده أم بعد، فاقتصر على قوله: ففيه نظر والله الموفق.
قال (ح): قيل: يجوز أن يكون المراد أن العقوق تكثر في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السَّيِّد أمته من الإهانة، فأطلق عليه ربها مجازًا.
ويجوز أن يكون المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدلُّ على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ومحصلة الإِشارة إلى أن السّاعة بقرب قيامها عند انعكاس الأحوال بحيث يصير المربي مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في الرِّواية الأخرى: "أَنْ تَصِيرَ الحُفَاةُ الْعُرَاةُ مُلُوكَ الأرْضِ" (١٨١).
قال (ع): ليس هذا بأوجه الأوجه بل أضعفها، لأنّه إنّما عد هذا. من أشراط السّاعة لكونها على نمط خارج عن العادة أو على وجه دال على فساد الأحوال، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل (١٨٢).
قلت: الدفع بالصدر مدفوع والله أعلم.
стр. 102
قال (ح): ذكر الطيبي أن قوله: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ" ضمن معنى لن يعترف فلهذا عداه بالباء.
قلت: والتصديق يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين لأنّ الأصل خلافه (١٨٣).
قال (ع): الطيبي قال: ضمن الإِيمان معنى الاعتراف، حتّى يقال لا يحتاج.
قلت: دار الأمر بين التضمين وبين الإِبقاء على معناه الأصلي وهو التصديق، فإذا كان كلّ منهما تعدى بالباء، فالثّاني متعين ولا يحتاج إلى الأوّل (١٨٤). أفبمثل هذا يتصدى للاعتراض؟ والله المستعان.
قال (ح): قوله عن أشراطها جمع وأقله ثلاثة على الأصح، ولم يذكر هنا إِلَّا اثنين، وأجاب الكرماني بأنّه قد يستقرض القلة للكثرة وبالعكس أو أن الفرق بالقلة والكثرة إنّما هو في النكرات لا في المعارف، فإنّه إنّما ورد على مذهب أن أقل الجمع اثنان أو الثّالث لحصول المقصود بما ذكره.
قلت: وفي هذه الأجوبة نظر ولو أجيبَ بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصوَاب، والجواب المرضي أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنّما اقتصر بعض الرواة على اثنين منها (١٨٥).
قال (ع): هذا الذي قاله أنّه لا يبعد عن الصواب بعيد عن الصواب لأنّه كيف يكون هذا دليلًا لمن يقول: إنَّ أقل الجمع اثنان وهو لا يخلو، إمّا أن يستدل على ذلك بلفظ الأشراط أو بلفظ إذا ولدت وإذا تطاول، وكل منهما لا يصح أن يكون دليلًا.
стр. 103
أمّا الأوّل: فلأنّه لم يقل أحد: إنّه ذكر الأشراط، وأراد به الشرطين بل المراد أكثر من ثلاثة.
وأمّا الثّاني: فلأنّه ليس بصورة التثنية حتّى يقال ذكرها وأراد بها الجمع (١٨٦).
قلت: وجه الدلالة أنّه ذكر الأشراط وهي صيغة جمع لا محالة، ثمّ ذكر
اثنين فقط فيؤخذ منه أن أقل الجمع اثنان، وهذا إنّما قيل على تقدير تسليم أنّه لم يقع في الحديث إِلَّا ذكر اثنين، كما أشير له به في الأصل.
قال (ح): في الكلام على حديث النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ".
تنبيه:
ادعى بعضهم أن التمثيل يعني عن قوله: "كَرَاعٍ يَرْعى حَوْلَ الْحِمى" من كلام الشّعبيّ، وأنّه مدرج في الخبر ولم أقف على دليله إِلَّا ما وقع عند ابن الجارود والإِسماعيلي من رواية ابن عون عن الشّعبيّ، قال ابن عون في آخر الحديث لا أدري المثل من قول النّبيّ ﷺ أو من قول الشّعبيّ.
قلت: لكن تردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجًا، لأنّ الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من بعض الرواة عن الشّعبيّ لا يقدح فيمن أثبته لأنّهم حفاظ، ولعلّ هذا هو السر في حذف البخاريّ قوله: "وقع في الحرام" ليصير ما قبل المثل مرتبطًا به فيسلم من دعوى الأدراج، ومما يقوي عدم الإِدراج رواية ابن حبّان: "اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبيْنَ الْحَرَام سَتْرَةً مِنَ الْحَلَال، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِه، وَمَنْ وَقَعَ كَانَ كَالمُرْتَعِي إلى جَنْب الْحِمَى ... " الحديث، وكذا ثبوت
стр. 104
المثل مرفوعًا في رواية ابن عبّاس وعمار أَيضًا (١٨٧).
قال (ع): ولعلّ هذا هو السر ... الخ ليس لهذا الكلام معنى أصلًا، ولا هو دليل على منع دعوى الإِدراج لأنّ قوله وقع في الحرام لم يحذفه البخاريّ، وإنّما رواه في هذه الطريق مثل ما سمعه، وقد ثبت عنده في غير هذه الطريق، وكيف يحذف لفظًا مرفوعًا متفقًا عليه لأجل الدلالة على رفع، قيل فيه بالإِدراج.
وقوله: ليصير ممّا قبل المثل مرتبطًا به إن أراد الارتباط المعنوي فلا يصح لأنّ كلا منهما كلام بذاته مستقل، وإن أراد به الإِرتباط اللفظي فكذلك لا يصح (١٨٨).
قلت: لا يزال يدفع بالصدر ولا يقيم على ما ينكره دليلًا، وتعجبه من حذف لفظ مرفوع للدلالة لأنّه من تعجب ممّن يجيز الإِختصار من الحديث، وقد عهد ذلك من البخاريّ كثيرًا، وأمّا افتتاح كلامه بدعواه أن ليس للكلام المذكور. معنى، فغايته أنّه لم يفهم المراد منه وما عليّ إذا لم يفهم.
قال (ح): في الكلام على حديث ابن عبّاس في وفد عبد القيس:
قال النووي: كانوا أربعة عشر رجلًا كبيرهم الأشج واسمه المنذر، وقد سمى صاحب التحرير في شرح مسلم منهم ثمانية, أنفس، ثمّ قال: لم أظفر بأسماء الباقين بعد طول التتبع.
قلت: قد ظفرت بهم فذكرهم، وذكر الكتب التي أخرج ذكرهم فيها، ثمّ ذكر حديث مزبدة العبدي قال: بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم: "سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق" فقام
стр. 105
عمر فلقي ثلاثة عشر راكبًا فرحب بهم وقرب وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس.
قلت: وجمع بأن الرّابع عشر كان غير راكب أو كان تخلف عنهم لضرورة، لكن أخرج الدولابي من حديث أبي خيرة الصباحي نسبه إلى صباح بضم المهملة وتخفيف الموحدة بطن من عبد القيس قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ ، وكنا أربعين رجلًا، ويمكن الجمع بأن الثّلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد، وبأن وفادتهم كانت مرتين (١٨٩).
قال (ع): هذا عجب منه لأنّه لم يسلم التنصيص على العدد المذكور فكيف يوفق بين ثلاثة عشر وأربعين، فقد قال وقع في جملة من الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس، فسرد من ذلك اثنين وعشرين رجلًا، فعلم أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخاريّ ومسلم بالعدد المعين (١٩٠).
قلت: ومن يكون هذا مبلغ فهمه ماله وللإِعتراض إذا صرح الشارح بأن العدد المعين لم يصح سنده يمتنع أن يقول على فرض الصِّحَّة يجمع بين اختلاف الروايات فيه بكذا، وإذا جمع بين الثّلاثة عشر والأربعين باحتمال أن يكون الزائد على الثّلاثة عشر إتباعًا يمتنع من هذا الجمع التصريح بأسماء اثنين وعشرين نفسًا منهم، أما يكفي دلالة سعة اطلاع هذا الشارح الناشئ عن تبحره في هذا الفن إطلاعه على تسمية نحو الثلاثين. منهم بعد نقل إمام النَّاس الشّيخ محي الدِّين النووي، وقول صاحب التحرير أنّه لم يطلع من أسمائهم إِلَّا على ثمانية أسماء وأنّه بعد التتبع لم يظفر بأسماء الستة
стр. 106
الآخرين وتقريره على ذلك، وهل يعترض بمثل ما اعترض به هذا الرَّجل إِلَّا ظاهر الحسد أو سيئ الفهم.
قوله: فيه إِلَّا الشهر الحرام وهي رواية مسلم.
قال (ح): وهي من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع (١٩١)
قال (ع): إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز (١٩٢).
قال (ح): قوله:
стр. 107
١٩ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
أي بيان ما ورد [دالًا] على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة، والمراد بالحسبة طلب الثّواب، ولم يستدل بحديث لفظه: الأعمال بالنية والحسبة، وإنّما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة.
وقوله: "لكل امرئ ما نوى" هو بقية حديث الأعمال بالنية، وكأنّه أدخله على قوله: والحسبة بين الجملتين للإِشارة إلى أن الثّانية تفيد ما لا تفيد الأولى (١٩٣).
قال (ع): قوله: "ولكل امرئ ما نوى" من بعض الحديث الأوّل، وقوله: الحسبة ليس من لفظ الحديث أصلًا لا من هذا الحديث ولا من غيره، وإنّما أخذه من لفظة يحتسبها التي في حديث أبي مسعود المذكور في الباب إلى أن قال: كان ينبغي أن يقول: باب ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى والحسبة، ولكن لما كان لفظ الحسبة من الاحتساب وهو الإِخلاص كان ذكره عقب النية أوَّلًا من ذكره عقب قوله: "وَلِكُل امْرِيءٍ مَا نَوَى" ولهذا أخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث لكل ترجمة حديث، فحديث لقوله: "الَأعْمَالُ بِالنَيَّةِ" وحديث أبي مسعود لقوله: "والحسبة" وحديث سعد بن أبي وقّاص لقوله: "وَلِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى فلو أخر لفظ الحسبة إلى آخر الكلام كان يفوت قصده التنبيه على ثلاثة تراجم، وإنّما كان يفهم منه ترجمتان:
стр. 108
الأوّل: الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى.
والثّانية: قوله: والحسبة.
فانظر إلى هذه النكات هل ترى شارحًا ذكرها أو حام حولها، وكل ذلك بالفيض الإِلهي والعناية الرّحمانية (١٩٤).
قلت: إشارته إلى أنّه اخترع ذلك لا يخفى بطلانها.
وقوله: كلّ ذلك بالفيض الإِلهي مسلم ولكن على السابق الذي أخذ كلامه الموجز وبسطه فغير مقاصده ووقع بذلك. في اعتراض لا جواب له عنه وهو أن يقال له: لو كان كما ظننت لا اعتراض عليك بأنّه كان يمكنه أن يقدم حديث سعد على حديث أبي مسعود فيصح التركيب ولا يفوت قصد التنبيه على ثلاث تراجم، هذا على تقدير تسليم أن حديث سعد يستفاد منه "ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" فإن الذي يظهر أنّه موافق لحديث أبي مسعود، لأنّ لفظ حديث أبي مسعود: "إذا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهٌ صَدَقَةٌ"، وحديث سعد: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةَ تَبْتَغِي بهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بهَا". وإنّما المناسب لكل امرئ ما نوى قوله: "وَلَكَنْ جهَادٌ وَنيَّةٌ" وهو طَرف من حديث ابن عبّاس: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّةٌ" ومعناه أن نفي الهجرة بعد الفتح لا يمنع مقصود الهجرة، وهو الجهاد إذا خلصت فيه النية, وقد وقعت الإِشارة إلى أن النكتة في توسيط لفظ الحسبة بين الجملتين بألخص عبارة، فما الذي زاده حتّى يتبجح ولا قوة إِلَّا بالله.
قال (ح) في الكلام على حديث سعد بن أبي وقّاص: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجْرِتَ بهَا، حَتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأتِكَ" قوله: "حَتى مَا تَجْعَلُ" حتّى عاطفة وما بعدَها منصوب المحل، وقد وقع في الرِّواية
стр. 109
الأخرى حتّى اللقمة، فظهر النصب فيه و (ما) موصولة والعائد محذوف (١٩٥).
قال (ع): هذا سبقه إليه الكرماني، وحتى هذه ابتدائية حرف يبدأ بعده الجمل، لأنّ شرط كونها معطوفة أن تكون جزء لما قبلها أو كجزء منه، ولا يتأتى إِلَّا في المفردات على أن العطف بحتى قليل، والكوفيون ينكرونه البتة وما بعد حتّى جملة، لأنّ قوله: (ما) موصولة مبتدأ وخبره محذوف، وكذا العائد الموصول.
ثمّ قال: ووجه آخر يمنع كون حتّى عاطفة، وهو أن المعطوف غير المعطوف عليه، فلو كانت عاطفة لاستفاد أن الذي يجعل في فم المرأة مأجور فيه، وأمّا قول الكرماني إنَّ ذاك يستفاد من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف، فمردود لأنّ القيد في المعطوف عليه وهو الابتغاء لوجه الله لأنّ الأجر ليس بقيد فيه، لأنّ الأصل من الكلام والمقصود من المعطوف حصول الأجر بالإِنفاق المقيد بالإِبتغاء. انتهى (١٩٦).
ودعواه أن حتّى لا يصح أن تكون هنا عاطفة لما ذكره من الشروط أخذه من. . . . . . . . . . . . . . . . . ودعوى. . . . . . . أنّها ابتدائية. . . . . . . . . . . . . . . . . (١٩٧).
تنبيه:
كلام (ع) يدلُّ على أنّه إنّما اعترض على الكرماني، ولولا الكرماني ما مشى على أحاديث هذا الكتاب لأنّه هو الذي اعتنى بذلك دون من سبقه من الشراح، وهذا إذا لم تتخيل أنت في كلامه ما يقتضي الإِعتراض عليه بأخذه كما هو ولا ينسبه إليه، ويفعل معه ذلك في غالب ما يورده ويتفق أن
стр. 110
غالب ما يعترض به عليه يكون الصواب مع الكرماني حتّى في الأمور الواضحة، وقد وقع له في ترجمة جرير البجلي في الكلام على آخر حديث في كتاب الإِيمان أنّه قال: له مئة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريّ بحديث ومسلم بستة، وكذا في شرح الشّيخ قطب الدِّين، وفي شرح النووي له مئتا حديث، انفرد البخاريّ بحديث وقيل بستة، ولعلّ صوابه، ومسلم بستة بدل وقيل بستة.
وقال الكرماني في شرحه لجرير مئة حديث ذكر البخاريّ منها تسعة، وهذا غلط صريح (١٩٨).
قلت: إذا قدر أنّهما اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بحديث، كيف يكون قول الكرماني ذكر البخاريّ منها تسعة غلطًا صريحًا فإن تفصيل التسعة هو أن له في المتفق ثمانية، وانفرد بواحدة فمن يكون هذا مبلغ فهمه كيف يليق به أن يعترض على من سبقه ويدعي على ما يذكر من الصواب أنّه خطأ مع أن تخطئته هي الخطأ الصريح والمستعان بالله.
من كتاب العلم
قوله: