٤١٩ - بَابُ النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
ذكر فيه حديث أبي هريرة: "لَا يَزْني الزَّانِي [حيِنَ يَزْنِي] وَهُوَ مُؤْمِن، وفيه: "وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٣٨٠).
قال (ح): يستفاد التقييد بالإذن في التّرجمة من قوله: "يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُم" لأنّ رفع الأبصار إلى المنتهب، إنّما يكون في العادة عند عدم الإذن (٣٨١).
قال (ع): هذا الجواب سبق إليه الكرماني فأخذه (ح) ولم ينسبه إليه.
قاله: وقال الكرماني أيضًا: فإن قيل النهب لا يتصور إِلَّا بغير إذن صاحبه فما فائدة التقييد؟
فأجاب أن المراد الإذن الإجمالي حتّى يخرج منها انتهاب السباع في الهِبَة من الموائد ونحوها. (٣٨٢).
قلت: عاب على (ح) موافقة كلامه لكلام الكرماني فجزم أنّه أخذه منه ولم ينسبه إليه، وهذا في السير فماذا يقول (ح) وهذا المعترض يأخذ من كلامه الورقة وأكثر ولا ينسب إليه منها شيء، حتّى أن في الباب السابق قريبًا ذكر ما قرره (ح) فقال في آخره: وهذا لم أر أحدًا من الشراح حقق هذا الموضع.
стр. 737
٤٢٠ - باب- هل تكسر الدنان الّتي فيها الخمر أو تحرق الرماق فإن كسر صنمًا أو صليبًا أو طنبورًا أو ما لا ينتفع بخشبه
قال (ح): كذا لهم ولم يذكر الجواب والتقدير: هل يتضمن قيمته أو لَا.
وقال الكرماني: أو ما لا ينتفع بخشبه يعني من آلات الملاهي المتخذة من الخشب فهو تعميم بعد تخصيص، ويحتمل أن تكون أو بمعنى إلى أن، والتقدير فإن كسر طنبورًا إلى حد لا ينتفع بخشبه أوهو معطوف على مقدر أي كسرًا ينتفع بخشبه ولا ينتفع بعد الكسر.
قال (ح): ولا يخفى تكلف هذا الأخير وبعد الذي قبله (٣٨٣).
قاله (ع): الكرماني جوز لكلمة "أو" ثلاثة معان أن يكون عطفًا على ما قبله، أو تكون بمعنى إلى أن كقوله: لألزمنك أو تقضيني حقي، وهو كثير في كلامهم، أو يكون على حذف شيء مقدر، وكل منها كثير في كلام العرب، فلا تكلف فيه ولا بعد، وإنّما يكون التكلف فيما يؤتى الكلام بالجر الثقيل (٣٨٤).
قلت: ورود كلّ من الثّلاثة سائغ إذا كان الكلام مقبولًا للسامغ غير محتاج إلى تأويل، وأمّا إذا كان خلاف ذلك فإنّه يستبعد.
стр. 738
قوله: قال أبو عبد الله: كان ابن أبي أويس يقول: الحمر الأَنَسية بنصب الألف والنون وليس بشيء، وتعقبه ابن الأثير بأنّه إن أراد ليس بمعروف في اللُّغة، ولا نسلم فإنّه مصدرًا نصب به أنس أنسًا وأنسة.
قال (ح): تعبيره عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنصب جائز عقلًا عند المتقدمين، وإن كان الاصطلاح عند المتأخرين فلا [يبادر إلى إنكاره] (٣٨٥).
قال (ع): هذا ليس بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين، إنهم يعبرون عن الهمزة بالألف وعن الفتحة بالنصب، ومن ادعى [خلاف ذلك] فعليه البيان، فإن الهمزة ذات حركة والألف اللينة لا تقبل الحركة، والفتح من ألقاب البناء والنصب من ألقاب الإعراب (٣٨٦).
قلت: ما زاد على إنكار النقل وهو موجود، وكأنّه ينادي على نفسه بقلة الإصلاح مع دعواه الصريحة بأنّه في هذا لا يلحق.
стр. 739
كتاب الشركة
٤٢١ - باب الشركة في الطّعام
ذكر فيه حديث أبي موسى في فضل الأشعريين: "وَإنَّهُمْ إِذاَ أَرْمَلُوا جَمعُوا ما كَاَن عِندَهُمْ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ".
قال (ح): فيه جواز هبة المجهول (٣٨٧).
قال (ع): ليس شيء في الحديث يدل على هذا، فإن الهِبَة تمليك المال، وهذا إنّما فيه الإباحة (٣٨٨).
стр. 740
٤٢٢ - باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه
قال (ع): هذا بمعزل عن الصواب فإنّه لم يذكر هنا قسم ولا مال حتّى يعود الضمير إليه، بل الضمير يعود على القسمة التذكير باعتبار القسمة هنا بمعنى القسم.
стр. 741
٤٢٣ - باب الشركة في الطّعام وغيره
قال. (ح): أي من المثليات (٣٨٩).
قال (ع): الأولى أن يقول: أي ما يجوز تملكه (٣٩٠).
стр. 742
كتاب العتق
٤٢٤ - باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين
ذكر فيه حديث ابن عمر: "مَنْ أَعْتَقَ شرْكًا لَهُ في مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلُّهُ".
قال (ح): كله بجر اللام تأكيدًا للضمير المضاف أي عتق العبد كله (٣٩١).
قال (ع): ليس هنا ضمير مضاف حتّى يكون له تأكيد (٣٩٢).
стр. 743
٤٢٥ - باب الخطأ والنِّسيان في العتاق والطلاق ونحوه
قال (ح): أي من التعليقات (٣٩٣).
قال (ع): هذا التفسير ليس بظاهر ولا له معنى يفيد (٣٩٤).
قوله: وقال النّبيّ ﷺ : "لِكُلِّ امْرِء ماَ نوى" ولا نيّة للناس والمخطيء.
قال (ح): يحتمل أن يكون أشار إلى الحدّ الذي ذكره أهل الفقه والأصول كثيرًا بلفظ: "رَفَعَ الله عَنْ أُمَّتِي الخطَأ والنِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عبّاس بلفظ "وضع" بدل "رفع".
والدارقطني والطحاوي والطبراني بلفظ: "تَجَاوَزَ الله" (٣٩٥).
قال (ع): كأنّه أشار إليه لأنّه يقتضي أن لا يترتب على النَّاس والمخطىء حكم لعدم النية، فإذا كان كذلك فلا يقع الحديث على الناسي والمخطيء إذ لا إختيار له والجواب عنه أن الاختيار أمر باطن فلا يصح تعلّق الحكم به (٣٩٦).
стр. 744
٤٢٦ - باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه
ذكر فيه حديث أبى هريرة: "إِذاَ ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ اْلوَجْهَ".
قال (ح): وقع في رواية همام الّتي لم يسق البخاريّ لفظها: "إذا قَاتَلَ" وسائر الروايات بلفظ "ضَرَبَ" فيستفاد منه أن قاتل بمعنى قتل، وأن المفاعلة ليست على ظاهرها (٣٩٧).
قال (ع): بل المفاعلة على حالها التناول ما يقع عند أهل الحق مع البغاة وعند دفع الصائل ... الخ (٣٩٨).
قلت: قد قال (ع) عقب قوله: ليست على ظاهرها ما نصه ويحتمل أن يكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلًا .... إلى آخر الكلام، فأخذ من كلامه أحد الاحتمالين ورده بالاحتمال الثّاني، وقد ذكرهما (ح) معًا ليوهم (ع) أنّه استدرك واعترض وتفطن لما لم يتفطن له (ح) والله المستعان.
стр. 745
٤٢٧ - باب استعانة المكاتب وسؤال النَّاس
قال (ح): هو من عطف الخاص على العام، لأنّ الاستعانة تقع بالسؤال وبغيره (٣٩٩).
قال (ع): كأنّه ما التفت إلى سين الاستعانة، فإنها للطلب، والطلب لا يكون إِلَّا من غيره (٤٠٠).
قلت: هذا الحصر مردود.
قوله: "وَاشْتَرطي لَهُمُ اْلوَلَاءَ".
قال (ح): ذكر الطحاوي أن المزني حدثه عن الشّافعيّ بلفظ "وَأَشترِطي" بهمزة قطع بغير مثناة، ومعناه أظهري واستشهد على ذلك وأنكر غيره هذه الرَّواية, والذي في مختصر المزني والأم وغيرهما عن الشّافعيّ كرواية الجمهور (٤٠١).
قال (ع): لا محالة لإِنكارها، لأنّ كلًا من الطحاوي والمزني ثقة ثبت لا يشكّ فيما رواه، ولا يلزم أن يكون هذا الذي نقله الطحاوي عن المزني أن يكون الشّافعيّ ذكره في الأم، فإن المزني أعرف بحاله (٤٠٢).
قلت: انظر وتعجب.
стр. 746
كتاب الهِبَة
قال (ح): الهِبَة بكسر الهاء وتخفيف الموحدة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الأبراء والصدقة والهدية، ومن قيدها بالحياة أخرج الوصيَّة وهي منقسمة إلى الأنواع الثّلاثة ويعضد الهِبَة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل وعليه ينطق قول من عرف الهِبَة بأنّها تمليك بلا عوض (٤٠٣).
قال (ع): أخذ بعضه من كلام الكرماني، وتقسيم الهِبَة إلى الأنواع المذكورة ليس بالنظر إلى معناها الشرعي وإنّما هو بالنظر إلى معناها اللغوي لأنّ الأنواع المذكورة إنّما تنطبق على المعنى اللغوي لا الشرعي (٤٠٤).
كذا قال.
قوله: قلت: ما حالة ما كان يعُشكم؟
قال (ح): وقع في بعض النسخ يغنيكم بسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثمّ تحتانية ساكنة (٤٠٥).
قال (ع): كأنّه تصحف عليه فجعله من الإِغناء، ليس هو إِلَّا من القوت، فعلى قوله تكون هذه رواية رابعة فتحتاج إلى البيان (٤٠٦).
كذا قال.
стр. 747
٤٢٨ - باب قبول الصَّدقة [الهدية] (٤٠٧)
ذكر فيه حديث الصعب بن جثامة وفيه: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أنَّا حُرُمٌ".
قال (ح): شاهد التّرجمة مفهوم قوله: "لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إِلَّا أنَّا حُرُمٌ" أي ولو كنا غير حرم لقبلناه (٤٠٨).
وقال (ع): مطابقته للترجمة.
قوله: أهدى وهذا أولى ممّا قال (ح) نعم يتمشى ما قاله على رواية أبي ذر فإنّه ترجم لحديث الصعب، باب قبول الصدقة (٤٠٩).
стр. 748
٤٢٩ - باب قبول الهدية
قوله في حديث عائشة: "سألتك [يناشدنك] العدل في بنت أبي قحافة".
قال (ح): معناه التسوية في كلّ شيء من المحبة وغيرها (٤١٠).
قال (ع): بل المعنى التسوية بينهن في المحبة المتعلّقة بالقلب لأنّه كان يسوي بينهن في الأفعال المقدورة (٤١١).
قلت: كأنّه ما رأى أصل الحديث في تحري النَّاس بهداياهم يوم عائشة.
стр. 749
٤٣٠ - باب الهِبَة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتّى يعدل
قال (ح): في التّرجمة إشارة إلى ضعف الحديث المشهور: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبيِكَ" أو إلى تأويله (٤١٢).
قال (ع): بأي وجه تدل هذه التّرجمة إلى ضعف هذا الحديث، فلا وجه لذلك أصلًا (٤١٣).
قلت: استراح هذا حيث تعب النَّاس.
قوله: إنِّي تحملت ابني هذا غلامًا.
قال (ح): وقع عند ابن حبّان من طريق أبي جرير عن الشّعبيّ أن والده بشير بن سعد قال: إن عمرة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وأنّها أبت أن تربيه حتّى جعلت لها حديقة. وجمع ابن حبّان بين الروايتين بالحمل على واقعتين:
إحداهما: عند ولادة النعمان، وكانت العَطِيَّة [حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطيّة] عبدًا وهو جمع لا بأس به إِلَّا أنّه يعكر عليه أنّه يتعذر [بعد] أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتّى يعود فيستشهد بعد أن قيل له في الأولى لا أشهد (٤١٤).
стр. 750
قال (ع): لا بعد في هذا أصلًا، فإن الإِنسان مأخوذ من النِّسيان، وهموم أحوال الدنيا، وعموم أحوال الآخرة تنسي أي نسيان، والنِّسيان غالب حتّى قيل: إنَّ الإنسان مأخوذ من النِّسيان (٤١٥).
قلت: هكذا تكون البلاغة أولى الأجوبة ممّن خالف ظاهر الحديث.
قال (ح):
ثانيها: أن العطيّة لم تتنجز وإنّما جاء بشير والد النعمان يستشير النّبيّ ﷺ ، فأشار إليه أن لا يفعل، فترك ثمّ قال: وفي أكثر طرق الحديث ما ينابذه، حكاه الطحاوي (٤١٦).
قال (ع) هذا كلام من لا إنصاف له لأنّه يقصد بهذا تضعيف ما قاله الطحاوي مع أنّه لم يقل هذا إِلَّا مُسْنَدًا لما في بعض طرق الحديث أنّه قال: إنِّي نحلت ابني هذا غلامًا، فإن أذنت أن أجيزه له أجزته (٤١٧).
قلت: جوابه يأتي في الذي بعده.
قال (ح): ثالثها: أن النعمان كان كبيرًا، ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاوي أيضًا وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث خصوصًا قوله: "أرجِعْهُ" فإنّه يدلُّ على تقدّم وقوع القبض (٤١٨).
قال (ع): هذا أيضًا طعن في كلام الطحاوي من غير وجه ومن غير إنصاف، لأنّه لم يقل هذا أيضًا إِلَّا وقد أخذه من الذي أخرجه من وجه
стр. 751
آخر عن النعمان نحلني أبي غلامًا فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﷺ لأشهده، فهذا يدلُّ على أن النعمان كان كبيرًا لقول أمه: اذهب (٤١٩).
قلت: في حديث الباب: أن أباه أتى به، وفي الشهادات: سألت أمي أبي بعض الموهوبة لي من ماله، زاد مسلم: فالتوى بها سنة.
ولابن حبّان: بعد حولين ثمّ بدًا له فوهب لي فقالت: لا أرضى حتّى تستشهد فأخد بيدي وأنا غلام.
وفي رواية لمسلم: انطلق بي يحملني، وجمع بينهما بأنّه مشى به بعض الطريق وحمله في بعضها، ومجرد قول الأم لولدها: اذهب مع أبيك لا يقتضي الكبر المطلوب في الاحتمال، فإنّه يستلزم البلوغ حتّى يمكنه القبض لنفسه، والواقع في كتب المحدثين قاطبة أن النعمان ولد في أول سنة من الهجرة أو بعد ذلك فلم يكمل بعد وفاة النّبيّ ﷺ عشر سنين، فكيف يسوغ لمن اطلع على ذلك وأسنده، وتحققه أن يبرز الاحتمال العقلي أنّه كان عند العطيّة بالغًا لولا التعصب.
قال (ح): وفيه نظر مع وجود النص (٤٢٠).
قال (ع): إنّما يمتنع من ذلك ابتداء، وأمّا إذا عمل بالنص على وجه من الوجوه، ثمّ إذا قيس ذلك الوجه إلى وجه آخر لا يقال إنّه عمل بالقياس مع وجود النص (٤٢١).
قلت: انظروا وتعجبوا.
стр. 752
٤٣١ - باب من أهدى له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق
وذكر فيه أوَّلًا حديث ابن عبّاس معلقًا وقال: لم يصح.
ثمّ ذكر حديث ابن عمر أنّه كان مع النّبيّ ﷺ في سفر علي بكر صعب ... الحديث، وفيه: هو لك يا عبد الله فاصنع به ما شئت.
قال الإسماعيلي: هذا الحديث لا دخل له في هذا الباب.
وأجاب ابن بطّال بأنّه وهب لابن عمر البعير، وهو مع النَّاس الذين سافروا مع النّبيّ ﷺ فلم يشاركوه فيه.
قال (ح): وهذا مصير من المصنف إلى إلحاق الهدية بالهِبَة في هذا الحكم (٤٢٢).
قال (ع): قول ابن بطّال عجيب، لأنّ الشخص إذا وهب لأحد شيئًا وهو بين النَّاس، فهل يتوهم فيه أنّهم يشاركونه حتّى يقال هذا بل كلّ منهم يتحقق أنّه الأحق لتعيينه لذلك، وأمّا قول الآخر فهو أعجب من ذلك، وكيف يكون: بينهما اتحاد في الحكم بل بينهما تغاير في الحكم وتباين لأنّ الهِبَة عقد من العقود يحتاج إلى إيجاب وقبول [وقبض، والهدية ليست كذلك، وأيضًا قد يشترط العوض في الهِبَة ولا يشترط في الهدية] (٤٢٣).
стр. 753
٤٣٢ - باب قبول الهدية من المشركين بيعًا أو هبة
قال (ح): فيه فساد قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي، لأنّ هذا الأعرابي كان وثنيًا (٤٢٤).
قال (ع): ليس فيه ما يدل على ذلك فإن كان عرف من خارج فعليه البيان (٤٢٥).
قوله في حديث عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق: ألا أعطاها إياه.
قال (ح): هومن القلب والأصل أعطاه إياها (٤٢٦).
قال (ع): لا حاجة إلى دعوى القلب، بل العبارتان سواء في الاستعمال (٤٢٧).
стр. 754
٤٣٣ - باب لا يحل لأحد أن يرجع في وهبته
اعترض على هذه التّرجمة بأنّها نكرة في سياق النفي فتعم بجواز رجوع الوالد فيما وهب لولده.
قال (ح): لعلّه كان يرى صحة الرجوع وإن كان يحرم عليه بغير عذر.
قال (ع): سبحان الله ما أبعد هذا عن منهج الصواب، لأنّه كيف يرى صحة شيء مع كونه حرامًا، وبين الصِّحَّة والحرام منافاة.
قلت: ما نفاه مردود، ولذلك أمثلة، فالصلاة في الأرض المغصوبة تحرم وتصح بمعنى أنّها تجزئ وتسقط الطلب، وكالبيع المستوفي الشروط في وقت النِّداء، يصح العقد ويحرم الفعل، ومن لا يستحضر مثل هذا فما باله يهجم بالاعتراض.
ثمّ قال (ح): أخرج الطحاوي الحديث بلفظ: لا يحل، لا يستلزم التّحريم وإنّما معناه لا يحل له من حيث يحل لغيره، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة.
قال: وكذا قوله كالكلب بل يدل على عدم التّحريم، لأنّ الكلب ليس بمتعبد فالقيء ليس حرامًا عليه وإنّما أراد التنزيه عن التشبيه بفعل الكلب، وهذا الذي تأوله مستبعد ومنافر لسياق الأحاديث، وإن عرف الشّرع في مثل هذا إرادة المبالغة في الزجر كقوله: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَ شيِرِ فكَأَنَّمَا غَمَسَ
стр. 755
يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخنْزيِرِ وَدَمِهِ" (٤٢٨).
قال (ع): المستبعد ما قاله هذا، حيث لم يبين وجه الإستبعاد ولا وجه المنافرة، ونحن ما ننفي المبالغة فيه بل نقول: المبالغة للتغليظ في الكراهة وقبح هذا الفعل، ومع ذلك لا يقتضي منع الرجوع (٤٢٩).
قوله:
стр. 756
٤٣٤ - باب
كذا هو بلا ترجمة.
ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة أن النّبيّ ﷺ أعطى صهيبًا بيتين وحجرة.
قال ابن بطّال: ذكره في الهِبَة لأنّ فيه الهِبَة لصهيب.
وقال ابن التين: أورده هنا لأنّ العطايا نافذة.
قال (ح): مناسبته للترجمة لأنّها كالفصل من الباب الذي يليه أن الصّحابة بعد ثبوت العطيّة لصهيب لم يستفصلوا هل رجع أم لا، فدل على أنّه لا أثر للرجوع في الهِبَة (٤٣٠).
قال (ع): أمّا ما ذكره ابن بطّال وابن التين فله وجه، وأمّا قول الآخر فلا وجه له أصلًا، بل الوجه الحسن أنّه أشار به إلى أن حكم الهِبَة عند وقوع الدعوى بين المتواهبين أو بين ورثتهم كحكم سائر الدعاوى فيما يحتاج إليه الحكم من اقامة البينة واليمين وغير ذلك (٤٣١).
قلت: يلزم من الاكتفاء بشهادة الواحد فإن في هذه القصة أن مروان عمل بشهادة ابن عمر لهم بذلك.
وقد قال (ع) بعد ذلك لما حكى قول ابن بطّال: أن مروان قضى بشهادة ابن عمر مع يمين الطالب، أنّه اعترض عليه بأنّه ليس في الحديث
стр. 757
ذكر لليمين لقوله: القاعدةُ المستمرة بنفي الحكم بشاهد واحد، ولابد من شاهد آخر أو من يمين مع الشّاهد. انتهى (٤٣٢).
ولم ينقل أنّه كان معه شاهدًا آخر فتعين وجود اليمين علي زعمه وهو مخالف لمذهبه.
стр. 758
٤٣٥ - باب فضل المنيحة
قوله في حديث أنس: لما قدم المهاجرون المدينة ... إلى أن قال: وكانت أمه أم أنس.
قال (ح): الذي يظهر أن من هنا .... إلى قوله: أم أسامة بن زيد من كلام الزّهريُّ، ويحتمل أن يكون من روايته عن أنس فيحمل على التجريد (٤٣٣).
قال (ع): ظاهر السياق أنّه من رواية الزّهري عن أنس فيكون من باب التجريد (٤٣٤).
قلت: لوكان كذلك لما احتاج الزّهري أن يقول بعد: وخيرني أنس .... فذكر بقية الحديث.
стр. 759
كتاب الشهادات
٤٣٦ - باب ما جاء أن البينة على المدعي
ذكر فيه الآيتين فقط.
قال (ح): لعلّه أشار إلى الحديث الماضي قريبًا في آخر باب الرَّهْن عن ابن عبّاس أن النّبيّ ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه (٤٣٥).
قال (ع): هذا فيه بعد لا يخفى (٤٣٦).
стр. 760
٤٣٧ - باب إذا شهد شاهد أو شهود
.... إلى أن قال: يحكم بقول من شهد.
قال (ح): هو وفاق من أهل العلم إِلَّا من شذ (٤٣٧).
قال (ع): فيه خلاف، ثمّ حكي كلام عيسى بن أبان أنّهما يتعارضان فلا يقدم أحدهما على الآخر إِلَّا بدليل (٤٣٨).
قلت: قد أشار إليه (ح) بقوله: من شذ.
وقال (ح): مطابقة حديث عقبة بن الحارث للترجمة أن للمرضعة أثبتت الرضاع ونفاه عقبة فأمر بمفارقة المرأة فعمل بشهادة البينة إمّا وجوبًا عند من تمسك به، وإما ندبًا على طريق الورع (٤٣٩).
قال (ع): في هذا نظر لأن نفيه مجاز، ولو قال يدخل تحت قوله: ما عملت لكان أقرب (٤٤٠).
стр. 761
٤٣٨ - باب لا يشهد على شهادة جَوْرٍ
ذكر فيه رواية الثّوريّ عن منصور عن عبيدة عن عبد الله عن النّبيّ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِيِنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ".
قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشّهادة والعهد.
قال (ح): قوله: وقال إبراهيم: هو موصول بالسند المذكور، ووهم من زعم أنّه معلق (٤٤١).
قال (ع): لم يقم الدّليل على أنّه وهم بل هو كلام الاحتمال (٤٤٢).
قلت: من عمل بالظاهر تكلم بالاحتمال، والأحكام لا يشترط فيها القطع، فهذا المعترض معزي بالاعراض في كلّ حال مع أنّه مستند (ح) موجود في أثناء شرح هذا الباب لمن تأمل وأنصف.
стр. 762
٤٣٩ - باب ما قيل في شهادة الزور لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدوُنَ الزُّور﴾ (٤٤٣)(٤٤٤)
قال (ح): أشار بذكر هذه الآية إلى أنّها سيقت في مدح تارك الزور، ومفهومها ذم متعاطي شهادة الزور وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها (٤٤٥).
قال (ع): ما سيقت إِلَّا في مدح تارك شهادة الزور ولم يقل به أحد من المفسرين، وإنّما اختلفوا في تفسير الزور، فقيل الشرك، وقيل: شهادة الزور، وقيل: الصنم. وقيل: مجالس الخناء، وقيل: مجالس المشركين، وقيل: المجلس الذي كان يسب فيه الرسول، وقيل: المعهود على المعاصي (٤٤٦).
قلت: آخر كلامه يثبت ما قاله (ح) بأن يتعاطي بيان مجمله فيقرره ويبرزه أوَّلًا في صورة المنكر عليه، ودعواه الحصر أغرب.
стр. 763
٤٤٠ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم
قال (ح): وفي قول عمر بن عبد العزيز: إنَّ هذا لحد بين الصغير والكبير لا تتوقف إجازة الإمام في حديث ابن عمر فيما يتعلّق تعريفه ورده قبل خمس عشرة سنة للصبي في القول على البلوغ عند المالكية والحنفية، بل الاعتبار عندهم لمن يكون فيه قوة ونخوة، فرب مراهق أقوى من بالغ، وحديث عمر حجة عليهم (٤٤٧).
قال (ع): ليس ذلك حجة عليهم أصلًا، فإن حكم المراهق كحكم البالغ حتّى لو قال: بلغت بصدق (٤٤٨).
стр. 764
٤٤١ - باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود
ذكر فيه ما دار بين شبرمة وأبي الزِّناد في الشّاهد واليمين، وأورد الأحاديث الواردة فيه نحو عشرين صحابيًا أو أزيد، وعارض من لم يقل أنّه زائد على الكتاب بأنّهم عملوا بأحاديث زائدة على الكتاب واعتذروا بأنّها مشهورة.
فأطال (ع) في التعصب بما لا طائل فيه، فلم أتشاغل بكتابته لأنّ حاصلها أن الشهرة في اصطلاحهم أن يشتهر عند الجميع.
قال: وهذا الحديث اشتهر عندهم ولم يشتهر عنده (٤٤٩).
قلت: وهذا الجواب كاف في انقطاع حجته.
قوله:
стр. 765
٤٤٢ - باب
كذا فيه بغير ترجمة
وفيه حديث الأشعث: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ".
قال (ح): استدل به على رد القضاء بالشّاهد واليمين، وأجيب بأن المراد بقول: "شَاهِدَاك" أي بينتك سواء كانت رجلين أو رجلًا وامرأتين، أو رجلًا ويمين الطالب (٤٥٠).
قال (ع): هذا تأويل غير صحيح، فسبحان الله كيف يدل قوله: "شَاهِدَاكَ" على [رجل وامرأتين، أو على] رجل ويمين، واللفظ صريح فمن أين يأتي هذا التّأويل البعيد (٤٥١).
قلت: الملجيء إلى هذا التّأويل ثبوت الحديث باعتبار الشّاهد واليمين، ولأن قوله: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُه" لم يقل أحد بالحصْر الذي ظاهره لثبوت العمل بالشّاهد الواحد والمرأتين، فدل على أن لفظه غير مراد، وإنّما المراد معناه وهو البينة، وإنّما خص الشّاهدين بالذكر لكونهما أكثر وأغلب، فاقتصر على التلفظ بهما إيجازًا وبالله التوفيق.
стр. 766
٤٤٣ - باب القرعة في المشكلات
ذكر فيه حديث النعمان بن بشير: "مَثَلُ اْلمُدْهِنِ في حُدوُدِ الله وَاْلوَاقِعِ فِيهَا" وتقدم في الشركة بلفظ: "مَثَلُ اْلقْائِمِ عَلى حُدُودِ الله وَاْلَواقِعِ فِيهَا" وهو الصواب، لأنّ المدهن والواقع واحد في الحكم والقائم مقابلهُ.
وقد وقع هذا للإسماعيلي: مثل المدهن، وهما نقيضان، والجواب، بأنّه حيث قال: القائم نظر إلى جهة النجاة، وحيث قال: المدهن نظر إلى جهة الهلاك، والتشبيه مستقيم على الحالتين.
قال (ح): لا يستقيم الذي وقع هنا وهو الاقتصار على ذكر المدهن وهو التارك للأمر بالمعروف، وعلى ذكر الواقع في الحد وهو المعاصي وكلاهما هلاك، فالذي يظهر أن الصواب ما تقدّم في الشركة، ويؤيده ما وقع عند الإسماعيلي أيضًا:
"مثَلُ اْلقَائِمِ عَلى حدُوُدِ الله وَمَثَلُ اْلوَاقِعِ فِيهَا"، "وَالْمُدْهِنِ فِيهَا" فجمع الثّلاثة وهو الواقع في المعصية، والمداهن فيها والواقع فيها (٤٥٢).
قال (ع): لا وجه لاعتراضه على الكرماني، لأنّ سؤاله وجوابه بَناهما على ما وقع هنا، ولم يبين كلامه على التارك للأمر، والواقع في الحد فلا يرد عليه شيء أصلًا فإنهما موضع يحتاج إلى التأمل (٤٥٣).
стр. 767
كتاب الصلح
٤٤٤ - باب ليس الكاذب الذي يصلح بين النَّاس
قال (ح): الأصل ليس من يصلح بين النَّاس كاذبًا لكنه ورد على طريق القلب وهو سائغ (٤٥٤).
قال (ع): المذكور هو حق القياس لأنّه لفظ الحديث، ودعوى القلب لا دليل عليه (٤٥٥).
стр. 768
٤٤٥ - باب هل يشير الإمام بالصلح
قوله في حديث عائشة: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتها.
كذا فيه، والخصوم جمع خصم، والتثنية باعتبار المتنازعين، لأنّهما كانا اثنين.
وقال الكرماني: هو على قول من قال: أقل الجمع اثنان.
وقال (ح): ليس فيه حجة لمن صدر صيغة الجمع بلفظ التثنية كما زعم بعض الشراح (٤٥٦).
قال (ع): إنَّ كان مراده الكرماني فليس كذلك لأنّه لم يدع ذلك (٤٥٧).
قوله: يستوضع الآخر ويسترفقه.
قال (ح): المراد بالوضع الحط من رأس المال وبالرفق الاقتصار عليه وترك الزيادة بدليل ما أخرجه ابن حبّان من وجه آخر بلفظ: "إنْ شِئْتَ وَضَعْتَ مَا نَقَصُوا، وَإنْ شِئْتَ مِنْ رَأسِ الْمَالِ فَوَضعَ مَا نَقَصُوا" (٤٥٨).
قال (ع): قد ذكر الشّيخ محي الدِّين أن المراد بالرفق في المطالبة وهو الإمهال (٤٥٩).
стр. 769
كتاب الشروط
٤٤٦ - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة
قوله: وقال ابن جريج عن عطاء وغيره عن جابر أخذته بأربعة دنانير، وهذا يكون أوقية على حساب الدّينار بعشرة دراهم.
قال (ح): قوله: الدّينار مبتدأ، وبعشرة خبره أي دينار ذهب بعشرة دراهم فضة (٤٦٠).
قال (ع): هذا تصرف عجيب ليس له وجه أصلًا لأنّ لفظ الدّينار وقع مضافًا إليه وهو مجرور بالإِضافة، ولا وجه لقطع حساب عن الإِضافة ولا ضرورة إليه والمعنى أصح ما يكون لأن معنى قوله: وهذا يكون وقته يعني أربعة دنانير يكون وقته على حساب الدّينار أي الدّينار الواحد بعشرة دراهم، ولقد تعسف في تفسير الدّينار بالذهب والدراهم بالفضة، لأن الدّينار لا يكون إِلَّا من الذهب، والدراهم لا تكون إِلَّا من الفضة ولا خفاء في ذلك (٤٦١).
стр. 770
٤٤٧ - باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك
قوله: لما فدع، بفتح الفاء وبالدال والعين المهملتين.
قال (ح): ووقع في رواية ابن السكن بالعين المعجمة، وجزم به الكرماني وهو وهم (٤٦٢).
قال، (ع): ليس الكرماني أول من قال ذلك، وقد حكى الكرماني في أثناء كلامه أنّه بالمهملة (٤٦٣).
قلت: لم يقل (ح): إنّه انفرد بذلك.
стр. 771
٤٤٨ - باب الشروط في الجهاد
قوله في حديث المسور ومروان: ويخلو بيني وبين النَّاس، فإن أظهر فإن شاؤوا.
قال (ح): هو شرط بعد الشرط، والتقدير فإن ظهر غيرهم كفاهم المؤنة، وإن أظهرانا فإن شاؤوا أطاعوني وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إِلَّا وقد جموا، أي استراحوا (٤٦٤).
قال (ع): من له إدراك في حل التراكيب ينظر في هذا هل هذا التفسير الذي فسره يطابق هذا الكلام أم لا؟ (٤٦٥).
قلت: هذا تفسير معنى يدرك مطابقته من فيه أدنى بصيرة.
قال (ع): فإن قلت: ما معنى ترديده في هذا مع أنّه جازم بأن الله سينصره ويظهره عليهم؟
قلت: قاله على طريق التنزل مع الخصم وعلى سبيل الفرض والمجازاة معهم بزعمهم.
وقال (ح): ولهذه النكتة حذف القسم الأوّل وهو التصريح بظهور غيره.
стр. 772
قال (ع): قد وقع التصريح به في رواية ابن إسحاق ولفظه: فإن أصابوني كان الذي أرادوا (٤٦٦).
قلت: أغار على كلام (ح) فإدعاه وأبرزه في صورة السؤال والجواب وعبر بقوله في الجواب: قلت، موهمًا أنّه الذي تولى الجواب، ولم يكفه ذلك حتّى اعترض بشيء هو الذي استدركه على نفسه، وبيان ذلك أن (ح) قال متصلًا بكلامه، ووقع في رواية ابن إسحاق: وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، وإنّما ردد الأمر مع أنّه جازم بأن الله تعالى سينصره ويظهره لوعد الله تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم، وفرض الأمر على ما يزعم الخصم، ولهذه النكتة حذف القسم الأوّل، وهو التصريح بظهور غيره عليه، لكن وقع التصريح به في رواية ابن إسحاق ولفظه: فإن أصابوني كان الذي أرادوا، فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة أدبًا، ولابن عائذ من وجه آخر عن الزّهري، فإن ظهر النَّاس عليّ فذلك الذي يبتغون.
قوله: قالوا إنّه بهمزة الكلمة، وهمزة الوصل فحذفت همزة الكلمة للتخفيف.
وقال (ح): قالوا: إنها بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثمّ مثناة مكسورة ثمّ هاء ساكنة ويجوز كسرها (٤٦٧).
قال (ع): ليس كذلك، لأنّه لا يقال ألف وصل وإنّما يقال همزة وصل، لأنّ الألف لا تقبل الحركة، وأمّا الهاء فهي ضمير لا يسكن إِلَّا عند الوقف، وليست هاء السكت ولا يقال يجوز كسرها بل كسرها متعين (٤٦٨).
قلت المراد بالجواز التخيير بين أن يسكت فيقف أو يصل فيكسر.
стр. 773
قوله: قال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضُغطة.
قال (ح): هو بضم الضاد وسكون الغين المعجمتين ثمّ طاء مهملة أي قهرًا (٤٦٩).
قال (ع): وهم أن حرف لا دخل على يتحدث، وهذا ظن فاسد، وإنما مدخول لا محذوف تقديره: والله لا تتحدث العرب إن خلينا بينك وبين البيت إنا أخذنا ضغطة (٤٧٠).
قوله: قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ.
قال (ح): وفي رواية بل بلفظ الإضراب (٤٧١).
قال (ع): هذا فيه نظر وإنّما هو بحرف الإضراب (٤٧٢).
стр. 774
كتاب الوصايا
قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يوُصيِ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ".
قال (ح): التقدير أن يبيت ليلتين وهو كقوله تعالى: ﴿يُريكُمُ البَرْق﴾ أي ومن آياته أن يريكم (٤٧٣).
قال (ع): هذا قياس فاسد وفيه تغيير المعنى، وإنّما قدر في الآية لأن قوله: ومن آياته في موضع الخبر، والفعل لا يقدر مبتدأ، فتقدير أن له ضمير في معنى المصدر، فيصح أن يكون مبتدأ ومن له ذوق في العربيّة يفهم هذا (٤٧٤).
قوله في حديث سعد: وهو يكره أن يموت بالأرض الّتي هاجر منها.
قال الكرماني: هو كلام سعد حكى عن رسول الله ﷺ أو هو عام يحكي حال ولده.
وقال (ح): يحتمل أن تكون الجملة حالًا في الفاعل والمفعول، وكل منهما محتمل [لأنّ كلا] من النّبيّ ﷺ [ومن سعد]، كان يكره ذلك لكن إن كان حالًا من المفعول وهو سعد ففيه إلتفات لأنّ السياق يقتضي أن يقول: وأنا أكره (٤٧٥).
стр. 775
قال (ع): هذا لا يخلو عن تعسف، والظاهر من التركيب أن الجملة حال من النّبيّ ﷺ ، والضمير في يكره يرجع إليه، والذي في يموت يرجع إلى سعد (٤٧٦).
قوله: حتّى اللقمة.
قال (ح): بالنصب عطفًا على نفقة (٤٧٧).
قال (ع): فيه نظر (٤٧٨).
قوله: فينتفع بك ناس.
قال: ابن التين: المراد بالنفع ما وقع على يديه من الفتوح وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعيد على الجيش الذين قتلوا الحسين.
قال (ح): هو مردود لتكلفه لغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده من أنّه وقع منه الضرر للكفار الذين قتلهم واستباح مالهم وذريتهم.
وأقوى من ذلك ما أخرجه الطحاوي أن عامر بن سعد سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لما أمر سعد على العراق أتى لقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وامتنع بعض، فقتل الذين امتنعوا فانتفع به من تاب وحصل الضرر للآخرين (٤٧٩).
قال (ع): لا ينظر فيه من هذا الوجه بل فيه معجزة، وعن الطحاوي فيه وجه آخر، فذكر ما ذكره (ح) موهمًا أنّه من تحصيله (٤٨٠).