Полный текст (460 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟
وكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب فأشبه الإرث.
لأنا نقول: ما حكم علتكم؟
فإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم.
وإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا.
وكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة.
لأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به.
فإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو التغذية والتعشية أم التمليك.
وأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف وإن وجدت معها، وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه.
وكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية.
وكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم.
стр. 352
باب
القول في بيان فساد الوضع
وإنه من باب الشهادة يجري مجرى فساد الأداء، وإنه فوق النقص لأنه إنما يشتغل بإطراده بعد صحته علة، كالشهادة إنما تشتغل بتعديل الشاهد بعد صحة الأداء، وإنه أقوى من النقض لأن الوضع متى فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض خجل مجلس يمكن الاحتراز عنه بمجلس آخر.
وبيان ذلك أن الشافعي ﵀ متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين بأنها فرقة وجبت لاختلاف الدينين فأشبهت الفرقة بالردة، كان فاسد الوضع.
لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما فقد كان الاتفاق ثابتا قبله، وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام، والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك لا مبطلا فكان الوصف ثابتا.
وكذلك متى علل لمسح الرأس بأنه ركن في الوضوء فيثلث كالغسل، كان فاسد الوضع لأن الشرع بنى المسح على التخفيف في مقابلة الغسل، وهو سعي ليزيد غلظا على الغسل، فإنه أوجب تثليث المسح بعد إكمال الفرض بما فوق قدر الجواز.
وكذلك قولهم: الصرورة إذا حج نفلا كان عن الفرض، لأن نية مطلق الحج تقع عن الفرض، فكذلك نية النفل كما لو تصدق بالنصاب ينوي الصدقة مطلقا، أو ينوي النفل لأنه قصد أن يحمل المفسر على المجمل والمقيد على المطلق وإنه فاسد وضعا، لأن المجمل مما يحمل على المفسر، وكذلك المطلق يحمل على المقيد على أصل الشافعي ﵀.
وكذلك عندنا إذا كان حكما واحدا كما في كفارة اليمين حملنا مطلق الكتاب بثلاثة أيام على مقيده بقراءة عب الله بن مسعود ﵁ "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" ألا ترى أن مطلق تسمية الدراهم ينصرف إلى نقد البلد، ومفسره بنقد آخر لا ينصرف إليه؟
وعلل خبر ربا الفضل بالطعم، قال: لأن الطعم يتعلق به القوام فكان له زيادة حرمة على غيره، فعلق جواز البيع فيه بشرط زائد وهو المساواة إظهارا لحرمته، وإنه فاسد وضعا لأن المال خلق بذلة لحاجتنا إليه، وأشد الحاجات حاجة البقاء فزيد هذا المعنى في ابتذاله وتوسع أمر كسبه لا أن يزيد تضيقا، حتى حل أكل طعام الغنيمة قبل أن تخمس بخلاف سائر الأموال.
стр. 353
وعلل لحرمة نكاح الأمة بالطول بأن الحر يستغني بطول الحرة عن تعريض جزء منه للرق، فلا تحل له الأمة كما إذا كان تحته حرة، وهذا فاسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح بسبب الحرية، والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق فإن الحر تحل له أربع وللعبد ثنتان.
وكذلك قولهم: إن الجنون إذا تم وقت الصلاة في بعض اليوم، أو يوم من الشهر أسقط الفرض، قياسا على الجنون المطبق، وهذا فاسد وضعا لأنه ليس تحت الجنون إلا العجز عن تفهم الخطاب والائتمار به.
فأما المجنون في نفسه فأهل للعبادات فإنه لو كان صائما فجن يبقى صائما ومؤديا ومؤمنا، كذلك فإن الإيمان رأس العبادات، ويبقى في عباداته كالنائم والمغمى عليه مستحقا بحكم حاله كما يستحق أملاكه.
ثم النوم أثره في تأخير لزوم الفعل حتى لا يأثم دون أصل الإيجاب، فكذا الجنون فجعل ما يسقط الخطاب بالفعل علة لإسقاط أصل الإيجاب حكم بخلاف النص والإجماع فيكون فاسدا.
ولأن الائتمار لا يتصور إلا عن اختيار وتمييز فسقط بفوت شرطه.
وأصل الإيجاب في الذمة يكون جبرا وإلزاما من الله تعالى فيكون شرطه الذمة لا غير.
فأما إذا طال الجنون فالسقوط بحكم الضرورة والوقوع في الحرج، إذ لو ألزمناه تضاعفت عبادات تلك المدة، وهذا معنى مسقط للإيجاب أصلا لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ولقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ألا ترى أن الصلاة تسقط بالحيض لدفع الحرج من حيث أن الحيض يصيبها كل شهر عادة، والصلاة تجب كل يوم فلو ألزمناها قضاء أيام الحيض لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت فيها، فسقط الإيجاب به لا لمنافاة الحيض للإيجاب، ألا ترى أن قضاء الصيام يلزمها لأنه لا حرج في إيجاب قضاء الصيام.
وكذلك خطاب تتابع صيام كفارة القتل يسقط بالحيض، لأنها تقع في الحرج لو ألزمناها التتابع لأنها قلما تجد شهرين لا تحيض فيهما في العادات الغالبة، ولا يسقط في صيام كفارة اليمين أو نذر بصوم عشرة أيام متتابعة لأنها تجد هذا القدر عادة بلا حيض فلا تحرج، فكان إضافة سقوط الإيجاب إلى الحرج أمرا مجمعا عليه، والإضافة إلى العجز عن الفعل أمر بخلاف الإجماع وقياس الأصول فكان فاسدا.
وكيف يسقط إيجاب العبادة والأداء منه صحيح، والأداء قبل الإيجاب لا يصح.
ولا يقال إن الصائم إذا جن بطل صومه لأن الجنون آفة سماوية تعجزه عن إقامة فعل المميزين وبقاؤه صائما ليس من فعل المميزين فلا يبطل صومه، ولا يخرجه عن جملة المؤمنين بحكم حاله، ألا ترى أنه يرث بحكم اتفاق دين الإسلام؟
стр. 354
وكذلك المحرم إذا جن لا يبطل إحرامه، فكان من قبل الإغماء والنوم وصحة أداء الصوم بعد صحة الشروع لا يبتنى إلا على ترك المفطرات، وما في الترك فعل فذهاب شرط صحة الفعل لا يمنع تأدية، وإنما يشترط كونه من أهل العبادة لا غير لأن ما يحصل يحصل له عبادة، فأحسن ما قالوا قولهم: إن الجنون يسقط الخطاب، وبهذا التفحص يتبين لك أن لا يسقط الإيجاب، وإن سقط الخطاب بالفعل عن المجنون.
ومن ذلك قولهم: إن الأثمان أموال تتعين في التبرعات، فكذلك في المعاوضات قياسا على الحنطة وسائر السلع، وهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمم بل للإيثار بعين ماله، والمعاوضات شرعت لإيجاب الأثمان في الأمم لأن مطلق المعاوضات المتعارف بين الناس عقدها بلا إشارة إلى الأثمان بل بتسمية مطلقة، وإنها توجب في الذمة، ولما كانت للإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى العين كما لو أضاف هبة الألف إذا ذمته فإنه لا يصح.
وكما لو أضاف بيع المبيع إلى الذمة فإنه لا يصح إلا سلما رخصة بخلاف القياس لضرب من العذر لأن البيع شرع لإيجاب العين لغيره.
وإنما تصح الإشارة إلى عين الثمن على معنى بيان نوعه وقدره فأما استحقاقا فلا، فصار جعل التعيين في الهبة والعين محل الهبة علة لتعين الثمن في البيع، ومحل الثمن في البيع الذمة فاسدا وضعا.
وكذلك قولهم: إن البائع يثبت له خيار الفسخ بإفلاس المشتري لأن الثمن أحد عوضي البيع فالعجز عن قبضه يوجب خيار الفسخ، كالعجز عن قبض المثمن، نحو أن يأبق العبد أن يكون السلم رطبا فيذهب حينه هذا فاسد وضعا لأن القدرة على تسليم المبيع شرط لجواز البيع ابتداء.
والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط للجواز ابتداء، لأن البيع وضع لإيجاب الملك، واليد في العين للمشتري، ولإيجاب ملك الثمن ابتداء في الذمة على المشتري للبائع.
ولما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشتري كان شرطه قيام الملك واليد للبائع ليعمل العقد عمله فلم يصح قبل أن يقدر ملكا ويدا.
ولما كان الشراء لإيجاب ثمن ابتداء في ذمة المشتري لا غير اشترط لصحته قيام ذمة قائمة لثمن يجب فيها بحيث يقبل القبض بمثلها، من غير شرط القدرة على التسليم بالمثل، لأنه لا قدرة إلا بملك ولم يشترط للجواز قيام ملك ولا يد في عين مثله.
ولما لم تكن قدرة التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا، لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا بما جعل شرطا.
стр. 355
هذه الجملة أحسن عللهم وأظهرها للقلوب صحة وأبينها فقلها، ليعرف بهذه الجملة أن أكثر عللهم لا يخلو عن فساد الوضع، وتبين بهذا أنه لابد من القول بالتأثير الذي كان عليه السلف بلا خلاف، والله أعلم.
стр. 356
باب
القول في المناقضة
قال القاضي ﵀: قد ذكرنا فيما مضى تفسير المناقضة وحدها، وإنما أعدناها لنبين أن الاعتماد على الاطراد ليس بصواب، بل هو واهي الإطناب، لأنه بناء على عدم الدليل، على ما أوضحنا فيه السبيل، والرد بالمناقضة مما يلجئهم إلى القول بالتأثير.
قال الشافعي ﵀: إن النية شرط لصحة الوضوء قياسا على التيمم، وقال: طهارتان فكيف يفترقان.
فإن جعل موجب علته المساواة مطلقة لم يصح فإنهما يفترقان من وجوه، ويكون وجه المفارقة نقضا فإن قيد بالنية، وذلك غرضه انتقض بالطهارة عن نجاسة حقيقية فيضطر إلى الرجوع إلى موضع التأثير، وهو أن الطهارة حكمية أي حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة، وهو حرف المسألة فإن الماء عندنا طهور خلقة فتحصل الطهارة باستعماله بطبعه فلا يتغير بالنية.
وأما التراب فطهور حكما فلا تحصل بطبعه طهارة ما لم يقترن به الشرط الشرعي الذي جعله طهورا أو إرادة الصلاة.
وقال أيضا: الطلاق ليس بحال فلا يثبت بشهادة رجل وامرأتين قياسا على الحدود، وهذا بظاهره يبطل بالبكارة فلا يجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير عند الاقتصار على هذا الوصف، وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن بكثرة غفلتهن، لكن جوز في باب المال لكثرة الحاجة إليه، وتكرار المعاملات فيه في الأسواق وغيرها حتى لا يضيق على الناس، وإنه معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل كما ثبتت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا يحضرونها، ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال.
وهذا حرف المسألة فإن شهادة النساء مع الرجال شهادة أصلية عندنا كشهادة الرجال على ما نبين في موضعه، إلا أن فيها ضرب شبهة فلم يثبت بها ما يسقط بالشبهة كالحدود فأما ما لا يدرأ بالشبهات فهذه الشهادة حجة فيها والطلاق متى قوبل بالبيع كان أقوى ثبوتا منه، وكذلك الوكالات والوصايا، وكذلك النكاح فإنه يثبت عندنا مع الكره والهزل، وسائر الشروط الفاسدة.
стр. 357
وقال أيضا: إن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه، والنكاح فعل عقد حمدت عليه.
فإن قال: وجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. وإن قال: في حكم المصاهرة.
قلنا له: ولم؟
فإن قال: لأن الصهر نعمة والزنا حرام، رجع إلى التأثير فبطل بالوطء عن نكاح فاسد.
فإن قال: ثم إنما يثبت لما فيه من جهة الحل على حسب اختلاف الناس فيه، فقد رجع عن الطرد إلى طريقتنا من بيان التأثير.
وقلنا له: إن المصاهرة لا تثبت بالزنا عندنا لأنه معصية، والمصاهرة كرامة فلا تضاف إلى المعاصي، ولكنه سبب لحراثة الولد في هذا المحل على ما بينا في موضعه، ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه.
وكذلك قولهم: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل، هذا باطل باستيلاد الأب أمة ابنه، واستيلاد أحد الشريكين أمة بينهما.
فإن قالوا: أوجبنا الملك فيهما لما لهما من تأويل الاستحلال شرعا، لا من حيث العدوان كان رجوعا إلى التأثير، وحرف المسألة فإنا نوجب الملك بالغصب لأنه سبب ملك البدل، وهذا حكم شرعي وليس بعدوان.
وكذلك قولهم: إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف قياسا على الأعيان.
قلنا: هذا باطل بالمتلف إذا كان معسرا.
فإن قالوا: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة كان هذا رجوعا إلى التأثير، لأن المتلف ضامن عندنا ههنا، لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز عن إصابة المثل إلى حين الإصابة في الآخرة، وإنه حرف المسألة فإن العدوان موجب ضمان المثل، فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل.
وعندنا الأعيان أجود من المنافع وليسا بمثلين، وعنده هما مثلان فيرجع الكلام إلى هذا ويبطل الطرد الذي اعتمده.
وكذلك قولهم: إن إسلام الهروي في الهروي يجوز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع، هذا يبطل بما إذا شرطا شرطًا فاسدا.
فإن قالوا: إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذي قلنا، كان رجوعا إلى حرف المسألة، فإن الفساد عندنا بعلة محرمة وهو الجنس لا بالذرع فيرجع الكلام إلى أن الجنس محرم أولا ويبطل الطرد، والله أعلم.
стр. 358
باب
القول في بيان الطرد الفاسد ظاهرا
الطرديات الفاسدة أربعة أنواع:
نوع منها معروف ببداهة العقول من غير تأمل في الأصول، كقولهم: الفاتحة فرض قراءتها في الصلاة، لأن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحريم وتحليل، فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع قياسا على الحج ووجوب الطواف فيه.
وكقولهم: إن السبعة إحدى عددي صوم المتمتع، فوجب أن لا تجوز الصلاة إذا قرأ بدونها قياسا على الثلاث.
وقولهم: الثلاث أحد مدتي المسح فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على الواحدة، فالواحدة ناقصة القدر عن السبع فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على نصف الآية.
ويحكى عن كثير من شيوخهم أن الوطء فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى، فلا تثبت به الرجعة قياسا على القتل.
وسمعت واحدا من شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه قياسا على قطع اليد قصاصا أو في السرقة، هذا مما يعرف ببداهة العقول فسادها فإنه لا مشابهة بين القطع والوضوء بوجه، ولا بين مدة المسح ومقدار القراءة، ولا بين أركان الحج وأركان الصلاة، وإن هذا الضرب مما لا يوجد في كلام السلف له نظير، ولكنه شيء أحدثته حشوية أهل الطرد، وأما السلف فما جوزوا إلا بأوصاف مخيلة أو ملائمة.
وأما النوع الثاني: فرد فرع إلى أصل لا يكاد الأصل يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه، نحو قولهم: إن مش الذكر حدث، كما إذا مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول وإنه حدث بالإجماع، وقد عدم ذلك في الفرع فيسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه، وإعتاق المكاتب لا يجوز عن الكفارة قياسا على ما إذا أدى بعض النجوم لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض العوض وإنه علة مانعة من التفكير، وقد عدمت في الفرع فتبقى العبرة لما بعده، وما بعده إعتاق المكاتب وإنه مختلف فيه. وشراء الأب لا يكون تكفيرا قياسا على ما إذا حلف بعقته إن اشتراه لأنه لا زيادة في الأصل إلا اليمن بعتقه وهو علة مانعة من التفكير
стр. 359
بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدمت في الفرع وما بعده إلا شراء الأب وهو مختلف فيه.
ومن ذلك أن الوضوء بغير نية لا يباح به أداء الصلاة كما إذا توضأ وهو يبول، والفطر عن نفل الصوم لا يوجب القضاء كما إذا أكل وارتد لأن الردة عندي مسقطة لقضاء الواجب، وقد عدمت في الفرع فتسقط العبرة فبقيت العبرة للإفطار وهو مختلف فيه.
وأما النوع الثالث: فرد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك بين العلماء، لأن الاختلاف لما ظهر فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه، كقولهم: إن الكتابة الحالة فاسدة لأنها لا تمنع التكفير به كالكتابة على القيمة لأن الاختلاف ظاهر بيننا وبين خصمنا في الكتابة الصحيحة.
قال علماؤنا: لا تمنع التكفير، وعنده تمنع فلم يصر عدم المنع دليلا علينا على الفساد.
ومن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة قياسا على ابن العم، لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكفارة ويعتق بالقرابة، وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز إعتاقه عن الكفارة.
ومن ذلك قولنا: إن رهن المشاع باطل لأنه لا يمنع صاحبه الانتفاع به كالرهن الفاسد لأن الصحيح عند الشافعي لا يمنع الانتفاع به.
ومنها التعليل بعدم الوصف، كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحد لما ذكرنا غير مرة أن العدم لا يوجب حكما، وهذه العلل تذكر موجبات وقد ذكرنا أن الإجماع ثابت أن العلة توجد ولا تعدم، وإنما الاختلاف في الشرط.
وقالوا: الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما، والإحصار بالمرض لا يوجب الإحلال لأنه لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما، وإسلام الشيء في جنسه لا يحرم لأنه لا يجمعهما صفة الطعم ولا الثمنية.
فإن قالوا: قد قال محمد بن الحسن ﵀: إنه لا ضمان في إتلاف ملك النكاح لأنه ليس بمال، ولا خمس في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليها المسلمون، وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وولد الغصب أمانة، لأنه لم يغصب.
وقال أبو حنيفة ﵁: العقارات لا تضمن بالغصب لأنه لم ينقلها في أمثال لهذا كثيرة.
قلنا لهم: وإنما قالها محمد بن الحسن على سبيل الاستدلال دون التعليل، فإن
стр. 360
حكم العلة لا بد أن ينعدم إذا عدمت العلة كما كان معدوما قبل العلة وإنما أثبتنا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به فإذا بطلت الإضافة لم يكن علة، وإنما يبقى الحكم عند عدم العلة لعلة أخرى فتكون مثل الأولى لا عينها في حق الوجوب، والتعلق بها.
وإذا كان كذلك صح الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم إذا وقع الاختلاف في حكم علة بعينها فمتى وقع الاختلاف في ضمان الغصب لم يجب بدونه، وإن كان ربما يجب ضمان آخر مثله كضمان الإتلاف وضمان بيع الفاسد ونحوهما.
وكذلك متى وقع الاختلاف في ضمان هو مال مثل الأول لابد أن يكون الأصل مالا ليكون الثاني مثله معنى على ما مر البيان فيه.
وعند اختلاف المعاني تزول المماثلة فلا يجب ضمان المثل على اختلاف المعاني.
وكذلك الخمس حكم الغنائم لا غير، والغنيمة لا تثبت إلا بإيجاف الخيل بدليل عرف، وكذلك الكفارة بجنس الأكل إنما تجب إذا كان إفطارا كاملا، وإنما يكمل إذا اجتمع الاسم والمعنى وهو اقتضاء الشهوة بالتغذي، واسم الطعام يعمه فعدمه يدل على زوال المعنى، وإنما نجوز من الخصم مثلها ولكنه يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه، وأن العتق من حكم البعضية لا غير، ولأن أكثر ما في الباب أن يقال بعدم البعضية ينعدم العتق المتعلق به، ولا يقع ذلك عندنا، وإنما يقع ما تعلق بالمحرمية بالرحم فهو كرجل يقول لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ثم قال له: إن تكلمت فأنت حر فلم يدخل وتكلم عتق.
ولا يقال لم يدخل فلا يعتق قياسا على عدم الدخول والكلام، فهذا باب لطيف، وأنه باطل تعليلا إجمالا، ولا يثبت استدلالا إلا بعد بيان أنه علة الحكمة لا علة معها غيرها، ولا يمكنه إلا بإقامة الدلالة على الصحة والفساد، والله أعلم.
стр. 361
باب
القول في وجوه الانتقال
الانتقالات على وجوه أربعة:
أ. انتقال عن العلة إلى أخرى ليثبت الأولى.
ب. وانتقال عن الحكم إلى حكم آخر بالعلة الأولى.
ج. وانتقال عن العلة والحكم إلى حكم آخر وعلة أخرى.
د. وانتقال عن العلة إلى علة أخرى ليثبت الحكم الأول.
والوجوه كلها قويمة إلا الأخير.
أما الأول فلأنه ما ضمن بالعلة ابتداء إلا تصحيح الحكم بها، فما دام يسعى في تصحيح تلك العلة فهو ساع في إبقاء ما ضمن كمن احتج بقياس فنوزع فاحتج بقول الصحابي ليثبت القياس فنوزع، فاحتج لتصحيح قول الصحابي بخبر الواحد فنوزع، فاحتج لتصحيح خبر الواحد بالكتاب.
وأما الانتقال عن الحكم فلأنه إنما يلزمه الانتقال إذا سلم له الحكم الأول ولم يثبت الخلاف فيه، وهذا يؤكد قصده من علته لأنه علل لإثبات ما ادعى من الحكم، وقد ثبت إلا أنه لم يكن على الخلاف، وكان الاختلاف في حكم آخر فإن أمكنه إثبات ذلك الحكم بهذه العلة فحسن، وإن لم يمكنه إلا بعلة أخرى فحسن لأنه ما ضمن بعلته الأولى إثبات حكمين.
وأما الوجه الثالث: فهو الانتقال من العلة والحكم إلى علة أخرى وحكم آخر، فهو صحيح لما ذكرنا أن عوضه قد حصل، وهو إثبات الحكم الذي ادعى بتلك العلة، إلا أنه زعم أنه على الخلاف.
وأما الوجه الرابع: فمن الناس من زعم أنه غير قبيح لأن إبراهيم ﵇ حاج اللعين بقوله: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ فعارضه اللعين بقوله: ﴿أنا أحي وأميت﴾ فقال إبراهيم: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ فانتقل إلى حجة أخرى، وحكى الله تعالى عنه على وجه المدح دون الذم، وكذلك المدعي يقيم بينة فتجرح فيقيم أخرى، وعامة أهل النظر سموا هذا انقطاع في المجلس، لأنا لو أطلقنا هذا لطال المجلس ولما ظهر الانقطاع، ومجالس النظر
стр. 362
لا تعقد إلا للإبانة فيه، وهذا كالعلة تنقض فيعد انقطاعا وإن أمكنه الاحتراز عنه في المجلس لأنه صار لا يطرد إلا بوصف آخر، وكان انقطاعا فإذا صار لا يثبت إلا بعلة أخرى فأولى إلا أن يكون الانتقال إلى علة أخرى لضرب شبهة في الأولى يخاف بها الاشتباه على السامع، فينتقل إلى ما لا شبهة فيه قطعا لتلك بالشبهة كإبراهيم ﵇ انتقل مع كون الأولى صحيحة فإن اللعين ما كان يحي حقيقة، ولا يميت وإنما عارضه بالشبه والمجاز، فخاف إبراهيم ﵇ الالتباس على العامة فانتقل إلى حجة لا شبهة فيها.
وكذلك أهل النظر استحسنوا قولهم بعد الجواب، على أنا نقول شروعا في جواب آخر: ما الحجج إلا أنوار، وحسن ضم السراج إلى مثله لتنوير المكان، وإنما يقبح ضم ما ليس ببرهان، وهذا الذي ذكرناه كله حسن من المجيب، فأما السائل فلا يحسن منه المعارضة بوصف مختلف فيه على أن يثبته بدليل لأنه دافع وليس ببان وقد أعياه الدفع بوصفه إلا بناء على أصله، وبالله التوفيق.
стр. 363
باب
القول في الفرق بين العلة والسبب والشرط والعلامة
أما السبب في اللغة: فالطريق، والسبب الحبل أيضا، ثم استعير لكل شيء هو مدخل لغيره، من غير أن يكون ذلك الغير واجبا به بل بعلة أخرى غير حادثة بما كان سببا، فكان بمعنى الطريق لا يوصل إلى المقصود من الأمصار بدونه، ولكن لا يوصل به بالمشي الموجود باختيار الماشي على الطريق.
وكالحبل الذي لا يوصل إلى الماء الذي هو المقصود بدونه، ولا يوصل به بل باستيفاء النازح بقوته والحبل آلة، وإرسال الله تعالى إلى خلقه رسوله ﷺ سبب هداهم والتخويف بالنار سبب الانزجار عن المعاصي، والترغيب في الجنة سبب الطاعة، ووسوسة إبليس سبب العصيان، ودلالة السارق على المال سبب السرقة، والاستغناء سبب الطغيان، وأما العلة فقد مر تفسيرها وحدها في أول الكتاب.
وأما الشرط في اللغة: فعلم على الشيء من حيث أن الوجود يكون مضافا إليه دون الوجوب بخلاف العلة فإنها اسم لما يضاف إليه الوجوب، فمن حيث كان وجوب ذلك الشيء بعلة غير الشرط كان الشرط علما، ومن حيث أن الوجود يضاف إليه كان علة فكان بين العلم والعلة، فكان اسما لما يمتنع وجود العلة إلا بوجوده لا لما يجب به العلة أو الحكم.
وأشراط الساعة أعلامها.
وسمي الحجام شراطا لأنه يعلم مواضع الحجامة.
ومنه الشرطي لأنه خص نفسه بضرب لبسة جعلها علما على نفسه.
والصكوك شروط لأنها أعلام على التذكير.
وكلمة "إن" في اللغة كلمة شرط نحو قولك: إن أكرمتني أكرمتك، لأن قولك: أكرمتك إخبار عن كرامة فعلتها ولما علقتها بكلمة "إن" انعدم، وصار إن إذا تحقق علما على الكرامة؛ إن فعلت كذا فعبده حر، صار الفعل علما على العتق.
ولهذا قالت العلماء في علة التلف وشرطه إذا اجتمعا: إن الضمان يجب على صاحب العلة ما أمكن نحو حافز البئر على الطريق والدافع فإن الضمان على الدافع، لأن الحافز صاحب شرط لأنه بحفره أزال ما كان الماشي يستمسك عليه فبالأرض كان الآدمي يستمسك عليها، فإذا زالت الأرض لم يكن السقوط بزوالها بل بثقل الآدمي حيث لا
стр. 364
يمسكه الهواء، وإنما زال بالحفر المانع من السقوط والدفع علة السقوط لأن المسكة التي بالآدمي في مقامه تزول بالدفع فإذا اجتمع الدفع والحفر وجب الضمان على الدافع.
وإذا عدم الدفع ومشي بنفسه فسقط كان الضمان على الحافر لأن المشي ليس بسبب سقوط على مكان مستو فلم يصر تعديا إذا لم يعلم بالحفر فلم يمكن أن يجعل سببا يضاف إليه التلف بغير حق فأضيف إلى صاحب الشرط وهو الحافز.
فأما العلامة: فاسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون لوجوده أو وجوبه به تعلق، ولا في ذاته ما يدل عليه بل صارت دلالة بضرب اصطلاح أو إخبار من صادق لأشراط الساعة، فإنها تدل على حضور الساعة من غير أن يكون للحضور بها تعلق وجوبا أو جودا، أو كالميل علم على الطريق.
والتكبيرات في الصلاة أعلام على الانتقال من ركن إلى ركن.
والأذان علم الصلاة والتلبية شعار الحج وعلمه فهذه ضروب متشابهة.
ففي السبب معنى العلة.
وفي العلة الشرعية معنى العلامة على ما مر تفسيرها.
وفي الشرط معنى العلة والعلامة.
والعلامة علامة تشتبه بالشرط والعلة ففيهما معنى العلامة لا يمتاز بعضها عن بعض إلا بجد تأمل، وسنذكر كل نوع على حدة هداية للشادي وتبيينا للناشي، والله أعلم.
стр. 365
باب
القول في أنواع السبب
الأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام:
أ- سبب اسما لا معنى.
ب- وسبب محض اسما ومعنى.
ج- وسبب هو علة العلة.
د- وسبب هو علة معنى.
أما السبب اسما لا معنى وحكما: فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف.
وكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط فسمي النذر المعلق بالشرط سببا.
وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجاز لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى السبب فيه، لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره، وطريقا واليمين تعقد للبر، وإنه مانع من الحنث الذي عنده تجب الكفارة وليس بطريق.
ولكن لما كان بعرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب، وبتخلل المانع ذهب عنه معنى السببية، وكذلك النذر المعلق بشرط لا يراد كونه فهو على هذا لأنه نذر للمنع عن الشرط.
وأما إذا علق بشرط يراد كونه فلأن قوله: على كذا تعلق بالشرط، ولما تعلق به لم يصل إلى ذمته فصار نذرا تسمية لا معنى، لأن الشيء في غير محله لا يثبت كبيع الحر، ولأن التعليق مانع حكما كما لو كان شرطا لا يراد كونه والعبرة للحكم لا للغرض، غير أن هذا لما كان بغرض الوصول إلى محله كان معتبرا بخلاف بيع الحر، وكان قبل وجود الشرط بمنزلة الرمي قبل الوصول إلى المرمى يكون معتبرا على أن يصير قتلا بالوصول إليه ثم السراية إلى أن يموت.
فأما قبل الوصول إلى محله فلا يكون قتلا.
وإذا كان بينهما ترس مانع فلا يكون سببا.
وكذلك الطلاق المعلق بشرط ليس بطلاق، وليس هو سبب له بل هو للحال عقد
стр. 366
آخر وهو عقد اليمين المانع عن شرط الحنث. ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث، ولا تعجيل النذر قبل الشرط ويجوز تعليق الطلاق بالنكاح لأنه ليس بطلاق ولا سبب للطلاق فلا يشترط لصحة انعقاده شرط الطلاق، وهو ملك النكاح كما لو حلف بشيء آخر وإنما هذا تكلم بما سيصير طلاقا إذا وصل إلى المرأة التي هي محلها بعد الشرط فيعتبر للحال كون الرجل من أهل التكلم به، ومن أهل اليمين.
ولأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين ترتفع بعد الحنث الذي بعده يجب الطلاق والكفارة، لأنه بعدما يدخل الدار يبقى أنت طالق أو على صدقة، وهذا القدر لا يكون يمينا.
وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر، وبعده يزول الانعقاد للبر كعقد بيع قائم من مفسوخ.
ولا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع.
وكذلك بالحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه.
وكذلك المتمتع بالحج إذا صام السبعة الأيام قبل الرجوع من منى لم يجز لأن الله تعالى قال: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ فلما علق بالشرط لم يجز التعجيل قبله ولم يكن ما قبله سببا له والمسافر إذا عجل الصوم قبل الإقامة يجوز لأن الله تعالى يقولك ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أجل الإيجاب عليه ولم يعلقه بالشرط فتأجل، ولم يخرج الشهر من أن يعتبر سبب الوجوب كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول فالمعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشروط وقد تسمى أسبابا تسمية ومجازا، فهذا ضرب مجاز لكنه معتبر شرعا، لأنها للحال تعتبر أسبابا لحكم شرع اليمين له فكان عقدا صحيحا لحكم صحيح، وإنما أبطلنا كونه سببا بحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد للحال.
وأما السبب المحض فنحو: حل قيد العبد حتى أبق، فإن الحل سبب محض فلا يضمن به العبد لأن الهلاك من الإباق، فكان الإباق باختيار من العبد لا بقوة حدثت من الحل، وكذلك إذا دل سارقا على مال حتى سرق لم يضمن الدال لأن أخذ المال باختيار السارق الأخذ، لا بقوة حدثت من الدلالة.
ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا لم يضمن صاحب الدابة لأن التلف كان بأكل أو وطء فعلت الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من تسييب صاحبها، وكذلك من فتح باب اصطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى طار الطير لم يضمن لأن الخروج كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجب له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره.
стр. 367
ولا يلزمنا قولنا: إن المحرم إذا دل على صيد فقتل ضمن لأن الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث أخذ الصيد، ولكنه يضمن من حيث إزالة أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به، أو يضمن من حيث جنى على إحرامه، فإن إزالة الأمن عن الصيد محظور إحرامه كالحلق ولبس المخيط والدلالة مباشرة ما يزيل الأمن عنه، لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم فلا ينجيه إلا الفرار على خوف، ولهذا قلنا: إن حافز البئر إذا تلف فيها إنسان لم يضمن الكفارة ولا يحرم الإرث، لأنهما يجبان جزأين بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافز في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط.
وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار مشيه سقوطا للعمق الحادث به إلا أنه شرط لسقوطه لا علة فسقوطه بسبب ثقله الذي لا يحمله الهواء، والأرض كان تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط لعدم العلة والكفارة جزاؤها.
وهذا كما قالوا فيمن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل ونوى عن الكفارة: لم يجز لأن التكفير تعلق جوازه بمباشرة الإعتاق وهو بالدخول أوجد شرط العتق فلم يكن مباشرا فلا تتأدى به الكفارة.
فأما ضمان التلف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل عوض التالف بتلف مضاف إليه.
والحكم يضاف إلى الشرط وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا.
وإذا أضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى، وههنا العلة ثقله أو مشيه وذلك مما لا يصلح سبب ضمان لأنه ليس يتعدى من حيث الإضافة إلى صاحب الشرط.
وكذلك زوائد الغصب المنفصلة والمتصلة أمانة عندنا، لأن الضمان الغصب ضمان فعل خاص، وهو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الحد إلا بإزالة يد بيد عن شيء واحد وهذا الحد وجد في الأم ولم يوجد في الزوائد لأنها حدثت في يد الغاصب ابتداء بسبب بقاء الأصل في يده، وذلك ليس بغصب بل حكم الغصب فلا يجب ضمان الغصب به، وإن سلمنا أن البقاء تعدى حكما وهو آثم على الإدامة لأنه تعدى غير الغصب كالإصرار على الزنا ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ضمان الغصب تكلما فيه.
وقلنا: إن المحرم إذا أخذ ظبية فولدت في يده حدث الولد مضمونا عليه لا ضمان
стр. 368
أخذ فإنه لم يوجد، ولكن ضمان الجناية على الصيد من حيث إزالة الأمن عن الصيد بسبب هو تعد لأن الصيد آمن في حقه عن أيدي الناس بالإحرام، وفي نفس الحدوث في يده زوال الأمن الواجب له بالإحرام، فمتى كانت يده متعدية صارت سببا لضمان تعد هو إزالة أمن لا ضمان تعد هو أخذ كالمودع يضمن بترك الحفظ، وكان ذلك تعديا منه بحكم عقده.
وهذا كما يوجب الضمان على الدال والدلالة سبب محض للقتل والأخذ، ولا يوجب الضمان به بل بمباشرة الجناية من حيث إزالة الأمن كما يضمن المودع بدلالة السارق على الوديعة لأنه مباشرة جناية من حيث ترك الحفظ وزيادة لا من حيث الغصب والأخذ.
وكذلك شهود القصاص إذا رجعوا بعدما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة، ولا يحرمون الإرث ويضمنون الدية كالحافز سواء لأن المباشرة منهم في أداء الشهادة، وقد انقطعت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك، إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمي والكفارة جزاء إتلاف حقيقة، وذلك بمباشرة الولي، وهو فيه مختار غير ملجأ حكما فيقتصر فعله عليه، ولا ينتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة.
وكذلك الرجل يكون له امرأتان صغيرة وكبيرة، فترضع الكبيرة والصغيرة حتى بانتا، فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد، ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد لأن المرضعة مسببة للفرقة.
وليست بصاحبة علة كالحافر سواء، لأن فعلها في التمكين من الارتضاع لا غير، والفرقة تتعلق بوصول اللبن إلى الجوف، وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهي مختارة في ذلك كالطير في طيرانه والماشي في مشيه، غير أن مصة الصغيرة إنما تكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدي في فمها بإلقاء كان منها ابتداء.
فإن كان الإلقاء تعديا كان البقاء تعديا.
وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء كالحفر سواء.
وإذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف، والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذل الوجوب ههنا.
وعندنا يجب الضمان بإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا، ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول وقضى القاضي ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا، ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباح لها كمشي الماشي على الطريق أضيف الإيجاب إلى ما هو التعدي فوجب الضمان على ما مر.
стр. 369
ومن الأسباب المحضة وجود بعض ما يتم علة بانضمام معنى آخر إليه كأحد شطري البيع، وأحد وصفي علة الربا فهي من الأسباب المحضة، لأن الحكم لا يجب ما لم يتم العلة فكان المبدأ معتبرا لتمامه، وكان كالطريق إليه فلا يضاف الحكم إليه بوجه.
فإن قيل: قد ذكرت أن حد السبب ما يكون بينه وبين الحكم الذي هو سببه محضا علة تامة يضاف الحكم إليها، والجزء الباقي من العلة في مسألتنا قط لا يكون علة بانفرادها.
قلنا: نعم، ولكن العلة لا يجب حكمها ما لم تتم العلة فالوصف الأخير يجعل ما مضى علة فيكون الحكم مضافا إليه وحده ويصير منزلة علة العلة كالرمي علة النفوذ.
والنفوذ علة الإصابة.
والإصابة علة السراية.
والسراية علة الموت.
ولكن لما حدثت العلل المتوسطة بالأولى أضيف الحكم إلى الأولى فكذلك ههنا ما قبل التمام من الأوصاف، إنما تصير موجبة بالوصف الأخير، ثم يجب الحكم بكل العلة فيصير الكل مضافا إلى الوصف الأخير، حتى قالوا فيمن حمل سفينة مائة من، وهي لا تطيق أكثر منها، ثم إن رجلا طرح فيها منا زائدا فغرقت السفينة، ضمن طارح المن جميع السفينة بمنزلة ما لو طرح الأمناء كلها.
وقال علماؤنا ﵏ فيمن أصاب من الماء قدر ما لا يكفيه لوضوئه: أنه يتيمم ولا يبالي بذلك الماء كأنه نجس أو لم يجد شيئا وذلك لأن التراب جعل طهورا شرعا بشرط عدم ماء طهور في حق الصلاة.
وحكم الطهارة في حق الصلاة لا يتجزأ ثبوته بل يثبت جملة فإن الحكم إباحة أداء الصلاة وهذا حكم لا يتصور تجزيه وكان بعض الماء بعض علة ليصير علة، طهورا للصلاة عند تمامه فكان في حكم السبب المحض ماله حكم العلة المانعة من التيمم بوجه.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إن الأشربة التي حرمت لعلة السكر، لا يحرم منها القليل لأن السكر مضاف إلى الشربة الأخيرة التي بها تصير ما مضى من الشراب مسكرة، وإنما ترك محمد ﵀ هذا الأصل احتياطا لباب الحرمة فحرم القليل منه لأنه سبب داع إلى الكثير، وإن لم يكن علة.
وقالوا أيضا: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد لأن علتها الرأس فلا يكون للبعض حكم العلة بل يكون له حكم العدم، وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هي المكيل وهذه بعض ما يكال وليس بمكيل.
стр. 370
وقالوا: إن المحرمية بالرحم مع الملك علة للعتق بمنزلة التحرير.
ثم قالوا في العبد بين اثنين إذا ادعى أحدهما أنه ابنه عتق عليه، وضمن، وإن ثبت الملك بهما جميعا لأن تمام العلة بالقرابة، وهي ثبتت بالدعوة وبمثله لو كانت البنوة ظاهرة وهو بين رجلين فاشترى الأب نصيب أحدهما ضمن لأن تمام العلة كان بالملك، وإنما يثبت بصنع الأب فأضيف الحكم إليه وسقط اعتبار الأول.
وقالوا إذا قال لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق، فأبانها وانقضت عدتها فدخلت إحدى الدارين، ثم تزوجها فدخلت الدار الأخرى: طلقت، لأن تمام الشرط علة حلول الطلاق، والتمام وجد في الملك فصار ما قبل التمام من الشرط كأنه ليس بشرط الطلاق فصح وجوده حكما بلا ملك النكاح، والله أعلم.
فصل
وأما السبب الذي هو علة العلة فهو السبب الموجب، لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث لم يوجب إلا بواسطة علة كان سببا.
ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكمة به أضيف الوجوب إليه فصار موجبا.
ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه.
لأن علة الحكم لما حدثت بالأولى صارت العلة الأخيرة حكما للأولى مع حكمها لأن الحكم الثاني مضاف إليها، وهي مضافة إلى الأولى فصارت الأولى بمنزلة علة لها حكمان.
ومثاله: الرمي المصيب القاتل، فإنه سبب موجب للموت لأن فعل الرمي ينقطع قبل الإصابة، لكنه أوجب حراكا في السهم وصل به إلى المرمى، وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته فكان الرمي سببا موجبا، وله حكم حز الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الألم وانتقاض البنية ونفوذ السهم أحكاما للرمي.
وقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق.
ويجوز به التكفير لأنه سبب موجب للعتق لأن الشراء علة الملك.
وملك القريب علة العتق فكان الشراء علةَ علةِ العتق فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء.
ولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير موجبا بالأخير ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الأخير كعلة العلة من هذه الجملة قطع حبل القنديل حتى انكسر، وشق زق الدهن حتى سال، لأن قوامه بمسكته ومسكة القنديل
стр. 371
بالحبل، ومسكة الدهن بالزق فالقطع أو الشق علة مزيلة للمسكة وزوال المسكة علة التلف.
فصل
وأما السبب الذي هو علة للحكم فهو الموجب للحكم بنفسه في الثاني بلا واسطة علة، لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه لا ببعض ما هو علة بل بوصف لما هو علة فمن حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه كان سببا وطريقا إليه.
ومن حيث أن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون أوصافها، لأن الأوصاف إتباع لم يكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء، وهذا أدق وجوه الأسباب.
ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب.
وعلته إذا تم الحول لأن الزكاة تجب بسبب الغنى.
والغنى في النصاب دون الحول فسقط اعتبار الحول بعضا من أبعاض العلة.
ولما لم تجب الزكاة بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر تعلق التمام به، وهو أن يوصف بأنه حولي في ملكه لأن الشرع علق الزكاة بمال نامي معنى، والنمو لا يكون إلا بمدة فشرط صفة النماء حولا لتحقيق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة، والولي وصفا فلم يعمل أصل العلة ما لم يتم بوصفه، ولا يقال إن حولان الحول شرط الوجوب لأنه يثبت بقوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وحتى ليست بكلمة شرط بل توقيت.
ولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق فكان يسقط بإسقاطه، وأخذه بالعزيمة بتعجيل الأداء كما في صوم المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ صح التعجيل.
وههنا إذا عجل لم يكن فرضا بل يقع موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها، على ما مر بيانه، علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن السقوط عزيمة كما هو في بعض العلة.
ولهذا السبب حكم السبب المحض، وحكم بعض العلة في أن لا يجب الحكم عنده حتى يوجد الباقي.
وله حكم العلة في تجويز تعجيل الأداء بشرط التمام بوصفه في الثاني.
فقالوا جميعا: إن الزكاة لا تجب قبل الحول ومتى عجل صاحب المال الأداء، وهلك المال ولم يبق حولا لم يكن المعجل فرضا، كما لو عجل قبل تمام النصاب لأنه
стр. 372
عجل قبل التمام.
وإذا بقي المال حولا صح الأداء عن الفرض كأنه عجل بعد تمام العلة بوصفها وركنها، ولكن تأخر الحكم لمانع لما لو عجل الدين المؤجل وهذا لأن الحول متى تم واتصف النصاب الحول، والوصف لا يقوم بنفسه بل بالموصوف، وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحولي إلا إذا بقي حولا فاستند الوصف إلى أصل المال، وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولي كرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد بعينه، لا شخص آخر.
فإذا استند الوصف إلى أول أوقات النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله أيضا فيصير المعجل مؤديا في الثاني بعد الوجوب فيجزيه، وأما بعض العلة فلا يستند إلى ما قبل بل يقتصر على حين وجوده، لأنه ليس يتبع لما قبله فيقتصر على حين التمام فيبقى الأداء قبله أداء قبل الوجوب فلا يجزيه.
وهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ويصير ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا، وإذا مات نقضت الهبة في الثلثين لأن العلة الحاجرة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض.
وقولنا: مميت صفة للمرض كما في الجرح قد يكون مميتا فيكون قتل، وقد لا يكون فحين تصرف، والوصف معدوم نفد من غير حجر لعدم التمام بوصفه ولما دام حتى أماته تم الوصف فصار أصل المرض متصفا بالإماتة والسراية إلى الموت لا آخره لأن المرض يضعف القوى، وكل جزء من المرض بعد ما خرج عن عداد الأصحاء مضعف بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت، فإنه يضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة الحجر من حين أصل المرض الذي أضناه، والتصرف وجد بعده فصار تصرف محجور عليه فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق.
وقال علماؤنا يرحمهم الله: إذا جرح رجل رجلا خطأ فكفر ثم مات المرجوح أجزأه بالمال وبالصيام جميعا، لأن علة الوجوب هو القتل وذلك اسم لرجح سرى ألمه إلى الموت، والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف يمنع الوجوب، ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في الثاني.
وقال أبو حنيفة ﵁ فيمن قال: آخر عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ثم عبدا ثم مات: عتق الأخير من حين ملكه، وكذلك هذا في الطلاق لأن الشرط آخر عبد يملكه والآخر صفة للعبد المشترى فلا يقع العتق حين اشتراه لأن صفة الآخرية، لم تثبت لجواز أن يشتري عليه آخر فيكون هو أوسط عبد.
ولكن: إذا مات، ولم يشتر آخر صار الآن آخر عبد اشتراه لأنه يصير آخرا بتركه
стр. 373
الشراء عليه والترك لآخر عمره ليس بصفة لما قبله بل البعض منه فاقتصر الحكم عليه، وحكمه ثبوت صفة الآخرية.
ولما ثبت وهو وصف استند الوصف إلى الموصوف، وهو العبد الذي وقع عليه الشراء من حين وقع لأن الحالف جعله صفة للذي يشتريه لا للقائم للحال فيصير الشرط بوصفه موجودا من حين اشتراه فيستند حكم الوجود إليه، وهو حلول العتق كما استند حكم العلل وهو الوجوب فيما مضى.
فإن قيل: لو عجل الزكاة عن خمس من الإبل العوامل ثم أسأمها لم يجز.
قلنا: إن المال ليس بسبب في نفسه لأنه للبذلة والنوى، وإنما يصير سببا بالإسامة التي هي سبب نماء تعلق به البقاء من التناسل، وإذا كان يصير سببا بالإسامة كانت هي العلة في الحقيقة لأن المال به يصير سببا، وكان بمنزلة آخر أجزاء العلة ففي معرفة هذه الأقسام بحدودها ضرب فقه يدق طرق الوقوف عليها، فلا يسلكنها أحد بكسل، ولا يقفن عنها بفشل، والله معين من أناب إليه، وهادي من جاهد فيه، والله أعلم.
стр. 374
باب
القول في أنواع العلل المعتبرة شرعا
العلل المعتبرة شرعا أربعة أنواع:
أ- علة موجودة اسما ومعنى وحكما.
ب- وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما.
ج- وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى.
د- وعلة موجودة اسما لا معنى وحكما، نحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد طلاق اسما، ولم يكن معنى ولا حكما لما مر في الباب الأول.
وأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المكاتب عبده، وطلاقة امرأته وبيعه ماله، ونذره بصدقة درهم، وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل.
وأما الضرب الثالث: فكالنصاب قبل الحول فإنه علة الوجوب اسما ومعنا لا حكما، لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول على ما مر.
وكذلك الجرح علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما.
وكذلك البيع بشرط الخيار موجود علة للملك اسما ومعنى لأنه منعقد للحال شرعا لا حكما، لأن الملك لا يجب للمشتري معه، والمبيع باق في ملك البائع كما كان من قبل من غير خلل.
وكذلك الطلاق الرجعي علة إبانة انعقدت اسما ومعنى لا حكما.
وأما الضرب الرابع: فكالسفر فإنه سبب للرخص، والعلة هي المشقة فأثبت حكم العلة، وهو السقوط ولا مشقة وهي العلة على الحقيقة.
وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين، وإن كانت الأمة بكرا أو اشتراها من صبي أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد وجد ولا ماء في هذه الفصول.
وكذلك الوضوء يجب عن النوم وإن لم يوجد الحدث، والعلة هي خروج نجس عندنا أو خروج شيء من المخرج على أصل غيرنا.
وكذلك إذا باشر امرأته وانتشرت آلته، وليس بينهما ثوب وجب الوضوء، وإن لم
стр. 375
يخرج شيء بيقين والعلة هي الخروج.
وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم الماء، والعلة خروج المني عن شهوة، والنسب يثبت بالنكاح وأصله الماء، وإن لم يطأها علم أنه لم يخلق من مائه، وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة عادة، والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم فلو علق الحكم بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلقه الشرع بسببها في العادات تيسيرا علينا فيثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب خلفها وصار علة شرعا.
وكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فعلق بالسبب المؤدي إليه ظاهرا وهو النوم الذي يرخي مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر العبادة أيضا، وكذلك الاستبراء لو علق بالماء، وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته فعلق بالسبب المؤدي إلى خلط المياه، وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم المالك الأول، وظهور البراء عن مائة فلو أبحنا الثاني بنفس الملك لأدى إلى خلط المياه بخلاف ملك النكاح فإن الملك لا يزول بحق النكاح بعد الماء إلا عن تربص موجب للبراءة، فالإطلاق للثاني بنفس الملك لم يؤد إلى الخلط.
وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو الإباحة بنفس الملك مقام الخلط حقيقة في حق وجوب الاستبراء تيسيرا للعباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن، وكذلك وجوب المبيع مملوكا شرط لصحة البيع وجوزت الإجازة، وهي بيع المنافع وليست بموجودة ولا مملوكة، لأنا لا يمكننا بناء بيعها على الوجود لأنها لا تبقى زمانين بل تتلاشى كما وجدت فأقيم سبب الملك مقام الملك، وكذلك سبب الوجود من قبل العين المنتفع به مقام الوجود وابتنى جواز العقد عليه، والله أعلم.
стр. 376
باب
القول في أنواع الشروط
أ- شروط محض.
ب- وشرط هو في حكم العلة.
ج- وشرط هو في حكم العلامة المحضة.
د- وشرط صورة ماله حكم.
فأما الشرط المحض: فما يمتنع به وجود العلة إلا بوجوده على ما مر تفسيره في باب الفرق بين الشرط والعلة، وهو كلمة أن نحو قولك: عبدي حر إن دخل الدار، فإن التحرير قد انعدم حكما، وامتنع وجوده بكلمة إن حتى يوجد الشرط وهو الدخول.
وحكمه ما ذكرنا: أن وجود العتق يضاف إلى الشرط دون الوجوب بل الوجوب يضاف إلى قوله أنت حر.
وعلى هذا شروط العبادات، فإن الوقت علة الوجوب وعلم العبد بالخطاب شرطه فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم، أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت.
وكذلك الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع وسجود ولكن الوجود شرعا يتعلق بالطهارة، والنية وسائر الشروط.
وكذلك في المعاملات عقد النكاح إنما يكون بالإيجاب والقبول ولا يوجد شرعا إلا بشهود.
وأما الشرط الذي هو في حكم العلة: فنحو شق زق الدهن وقطع حبل القنديل، فإن الشاق يضمن كأنه أكل الدهن أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق مباشرة إتلاف للزق، وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن مائعا سيالا.
لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشيء يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية.
وكذلك تماسك القنديل على الوجه الذي يحفظه عن التلف حال الانتفاع به على الوجه الذي صنعت القناديل له لا تكون إلا معلقة بالحبال فلم يكن إرسال القنديل بحبل علة تلف بل كان حفظا.
وكذلك صب الدهن في الوعاء كان حفظا فيكون شق الوعاء أو قطع الحبل والحفظ
стр. 377
بهما إتلافا هذا كالقتل مباشرة إتلاف والقتل اسم لما يزيل الحياة لا لما يفيت جزءا عينا من الشخص فإنه قطع والقاطع يسمى قاتلا إذا مات منه المجروح، لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها، ولكن علق بقاؤها محفوظة بسلامة البنية فكان نقض البنية وبها قوامها إتلافا للحياة.
فأما الطلاق فمما يحفظ بترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج، فإذا تكلم به وعلق بالشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع، واعتبر الإرسال عن لسانه إيقاعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة إذا انفردت العلة وهي الإيقاع.
وعن هذا الأصل اختلفوا في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة، وشهدت القابلة لم تطلق عند أبي حنفية ﵀ لأن للشرط حكم العلة في إيجاد الحكم فلا يثبت وجود الطلاق بشهادة امرأة.
وهما قالا: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فيبقى علامة محضة في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء، ألا ترى أن الزنا إذا أثبت على رجل واختلف في إحصان يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان الحد لا يجب بشهادة النساء مع الرجل لأن الوجوب مضاف إلى الزنا والإحصان شرط.
والانفصال لأبي حنيفة أن الإحصان لا يتعلق به الوجوب ولا الوجود بل يتبين بالإحصان أن الرجم كان واجبا.
وقالوا جميعا: إن الزنا إذا ثبت على مسلم واختلف في عتقه وكان عبد نصراني فشهد نصرانيا على مولاه أنه أعتقه صار حرا، ولم يجب الرجم عليه لأن الإحصاء شرط يوجد إقامة الرجم عنده لا أن يتبين الإقامة به ولما كانت الإقامة توجد عند الإحصان صار الوجود على الزاني مضافا إليه.
وشهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم المشهود عليه فلم يعمل في حقه والحق الوجود بالوجوب.
فأما شهادة النساء مع الرجال فحجة في حق الناس أجمع وإنما لها خصوص في حق المشهود بها وهي الحدود، والحد لا يجب بالإحصان ولا يثبت وجود الوجوب به بل يتبين به أنه كان واجبا فكان الإحصان علما مظهرا للواجب شرطا موجدا للإقامة.
وكذلك قال أبو حنيفة ﵁: إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرا أو كان الزوج أقر بالحبل أو كان النكاح قائما حال الولادة.
وعندهما: يثبت لأن النسب ثبت بالفراش القائم عند العلوق والولادة شرط ظهور الولد قالا فهذه الولادة في حق النسب علم محض مظهر لنسب قد كان.
стр. 378
وأبو حنيفة ﵁ يقول: إن كان الحبل ظاهر حال قيام الفراش أو كان أقر الزوج به فقد أوجب علة ثبوت النسب بالولادة وبالولادة يظهر ولد كان ثابت النسب فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة.
وكذلك إن كان النكاح قائما لأن الولادة تثبت بشهادة المرأة والنسب يثبت بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافا إلى شهادتها فأما إذا لم يكن إقرار الزوج، ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى لا سبيل لنا إلى علمه فيعتبر بالعدم في حقنا، كالخطاب النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه ولم يقصر في طلبه، وحال البلوغ إليه معتبر في حقه بابتداء الشرع ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا.
وإذا اعتبر بالابتداء والعلة غير قائمة للحال بقي مضافا حكما إلى الشهادة فلم يثبت بشهادة القابلة لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف إليها.
وكذلك الميراث لا يثبت للولد بشهادة القابلة أنه كان حيا لأن الإرث لا يثبت إلا بكونه حيا، وما قبل الولادة من الحياة أمر باطن لا سبيل لنا إلى علمه فصار الظاهر بعد الولادة في حكم ابتداء الحياة وإنما يثبت وجوده بالولادة فيصير لهذا الشرط حكم العلة من وجه، ولهذا يتعلق الضمان به إذا امتنعت الإضافة إلى ما هو علة.
وأما الشرط الذي هو في حكم العلامة: فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين بالإحصان أن الحد كان رجما، فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه، حتى أن أربعة لو شهدوا على زنى، واثنان على الإحصان فرجم المشهود عليه ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا وإن لم يوجد ههنا سبب ضمان آخر والولادة بعد حبل ظاهر علم على النسب.
وأما الشرط الذي هو شرط صورة لا معنى: فالشرط الخارج على وفاق العادة كقوله تعالى: ﴿وربائبكم التي في حجوركم﴾، ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها، وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة، والفائدة في تخصيص الله تعالى حال الابتلاء بتلك الحادثة في العادات بالذكر كونها أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس. والله أعلم.
стр. 379
باب
القول في أنواع العلامة
علم حقيقة: وهو الدال على موجود، على ما مر تفسيره في بابه، ومنه علم العسكر، وعلم الثوب، والإعلام الإظهار.
وعلم: هو شرط للوجود، على ما مر في تفسير الشرط.
وعلم: هو علة، على ما بينا أن علل الشرع ليست بمحدثات ولا موجبات بذواتها بل بجعل الشرع إياها عللا لأحكامها، فمن حيث ليست بعلة بذاتها كانت علما.
وعلم تسمية مجازا لا حكما ومعنى، وهو العلة الحقيقة المغيرة بذاتها. والله أعلم.
стр. 380
باب
القول في أسماء الحجج التي هي مضلة
هذه الأسماء أربعة: التقليد، ثم الإلهام، ثم استصحاب الحال، ثم الطرد.
قال القاضي ﵁: هذه أسماء حجج مستحسنة المبادئ، مستقبحة العواقب، مداخلها هدى ومخارجها ضلال، لا ينجو عن قبح عواقبها من اعتقد الحجج حججا بهذه الأسماء إلا بعد جد صادق، وحذر دائم، وتوفيق من الله تعالى، وذلك لأنها ثبتت حججا على لا دليل.
فإن التقليد في إتباع الرجل غيره على ما يسمعه ويراه يفعله على تقدير أنه محق بلا نظر واستدلال وتأمل، وتمييز بين كونه حقا وباطلا على احتمال كونه حقا وباطلا، كأنه قلده صدق ما سمعه أو جعله عاقبة ذلك قلادة في عنقه إن كان حقا أو باطلا بلا دليل كما قالت الكفرة: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾، وقالت: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾.
وأما الإلهام: فإتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه، أو أشار إليه في أمره من غير نظر واستدلال أو تمييز بين كونه حقا أو باطلا، قال الله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ أي: عرفهما، وبين طريقهما فيكون عملا بلا دليل، لأن ما يقع في قلبه محتمل بين وحي الله تعالى أو الشيطان على ما نذكر كما أن خبر المخبر يحتمل الصدق والكذب، والمحتمل لا يكون دليلا وإنما رجح القائل به جهة الصدق بحسن الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
وقد مر القول في استصحاب الحال، والطرد أن القول بهما قول بلا دليل في الحقيقة، وسنذكر أقسام كل فصل في باب على حدة، وبالله التوفيق.
стр. 381
باب
القول في أقسام التقليد وما فيه من الحجة على صحته وفساده
قال جمهور أهل العلم بلا خلاف: إن القول بالتقليد باطل.
وقال بعض الحشوية: القول بالتقليد حق لأن أصل البشر آدم ﵇ وكان يجب تقليده وإتباعه، فيبقى ما ثبت على ما ثبت إلى أن يقوم الدليل على خلافه، فالحقية في الإنسان أصل كالحرية، وكما يحكم لمجهول النسب بالحرية حتى يثبت خلافه فيحكم لمجهول الحال في قوله وفعله بالحقية حتى يثبت خلافه.
ولأن فعل العاقل وقوله على الصوب بدلالة عقله حتى يظهر خطاؤه فقبل الظهور يجب إتباعه ألا ترى أنكم تقلدون الصحابي كما تقلدون النبي ﷺ ، وتتركون الرأي بقول الصحابي ولم يكن معصوما عن الكذب لأنهم أصحاب من كان يجب تصديقه بسبب الوحي، فكذلك التابعون يجب تقليدهم لأنهم أصحاب من وجب تقليده فلا يزال يدور هكذا.
إلا أنا نقول: إن أصل التقليد باطل، لأن الله تعالى رد على الكفرة احتجاجهم بإتباع الآباء بنفس الرؤية والسماع من غير نظر واستدلال.
ولأن خبر هذا المخبر أو فعله يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجة، ألا ترى أن الإيمان بالأنبياء ﵈ لم يجب بنفس الدعوة لاحتمال الصدق والكذب حتى تقوم المعجزة.
فكذلك غير الأنبياء لأنهم دونهم إلا أنا بدلالة المعجزة عرفنا عصمتهم عن الكذب والخطأ فاتبعناهم لقيام دلالة العصمة، وقد فقدت هذه الدلالة في غيرهم فلا يجب إتباعهم كما لا يتبع النبي ﷺ قبل إقامة المعجزة.
فإن قيل: الأصل الحق فلا يبطل بالاحتمال.
قلنا: هذا الأصل ثابت في صاحب المعجزة بدليل المعجزة لا بكونه آدميا والمعجزة معدومة في غيره فلا يثبت الحكم الثابت بدليله.
فإن قيل: فالحقية تثبت بدلالة العقل وقد قامت في النسل.
قلنا: دلالة العقل تدل على الحقية ظاهرا ولا تدل على وجوب العصمة عن الباطل
стр. 382
إما غفلة، وإما قصدا فلا يصير قوله حجة موجبة على أن دلالة العقل مما لا يدل إلا بالنظر والاستدلال.
ولم يثبت أن الأول قال وعمل عن نظر واستدلال أو لا عن نظر واستدلال.
ولئن كان عن نظر واستدلال وبه كان حقا فللسامع من آلة النظر مثل ما للأول فيلزمه النظر برأيه ولا يصير نظر غيره حجة عليه كمن عاين القبلة، وأخبر غيره بجهتها، والسامع يمكنه عيانها لم يكن خبر الأول حجة عليه ولا يجوز له العمل به إلا على تقدير أنه صادق، حتى إذا تبين كذبه كان باطلا ويقال له: ميزت بنظرك بين محتج ومحتج فصير بين حجة وحجة، فالمحتج إنما يصير إماما بالحجة.
ولأن قوله: إن الحقية أصل فتميز منه بينه وبين الباطل وأنه أمر غائب لا يدرك بالحواس فثبت أنه معلوم بالنظر والاستدلال فيكون إقرارا من حيث لا يشعر به أن الحجة هي النظر والاستدلال.
ولأن الحق إما يصير للآدمي بعقله، وصفة العقل لا تسري من أحد إلى أحد والخلاف وقع في ولد آدم ﵇.
ولأنا نقول للمقلد: إنك مبطل فقلدني لأني عاقل، فإن قلدك فقد رجع عن مذهبه وأقر أنه مبطل، وإن لم يقلدك فقد رجع عن حجته لأنه لما لم يقلدك فقد زعم أن التقليد باطل.
ولأنا نقول له: أتقلد إمامك على أنه محق أم على أنه مبطل، أم على أنك جاهل بحاله؟
فإن قال على أنه مبطل، أو على أني جاهل بحاله لم يناظر لأنه ممن لم يميز الحق من الباطل فيكون مجنونا، أو ممن زعم أن الباطل متبع فيكون سفيها.
فيبقى قوله على أني أتبعه على أنه محق وقط لا يعرف المحق من غيره بنفس الخبر.
فالمقلد في حاصل أمره ملحق نفسه بالبهائم في إتباع الأولاد الأمهات على مناهجها بلا تمييز فإن ألحق نفسه بها لفقده آلة التمييز فمعذور فيداوى ولا يناظر، وإن ألحقه بها ومعه آلة التمييز فالسيف أولى به حتى يقبل على الآلة فيستعملها ويجيب خطاب الله تعالى المفترض طاعته.
وقد ذم الله تعالى الكفرة على قولهم: "اتبعنا أكابرنا وسلفنا" ذما لا يخفى على من آمن بالله، وأقر بالكتاب إلا أن يعاند بخلاف الكتاب، وكفره بعد الإيمان به فثبت أن القول بالتقليد باطل، وأنه ليس باسم يصلح اسما للحجة بل حجة على الإنسان في الأصل برأيه واستدلاله.
стр. 383
فأما الجواب عن قولهم إنكم تقلدون الصحابي أو النبي ﷺ فلا كذلك بل عرفنا صاحب المولى صديقا معصوما عن الكذب بالنظر والاستدلال، إذ بالنظر والاستدلال عرفنا المعجزة معجزة ثم عرفنا بالنظر أن صاحب المعجزة لا يكون إلا صديقا، فإن الله تعالى لا يأتمن الكاذب ولا يؤد بالمعجزة بلا معارضة من يضل الناس ثم عرفنا بخبره أن رأي الصحابة مقدم على رأي غيره إن أسلمنا وجوب ترك الرأي بقول الصحابي.
ثم التقليد ينقسم إلى أقسام أربعة:
ا. تصديق الأمة صاحب الوحي.
ب. وتصديق العالم صاحب الرأي، ونظر في باب الفقه ظهر سبقه على أقرانه من الفقهاء.
ج. وتصديق العامة علماء عصرهم.
د. وتصديق الأبناء الآباء والأصاغر الأكابر في الدنيا.
والوجوه الثلاثة صحيحة لأنه يقع عن ضرب استدلال فإن التمييز بين النبي ﷺ وغيره لا يقع إلا بضرب استدلال فلم يكن تقليدا محضا.
وكذلك تقليد العالم عالما هو فوقه لأن زيادة المرتبة لا تعرف إلا بضرب استدلال.
وكذلك تقليد العامي العالم لأنه ما ميز بين العالم وغيره إلا بضرب استدلال إلا أنه ترك ما هو الأولى به من النظر في الحجج وربما يعاتب عليه فما ترك الأولى إلا بكسل فإن التمييز بين الحجج لصعب والكسل في الدين مذموم.
والباطل هو الوجه الرابع لأنهم اتبعوه بهوى نفوسهم بلا نظر عقلي واستدلال وعملوا عمل البهائم كما سمى الله تعالى أنعاما بل أضل لأنهم وجدوا آلة التمييز فلم يستعملوها فلم يكونوا معذورين والبهائم قد فقدت الآلة فكانت معذورة بل لم تكن مأمورة، والله أعلم.
стр. 384
باب
القول في الإلهام
الإلهام: ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة.
قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.
وقال بعض الحبية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله ﷺ واحتج بقوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها﴾ عرفها بالإيقاع في القلب، وبقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ وشرح الصدر بنور العلم، والحرج بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه هو العاجل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبيد.
وبقوله: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا﴾ فالحياة هي العلم، والنور الهدى فالله تعالى أخبر أنه الجاعل بلا صنع منا.
وبقوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ فأخبر أن الناس مخلوقون على الدين الحنيفي بلا صنع منهم.
وقال: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ الآية حتى عرفت مصالحها بلا نظر منها فلا ينكر مثله للآدمي.
وقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ حتى عرفت بلا نظر واستدلال أن حياة موسى في الإلقاء بالبحر ولم يكن ذلك وحيا بملك تكلم بل بالإلهام وعلمت بذلك وكان حقا.
وقال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة" أي: على الدين الحق وما للمولود نظر ولا استدلال.
وقال ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" وما الفراسة إلا خبر عما يقع في القلب بلا نظر في حجة.
стр. 385
وقال ﷺ لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على صدرك فما حال في صدرك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك" جعل رسول الله ﷺ شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى عن حجة.
وقال ﷺ : "إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر" أي: ملهم، كأنه يوحى إليه ويحدث ربه أو الملائكة.
وروينا عن الصحابة أقوالا بخلاف النص وأكثرها عن عمر بالإلهام فكانت حقا، وانتسخ بها ما كان وحيا نزل بخلاف ما كان، إلا أن الملهم متى خالف النص برأيه اليوم رد عليه لأنه لا نسخ بعد رسول الله ﷺ ، فتبين بالغلط أنه محروم نور الإلهام من الله تعالى.
وقال أبو بكر الصديق ﵁: ألقي إلي أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وما الإلقاء إلا الإلهام.
وأكثر أنبياء بني إسرائيل ﵈ كانوا يلقى في قلوبهم من غير إرسال ملك.
وقالت الأمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحري بغلبة الظن، أنه لا يجوز، وإذا صلى بتحريه بقلبه أجزته وقلتم أنتم إن صلاته تجزيه، وإن خالف جهة الكعبة بيقين وإذا خالف جهة تحريه لا تجزيه وإن أصاب الكعبة.
وكذلك اللحم الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لم يحل أكله لغلبة الحلال إلا بتحري القلب.
فثبت أن الإلهام حق من الله تعالى، وأنه كرامة لبني آدم ﵇، وأنه وحي باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه حرم تلك الكرامة وسلط عليه الشيطان فصار الوحي منه، قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك﴾، وقال: ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ فثبت أن الآدمي معصوم قبل المعصية عن وحي الشيطان، إلا على سبيل الاستراق فلا يخفى على العبد وحيه عن وحي الملك إلا على سبيل الغفلة التي تعتري القلوب فتزل ثم تنتبه من ساعته فلا تقر عليه فيمتاز له جهة الحق بالقرار عن جهة الباطل، ومثل هذا الالتباس قد يقع للمستدل بالحجج والقياس بالرأي فثبت أن الإلهام باب من أبواب الحجج.
والحجج لأهل السنة والجماعة: قول الله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصار تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فألزمهم الكذب بعجزهم عن برهان يمكنهم إظهاره، فلو كان الإلهام حجة لما ألزمهم
стр. 386
الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة فالإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها.
وقال تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ وبجهنم بدعوى إليه غير الله لا برهان لهم به، ولو كانت شهادة قلوبهم لهم حجة لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل بها ما يمكن إظهاره من النص والآيات التي عرفت حججا بالنظر التي يمكن إظهارها وكانت الحكمة من قيد لا برهان به وإن كان الشرك باطلا أصلا ليشتغل السامع بالبرهان نفيا للتوبيخ عن نفسه فيدله البرهان الصحيح على بطلان الشرك وحقية أن الله تعالى خالق لا شريك له.
وقال الله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فالله تعالى جعل تبين أن الله تعالى حق غاية لرؤيتهم الآيات فثبت أن العلم بالله تعالى لا يكون بدون الآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي.
فإن قيل فيه: إن الله تعالى هو الذي يرينا الآيات بلا صنع منا فيلهم العبد حدوث العلم، وأن له محدثا هو الله تعالى.
قلنا: لو كانت المعرفة صحيحة على ما ابتلينا بها بدون صنع منا لأوقعها الله تعالى بلا واسطة الآيات.
والآيات مما تدلنا على الله تعالى من طريق النظر والاستدلال كالبناء على الباني، والحدث على المحدث وإنما تأويل الإضافة إلى الله تعالى على معنى أن الله تعالى هو خالق الآيات للنظر والاستدلال، وهو الموفق لعبده، والملقي في قلبه سمة التفكر في الآيات ومرينا أفول الشمس بلا صنع منا لنستدل بانعزالها على أنها ليست برب.
وكذلك فسر الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾ إلى أن قال: ﴿إني برئ مما تشركون﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ ثم دلت هذه الآية أن لا حجة فوق هذه، فلو كانت لما حرم إبراهيم ﵇ وهو خليل الله.
ثم قال: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين﴾ فأخبر أن الإراءة ما كان من إراءته إياه انعزالها عن سلطانها بالأفول حتى تيقن به على أنه مخلوق وأن الله تعالى من خلقها، وأخبر أن الإيقان بالله تعالى متعلق بالوقوف على الآيات الدالة على حدوث العالم ليتبرأ منه أولا ثم يوقن بالله تعالى كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا﴾.
وقال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ وكانت كلمة التوحيد لا إله إلا الله فالله تعالى يرينا بفضله الحجج الدالة على حدوث العالم حججا
стр. 387
يمكننا التكلم بها، والمناظرة بها وإلزام الخصوم فنتبرأ منها إلى خالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما الاختلاف في المعرفة بلا حجة يمكن المناظرة بها.
وأخبر الله تعالى في غير موضع أن القرآن هدى.
وكذلك الآيات لقوم: يتفكرون، يتذكرون، يعقلون، يفقهون، لوم يقل في موضع: لقوم يلهمون، ولو كان الإلهام أحد طرق العلم لبينه الله تعالى في كتابه فإنه أنزل تبيانا لطرق العلم وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ وقال: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف﴾ الآية.
ولو كان الإلزام بالإلهام لما عوتبوا على ترك النظر والسير وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه رأيي، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" ولم يقل: بالإلهام ولم يأمره به رسول الله ﷺ .
وقد استقصينا هذا الباب في أبواب القياس. وقال ﷺ : "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وأنه جائز برأي النظر والاستدلال بأصول الدين بالإجماع.
فثبت أن المراد به الرأي بلا نظر له، ولأن الرأي بلا نظر لو كان حجة يجب العمل بها كالوحي لحل لكل إنسان قبل الوحي أن يدعو الخلق إلى ما عنده بل كما يجب على نفسه العمل به.
وكما كان يجب على النبي ﷺ ذلك، ومن قال هذا فقد كفر.
ولأنا نقول له الإلهام حجة على الحق بخلاف الشرع أم بموافقته، فإن قال بخلافه كفر، وإن قال بموافقته فلا تثبت الموافقة إلا بعد النظر في أصول الشرع، والاستدلال كما يكون بالقياس.
ولأنا نقول: إن هذا الإبهام قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الملك، وقد يكون من إبليس على ما قال الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، ومن نفسه على ما قال: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، ولن يقع التمييز بينهما إلا بعد نظر واستدلال بأصول الدين.
ولأنا نقول: لو سلمنا أن الإلهام ثابت بمنزلة الوحي فبماذا يعرف النبي ﷺ نفسه أنه موحى إليه، وأن ما تراءى له وحي من الله تعالى وبماذا يلزم الناس إتباعه فلا يجد فيمن مضى وظهر منهم إلا بحجة وآية ظهرت للنبي ﷺ في نفسه عرف بها أنه من الله تعالى، وإنما عرف هذه الآية أية بنظره واستدلاله.
стр. 388
وكذلك لا يلزم الناس إتباعه ولا يحل إلا بعد ظهور الآية لأن النبي ﷺ كان يقول برأيه وكان ينزل الوحي بخلافه، وكان يرجع عنه بقول الصحابة فلما جاز الغلط على الرسول إلا فيما أقر عليه لكونه معصوما عن شرع ما لا يحل كان على من دونه أجوز وقد أمر الله تعالى رسوله بمشورة الصحابة ولم يأمره بالرجوع إلى قلبه في فصل المهمات.
ولأن الخصم يقول له إنك مبطل لأني ألهمت ذلك وأنه حجة فلا يمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول: إنك لست من أهله فيقابله خصم بمثله ثم لا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره إلا ينظر واستدلال.
ثم نقول: إن الإنسان مبتلى بكسب العلام كما ابتلي بالعمل بالعلم قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ بل كسب العلم هو الأصل، وكسب العلم عمل القلب، وكل عمل ابتلي الآدمي به فهو عمل يأتي الآدمي على سبيل الاختيار عن تمييز عقلي فلو كان العلم يقع بالإلهام جبرا من الله تعالى لم يكن مما ابتلينا به ولم يكن عليه ثواب، ولا على تركه عقاب على مثال معرفة البهائم والطيور ربها تعالى فلما كان الثواب مشروعا على العلم بالله تعالى علم أنه لا يحصل إلا عن عمل منا وما ذلك إلا النظر والتمييز سواء سمعنا رسولا يتكلم به أو لم نسمع فإنا لا نعرفه رسولا ولا كلامه حقا إلا بعد النظر فيما معه من الآية الدالة على الرسالة.
قال العبد ﵀: وقد ابتليت بقوم قد زعموا أن العب يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر ولا استدلال بالآيات، فكأنه قل لم يكن في السلف، فإن القلب بضعة لحم ما لها حاسة رؤية كسائر الأعضاء، دون العين فلا يقع الفرق بين قولهم هذا.
وقول من يقول: رأيت الله بأذني أو بيدي معرفته، إنما رؤية القلب علمه بنظره، ونظره التفكر فيما أحس لا يتصور غير ذلك لإفادة علم، ولهذا قال الرسول ﷺ : ﴿تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات﴾ لأن الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله تعالى والتفكر في الذات يوجب التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى.
وإنما مثاله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيفيد نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجارة، والنظر إلى النجار نفسه يجهله بحاله.
وحكي لنا عن محمد بن زكريا ﵀؛ أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات، وإليه دس فرعون في محاجته موسى ﵇ فقال: ﴿وما رب العالمين﴾ فأعرض موسى عن جواب المحال، وأجاب بالوصف فقال: ﴿رب السموات﴾. وما كفر حكماء الزنادقة إلا بتفكرهم في الذات والمائية.
стр. 389
ولأن التفكر في الشيء قبل الوقوف عليه لا يتصور والتفكر للوجود لا يتصور إلا في موجود يدل عليه، على أن التفكر نفسه نظر واستدلال وما دعوناك إلا إليه، وإنما أنكرنا كينونة الرأي حجة بلا نظر أصلا.
فأما الجواب عن تمسكه: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾: أن تأويله، والله أعلم عرفها بطريق العلم، وهو الآيات والحجج على ما فسر في قوله: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ الآية.
وكذلك شرح الصدر بنور التوفيق حتى ينظر في الحجج.
وكذلك أحياه بالأدلة وبما أراه من الآيات فلا اهتداء للعبد إلا بعد هداية الله تعالى، وذلك بطريقين بالهداية بعد جهاد العبد كما قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وقال: ﴿ويهدي إليه من ينيب﴾ هو أدنى الدرجتين والأعلى بالاصطفاء والاجتباء، كما قال الله تعالى: ﴿يجتبي إليه من يشاء﴾ وقال: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ ولم يذكر جهاده والله تعالى يجتبي إليه من يشاء بروح القدس، وكمال نور العقل وذكاء الطينة والتوفيق.
وإراءة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فيتبين له أنه الحق كما يتبين للكافة يوم القيامة، وهم رهط الأنبياء والصديقين ويهدي من يجاهد في سبيله إليه بإراءة الآيات والتوفيق رحمة وجزاء، حتى ينظر فيها فيعرفها آيات، فهذا تأويل الإضافات إلى الله تعالى.
وأما الفطرة: فتأويلها أن الآدمي يخلق، وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇ فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة، وكان على عذر في ترك الأداء عن عجز على ما بينا في باب: حمل الأمانة.
وأما وحي النحل: فما هي بمستنكر في نفسه، وإنما أنكرنا ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به.
وأما وحي أم موسى ﵇: فأمر نقول به، وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون على ما ظهر من سنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاء نفسه في البحر أن رجى فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل ركوب لوح في البحر، وأنه من باب ما لزمنا العمل به عند الضرورة بلا علم.
ولأن من ابتلي بشرين لزمه اختيار أهونهما لديه عقلا وشرعا، على أنها ما عرفت أن الإلقاء في البحر أهون إلا بنظر فقد كانت عرفت بطريق النظر أن راكب اللوح ممن ينجو برأسه غالبا.
وكان الوليد لا ينجو في الأغلب من فرعون فلم تعرفه بإلقاء الله تعالى علم ذلك في
стр. 390
قلبها بلا نظر، ولكن كان إيحاء الله تعالى أن ذكرها هذه الطريقة لطلب حياة موسى.
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة سقط عنه الأمر عندنا بإصابة جهة الكعبة على الحقيقة، إلى جهة هي جهة الكعبة بتحري قلبه للضرورة، على ما بينا في موضعه.
وكذلك من أخبرك بخبر في المعاملات وأنت لا تعرفه فإنك تحكم قلبك وتعمل به، لأن في العمل بأخبار الناس في باب المعاملات عدلهم وفاسقهم ضرورة لا يستقيم أمر الناس دونه فسقط الأمر بالعمل بها بشرط إصابة الصدق حقيقة دافعا للحرج، وآل الشرع إلى قدر الممكن من الصدق وهو بما يشهد لك قلبك به.
وكذلك الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لأن أموال الناس قلما تخلو عن الحرام فلو لم يبح إلا بشرط الحلال لا محالة لضاق الأمر على الناس فسقط الأمر عند غلبة الحلال بالتجنب عن الحرام إلا بقدر ما لا يخرج فيه من شهادة القلب بأنه حلال إذا لم يجد حجة أخرى تميز بينهما، والخلاف فيما نحن فيه في حال قيام سائر الحجج، والباب الذي لا يجوز العمل به بدون العلم به على الحقيقة نحو معرفة الله تعالى بصفاته عند ذكره.
وأما حديث وابصة: فقد ورد في باب يحل فعله وتركه فيجب ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه احتياطيا لدينه، على ما شهد له قلبه به، فأما ما ثبت حله بدليله فلا يجوز تحريمه بشهادة القلب، وكذلك ما ثبتت حرمته فلا يحل تناولها بشهادة القلب.
وأما حديث عمر ﵁: ففيه أنه كان مخصوصا به، ونحن لا ننكر هذه الكرامة، وإنما ننكر إثبات الشرع به، وعمر ﵁ ما كان يعمل في المشروعات إلا بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ثم رأي نظر واستدلال، وما كان يدعو الناس إلى ما في قلبه.
وأما كرامة الفراسة: فلا ننكرها أصلا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجة لجهلنا أنها من الله تعالى أو من إبليس أو من نفسه.
وأما أقوال الصحابة: فقد ذكرنا تأويلها فيما مضى ولم يثبت منهم قول إلا عن نظر واستدلال.
وأما الجواب عن العصمة: فإنها لم تثبت لغير الأنبياء ﵈ على البتات فلا يمكن البناء عليه، ولا تتصور العصمة لمن لم يعرف الحجج ولم يستدل بالآيات.
وزعم بعض الناس أن العامة لم تعرف ربها إلا بالإلهام، وأنه غلط فما من عامي إلا وهو مستدل بالآيات، ويسبح ربه إذا رأى كسوفا أو أمرا هائلا يعجز عنه البشر إلا أنه لا يهتدي إلى المحاجة بها ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ لمعرفتهم بعجز الأصنام عن التخليق يعرفون أن الخالق هو الله تعالى.
следующие страницы →