← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ والرَّانُ، وآلات الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلاَحٍ، وَمَرْكُوبٍ. ــ قال: (وهو: ثياب القتيل والخف والران، وآلات الحرب كدرع وسلاح، ومركوب)؛ لثبوت يده على ذلك كله، وسواء في المركوب ما كان راكبه أو نزل عنه لحاجة في القتال إذا كان عنانه بيده وهو يقاتل راجلاً إذا نزل، وفيه احتمال للإمام، لكن لو كان لمركوبه مهر يتبعه .. لم يدخل في السلب؛ لأنه منفصل، قاله ابن القطان في (فروعه). و (الران) براء مهملة ثم ألف ثم نون: خف يلبس للساق خاصة ليس له قدم، وعبارة (الروضة): رانات، قال الشيخ: ولم أره في كتب اللغة. وفي (تفسير القرطبي) في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾: عن ابن عباس: أنه الران الذي يجعل تحت الخف، وهو غريب. و (درع الحديد) مؤنثة، قال ابن الأثير: وهي الزردية، وقد تقدم في (باب الرهن) الكلام على درع النبي ﷺ ، وأنها الدرع التي لبسها داوود حين قتل جالوت، وجمعها في القلة: أدرع وأدراع، فإذا كثرت .. فهي الدروع، وتصغيرها: دريع على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء. وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الدرع تذكر وتؤنث، ودرع المرأة قميصها مذكر، والجمع: أدراع. ومما يدخل في السلب بلا خلاف: المهماز ومرد الدابة. تنبيه: عبارته تقتضي: أن الخف والران ليسا من الثياب، وكذلك الدرع إذا كان لابسها، وهذا عكس ما قالوه فيما إذا أوصى بثيابه: أنه يدخل كل ما على بدنه، ومنها الخف والران والطيلسان. وفي (البيع) صرحوا بحرمة بيع السلاح للحربي وهو أعم من الدرع، وهنا غايروا بينهما، لكنه قال في (شرح مسلم) في حديث رهن الدرع من اليهود: فيه جواز

стр. 2977

وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ، ــ رهن السلاح من أهل الذمة، فسمى الدرع سلاحًا. وعد في (الذخائر) (الكبور) من السلاح، وهو: شيء يلبس من الحديد إلى حد السرة. وفي (المحكم): السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وخص بعضهم به الحديد، وبعضهم به السيف وحده. قال: (وسرج ولجام)؛ لأن يده عليه حسًا؛ لما رواه أبو داوود من حديث عوف بن مالك في الرومي الذي خرج وعلى فرسه سرج مذهب، فاستكثره خالد، فأمره النبي ﷺ بدفعه إليه، وهذه الأمور لا خلاف فيها. قال: (وكذا سوار ومنطقة وخاتم، ونفقة معه، وجنيبة تقاد معه في الأظهر)، وكذلك الطوق؛ لأنها منسوبة إليه ومسلوبة بسببه وطمع المقاتل يمتد إليها، ولأن البراء بن مالك حين حمل على المرزبان وقتله .. أخذ منطقته وسواره فبلغت قيمتهما ثلاثين ألفًا، رواه الطبراني. ولما أتي عمر ﵁ بسواري كسرى ألبسهما سراقة بن مالك وقال له: (استقبل القبلة وكبر، وقل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيًا من بني مدلج) فسماه عمر سلبًا. وسبب إلباسهما سراقة: أنه يوم فتح مكة حسر عن ذراعيه وكان أشعرهما فخجل، فقال له الرسول ﷺ : (كأني بك وقد ألبست سواري كسرى) فأراد عمر تحقيق ذلك. ولأنه قد يحتاج إلى الجنيبة في الكر والفر، وقطع بعضهم فيها بالمنع كذوات الحمل. والثاني: أنها ليست سلبًا؛ لأنه ليس مقاتلاً بها فهي كثيابه وأمتعته المخلفة في

стр. 2978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رحله، ولأن عمر ﵁ منع البراء بن مالك من أخذ المنطقة والسوار. وإذا جعلنا الجنيبة سلبًا .. ففي السلاح الذي عليها تردد للإمام، وإنما يستحق جنيبة واحدة، قاله أبو الفرج الزاز، قال المصنف: وفيه نظر، فإن تعددت .. قال الرافعي: فعلى هذا: ينبغي أن يرجع إلى تعيين الإمام أو يقرع، قال المصنف: الصواب المختار: أن القاتل يختار. أهـ وهذه الاحتمالات الثلاث ذكرها الإمام في (النهاية)، ولم يقف عليها الشيخان. واحترز بـ (النفقة التي معه) عن التي في خيمته؛ فإنه لا يستحقها كما سيأتي، وبقوله: (تقاد معه) عما أعدت لأن تجنب، وعما يحمل عليها ثقله؛ فإنه لا يستحقها، وهو أحسن من قول (المحرر) و (الشرح) بين يديه. وظن صاحب (الحاوي الصغير): أن هذا القيد للاحتراز عن الجنيبة التي تقاد خلفه، فقال: وجنيبة أمامه، وهو مردود؛ فلا فرق بين ما خلفه وأمامه، وتعليلهم بالاستعانة بها يوضحه. أما مملوكه الذي يجنبها .. فجزم القاضي أبو الطيب بأنه ليس سلبًا. قال الإمام: ولو كان سلاحه يحمله غلامه ويعطيه متى شاء .. كان ذلك السلاح بمنزلة الفرس المجنوب، ويجوز أن لا يكون كذلك. ولا فرق في السلب بين الجليل والحقير؛ لأن خالدًا باع سلاح الهرمزان بمئة ألف. قال الشافعي ﵁: وأما ما روي عن عمر ﵁: أنه كان يخمس ما استكثر من السلب .. فليس من روايتنا، وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه

стр. 2979

لاَ حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى اَلْفَرَسِ عَلَى اَلْمَذْهَبِ. وَإِنَّما يَسْتَحِقُ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ اَلْحَرْبِ, ــ وسلم - بأبي هو وأمي - شئ .. لم يجز تركه, ولم يستثن النبي ﷺ شيئًا قلَّ ولا جلَّ. و (المنطقة): الحياصة, وأصله ما يشد به الوسط. قال: (لا حقيبة مشدودة على الفرس على المذهب)؛ إذ ليست من لباسه ولا حليته, ولا مشدودة على بدنه, ولا من حلية فرسه, ومراده: مع ما فيها من نقد ومتاع. والطريق الثاني: طرد القولين كالجنيبة, واختار الشيخ دخول ما فيها؛ لأنه إنما حملها على فرسه لتوقعه الاحتياج إليها. وهى بفتح الحاء المهملة وكسر القاف: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير, وجمعها: حقائب. قال نصيب يمدح (سليمان بن) عبد الملك (من الطويل): أقولُ لركبٍ صادرينَ لقيتُهم .... قِفا ذاتَ أوشال ومولاك قاربُ قفوا أخبرونى عن سليمانَ إِنني .... لمعروفهِ مِن أهل ودان طالبُ فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهلهُ .... ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ ومعناه: إذا لم يذكروا إحسانك .. فما زودتهم به من الأمتعة التي وضعوها في الحقائب تثني عليك. ولو أعرض مستحق السلب عنه .. فسيأتي في (كتاب السير): أن الأصح: أنه لا يسقط حقه. قال: (وإنما يستحق بركوب غرر يكفي به شر كافر في حال الحرب)؛ لأن ذلك هو الباعث على الهجوم على قتل الكافر. ولأن عبد الله بن مسعود قتل أبا جهل وكان قد أثخنه شابان من الأنصار يوم بدر,

стр. 2980

فَلَوْ رَمَى إِلَى حِصْنِ أَوْ مِنَ اَلْصًفً أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ .. فَلاَ سَلَبَ ــ وهما معاذ ومعوِّذ ابنا عفراء, فدفع ﷺ سلبه إليهما, وقيل: إلى أحدهما كما سيأتي, ولم يدفعه لابن مسعود. وقوله: (به) يعود على (ركوب) أو (على غرر) وهما سواء, ثم شرع المصنف في بيان ذلك, فقال: (فلو رمى إلى حصن أو من الصف أو قتل نائمًا أو أسيرًا أو قتله وقد انهزم الكفار .. فلا سلب)؛ لأنه في مقابلة التغرير بالنفس في القتل, ولم يوجد هاهنا من ذلك شيء, وهذا تفسير للقيد الأول من الضابط المتقدم. وقال أبو ثور: لا يشترط أن تكون الحرب قائمة, واختاره ابن المنذر؛ لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه بعض الكفار في غزوة حنين, وأخذه بخطام ناقته, فأعطاه النبي ﷺ سلبه, قال ابن المنذر: وهذا الحديث لم يبلغ الشافعي ﵁؛ إذ لو بلغه .. لقال به؛ لما ظهر لنا من مذهبه. وفي (تعليق القاضي حسين): أن من أغرى كلبًا على مشرك فقتله .. استحق السلب؛ لأنه خاطر بروحه بصبره في مقاتلته حتى عقره الكلب. قال في (المطلب): وما قاله قد يخالف فيه. والمراد بـ (الأسير): من أسره غيره, أما من أسره هو .. فسيأتي.

стр. 2981

وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ ــ وعبارة (المحرر): أو رمى من حصن أو من وراء الصف, وكذا كتبها المصنف, ثم ضرب على (وراء) , وفي (الروضة) و (الشرحين) الصورتان, فأتى بما ليس في أصله؛ ليفهم منه ما أصله من باب أولى. وفي معنى (النائم): المشتغل بالأكل, ونحوه. والمراد بـ (المنهزم): أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة, فلو قتله وهو مول ليكر أو ليتحيز إلى فئة .. استحق سلبه؛ لأن الحرب كر وفر. وفي (التهذيب): إذا قاتله فهرب منه فقتله مدبرًا .. استحق, وصححه الإمام, ونقله الرافعي عن الأصحاب واقتصر عليه. أما لو قتل هذا المنهزم غير قرنه؛ فإنه لا يستحق سلبه واحد منهما, بخلاف ما لو كان الكافر يقاتل مسلمًا فجاء آخر من ورائه وقتله؛ فإن سلبه له, لأن أبا قتادة هكذا فعل, وقضى له رسول الله ﷺ بالسلب. قال: (وكفاية شره: أن يزيل امتناعه)؛ لما روى الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف في الغلامين اللذين قتلا أبا جهل, فقال لهما رسول الله ﷺ : (أيكما قتله؟) فقال كل منهما: أنا قتلته, فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا, فنظر في السيفين وقال: (كلاكما قتله) فأعطى ﷺ السلب للمثخن مع القاتل, فدل على: أن المناط كفاية الشر, وسيأتى في (كتاب الجنايات) - عند قوله: (وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح) - وجهُ هذا الحديث والجواب عنه. والذي قاله المصنف أراد به تفسير القيد الثاني, وعبارة (المحرر): أن يقتله أو يزيل امتناعه, وكذا كتبه المصنف بخطه ثم ضرب عليها, فالذي في الكتاب أخصر, وعبارة (المحرر) أحسن؛ فإنه ذكر محل النص وألحق به ما في معناه. قال: (بأن يفقأ عينيه) قال الشيخ: كذا ذكره الأصحاب ويحتاج إلى دليل, فكم

стр. 2982

أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ, وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ في الأَظْهَرِ ــ من أعمى شرٌّ من بصير, وعبارة (الروضة): بأن يعميه, وهي أحسن؛ لشمولها من بعين واحدة, ومن ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه. قال: (أويقطع يديه ورجليه) كذا نص عليه في (الأم). فإن قيل: قال النبي ﷺ : (من قتل قتيلاً .. فله سلبه) , وما ذكرتموه ليس بقتيل .. قيل: الحديث خرج على الغالب؛ فإن الجارح غالبًا هو المذفف, وتؤيده قصة أبي جهل, أما إذا قطع اليد والرجل .. فلا؛ لأنه بعد القطع يمكنه المشي والركوب والقتال. قال: (وكذا لو أسره أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر) , أما الأسر .. فلأنه أبلغ من القتل, والمراد: أنه أسره فقتله الإمام أو غيره؛ فإن سلبه للذي أسره, وأما القطع .. فكما لو فقأ عينيه. والثاني: لا, أما في الأسير .. فلأن شره كله لا يندفع به, وأما في الباقي .. فلأنه قد يقاتل راكبًا بعد قطع الرجلين بيديه, وبعد قطع اليدين بأن يهرب ويجمع القوم, والخلاف جار أيضًا: فيما لو قطع يدًا ورجلاً, وإذا قتله بعد أسره .. قال الرافعي لا يستحق سلبه, وقال الماوردي: إن كانت الحرب قائمة .. فله سلبه، وإلا .. فوجهان. فروع: اشترك اثنان فأكثر في قتله أو إثخانه .. فالسلب مشترك, وقيل: إن وقع بين جمع لا ترجى نجاته منهم .. لم يستحق قاتله سلبه؛ لأنه صار مكفي الشر, ولو أمسكه واحد وقتله آخر .. فالسلب بينهما؛ لأن كفاية شره حصلت بهما, ويخالف القصاص كما سيأتي. قال الرافعي: وكأن هذا التصوير فيما إذا منعه من أن يذهب لوجهه ولم يضبطه, فأما الإمساك الضابط .. فإنه أسر, وقتل الأسير لا يستحق به السلب. اهـ وقد تقدم: أن قتل الأسير على قسمين: أسير أسره غيره وأسير أسره هو,

стр. 2983

وَلاَ يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَبَعْدَ الْسَّلَبِ تُخْرَجُ مِنْهُ مُؤْنَةُ الْنَّقْلِ وَالْحِفْظِ وَغَيْرِهِمَا, ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي: ــ فالأول: لا خلاف أنه لا يستحق القاتل سلبه, والثاني الأظهر: أنه يملك سلبه بنفس الأسر. وقيل: لا يملك ففي كلام الرافعي إطلاق. ثم إن القاتل يستحق مع السلب سهمه من الغنيمة في الأصح. والثاني: إن كان السلب قدر السهم أو أكثر .. فلا شيء له غيره, وإن كان أقل منه .. تمم له قدر السهم. ولو ادعى رجل أنه قتل هذا القتيل وطلب سلبه .. لم يقبل إلا ببينة. قال: (ولا يخمس السلب على المشهور)؛ لأن النبي ﷺ قضى به للقائل ولم يخمسه, رواه أبو داوود, وصححه ابن حبان, وفي (صحيح مسلم) معناه. والثاني: يخمس كسائر أموال الغنيمة, فيدفع خمسه إلى أهل الخمس والباقي للقاتل؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك في سلب البراء بن مالك, وهو أول سلب خمس في الإسلام وقد تقدم جوابه. قال: (وبعد السلب تخرج منه مؤنة النقل والحفظ وغيرهما)؛ لأنها أمور لازمة محتاج إليها, هذا إذا لم يوجد متطوع بذلك, فإن وجد .. لم يجز صرفها, قال الماوردى: ولا يزيد على أجرة المثل. قال: (ثم يخمس الباقي) هذا لا خلاف فيه, وهذه القسمة حق واجب على الإمام والمسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية. فإذا أخرج من ماله خمسه .. كان مقسومًا على خمسة, فيقسم المنقول بعد السلب والمؤن خمسة أقسام متساوية, وتؤخذ خمس رقاع يكتب على واحدة لله أو للمصالح وعلى الأربعة للغانمين وتدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية ويخفيها ويخرج لكل

стр. 2984

فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ ــ سهم رقعة, فما خرج عليه سهم الله .. جعله بين أهل الخمس على خمسة, ويقسم الباقي بين الغانمين كما سيأتي. ويقدم القسمة بين الغانمين على قسمة الخمس؛ لأنهم حاضرون محصورون. وعبارة المصنف تفهم أنه ليس للإمام صرف بعضه في الكراع والسلاح, والأظهر في (الشرح) و (الروضة) خلافه. ولا تكره قسمة الغنائم في دار الحرب, بل يستحب ذلك, بل قال صاحب (المهذب) وغيره: يكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر. والصواب: استحباب التعجيل بقدر الإمكان لا خصوص القسمة في دار الحرب. قال: (فخمسه) أي: خمس المال الباقي (لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) أي: في الفيء, فيجعل خمسة أقسام متساوية, واحد منها للمصالح, والثاني لذوي القربى, والثالث لليتامى, والرابع للمساكين, والخامس لابن السبيل كما تقدم. فإن قيل: المذكور في الآية ستة, فهلا قسم الخمس عليها كما صار إليه بعض العلماء وجعل ما لله مصروفًا إلى رتاج الكعبة؟! قيل: السنة بينت أن المصارف خمسة. قال ابن عباس وابن عمر: (كان رسول الله ﷺ يقسم الخمس على خمسة) , وعلى هذا: اسم الله ذكر للتبرك. وروي أن النبي ﷺ قال: (ما لي مما أفاء الله إلا الخمس, والخمس مردود فيكم) فلو كان مقسومًا على ستة .. قال: إلا السدس.

стр. 2985

وَالأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِح إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ, وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ,. ــ فرع: لو شرط الإمام للجيش ألا يخمس عليهم .. بطل شرطه ووجب تخميس ما غنموه, سواء شرط ذلك لضرورة أم لا، وقيل: إن شرطه لضرورة .. لم يخمس. قال: (والأصح: أن النفل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح)؛ لما روى الشافعي ﵁ عن ابن المسيب أنه قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس, أي: خمس الخمس, وعن مالك بن أوس بن الحدثان: ما أدركت الناس ينفلون إلا من الخمس. والثاني: أنه من أصل الغنيمة, ويجعل ذلك كأجرة الكيال ونحوها, ثم يقسم الباقي. الثالث: من الأخماس الأربعة, ثم إذا نفل من خمس الخمس .. فلا كلام, وإن نفل من غيره .. فقد حصل النقص على الباقيين. و (النفل) بفتح النون والفاء مخففة وتسكن أيضًا. قال: (إن نفل ما سيغنم من هذا القتال)؛ وفاء بالشرط أو الوعد, ويغتفر الجهل به للحاجة, فيشترط الثلث أو الربع أو غيرهما. قال: (ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده) بلا خلاف, وفي هذا لا تغتفر الجهالة, بل لا بد أن يكون معلومًا, وهذا لا يختص بالحاصل عنده, بل يجوز أن يعطي مما يتجدد منه. وضبط المصنف بخطه (نفل) بتخفيف الفاء؛ لأن معناه جعل النفل, وهو كذلك إذا عديته لواحد, ويجوز فيه التشديد إذا عديته إلى اثنين.

стр. 2986

وَ (النَّفَلُ): زِيَادَةٌ يَشْرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ, وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ ــ قال: (و (النفل): زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) كالتقدم طليعة, أو الهجوم على قلعة, أو الدلالة عليها, سواء كان ذلك واحدًا أو جماعة, معينًا أو غيره, كمن فعل كذا فله كذا, والمراد: نكاية زائدة على ما يفعله بقية الجيش, وهذا أحد قسمي النفل. والثاني: ينفل من صدر منه أثر محمود كمبارزة وحسن إقدام, ولكن هنا يتعين من سهم المصالح مما عنده, أو من هذه الغنيمة. و (النفل) في اللغة: الزيادة, وبذلك سميت النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة. قال: (ويجتهد في قدره) وذلك بحسب كثرة العمل وقلته وخطره وضده؛ لأنه ليس له حد مضبوط, لكن يجتهد فيه ويجعله على قدر العمل. روى الترمذي وابن ماجه عن عباده بن الصامت: (أن النبي ﷺ كان ينفل في البداءة الربع, وفي الرجعة الثلث). والمراد بـ (البداءة): السرية التي يبعثها الإمام قبل دخول دار الحرب, و (الرجعة): السرية التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش إلى دار الإسلام. وفي (الصحيحين): (أن النبي ﷺ نفلهم بعيرًا بعيرًا) , والبعير غير مقدر, وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا, وهذا معنى قول ابن عمر: نفلنا نصف السدس أي: نصف سدس السهم, ولذلك قال الرافعي: تجوز الزيادة على الثلث والنقص عن الربع بحسب الإجتهاد. فلو قال الإمام أو الأمير: من أخذ من الغانمين شيئًا فهو له .. فعن الأئمة الثلاثة: أن ذلك يصح, وللشافعي ﵁ قول بذلك, وصححه ابن الفركاح, والمعروف عندنا: أنه لا يصح. احتج من أجازه بأن النبي ﷺ قال مثل ذلك يوم بدر,

стр. 2987

وَالأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ, وَهُمْ: مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ ــ والجواب: أن غنائم بدر كانت ملكًا له ﷺ . قال: (والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين)؛ للآية, وعملاً بفعله ﷺ في أرض خيبر. وروى البيهقي بسند صحيح: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الغنيمة فقال: (لله خمسها, وأربعة أخماسها للجيش؛ فما أحد أولى به من أحد). وخالف مالك فقال بوقفها. وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو عبيد وغيرهم: يتخير الإمام بين قسمتها على الغانمين ووقفها. قال: (وهم: من حضر الوقعة بنية القتال وإن لم يقاتل)؛ لما روى الشافعي ﵁ عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا: الغنيمة لمن شهد الوقعة, قال الماوردي ولا مخالف لهما من الصحابة. والمراد ممن يسهم له, وإلا .. فالعبد والمرأة والصبي والكافر ليسوا منهم وإن شملهم هذا الضابط, ولعل إهماله له؛ لكونه معلومًا. قال الشيخ: ويحتمل إبقاء كلام المصنف على عمومه, ومن يرضخ لهم هم من جملة الغانمين فلا حاجة إلى إخراجهم؛ لأن الأصح: أن الرضخ من الأخماس الأربعة. واحترز بقوله: (بنية القتال) عما إذا هرب أسير من أيدي الكفار وحضر الصف لخلاص نفسه لا بنية القتال؛ فإنه لا يستحق إلا إذا قاتل, وكذا الغلمان ونحوهم ممن ينوي القتال وما قاتل, ولكن يرد على المصنف المخذل والمرجف إذا فرضت النية مع ذلك مع أنهما لا يستحقان سهمًا ولا رضخًا كما تقدم, فإن لم تكن نية .. فلا إيراد حينئذ.

стр. 2988

وَلاَ شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ, وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ الْمَالِ وَجْهٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالْحِيَازَةِ .. فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ, ــ قال: (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال)؛ لأن الله تعالى جعل الغنيمة لمن غنم وهذا لم يغنم, ولأن أبان بن سعيد بن العاصي كان النبي ﷺ بعثه على سرية من المدينة قبل نجد, فقدم هو وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها فلم يقسم لهم بعد ما سأله أبان القسم. أما أبو هريرة فقسم له النبي ﷺ منها؛ لأنه حضرها على الأصح كما رواه البخاري وغيره, لكن البخاري رواه بنزول؛ لأنه لم يجد الزيادة التي تدل على ذلك إلا كذلك كما نبه عليه الخطيب والشيخ وغيرهما. قال: (وفيما قبل حيازة المال وجه)؛ لأنه لحق قبل تمام الاستيلاء فيستحق, كذا في (المحرر): أنه وجه, وفي (الروضة): أنه قول, ولم يرجح في (الشرح) واحدًا منهما. وفي وجه ثالث: أنه إن خيف رجعة الكفار .. استحق, وإلا .. فلا. والخلاف الأول راجع إلى أن الغنيمة تملك بانقضاء الحرب أو به وبالحيازة, فعلى الوجه الأول: لا يستحق, وعلى الثاني: يستحق, قاله ابن الرفعة. و (الحيازة) و (الحوز): الجمع والضم, حازه يحوزه واحتازه. قال: (ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة .. فحقه لوارثه) كسائر الحقوق, وهذا على قولنا: إنه ملك بالانقضاء أو بالحيازة واضح, وأما على قولنا: لا يملك إلا بالقسمة أو باختيار الملك على ما هو الصحيح في (السير) .. فجوابه: تأكد حقه بهما, فانتقل لوارثه ذلك الحق, فقول المصنف والرافعي في كتبهما: (فحقه لوارثه) عبارة مخلصة؛ لشمولها المال وغيره.

стр. 2989

وَكَذَا بَعْدَ الِانْقضَاءِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَهُ لاَ شَيْءَ لَهُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الأَجِيرَ لِسِياسَةِ الْدَّوَابِّ وَحِفْظِ الأَمْتِعَةِ, وَالْتَاجِرَ وَالْمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا قَاتَلُوا ــ قال: (وكذا بعد الانقضاء وقبل الحيازة في الأصح) هما مبنيان على القولين السابقين, فإن قلنا: إنها تملك بانقضاء الحرب .. فنعم, أو به وبالحيازة .. فلا. قال: (ولو مات في القتال) أو في أثنائه (.. فالمذهب: أنه لا شيء له) هذا هو المنصوص, ونص في موت الفرس على أنه يستحق سهمها, والأصح: تقريرهما؛ لأن الفارس متبوع والفرس تابع, فإذا مات التابع .. أخد المتبوع سهمه, وإذا مات المتبوع .. فلا شيء له. وقبل: قولان, وجه الاستحقاق شهود بعض الوقعة, ووجه المنع اعتبار آخر القتال؛ فإنه وقت الخطر أو الظفر. والطريق الثالث: إن حصلت الحيازة بذلك القتال .. ثبت الاستحقاق, أو بقتال جديد .. فلا. ولو حضر الوقعة صحيحًا فمرض .. استحق, سواء كان مرضًا يرجى زواله أو لا على الأصح. وأطلق في (التنبيه) عدم الاستحقاق بطروء المرض, وأقره المصنف عليه. وطرآن الجنون كالموت في إسقاط السهم, وفي طروء الإغماء وجهان بناء على أنه هل يقضي الصوم أو لا إذا أغمي عليه, فإن قلنا يقضي .. أسهم له, وإلا .. فلا. ولو بعث الإمام جاسوسًا فغنم الجيش قبل رجوعه .. شاركهم على الأصح, لأنه فارقهم لمصلحتهم, وخاطر بأعظم مما هو من شهود الوقعة. قال: (والأظهر: أن الأجير لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة, والتاجر والمحترف يسهم لهم إذا قاتلوا)؛ لأنهم شهدوا الوقعة وكثروا سواد المسلمين, فلم يكن لحرمانهم معنى. والثاني: لا يسهم لهم؛ لأنهم لم يحضروا بقصد الجهاد ولم يقاتلوا, هذه طريقة الغزالي وبعض الأصحاب.

стр. 2990

وَللرَّاجِلِ سَهْمٌ, وَلِلْفَارِسِ ثَلاَثَةٌ ــ والطريقة الثانية - وهي طريقة القاضي أبي حامد -: أن القولين في التجار والمحترفين إذا لم يقاتلوا, فإن قاتلوا .. استحقوا قولاً واحدًا. وفي الأجير قول ثالث: إنه يخير بين الأجرة وسهم الغنيمة, إن إختار الأجرة .. فلا سهم له, وإن اختار السهم .. سقطت الأجرة. والأظهر في الجميع: الاستحقاق كما قاله المصنف, وأضعفها القول الثالث في الأجير؛ فإن الإجارة عقد لازم فكيف يخير فيها؟ ومتى يخير فبل شهود الوقعة أو بعده؟ فإذا قيل بسقوط الأجرة .. فهل هي أجرة جميع المدة أم كيف الحال؟ ومحل الخلاف حيث قاتلوا, فإن لم يقاتلوا .. لم يسهم لهم قطعًا. وأشار بـ (سياسة الدواب) إلى الإجارة المتعلقة بمدة كشهر مثلاً وحضر في تلك المدة؛ ليخرج العمل في الذمة بغير مدة كخياطة .. فله السهم قطعًا. واحترز به عن الأجير للجهاد حيث تصح الإجارة له فلا سهم له .. ولا رضخ, وإلا .. ففي السهم وجهان: قطع البغوي بالمنع وإن قاتل, ورجحه في (الشرح الصغير) , وإذا قلنا: لا يسهم للتاجر .. فالأصح: أنه يرضخ له. فرع: أسلم كافر والتحق بجند الإسلام .. استحق السهم قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه قصد إعلاء كلمة الله وشهد الوقعة فيقبح حرمانه. وعن (الرقم) للعبادي: أنه إن قاتل .. استحق, وإلا .. فلا. قال الرافعي: وأصل هذه المسألة: أن القصد إلى الجهاد هل هو شرط في الابتداء؟ واختلاف جواب الأئمة يوجب الخلاف في ذلك, قال الرافعي: وينبغي طرد الأقوال فيه. والذي بحثه الرافعي حكاه القاضي والإمام طريقة. قال: (وللرجل سهم, وللفارس ثلاثة) وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة

стр. 2991

وَلاَ يُعْطَى إِلاَّ لِفَرَسٍ وَاحِدٍ ــ والتابعين, وبه قال مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والليث وأهل مصر وأحمد وأهل الحديث. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان: سهم له وسهم للفرس, وسبقه إلى ذلك أبو موسى الأشعري. لنا: ما رواه البخاري عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أسهم رسول الله ﷺ للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا هكذا رواه عبيد الله المصغر وهو المكبر ضبطًا وحفظًا. وفي رواية لأبي داوود: (أنه ﷺ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه). وروى عبد الله المكبر: (أن النبي ﷺ يوم حنين جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا). والمعنى في إعطاء سهمين للفرس: ما يتكلفه الفارس من فضل النفقة على فرسه. والمراد بـ (الفارس): من حضر الوقعة وهو من أهل فرض القتال بفرس يقاتل عليه مهيأ للقتال, سواء قاتل أم لا, وكذلك لو قاتل في البحر يسهم لفرسه؛ لأنه ربما احتاج إليه, وحمله ابن كج على من بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب, وإلا .. فلا. ولا يجوز عندنا أن يفضل بعض الفرسان على بعض, ولا بعض الرجالة على بعض, وعند أبي حنيفة ومالك: يجوز للإمام أن يفعل ذلك. قال: (ولا يعطى إلا لفرس واحد)؛ لأن النبي ﷺ لم يعط الزبير إلا لفرس واحد وكان معه يوم حنين أفراس , رواه الشافعي ﵁ وغيره.

стр. 2992

عَرَبِيّاً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ, ــ ووقع في (الرافعي): (يوم خيبر) بالراء, والصواب: (حنين) بالنون, فأعطاه أربعة أسهم سهمين لفرسه, وسهمًا لنفسه, وسهمًا لذوي القربى؛ أي: لأمه صفية عمة الرسول ﷺ . وفي قول غريب: إنه يعطى لفرسين بلا زيادة؛ لما روى سعيد بن منصور, عن الأوزاعي مرسلاً: (أن النبي ﷺ كان لا يسهم للرجل فوق فرسين). قال: (عربيًا كان أو غيره)؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فلم يفرق بين العربي وغيره, ولم يرد في شيء من الأحاديث تفرقة مثل قوله ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) , و: (أذن في لحوم الخيل) متفق عليهما. ولأنا سوينا بين الناس وهم مختلفون اختلافًا كثيرًا, ولأن الكر والفر صالح بكلها, ولا يضر تفاوتها كتفاوت الفرسان في الشجاعة والرأي, ولعموم قوله ﵇: (للفرس سهمان). وفي قول شاذ: أنه لا يسهم للبرذون؛ لأنه لا يعمل عمل العربي. وروى مكحول: أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: (عربوا العربي وهجنوا الهجين) وهو مرسل لا تقوم به الحجة. وعن عمر ﵁: أنه فضل العربي على الهجين, ولا يصح, قال الشافعي ﵁: لو كنا نثبت مثل هذا .. ما خالفناه. أصح الروايتين عن أحمد: أنه لما سوى العربي سهم لا سهمان, وهذا لا دليل

стр. 2993

لاَ لِبَعيرٍ وَغَيْرِهِ. وَلاَ يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ وَمَا لاَ غِنَاءَ فِيهِ, ــ له, وإطلاق حديث ابن عمر يرده ويرد القول قبله. وغير العربي (برذون) وهو: من أبواه أعجميان, و (هجين) وهو: من أبوه عربي, و (مقرف) وهو: من أبوه عجمي وأمه عربية, وبنو آدم كذلك. وقل من تعرض لسن الفرس الذي يسهم له, لكن في كلام الرافعي في (المسابقة): أنه الجذع أو الثني على الأصح. قال: (لا لبعير وغيره) كالبغل والفيل والحمار؛ لأن هذه الدواب لا تصلح لما تصلح له الخيل من الحرب, ولأن الإرهاب إنما يكون بالخيل, وحكى الإمام وصاحب (الشامل) فيه الإجماع. لكن في (الشامل) عن الحسن البصري: أنه يسهم للإبل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلا أن راكب هذ الدواب يعطى سهمه ويرضخ لها, ويكون رضخ الفيل أكثر من رضخ البغل, ورضخ البغل أكثر من رضخ الحمار, ويرضخ للصبي والذمي أكثر ما يرضخ لو كانا راجلين. وقال أحمد: لراكب الفرس ثلاثة أسهم, ولراكب البعير سهمان, ولغيرهما سهم. قال: (ولا يعطى لفرس أعجف وما لا غناء فيه)؛ لعدم الفائده في إحضاره, بل هو كَلٌّ على مولاه, بخلاف الشيخ من الناس؛ فإنه ينتفع برأيه ودعائه. و (الأعجف): المهزول, وليس المراد كل أعجف, إنما المراد: الأعجف البين. و (الغناء) بفتح الغين وبالمد: النفع, ولو اقتصر المصنف عليه .. كفى؛ لأن الأعجف لا غناء فيه.

стр. 2994

وَفِي قَوْلِ: يُعْطَى مَا لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الأَميِرِ عَنْ إِحْضَارِهِ ــ قال: (وفي قول: يعطى ما لم يعلم نهي الأمير عن إحضاره) كالشيخ الهم الضعيف إذا حضر, وقد تقدم الفرق, والمراد بعدم إعطائه: السهم, وإلا .. فيرضخ له. هذا إذا حضر بالصفة المذكورة, فإن أحضره صحيحًا ثم طرأ له العجف .. فكطروء موته, بل أولى بالاستحقاق, وإن أحضره أعجف فصح .. فينبغى أن يقال: إن كان حال حضور الوقعة صحيحًا .. أسهم له, وإلا .. فلا. فروع: يسهم للمستعار والمستأجَر, ويكون للمستعير والمستأجر, وقيل: سهم المستعار للمعير. والأصح: أنه يسهم للفرس المغصوب؛ لحصول النفع به. وقيل: لا؛ لأن إحضاره حرام. وعلى الأصح: هل هو للمالك أو الراكب؟ قولان: أصحهما عند الرافعي: الثاني؛ لأن الراكب هو الذي أحضره وشهد به الوقعة, وصحح الشيخ الأول؛ لأن منافع الفرس وفوائده للمالك, وقول الصحابة: (أسهم النبي صلى الله عليه سلم للفرس سهمين) جعلوا السهمين للفرس. ونظير المسألة ما لو غصب كلبًا أو شبكة أو قوسًا واصطاد بها .. فالأصح: أن الصيد للغاصب, وعليه أجرة المثل للمالك. ولو حضرا بفرس مشترك فهل يعطى كل منهما سهم فرس أو لا يعطيان؟ أو يعطيان سهم فرس مناصفة؟ أوجه: صحح المصنف والشيخ الثالث, فلو ركبا .. فقيل: كفارس, وقيل: كراجلين. وقيل: لهما أربعة أسهم: سهمان لهما وسهمان للفرس, وصححه الشيخ. وقيل: إن قوي بهما على الكر والفر .. فأربعة, وإلا .. فسهمان, واستحسنه المصنف.

стр. 2995

وَالْعَبْدُ وَالْصَّبِىُّ وَالْمَرْأَةُ وَالْذِّمِّيُّ إِذَا حَضَرُوا .. فَلَهُمُ الْرَّضْخُ, ــ وإن دخل دار الحرب راجلاً فحصل فيها فرسًا بشراء أو غيره .. أسهم له ولفرسه. ولو كان له فرس ولم يعلم به .. أسهم له, وقال ابن كج: عندي يسهم له إن كان يمكنه ركوبه. ولو عار فرسه فلم يجده إلا بعد الحرب .. لم يسهم له على الصحيح. قال: (والعبد والصبي والمرأة والذمي إذا حضروا .. فلهم الرضخ) سواء أذن أولياؤهم والزوج أم لا؛ لما روى أبو داوود وغيره عن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي, فكلموا فيَّ رسول الله ﷺ , فأمر بي فقلدت سيفًا فإذا أنا أجره, فأخبر أني مملوك, فأمر لي من خُرثي المتاع, قال الترمذي: حسن صحيح. و (الخرثي): متاع البيت وأثاثه وأسقاطه, والرضخ لسيد العبد وإن لم يأذن له. وروى البيهقي مرسلاً: (أن النبي ﷺ أعطى النساء والصبيان). ولم يذكروا المبعض, ويحتمل أن يجعل كالعبد أو كالحر, والأقرب: أنه إن كان له مهايأة وحضر في نوبته .. استحق, وإلا .. فلا, كل هذا في صبيان المسلمين ونسائهم. أما صبيان أهل الذمة .. ففيهم أوجه: يرضخ لهم, لا يرضخ لهم, يرضخ لهم إن نفعوا المسلمين, ثم محل الرضخ للمذكورين إذا كان فيهم نفع, فإن لم يكن .. ففيه تردد للأصحاب حكاه الإمام. وشملت عبارة المصنف: ما لو إنفرد الصبيان والنساء والعبيد ودخلوا دار الحرب وغنموا مالاً, لكن الأصح: أنه يخمس ويقسم الباقي بينهم كالرضخ.

стр. 2996

وَهُو: دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي قَدْرِهِ, ــ ولو كان معهم واحد من أهل الكمال .. أرضخ لهم والباقي لذلك الكامل. وأما المرأة .. ففي (صحيح مسلم): (أن النبي ﷺ أرضخ للنساء). وفي (أبي داوود) عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن النساء, فكتب: أنه كان يرضخ لهن على عهد رسول الله ﷺ . والخنثى كالمرأة, فإذا بانت رجولته .. صرف له سهم الراجل. قال الإمام: ولا يرضخ للمجنون اتفاقًا, وقال الماوردي: يرضخ له كالصبي. وحكى الإمام في الرضخ للمرأة والصبي اللذين لا نفع فيهما ترددًا للأصحاب, قال: والقياس المنع. ويرضخ للأعمى والزمن ومقطوع اليدين والرجلين, وقيل: يسهم لهم, وهذا الرضخ مستحق على المشهور, وقيل: مستحب. قال: (وهو: دون سهم). و (الرضخ) في اللغة: هو العطاء القليل, وفي الشرع: ما ذكره المصنف. واتفقوا على أنه لا يصل إلى سهم راجل إن كان الذي يرضخ له راجلاً, فإن كان فارسًا فهل يبلغ به سهم الراجل؟ فيه وجهان يبنيان على الخلاف في جواز أن يبلغ بتعزير الحر حد العبيد , والمنع أظهر عند الماوردي, وقطع به في (السير). قال: (يجتهد الإمام في قدره) , لأنه لم يرد فيه تحديد, فيرجع إلى رأي الإمام, ويفضل بعضهم على بعض على حسب ما يرى من نفعهم وقتالهم, فالمقاتل يزيده على غير المقاتل, والأكثر قتالاً على الأقل, والمرأة التي تداوي الجرحى

стр. 2997

وَمَحَلَّهُ: الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: إِنَّمَا يُرْضَخُ لِذِمِّىِّ حَضَرَ بِلاَ أُجْرَةٍ, وَبِإِذْنِ الإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ, وَاللهُ أَعْلَمُ .. ــ وتسقي العطشى يزيدها على التي تحفظ الأمتعة, بخلاف الغنيمة التي يسوى فيها بين المقاتل وغيره؛ لأن الغنيمة منصوص عليها والرضخ مجتهد فيه فجاز أن يختلف, كدية الحر لما كانت منصوصًا عليها .. لم تختلف, وقيمة العبد مجتهد فيها فاختلفت. قال: (ومحله: الأخماس الأربعة في الأظهر)؛ لأنه سهم من الغنيمة مستحق بالحضور, إلا أنه ناقص فكان من الأخماس الأربعة المختصة بالغانمين الذين حضروا الوقعة. والثاني: أنه من أصل الغنيمة كأجرة النقل والحفظ والحمل؛ لأن حضورهم لمصلحة الغنيمة والغانمين, لأنهم يسقون الماء ويحفظون الرحال ويكفون المؤن فيتفرغ الغازون لشأنهم. والثالث: أنه من خمس الخمس سهم المصالح؛ لأنهم ليسوا من أهل أربعة أخماس الخمس ولا هم بصفات الغانمين, فكان الدفع إليهم من المصالح. هذا في العبيد والصبيان والنساء, أما أهل الذمة .. ففيهم طريقان: أصحهما: أنهم كذلك, وعلى هذا: يصح ذكر المصنف الذمي معهم. والثانية: القطع بأنهم يعطون من خمس الخمس؛ لأنهم يعطون لمجرد المصلحة وغيرهم لحضور الوقعة, واختار الشيخ هذه الطريقة, قال: وكيف يقال بأن الذمي يستحق من الأخماس الأربعة المختصة بالغانمين وهم المسلمون؟ وحيث قلنا: الرضخ من أصل الغنيمة .. فنبدأ به كما نبدأ بالسلب. قال: (قلت: إنما يرضخ لذمي حضر بلا أجرة, وبإذن الإمام علي الصحيح والله أعلم) فإن حضر بأجرة .. فله الأجرة فقط, ولا رضخ له بلا خلاف؛ لأنه أخذ عن حضوره بدلاً فلا يقابل ببدل آخر, وإذا حضر بغير إذن الإمام .. لم يرضخ له عند الجمهور. وإطلاق المصنف الذمي يدخل فيه الرجل والمرأة والصبي وهو كذلك.

стр. 2998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأصح: أن نساء أهل الذمة إذا حضرن بإذن الإمام .. كان لهن الرضخ. تتمة: لو زال نقصان أهل الرضخ قبل انقضاء الحرب بأن أسلم الكافر وبلغ الصبي وعتق العبد .. أسهم له, وإن كان بعده فقال الماوردي: ليس له إلا الرضخ, وقال الرافعي: ينبغي أن يأتي في الزوال بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة المال الخلاف الآتي فيمن حضر من أهل الكمال بينهما. ولو بانت رجولية الخنثى .. قال البندنيجي: يستحق السهم من حين البيان. * * * خاتمة في (فتاوى المصنف): أن السلطان إذا أعطى رجلاً من الجند من المغنم شيئًا: فإن لم يكن السلطان خمسه ولم يقسم الباقي قسمة شرعية .. وجب الخمس في الذي صار إلى هذا, ولا يحل له الانتفاع بالباقي حتى يعلم أنه حصل لكل من الغانمين قدر حصته من هذا. فإن تعذر عليه صرف ما صار إليه إلى مستحقه .. لزمه دفعة إلى القاضي كسائر الأموال الضائعة, هذا إذا لم يعطه ذلك على سبيل النفل بشرطه. وعمت البلوى بالغنائم التي يغنمها السلاجقة من الأتراك والمسلمون من النصارى بثغور الشام, وسيأتى في آخر (باب الاستبراء) ما قاله الشيخ أبو محمد والقفال في ذلك, والله أعلم.

стр. 2999

كتابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ ــ كتاب قسم الصدقات (القسم) بالفتح مصدر كما تقدم، وبالكسر: النصيب، والصدقات: جمع صدقة، سميت بذلك؛ لإشعارها بصدق باذلها. والمراد هنا: الزكوات الواجبة، وأما زكاة التطوع .. فأفردها بفصل وجمعها؛ لاختلاف أنواعها والمزني والأكثرون ذكروه في هذا الموضع؛ لأن كلاً من مال الفيء والغنيمة والزكاة يتولى الإمام جمعه، وذكره الشافعي ﵁ في (الأم) في آخر (الزكاة)، وتابعه عليه جماعة منهم المصنف في (الروضة) وهو أحسن. وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿إِنَمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ﴾ الآية فعلم من الحصر بـ (إنما): أنها لا تصرف لغيرهم وذلك مجمع عليه، وإنما وقع الخلاف في وجوب استيعابهم. وفي (سنن أبي داوود) و (الترمذي) و (ابن ماجه) من حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فجاءه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ : (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزَّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء .. أعطيتك حقك). وأضاف الزكاة إلى الأصناف الأربعة الأول بلام التمليك، وإلى الأربعة الأخر بفي الظرفية، ففي الأول: إشعار بإطلاق الملك وعدم الحجر، وفي الثاني: إشعار بأن الصرف في فك الرقاب، ووفاء دين الغارمين، وإعانة الغزاة وابن السبيل. فإذا لم يحصل الصرف في هذه المصارف .. استرجع، بخلاف الأربعة الأولى؛ فإن المقصود تمليكهم فلهم صرفها في أي جهة أرادوا؛ لحصول الغرض، حتى لو

стр. 3000

(الْفَقِيرُ): مَنْ لاَ مَالَ لَهُ ولاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، ــ وهبوها .. جاز ولا ينافيه حكمنا بالملك للأربعة الأخيرة؛ لأنه ملك مقيد لا مطلق، بخلاف الأربعة الأول. قال: (((الفقير): من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته) رتب المصنف الأصناف الثمانية بحسب ترتيبهم في الآية الكريمة، فبدأ بـ (الفقير) وهو مما يستأنس به؛ لأنه أسوأ حالاً من المسكين، لأن من شأن العرب البداءة بالأهم فالأهم. وبدأ في (التنبيه) بالعامل؛ لأنه يقدم في القسم على الأصح لكونه يأخذ عوضًا. قوله: (يقع) أي: المذكور، وهو المال والكسب؛ لقوله ﷺ : (لاحظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب) رواه أحمد وأبو داوود. ولفظ (الفقير) مشتق من كسر الفقار الذي في الظهر، وفي معناه من يملك ما لا يقع موقعًا من كفايته، والمراد: الكفاية في المطعم والمسكن والملبس وما لابد منه على ما يليق بحاله ومن في نفقته من غير إسراف ولا تقتير، كمن يحتاج إلى عشرة فيجد درهمين ولا يمكنه أن يكتفي بهما ولا أن يكتسب، ولا فرق عندنا بين أن يكون يملك نصابًا من المال أو لا، فقد يكون النصاب لا يقع موقعًا من كفايته. وعند أبي حنيفة الغني من يملك نصابًا زكويًا، وأحمد: من يملك خمسين درهمًا أو ما قيمته خمسون؛ لما روى الدارمي وغيره عن ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من سأل وعنده ما يكفيه .. فإنما يستكثر من النار) قالوا: ما يكفيه؟ قال: (خمسون درهمًا أو ما يساوي خمسين درهمًا). أما الذي له كسب تزول به ضرورته .. فليس بفقير، وإنما جعلنا الكسب كالمال؛ للحديث المذكور، فلو مرض المكتسب أو لم يجد من يستعمله .. فهو فقير، ولم يجعلوا الغني بالكسب كالمال فيما يجب عليه كالحج ونفقة القريب، بل فيما يجب له.

стр. 3001

وَلاَ يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ، وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، ــ هذا فقير الزكاة، أما فقير العرايا .. فمن لا نقد معه كما تقدم، وفي العاقلة: من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام لا من لا يملك شيئًا أصلاً كما قاله ابن الرفعة هناك. قال: (ولا يمنع الفقر مسكنه) أي: المملوك له (وثيابه) التي يلبسها للتجمل وإن تعددت إذا احتاج إليها، وكذا العبد الذي يحتاج إلى خدمته. قال الشيخ: وإطلاق المسكن والثياب يقتضي أنه لا فرق بين اللائق وغيره؛ لأنه إذا ألفها .. شق عليه بيعها، وفيه نظر. قال الرافعي: ولم يتعرضوا لعبده المحتاج إلى خدمته، وهو في سائر الأصول كالمسكن، قال المصنف: صرح ابن كج بأنه كالمسكن، وهو متعين. ولو كان عليه دين .. قال الرافعي: يمكن أن يقال: لا عبرة بما يوفيه به كما في نفقة القريب والفطرة، وفي (فتاوى البغوي): لا يعطى بالفقر حتى يصرفه في الدين، واختاره الشيخ. ولو لم يكن عبد ولا مسكن واحتاج إليهما ومعه ثمنهما .. قال الشيخ: لم أر فيه نقلاً، ويظهر أنه كوفاء الدين، فلو اعتاد السكن بالأجرة أو في المدرسة .. فالظاهر خروجه عن اسم الفقر به، وعن الإمام: أن ملك المسكن والخادم لا يمنع اسم المسكنة، بخلاف اسم الفقر. قال: (وماله الغائب في مرحلتين) فله الأخذ إلى أن يصل إليه؛ لأنه معسر الآن، وهذا نقله الرافعي عن البغوي، والبغوي قاسه على فسخ المرأة النكاح لغيبة

стр. 3002

وَالْمُؤَجَّلُ، وَكَسْبٌ لاَ يَلِيقُ بِهِ ــ مال الزوج مرحلتين، وهو في (تعليق القاضي حسين) مخرج من نصه أن من ماله غائب .. يدفع إليه من سهم ابن السبيل إلى أن يصل إليه، وهو ضعيف نقلاً وتوجيهًا. أما النقل .. فالذي يقتضيه كلام الجمهور أنه يعطى من سهم ابن السبيل لا من سهم الفقراء؛ لأنه لا يعطى كفاية سنة ولا كفاية العمر الغالب بالاتفاق، بل ما يوصله إلى ماله أو ما يكفيه إلى أن يأتيه ماله، فهو كابن السبيل. وأما التوجيه .. فلأنه غني شرعًا وعرفًا فكيف يعطى من سهم الفقراء ويصدق عليه اسم الفقير؟! نعم؛ إن كان قد حيل بينه وبين ماله كالمهاجرين الذين قال الله في حقهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَمْوَالِهِم﴾ .. احتمل ذلك، بل لا تشترط في أولئك مسافة القصر، حتى لو كان ماله في البلد وقد حيل بينه وبينه .. فهو في حكم الفقير. قال: (والمؤجل) أي: لا يمنع الفقر فيأخذ إلى أن يحل، كذا قاله الرافعي تبعًا للبغوي، وفيه ما في قبله من الإشكال، وظاهر نص الشافعي ﵁ كما قاله ابن الرفعة -: أنه لا يدفع له من سهم الفقراء. قال: (وكسب لا يليق به)؛ لأن الانشغال به يذهب مروءته فكان كالعدم. وإطلاق الحديث في الكسب محمول على اللائق؛ فإنه العرف الشرعي ولهذا: لو وجد من يستعمله ولكن كسبه حرام .. فله الأخذ من الزكاة إلى القدرة على الكسب الحلال كما أفتى به البغوي. وأفتى الغزالي بأن أرباب البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالكسب لهم أخذ الزكاة، وينبغي حمله على ما إذا لم يعتادوا ذلك لغناهم، فأما عند الحاجة إليه .. فتركه ضرب من الحماقة ورعونات النفس، فلا وجه للترفع عن الكسب المباح

стр. 3003

وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ .. فَفَقِيرٌ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ .. فَلاَ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الزَّمَانَةُ وَلاَ التَّعَفُّفُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ ــ وأخذ أوساخ الناس؛ فقد أجر علي ﵁ نفسه ليهودي يستقي له كل دلو بتمرة كما تقدم في (الإجارة). قال: (ولو اشتغل بعلم) أي: شرعي (والكسب يمنعه .. ففقير)؛ لأنه قام بفرض كفاية، وذكر الدارمي في المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان نجيبًا يرجى نفع الناس به .. استحق، وإلا .. فلا، أما المعطل المعتكف في المدرسة ومن لا يتأتى منه التحصيل .. فلا يعطيان إن قدرا على الكسب. واحترز بقوله: (والكسب يمنعه) عما لو كان لا يمنعه؛ فإنه لا يعطى إذا كان يليق به، ومثله في (البسيط) بالكسب بالوراقة وفيه نظر؛ لأن من لم يعط العلم كله .. لم يعطه العلم بعضه. قال: (ولو اشتغل بالنوافل .. فلا)؛ لأن كسبه وقطع النظر عما في أيدي الناس أولى من الإقبال على النوافل مع الطمع، وادعى في (شرح المهذب) الاتفاق عليه، لكن في (فتاوى القفال): أن المستغرق الوقت بالعبادة والصلاة آناء الليل والنهار تحل له الزكاة كالمشتغل بالفقه وإن كان قوياً، أما غيره .. فلا وإن كان صوفيًا. وفي (فتاوى ابن الصلاح): قوم يتزيون بزي الفقراء وهم قادرون على الكسب .. لا يحل لهم ذلك ولا تبرأ ذمة الدافع؛ لقدرتهم على كسب يليق بأمثالهم، وعلى الإمام منعهم وإلزامهم الكسب. قال: (ولا يشترط فيه) أي: في الفقير (الزمانة ولا التعفف عن المسألة على الجديد) في المسألتين؛ لأن النبي ﷺ أعطى من سأل الصدقة ولم يكن زمنًا، رواه مسلم. وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِم حَقٌ للسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وهو الذي لا يسأل وفيه ثمانية أقوال أخر.

стр. 3004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشعبي: أعياني أن أعلم المحروم منذ سبعين سنة، قال ابن عطية: الشعبي في هذه المسألة محروم. فإن قيل: المدحة بالإعطاء لا يكون الحق في المال فإنه حاصل في كل ما أمر به وإن لم يخرج .. فالجواب: أنه قد أشير إلى أنهم قد جعلوا ما يعطونه ويتبرعون به على السائل والمحروم حقًا ثابتًا في أموالهم مستقرًا، وجعلوا أموالهم ظرفًا له، والظرف لا يراد إلا للمظروف، فكأنهم لم يريدوا المال إلا لحق السائل والمحروم. وأضاف الأموال إليهم ولم يضف الرزق إليهم في قوله: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾؛ لأن المقصود هناك الحث على الإنفاق والمقصود هنا الثناء عليهم بما فعلوه، فحسنت الإضافة إليهم هاهنا، والإضافة إلى الله ثم. وفي القديم: يشترطان؛ لأنه إذا سأل .. أعطي، وإذا لم يكن زمنًا .. كان له نوع كسب، فيكون مسكينًا لا فقيرًا. و (الزمانة) بفتح الزاي: العاهة والآفة، ورجل زمن؛ أي: مبتلى، ويطلق على كل داء ملازم يزمن الإنسان فيمنعه من الكسب كالعمى والشلل، وقد يسمى الأخرس زمنًا وكذلك الأصم وقد يكتسبان، وما أحسن قول شيخنا الشيخ جمال الدين ابن نباتة رحمه الله تعالى [من الخفيف]: سألتني مثيلة القمرين .... كيف حالي فقلت يا نور عيني زمن اللهو والشباب تلاه .... زمن في اللسان والركبتين

стр. 3005

وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الأَصَحِّ ــ قال: (والمكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيرًا في الأصح)؛ لعدم الحاجة، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع، ولا مسكينًا أيضًا؛ لأن المدار على الحاجة، بل يعطى من سهم غيرهما. والوجه الثاني: يعطيان؛ لاحتياجهما إلى غيرهما. ويخرج من كلام القفال في الزوجة وجه ثالث: إن كانت لا تكتفي بما تأخذه من نفقتها بأن كان لها من تلزمها نفقته من رقيق، أو كانت مريضة وقلنا: لا تلزمه مداولتها، أو كثيرة الأكل لا يكفيها ما يجب لها .. فلها أخذ الزكاة، قال الإمام: ويكون من سهم المساكين. والخلاف مفروض في (المحرر): في أنهما هل يعطيان أو لا؟ فهو مخالف لما في الكتاب، وهو مبني على الخلاف فيما لو وقف على فقراء أقاربه أو وصى لهم وكان فيهم مكفي بنفقة أب أو غيره ممن تلزمه نفقته، وفيها أربعة أوجه: أحدها: يستحقان؛ لأنهما فقيران. والثاني: لا؛ لأنهما غنيان بالنفقة المستحقة لهما. والثالث: أن من في نفقة القريب يستحق دون الزوجة؛ لأنها تستحق فرضًا فيستقر في ذمة الزوج. والرابع: أن الزوجة تستحق؛ لأن نفقتها مقدرة وقد لا تكفيها، والقريب نفقته قدر كفايته. وقال البغوي: محل المنع في الزوجة إذا كانت طائعة، فإن نشزت .. أعطيت؛ لعدم استحقاقها النفقة فهي كالخلية، والأكثرون على أنها لا تعطى في هذه الحالة أيضًا،

стр. 3006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلو سافرت بغير إذنه .. جاز إعطاؤها من سهم الفقر والمسكنة؛ لعدم قدرتها على العود في الحال. وأفهم قوله: (المكفي) أن الزوج إذا كان ينفق نفقة المعسرين .. كان لها أن تأخذ الزكاة؛ فإنها لا تستطيع فسخ النكاح، وهو الذي أفتى به القفال وقال: إنه لا خلاف فيه. وموضع الخلاف في القريب غير المنفق، أما القريب الذي تجب عليه نفقته .. فلا يعطيه قطعًا؛ لأنه يجر نفعًا إلى نفسه بدفع النفقة عنه. فروع: يجوز أن يعطى من تلزمه نفقته من سهم الغارمين والعاملين والمكاتبين والغزاة إذا كان بهذه الصفة، ويجوز أن يعطيه من سهم ابن السبيل قدر مؤنة السفر، دون ما يحتاج إليه حضرًا وسفرًا. ويجوز أن يعطي الزوج امرأته من سهم المؤلفة على الأصح، وقال الشيخ أبو حامد: لا تكون المرأة من المؤلفة، وهو ضعيف، كذا في (الروضة) هنا، لكنه قال في آخر الباب من زوائده: لو دفع سهم المؤلفة ثم بان المدفوع إليه امرأة .. فكما لو بان عبدًا، والأصح في ظهوره عبدًا: عدم الإجزاء. والمعتدة الواجبة النفقة من رجعية وبائن حامل .. كذات الزوج، وإن لم تجب نفقتها كالبائن الحائل .. تعط؛ لعدم وجوب نفقتها عليه. ويجوز أن تصرف المرأة من سهم الفقراء والمساكين إلى زوجها إذا كان متصفًا بتلك الصفة؛ بل يستحب لها ذلك، وعن القاضي حسين وجه: أنه لا يجوز؛ لأنها تأخذه منه في نفقتها فيصير طريقًا إلى ذلك، والصواب الأول.

стр. 3007

وَ (الْمِسْكِينُ): مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلاَ يَكْفِيهِ ــ ففي (الصحيحين) أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود سألت رسول الله ﷺ : أتجزيء الصدقة عنها على زوجها وعلى أيتام في حجرها؟ فقال: (لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة) وترجم عليه البخاري (الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر)، وأخذ ذلك من قوله: (أفتجزيء عني)؛ لأن ذلك إنما يستعمل في الواجب غالبًا. قال: (و (المسكين)): من قدر على مال أو كسب يقع موقعًا من كفايته ولا يكفيه) على ما يليق بحاله، كما إذا احتاج إلى عشرة وعنده سبعة أو ثمانية، وكذا كفاية من تلزمه نفقته. والدليل على أن الفقير أشد حاجة من المسكين: أن الله تعالى بدأ به كما تقدم وقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَكِينَ﴾ فأثبت لهم مالاً، وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَمْوالِهِم﴾، وقال: ﴿يَأيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ﴾ أي: لا تملكون شيئًا، ولم يقل: أنتم المساكين. وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالاً من الفقير، ووقع في كلام الرافعي وغيره الاستدلال بأن النبي ﷺ استعاذ من الفقر وسأل المسكنة، فاستعاذته من الفقر، رواها أبو داوود والنسائي من رواية أبي هريرة، وإسناده على شرط مسلم، ومتفق عليه أيضًا من رواية عائشة، لكن من فتنة الفقر. وقوله: (اللهم؛ أحيني مسكينًا) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بإسناد لا علة له، قال: والاستدلال بذلك خطأ؛ لأنه ﵊ أغنى الخلق، والمسكنة التي سألها ليست أخت الفقر، إنما هي من السكون والتواضع، وهي من أعظم العبادات، فكأنه سأل الله تعالى أن لا يجعله من الجبارين المتكبرين، وأن لا يحشره في زمرة الأغنياء المترفين، قاله البيهقي. وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وساعده أبو إسحاق المروزي، وهذا الخلاف لا تظهر له فائدة في الزكاة؛ فإنه لابد من إعطاء الصنفين، وإنما تظهر فيما إذا أوصى للفقراء بمئة وللمساكين بخمسين، أو بالعكس، أو وصى للفقراء دون

стр. 3008

وَ (الْعَامِلُ): سَاعٍ، وَكَاتِبٌ، وَقَاسِمٌ، وَحَاشِرٌ: يَجْمَعُ ذَوِي الأَمْوَالِ، لاَ الْقَاضِي وَالْوَالِي ــ المساكين أو بالعكس، وكذا في النذر والوقف. ثم هل المراد عدم الكفاية في هذا اليوم، أو في تلك السنة، أو العمر الغالب؟ لم يصرحوا به، إلا أن في (فتاوى القفال) اعتبار السنة، وهذا بناء على اختياره أنه لا يدفع له زيادة عليها. فرع: من له كتب علم وهو عالم يجوز الصرف إليه من سهم الفقراء والمساكين، ولا تباع كتبه العلمية، وكذلك كتب الوعظ والطب إذا انتفع بها أو نفع، وتباع كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينفع في الآخرة ولا في الدنيا ويمنع اسم المسكنة. قال: (و (العامل): ساع، وكاتب، وقاسم، وحاشر: يجمع ذوي الأموال) كذلك الحاسب والعريف وحافظ المال والجابي إذا احتيج إليه، والساعي الأصل والباقي أعوان له، ولا خلاف أن العامل يأخذ مع الغنى وإن كان صدقة. والأصح في (شرح التنبيه) لابن يونس: أن ما يأخذه العامل أجرة، والمذكور في (الحاوي) أنه صدقة، وحكاه عن الشافعي ﵁، واستدل له بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية. وجميع ما تقرر فيمن نصبه الإمام ليأخذ العمالة من الصدقات، فإن استأجره من بيت المال أو جعل له جعلاً .. لم يأخذ من الزكاة. قال الشافعي ﵁: والعامل يأخذ من نفسه لنفسه، وعلله الجرجاني بأنه أمين شرعًا، وبه يندفع إشكال استقلاله، فالشريك لا يقسم وحده ويؤخذ من اسمه أنه لابد من العمل، فلو فرق المالك أو حملها إلى الإمام .. سقط، وقال القاضي أبو الطيب: لو تولاها الإمام .. سقط سهم العامل، ولا يأخذه الإمام. قال: (لا القاضي والوالي) والمراد: والي الإقليم عمومًا؛ لتشمل ولايته قبضها

стр. 3009

وَ (الْمُؤَلَّفَةُ): مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ، أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إِسْلاَمُ غَيْرِهِ. ــ وتفريقها، وكذا الإمام؛ لأن رزقهم إذا لم يتطوعوا من خمس الخمس المرصد للمصالح. روى مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم: أن عمر ﵁ شرب لبنًا فاستطابه، فأعلم أنه من نعم الصدقة .. فاستقاءه، قيل: ليعلم الناس تحريمها على الإمام أو استحبابًا، وعندنا لا يجب في الحرام، بل يندب. وعبارته تقتضي: أن للقاضي قبضها وصرفها، وذلك في مال أيتام تحت نظره، أما إذا لم يجعل لها الإمام ناظرًا .. ففي دخولها في عموم ولايته وجهان، وأطلق الهروي الدخول، قاله الرافعي في (الأقضية). فرع: أجرة الكيال والوزان وعاد النعم ليميز نصيب الأصناف من سهم العامل، وليميز نصيبهم من نصيب المالك الأصح: أنها على المالك، وأجرة الراعي والحافظ بعد القبض الأصح عند المصنف: أنها من الأصل كالناقل والمخزن. قال: (و (المؤلفة): من أسلم ونيته ضعيفة) فيعطى ليقوى إيمانه، ويقبل قوله بلا يمين. والمؤلفة جمع المؤلف مأخوذ من التأليف: وهو جمع القلوب. واحترز بقوله: (من أسلم) عن مؤلفة الكفار؛ فإنهم لا يعطون من الزكاة قطعًا ولا من غيرها على الأظهر. قال: (أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلام غيره)، ولا يقبل قوله في شرفه إلا ببينة.

стр. 3010

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ ــ قال: (والمذهب: أنهم يعطون من الزكاة)؛ لعموم الآية، وقد أعطى النبي ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وأبا سفيان وصفوان بن أمية وهم من الصنف الأول، وعدي بن حاتم والزبرقان بن بدر وهم من الثاني، كذا قاله الأصحاب. والصواب الذي رواه مسلم وغيره: أن صفوان أعطاه النبي ﷺ وهو مشرك من غير الزكاة، وأن عديًا إنما أعطاه أبو بكر ﵁، كذا نص عليه الشافعي ﵁، ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أعطاهم منها شيئًا، لكن يستدل للمذهب بأنه لو لم يعط هذين الصنفين من الزكاة .. لم نجد للآية الكريمة محملاً؛ لأنها نصت على المؤلفة، ولابد أن يكونوا مسلمين؛ لأن الزكاة لا تعطى لكافر. والقول الثاني: لا يعطون؛ لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف بمال، ولأن أحدًا من الخلفاء الراشدين لم يعطهم شيئًا. والثالث: يعطون من مال المصالح لا من الزكاة. والخلاف أقوال لا طرق، فكان الصواب أن يعبر بالأظهر، وقد تقدم أن المرأة تعطى من سهم المؤلفة على الأصح. وإنما تعطى المؤلفة عند الاحتياج إليهم، كذا قيده في (الكفاية)، وجرى عليه الماوردي وغيره، وقال الشيخ أبو محمد في (الفروق): إلا أن تدعو الحاجة إليه ويقتضيه اجتهاد الإمام، ويشترط أن يقسم الإمام، فإن قسم رب المال .. سقط سهمهم. وحصر المؤلف (المؤلفة) في هذين خلاف الصحيح عند الشيخين، بل هم أربعة أصناف: هذان.

стр. 3011

وَ (الرِّقَابُ): الْمُكَاتَبُونَ ــ والثالث: من يقاتل من يليه من الكفار. والرابع: من يقاتل من يليه من مانعي الزكاة ويحملها إلى الإمام، ولهذا قال في (شرح المهذب): ما صححه الرافعي من الصرف إلى الأربعة هو الصحيح. قال: (و (الرقاب): المكاتبون) هذا قول أكثر فقهاء الأمصار. وقال مالك وأحمد يشترى عبيد ويعتقون. لنا: أن الله تعالى جعلها في الرقاب لا في السادة، وأن سائر الأصناف يستحقون الأخذ فكذا المكاتب، ولو أريد العتق .. لأتى بلفظ التحرير كالكفارة، ولأنهم قرنوا بالغارمين الآخذين؛ لما في ذمتهم، كما قرن الفقراء والمساكين؛ لاشتراكهما في الحاجة، وسبيل الله وابن السبيل؛ لأخذهما لمعنى مستقل. فروع: إنما يعطى المكاتب كتابة صحيحة كما ذكره المصنف في بابها، وأن لا يكون معه ما يفي بالنجم، وحيث صحت كتابة بعض عبد كما إذا أوصى بكتابته فلم يخرج من الثلث إلا بعضه ولم تجز الورثة وهو الأصح .. فإنه لا يعطى؛ لانضمام ما يأخذه إلى القدر الرقيق. وفي ثالث استحسنه الرافعي: إن كان بينهما مهايأة .. صرف إليه في نوبته، وإلا .. فلا. وليس للسيد صرف زكاته إلى مكاتبه في الأصح، ويجوز الصرف إليه بغير إذن السيد، وكذا قبل الحلول في الأصح، كذا صححه الشيخان، وسيأتي عن المصنف في نظيره من الغارم تصحيح خلافه.

стр. 3012

وَ (الْغَارِمُ): إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ .. أُعْطِيَ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ ويجوز الدفع إلى السيد إذا أذن المكاتب، وهو أولى إذا حصل العتق به، وإلا .. فالمكاتب أولى؛ ليتجر فيه ليحصل له العتق، وإذا استغنى عنه بتنجيز عتق أو إبراء ونحوه .. استرد في الأصح، فإن تلف بعد العتق أو البراءة .. غرمه، أو قبله .. فلا في الأصح، وإن عجز .. استرد، فإن تلف .. غرمه في الأصح في ذمته، وقيل: في رقبته، ولو استمر على الكتابة وتلف المأخوذ في يده .. وقع الموقع. قال: (و (الغارم): إن استدان لنفسه في غير معصية .. أُعطي)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالغَارِمِينَ﴾ سواء كان طاعة كالاقتراض للحج والجهاد والنكاح حيث يستحب أم مباحًا كالنكاح حيث لا يستحب، أو النفقة أو الكسوة غير الواجبة التي خلت عن الإسراف، وكذلك المكاتب إذا استدان ووفى النجوم .. فإنه يعطى من سهم الغارمين. فإن كان في معصية .. قال الرافعي: كثمن الخمر والإسراف في النفقة الخارج عن العادة فيما لا يكسب حمدًا ولا أجرًا .. لم يعط قبل التوبة، وفيه وجه غريب. وتمثيله الاستدانة في المعصية بشراء الخمر فيه نظر؛ إذ لا يتصور ذلك إلا بعقد صحيح، فالفاسد لا يعلق بالذمة شيئًا إلا أن يكون إتلافًا محرمًا، فهو الذي يكون دينًا بسببه معصية، فالأولى التمثيل بشراء العنب لذلك. وأيضًا قد سبق في (الحجر) عدم تحريم الإسراف في المطاعم ونحوها، واختار الشيخ تحريم كل سرف، لكن يرد على المصنف ما لو استدان لمعصية ثم صرفه في طاعة .. فإنه يعطى، وإذا استدان لا لمعصية ثم صرفه فيها .. فإنه يعطى عند الإمام إن تحقق ذلك منه، ولكنا لا نصدقه عند صرفه في معصية أنه ما استدان لها. قال: (قلت: الأصح: يعطى إذا تاب والله أعلم) أي: مع الفقر؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها. والثاني: لا يعطى؛ لأنه قد يتخذ التوبة ذريعة ثم يعود. قال الرافعي: ولم يتعرض الأصحاب هنا لاستبراء حاله ومضي مدة بعد توبته.

стр. 3013

وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ ــ قال المصنف: والظاهر ما قاله الروياني أنه إذا غلب على الظن صدق توبته .. أعطي وإن قصرت المدة. فروع: إذا استدان لمصلحة عامة كبناء مسجد أو قنطرة أو فكاك أسير .. فهو كالذي استدان لنفسه فيعطى مع الفقر، وكذا الغني بالعقار لا بالناض؛ لأنه متوسط بين مصلحة ذات البين ومصلحة نفسه. وإذا تحمل قيمة مال تلف .. أعطي مع الغنى على الأصح. وقيل: لا؛ لأن فتنة الدم أشد. وإذا مات رجل عليه دين ولا مال له .. لم يقض من سهم الغارمين في أصح الوجهين. قال: (والأظهر: اشتراط حاجته) فلو وجد ما يقضي الدين منه من نقد وغيره .. لم يعط من الزكاة؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا لا لحاجتنا إليه كالمكاتب وابن السبيل. والثاني - ونصه في القديم -: لا تشترط حاجته، بل يعطى مع الغنى؛ لعموم الآية، ولقوله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق عليه فأهداها المسكين للغني) رواه أبو داوود وابن ماجه. وقال الماوردي: محل القولين إذا كان غنيًا بغير النقدين، فإن كان غنيًا بأحدهما .. لم يعط قطعًا، فلو وجد ما يقضي به بعض الدين .. قضي عنه الباقي، ولو قدر بالكسب .. أعطي في الأصح. والمراد بـ (الحاجة) هنا: كونه لا يملك شيئًا يتصور صرفه إلى الدين.

стр. 3014

دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ وقيل: لا يعتبر المسكن والملبس والآنية والفراش، وكذا الخادم والمركب إن اقتضاهما حاله، فيقضى دينه وإن ملك ذلك، وحيث جاز الصرف إليه جاز الدفع إلى الغريم بإذنه، ولا يجوز بغير إذنه. والفرق بينه وبين المكاتب - حيث جاز الدفع إلى سيده بغير إذنه - أن المكاتب محجور عليه في حق سيده، بخلاف الغارم. نعم؛ لو حجر على الغارم بالفلس فدُفع إلى غرمائه بالحصص مالٌ .. جاز من غير إذنه؛ لأنه في معنى المكاتب. وإنما يعطى الغارم إذا بقي الدين، فإن أداه من ماله أو بذل ماله ابتداء .. لم يعط. وإذا مات قبل قبض الزكاة .. لا يصرف إليه بعد موته شيء من الزكاة بالإجماع، والسبب فيه أن الحي محتاج إلى وفاء دينه، والميت إن كان عصى به أو بتأخيره .. فلا يناسب حاله الوفاء عنه، وإلا .. فهو غير مطالب به ولا حاجة له والزكاة إنما تعطى لمحتاج، بخلاف الأداء عنه لبراءة ذمته والتخفيف عنه بالآخرة، وعلى هذا يحمل حديث أبي قتادة. قال: (دون حلول الدين) أي: الأظهر أنه لا يشترط أن يكون الدين حالاً، فيعطى قبل محله؛ لأنه مدين في الحال لكن لا مطالبة. ومقتضى كلام المصنف: أن الخلاف قولان، وهذا لا يلائم تعبيره بعده بـ (الأصح)، لكن الخلاف في (الشرح) وجهان. قال: (قلت: الأصح: اشتراط حلوله والله أعلم) فلا يعطى إذا لم يحل؛ لأنه غير محتاج إليه في تلك الحالة، والخلاف كالخلاف في نجوم الكتابة إذا لم تحل، ولهذا استشكل على المصنف ترجيحه هنا اشتراط الحلول مع موافقته على عدم اشتراط حلول النجم. ويمكن الفرق بأن الحاجة إلى الخلاص من الرق أهم، والغارم ينتظر اليسار، فإن لم يحصل .. فلا حبس ولا ملازمة.

стр. 3015

أَوْ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ .. أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ .. فَلاَ ــ وفي وجه ثالث: إن كان الأجل يحل في تلك السنة .. أعطي، وإلا .. فلا يعطى من صدقات تلك السنة. قال: (أو لإصلاح ذات البين .. أعطي مع الغنى) هذا هو النوع الثاني من الغارمين، وهو من غرم لغيره بأن وقع شر أو فتنة بين شخصين أو قبيلتين في قتل أو غيره فاستدان وأعطى الدية أو الأرش، أو تحمله لإخماد الفتنة قاصدًا الإصلاح. قال الصيمري: إن كان القاتل معروفًا .. لم يعط هذا الدين إلا مع الفقر، وإن لم يعرف .. فيعطى من سهم الغارمين فقيرًا كان أو غنيًا، قال المصنف: وهو ضعيف، فلا تأثير لمعرفته وعدمها، ولهذا أطلق في الكتاب، وسواء كان غنيًا بالناض أو العروض أو العقار؛ لأن المقصود تسكين الثائرة، وهي لا تسكن بتحمل الفقير. و (البين): الفراق، والبين: الوصل فهو من الأضداد، والمباينة: المفارقة، وتباين القوم: تهاجروا. والمراد بـ (ذات البين): إصلاح الأحوال التي تباينوا بسببها، ولما كانت ملابسة للبين .. وصفت به، قيل لها: ذات البين كما قيل للأسرار: ذات الصدور. قال: (وقيل: إن كان غنيًا بنقد .. فلا)؛ إذ ليس في صرفه إلى الدين ما يهتك المروءة. تنبيه: أهمل المصنف نوعًا ثالثًا من الغارمين، وهو من لزمه دين بطريق الضمان عن معين لا في تسكين فتنة، فالضامن والمضمون إما أن يكونا موسرين أو معسرين، أو أحدهما موسرًا والآخر معسرًا. فإن كانا معسرين .. أعطي الضامن ما يقضي به الدين، وقيده ابن الرفعة بما إذا لم يكن سببه معصية، ويجوز صرف ذلك إلى المضمون عنه، قال المتولي: وهو أولى إذا كان الضمان بالإذن. وإن كانا موسرين، فإن ضمن بإذنه .. لم يعط، أو بغير إذنه .. فالأصح كذلك.
следующие страницы →