← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وَ (الرِّقَابُ): الْمُكَاتَبُونَ ــ والثالث: من يقاتل من يليه من الكفار. والرابع: من يقاتل من يليه من مانعي الزكاة ويحملها إلى الإمام، ولهذا قال في (شرح المهذب): ما صححه الرافعي من الصرف إلى الأربعة هو الصحيح. قال: (و (الرقاب): المكاتبون) هذا قول أكثر فقهاء الأمصار. وقال مالك وأحمد يشترى عبيد ويعتقون. لنا: أن الله تعالى جعلها في الرقاب لا في السادة، وأن سائر الأصناف يستحقون الأخذ فكذا المكاتب، ولو أريد العتق .. لأتى بلفظ التحرير كالكفارة، ولأنهم قرنوا بالغارمين الآخذين؛ لما في ذمتهم، كما قرن الفقراء والمساكين؛ لاشتراكهما في الحاجة، وسبيل الله وابن السبيل؛ لأخذهما لمعنى مستقل. فروع: إنما يعطى المكاتب كتابة صحيحة كما ذكره المصنف في بابها، وأن لا يكون معه ما يفي بالنجم، وحيث صحت كتابة بعض عبد كما إذا أوصى بكتابته فلم يخرج من الثلث إلا بعضه ولم تجز الورثة وهو الأصح .. فإنه لا يعطى؛ لانضمام ما يأخذه إلى القدر الرقيق. وفي ثالث استحسنه الرافعي: إن كان بينهما مهايأة .. صرف إليه في نوبته، وإلا .. فلا. وليس للسيد صرف زكاته إلى مكاتبه في الأصح، ويجوز الصرف إليه بغير إذن السيد، وكذا قبل الحلول في الأصح، كذا صححه الشيخان، وسيأتي عن المصنف في نظيره من الغارم تصحيح خلافه.

стр. 3012

وَ (الْغَارِمُ): إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ .. أُعْطِيَ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ ويجوز الدفع إلى السيد إذا أذن المكاتب، وهو أولى إذا حصل العتق به، وإلا .. فالمكاتب أولى؛ ليتجر فيه ليحصل له العتق، وإذا استغنى عنه بتنجيز عتق أو إبراء ونحوه .. استرد في الأصح، فإن تلف بعد العتق أو البراءة .. غرمه، أو قبله .. فلا في الأصح، وإن عجز .. استرد، فإن تلف .. غرمه في الأصح في ذمته، وقيل: في رقبته، ولو استمر على الكتابة وتلف المأخوذ في يده .. وقع الموقع. قال: (و (الغارم): إن استدان لنفسه في غير معصية .. أُعطي)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالغَارِمِينَ﴾ سواء كان طاعة كالاقتراض للحج والجهاد والنكاح حيث يستحب أم مباحًا كالنكاح حيث لا يستحب، أو النفقة أو الكسوة غير الواجبة التي خلت عن الإسراف، وكذلك المكاتب إذا استدان ووفى النجوم .. فإنه يعطى من سهم الغارمين. فإن كان في معصية .. قال الرافعي: كثمن الخمر والإسراف في النفقة الخارج عن العادة فيما لا يكسب حمدًا ولا أجرًا .. لم يعط قبل التوبة، وفيه وجه غريب. وتمثيله الاستدانة في المعصية بشراء الخمر فيه نظر؛ إذ لا يتصور ذلك إلا بعقد صحيح، فالفاسد لا يعلق بالذمة شيئًا إلا أن يكون إتلافًا محرمًا، فهو الذي يكون دينًا بسببه معصية، فالأولى التمثيل بشراء العنب لذلك. وأيضًا قد سبق في (الحجر) عدم تحريم الإسراف في المطاعم ونحوها، واختار الشيخ تحريم كل سرف، لكن يرد على المصنف ما لو استدان لمعصية ثم صرفه في طاعة .. فإنه يعطى، وإذا استدان لا لمعصية ثم صرفه فيها .. فإنه يعطى عند الإمام إن تحقق ذلك منه، ولكنا لا نصدقه عند صرفه في معصية أنه ما استدان لها. قال: (قلت: الأصح: يعطى إذا تاب والله أعلم) أي: مع الفقر؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها. والثاني: لا يعطى؛ لأنه قد يتخذ التوبة ذريعة ثم يعود. قال الرافعي: ولم يتعرض الأصحاب هنا لاستبراء حاله ومضي مدة بعد توبته.

стр. 3013

وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ ــ قال المصنف: والظاهر ما قاله الروياني أنه إذا غلب على الظن صدق توبته .. أعطي وإن قصرت المدة. فروع: إذا استدان لمصلحة عامة كبناء مسجد أو قنطرة أو فكاك أسير .. فهو كالذي استدان لنفسه فيعطى مع الفقر، وكذا الغني بالعقار لا بالناض؛ لأنه متوسط بين مصلحة ذات البين ومصلحة نفسه. وإذا تحمل قيمة مال تلف .. أعطي مع الغنى على الأصح. وقيل: لا؛ لأن فتنة الدم أشد. وإذا مات رجل عليه دين ولا مال له .. لم يقض من سهم الغارمين في أصح الوجهين. قال: (والأظهر: اشتراط حاجته) فلو وجد ما يقضي الدين منه من نقد وغيره .. لم يعط من الزكاة؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا لا لحاجتنا إليه كالمكاتب وابن السبيل. والثاني - ونصه في القديم -: لا تشترط حاجته، بل يعطى مع الغنى؛ لعموم الآية، ولقوله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق عليه فأهداها المسكين للغني) رواه أبو داوود وابن ماجه. وقال الماوردي: محل القولين إذا كان غنيًا بغير النقدين، فإن كان غنيًا بأحدهما .. لم يعط قطعًا، فلو وجد ما يقضي به بعض الدين .. قضي عنه الباقي، ولو قدر بالكسب .. أعطي في الأصح. والمراد بـ (الحاجة) هنا: كونه لا يملك شيئًا يتصور صرفه إلى الدين.

стр. 3014

دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ وقيل: لا يعتبر المسكن والملبس والآنية والفراش، وكذا الخادم والمركب إن اقتضاهما حاله، فيقضى دينه وإن ملك ذلك، وحيث جاز الصرف إليه جاز الدفع إلى الغريم بإذنه، ولا يجوز بغير إذنه. والفرق بينه وبين المكاتب - حيث جاز الدفع إلى سيده بغير إذنه - أن المكاتب محجور عليه في حق سيده، بخلاف الغارم. نعم؛ لو حجر على الغارم بالفلس فدُفع إلى غرمائه بالحصص مالٌ .. جاز من غير إذنه؛ لأنه في معنى المكاتب. وإنما يعطى الغارم إذا بقي الدين، فإن أداه من ماله أو بذل ماله ابتداء .. لم يعط. وإذا مات قبل قبض الزكاة .. لا يصرف إليه بعد موته شيء من الزكاة بالإجماع، والسبب فيه أن الحي محتاج إلى وفاء دينه، والميت إن كان عصى به أو بتأخيره .. فلا يناسب حاله الوفاء عنه، وإلا .. فهو غير مطالب به ولا حاجة له والزكاة إنما تعطى لمحتاج، بخلاف الأداء عنه لبراءة ذمته والتخفيف عنه بالآخرة، وعلى هذا يحمل حديث أبي قتادة. قال: (دون حلول الدين) أي: الأظهر أنه لا يشترط أن يكون الدين حالاً، فيعطى قبل محله؛ لأنه مدين في الحال لكن لا مطالبة. ومقتضى كلام المصنف: أن الخلاف قولان، وهذا لا يلائم تعبيره بعده بـ (الأصح)، لكن الخلاف في (الشرح) وجهان. قال: (قلت: الأصح: اشتراط حلوله والله أعلم) فلا يعطى إذا لم يحل؛ لأنه غير محتاج إليه في تلك الحالة، والخلاف كالخلاف في نجوم الكتابة إذا لم تحل، ولهذا استشكل على المصنف ترجيحه هنا اشتراط الحلول مع موافقته على عدم اشتراط حلول النجم. ويمكن الفرق بأن الحاجة إلى الخلاص من الرق أهم، والغارم ينتظر اليسار، فإن لم يحصل .. فلا حبس ولا ملازمة.

стр. 3015

أَوْ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ .. أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ .. فَلاَ ــ وفي وجه ثالث: إن كان الأجل يحل في تلك السنة .. أعطي، وإلا .. فلا يعطى من صدقات تلك السنة. قال: (أو لإصلاح ذات البين .. أعطي مع الغنى) هذا هو النوع الثاني من الغارمين، وهو من غرم لغيره بأن وقع شر أو فتنة بين شخصين أو قبيلتين في قتل أو غيره فاستدان وأعطى الدية أو الأرش، أو تحمله لإخماد الفتنة قاصدًا الإصلاح. قال الصيمري: إن كان القاتل معروفًا .. لم يعط هذا الدين إلا مع الفقر، وإن لم يعرف .. فيعطى من سهم الغارمين فقيرًا كان أو غنيًا، قال المصنف: وهو ضعيف، فلا تأثير لمعرفته وعدمها، ولهذا أطلق في الكتاب، وسواء كان غنيًا بالناض أو العروض أو العقار؛ لأن المقصود تسكين الثائرة، وهي لا تسكن بتحمل الفقير. و (البين): الفراق، والبين: الوصل فهو من الأضداد، والمباينة: المفارقة، وتباين القوم: تهاجروا. والمراد بـ (ذات البين): إصلاح الأحوال التي تباينوا بسببها، ولما كانت ملابسة للبين .. وصفت به، قيل لها: ذات البين كما قيل للأسرار: ذات الصدور. قال: (وقيل: إن كان غنيًا بنقد .. فلا)؛ إذ ليس في صرفه إلى الدين ما يهتك المروءة. تنبيه: أهمل المصنف نوعًا ثالثًا من الغارمين، وهو من لزمه دين بطريق الضمان عن معين لا في تسكين فتنة، فالضامن والمضمون إما أن يكونا موسرين أو معسرين، أو أحدهما موسرًا والآخر معسرًا. فإن كانا معسرين .. أعطي الضامن ما يقضي به الدين، وقيده ابن الرفعة بما إذا لم يكن سببه معصية، ويجوز صرف ذلك إلى المضمون عنه، قال المتولي: وهو أولى إذا كان الضمان بالإذن. وإن كانا موسرين، فإن ضمن بإذنه .. لم يعط، أو بغير إذنه .. فالأصح كذلك.

стр. 3016

وَ (سَبِيلُ اللهِ): غُزَاةٌ لاَ فَيْءَ لَهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَعَ الغِنَى. وَ (ابْنُ السَّبِيلِ): مُنْشِيءُ سَفَرٍ أَوْ مُجْتَازٌ، ــ وإن كان المضمون عنه موسرًا والضامن معسرًا، فإن ضمن بإذنه .. لم يعط على الصحيح، أو بغير إذنه .. أعطي. وإن كان الضامن موسرًا والمضمون عنه معسرًا .. فيجوز أن يعطى المضمون، وفي الضامن وجهان: أشبههما عند الرافعي: لا يعطى. قال: (و (سبيل الله): غزاة لا فيء لهم) أي: لا اسم لهم في الديوان، إنما يغزون إذا نشطوا (فيعطون مع الغنى)؛ لعموم الآية. وإنما فسر السبيل بالغزاة؛ لأن استعماله في الجهاد أغلب عرفًا وشرعًا، بدليل قوله تعالى في غير موضع: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وإنما سمي الغزو سبيل الله؛ لأن الجهاد طريق إلى الشهادة الموصلة إلى الله، فهو أحق بإطلاق اسم سبيل الله عليه، ويشهد لما قلناه الحديث المتقدم؛ فإنه أرخص للغازي أن يأخذ من الصدقة وإن كان غنيًا. وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغني منهم. وفسر أحمد (سبيل الله) بالحج فيعطى للحجيج. أما الذي له اسم في الديوان .. فلا يعطى؛ لأنه لا يجمع بين الفيء والصدقة، لأن المرتزقة أخذوا بدل جهادهم من الفيء .. فلو أخذوا من الزكاة .. لأخذوا بدلين عن مبدل وذلك ممتنع، فإن عدم الفيء .. ففي الصرف لهم قولان: أظهرهما: لا، بل تجب إعانتهم على أغنياء المسلمين؛ إذ تجب عليهم إعانة المرتزقة ليكفوا المسلمين الشر. قال: (و (ابن السبيل): منشيء سفر) أي: من بلد الزكاة (أو مجتاز) أي: به؛ للآية، أما الثاني .. فبالإجماع، والأول .. بالقياس عليه، فإن المعنى الذي استحق به المستديم للسفر موجود في المنشيء. وخالف فيه مالك وأبو حنيفة فخصاه بالمجتاز؛ لأن الطريق لا تضاف إلا لمن كان فيها، واختاره الفوراني بناء على منع نقل الزكاة، وهو ضعيف؛ فإنه يأخذ لما بين

стр. 3017

وَشَرْطُهُ: الْحَاجَةُ وَعَدَمُ الْمَعْصِيَةِ ــ يديه لما مضى فاستويا، وقواه الشيخ عز الدين في (القواعد) فقال: إن المجاز باعتبار ما يؤول إليه مغلوب، والشافعى لا يجمع بينه وبين الحقيقة، فإن من حلف لا يجلس على فراش فجلس على الأرض، أو لا يستند إلى وتد فاستند إلى جبل، أو لا ينام تحت سقف فنام تحت السماء .. لا يحنث؛ لكونه مجازًا مغلوبًا، فلا يجمع بينه وبين الحقيقة، وإنما يجمع بينهما عند التكاثر في الاستعمال، أو التعارض فيه. وسمي ابن السبيل؛ لملازمته السبيل وهي الطريق، وهو صادق على الذكر والأنثى، والواحد والاثنين والجماعة، ولم يأت في القرآن إلا مفردًا؛ لأن السفر محل الوحدة والانفراد. قال: (وشرطه: الحاجة) بأن لا يجد ما يبلغه غير الصدقة؛ لأنه إنما يأخذ لحاجته لا لحاجتنا إليه، وقد تقدم أن من كان كذلك .. يأخذ مع الفقر دون الغنى. ويستوي فيه من لا مال له أصلاً ومن له مال بغير البلد، لكن لو كان ماله ببلد ووجد من يقرضه إلى بلد ماله .. كان له أخذ الزكاة ولا يجب عليه ا?قتراض، قاله ابن كج، وحكى بعض الفقهاء عن نص البويطي خلافه. فرع: قال الماوردي: منشيء السفر بالخيار بين سهم الفقراء وسهم المساكين إن كان منهم، وبين سهم أبناء السبيل، وأما المجتاز .. فليس له الأخذ من سهم الفقراء ولا المساكين، وهو تفريغ على منع نقل الصدقة. قال: (وعدم المعصية)؛ لأن المقصود إعانته والله تعالى قال:﴾ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ ﴿فيعطى في سفر الطاعة واجبًا كان أو مندوبًا، وكذا المباح كالتجارة والتنزه في أصح الأوجه. وقال الماوردي: سفر التنزه لا يبيح الإعطاء وإن أباح الترخص.

стр. 3018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما العاصي بسفره كقاطع الطريق والهارب من حق لزمه وهو قادر عليه .. فلا يعطى قطعًا، لكن قال أبو إسحاق: يعطى سد رمقه في الحال لا ما يسافر به إلا أن يبقى منقطعًا به، ويعطى في الرجوع إلى وطنه، ويحتمل أن لا يعطى سد الرمق حتى يتوب كقول الجويني في الميتة، ويقال له: تب وكل. وألحق الإمام بسفر المعصية السفر لا لقصد صحيح كالهائم, ويوافقه ما في (فتاوى القفال): أنه لا يجوز صرف سهم ابن السبيل إلى الصوفية؛ لأن سفرهم لا غرض فيه. وإطلاق المصنف يقتضي: أنه يعطى وإن كان قادرًا على الكسب, وحكاه في (شرح المهذب) عن الأصحاب, وهو خلاف ما سبق في الفقير والمسكين من تنزيل الكسب منزلة المال, وكأنهم لم يعتبروه هنا لضرورة الاشتغال بالسفر. قال الشيخ: وإطلاقهم يقتضي: أنه لا فرق في ابن السبيل بين أن يكون مقصده مسافة القصر أو دونها, وسموه في أحد قسميه غنيًا في بلده, وذكروا في الفقير: أنه لا يسلبه اسم الفقر كون ماله في مسافة القصر, وبين الإطلاقين اختلاف في تسمية ذاك فقيرًا وهذا غنيًا. فروع: من عليه زكاة: ليس له أن يساقط من له عليه دين من زكاته, وفيه وجه: أنه يجوز, وبه قال الحسن وعطاء. ولو قال رب الدين للمدين: أعطني هذا الدينار الذي معك في ديني حتى أرده عليك من زكاتي فأداه إليه .. وقع عن الدين قطعًا, ويتخير الآخذ بين أن يرده عليه من الزكاة أم لا. ولو قال المديون له: أعطني دينارًا من زكاتك حتى أقضي به دينك ففعل .. أجزأ

стр. 3019

وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الإسْلاَمُ, وَأَنْ لاَ يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلاَ مُطَّلبِيًّا, ــ عن الزكاة, ويتخير المديون بين أن يدفعه من دينه أم لا. ولو أعطى مسكينًا زكاة ووعده أن يردها عليه ببيع, أو هبة أو أن يصرفها المزكي فى كسوة المسكين ومصالحه .. لم يجز على الأصح كما لو شرط أن يرده من دينه. قال: (وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام) فلا تدفع لكافر بالإجماع. وروي أن عمر جاءه مشرك يلتمس مالاً من الزكاة فلم يعطه وقال: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) عزاه النووى إلى البيهقي وليس فيه, لكن استأنسوا له بقوله ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) يعني: أغنياء المسلمين وفقراءهم, ولأنها عبادة مطهرة فلا تدنس بكافر. نعم؛ يجوز أن يكون الكيال والحمال والحافظ كفارًا؛ فإنه يصرف إليهم من سهم العامل؛ لأنه أجرة , ولا خلاف أن الكافر لا يجوز أن يكون عاملاً في الزكاة؛ لأنا إن قلنا: صدقة .. فلا حق له في الصدقة المفروضة, وإن قلنا: أجرة .. فلا يجوز أن ينصب فيها؛ لعدم أمانته كما لا يجوز أن يستعمل على مال يتيم أو وقف. وقال ابن الرفعة: قد يقال: إن هذا يفارق العمل في جباية مال اليتيم والوقف من جهة أن له فعل ذلك بالإذن, وإن كان لا يجوز .. استحق أجرة المثل, وفي الزكاة إذا فعل ذلك بالإذن أو بغيره .. لا يستحق شيئًا, وسواء في ذلك زكاة الفطر وزكاة المال؛ لعموم الخبر, وخالف أبو حنيفة في زكاة الفطر. قال: (وأن لا يكون هاشميًا)؛ لأن الزكاة على بني هاشم محرمة لقوله ﷺ : (إنا لا تحل لنا الصدقة وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس) رواه الشيخان, وأجمع العلماء على ذلك. قال: (ولا مطلبيًا)؛ لقوله ﷺ : (إنما بنو هاشم وبنو المطلب

стр. 3020

وَكَذَا مَوْلاَهُمْ فِى الأَصَحُ ــ شيء واحد) رواه البخاري, وروي: (سي) بالسين المهملة المكسورة, وهو المثل. وقال أبو حنيفة: لا تحرم على بني عبد المطلب, وسواء منعوا حقهم من خمس الخمس أم لا. وقال أبو سعيد الإصطخري: يجوز صرف الزكاة إليهم إذا منعوا حقهم من الخمس, واختاره أبو سعيد الهروي, وبه أفتى محمد بن يحيى, والأكثرون منعوا ذلك؛ لعموم الحديث. فلو استعمل الإمام هاشميًا أو مطلبيًا في حفظ مال الزكاة أو نقلها .. فله الأجرة, أو في غير ذلك .. لم يحل له سهم العامل على الأصح؛ لما روى مسلم: أن الفضل بن العباس طلب من النبي ﷺ أن يكون عاملاً على الصدقة فقال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد). وخالف في ذلك القفال والإمام والعبادي, ويجري الخلاف: فيما إذا جعل بعض المرزقة عاملاً. قال: (وكذا مولاهم في الأصح)؛ لما روى أبو داوود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم: أن النبي ﷺ قال لأبي رافع مولاه: (إن الصدقة لا تحل لنا, وإن مولى القوم منهم). وأبو رافع اسمه إبراهيم, كان عبدًا للعباس فوهبه لرسول الله ﷺ , فلما بشره بإسلام العباس .. أعتقه. والوجه الثاني - وبه قال مالك -: أنها تحل للموالي؛ لأنه لم يصرح في الحديث بالتحريم عليهم, وقد جاء في (البخاري): (ابن أخت القوم منهم) ولا تحرم الصدقة على ابن أخت ذوي القربى بالاتفاق, ولأنهم ليسوا أكفاء لمواليهم في النكاح, كما أنهم لم يلحقوا بهم في استحقاق خمس الخمس.

стр. 3021

فَصْلٌ: مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الإمَامُ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ .. عَمِلَ بِعِلْمِهِ, ــ غريبة: حكى ابن الصلاح في (فوائد رحلته) عن كتاب الشيخ عماد الدين بن عبد الله بن عبد الرحمن المروروذي النيهي: أنه لا يصح قبض الزكاة من الأعمى ولا إقباضها لأعمى, بل يوكل وكيلاً فيها؛ لأن التمليك شرط فيها, قال ابن الصلاح: وفساد هذا ظاهر, وعمل الناس على خلافه, وحديث: (أبرص وأقرع وأعمى في الصحيح) يدل للجواز. فرع: دفع زكاة لمسكين وهو غير عالم بالمدفوع جنسًا وقدرًا بأن كان فى كاغد ونحوه .. صحح في (الروضة) السقوط, وهو يرد على ما تقدم؛ لأنه كالأعمى إذا قبض. تتمة: سئل المصنف عن دفع الزكاة لمن لا يصلي فقال: إن بلغ تاركًا للصلاة واستمر عليه .. لم يجز دفعها إليه؛ لسفهه, ويجوز دفعها إلى وليه, وإن بلغ مصليًا رشيدًا ثم طرأ الترك ولم يحجز عليه .. جاز الدفع إليه, ويصح قبضه بنفسه كما تصح جميع تصرفاته. وفي (الذخائر): أن تارك الصلاة إن قلنا: لا يكفر .. تدفع إليه الزكاة. وفي وجه: لا تدفع إليه إلا نفقة مدة الاستتابة, وبالجواز مطلقًا أفتى ابن البزري, وعليه عمل الناس كالمصلي العاجز بغير ذلك. قال: (فصل: من طلب زكاة وعلم الإمام استحقاقه أو عدمه .. عمل بعلمه) فيعطي من علم

стр. 3022

وَإلاَّ: فَإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةَ .. لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً, وَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ .. كُلِّفَ, ــ استحقاقه, ويحرم من علم عدم استحقاقه, بل لا يجوز له الصرف إليه ويجب عليه منعه, وهذا لا خلاف فيه. قال الرافعي: ولم يخرجوه على الخلاف في القضاء بالعلم, قال ابن الرفعة: ولعل سببه أنه ليس بحكم, ولأن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة وليس فيها إضرار بالغير, بخلاف القضاء بالعلم. قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم استحقاقه ولا عدمه (.. فإن ادعى فقرًا أو مسكنة .. لم يكلف بينة)؛ لعسرها, وكذا إذا ادعى أنه غير كسوب .. يقبل قوله كما تقدم؛ فقد روى أحمد وأبو داوود والنسائي والدارقطني عن عبد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلين أتيا النبي ﷺ يسألانه الصدقة فقال: (إن شئتما .. أعطيتكما بعد أن أعلمكما أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فأعطاهما ولم يطالبهما بالبينة, فإذا لم يتهما .. لا يحلفان قطعًا, ولا إن اتهما في الأصح. وجزم في (الحاوي الصغير) بتحليفهما ندبًا وهو وجه. قال: (وإن عرف له مال وادعى تلفه .. كلف) أي: بالبينة؛ إذ الأصل بقاؤه. قال الرافعي: ولم يفرقوا بين دعواه الهلاك بسبب خفي كالسرقة أو ظاهر كالحريق كصنيعهم في الوديعة, وفرق ابن الرفعة بأن الأصل عدم ضمان المودع وهنا عدم استحقاق الصرف, لكن قال المحب الطبري: الظاهر التفريق كالوديعة. والبينة: رجلان أو رجل وامرأتان. وقيل: لابد من ثلاثة هنا؛ لحديث مسلم عن قبيصة: (حتى يأتي ثلاثة من ذوي الحجا من قومه) ولا نعلم أحدًا شرط كونهم من قومه, وإنما المراد الاطلاع على حاله ممن لهم خبرة به. ولا يخفى: أن المراد مال يمتنع معه الصرف إليه, فإن كان قدرًا لا يغنيه .. لم

стр. 3023

وَكَذَا إنِ ادَّعَى عِيَالاً فِي الأَصَحِّ. وَيُعْطَى غَازِ وَابْنُ سَبِيلٍ بِقَوْلِهِمَا, فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا .. اسْتُرِدَّ، ــ يطالب ببينة إلا على تلف ذلك المقدار, ويعطى تمام كفايته بلا بينة ولا يمين. قال: (وكذا إن ادعى عيالاً في الأصح) أي: وأن كسبه لا يفي بنفقتهم؛ لإمكان ما يدعيه. والثاني: يقبل قوله بلا بينة كما يقبل قوله في فقره, لكن لا بد من اليمين قطعًا. قال الشيخ: والظاهر: أن المراد بالعيال من تلزمه نفقتهم ومن لا تلزمه ممن تقتضي المروءة والعادة بقيامه بنفقتهم ممن يمكن صرف الزكاة إليه من قريب حر وغيره, وكذا الزوجة؛ لأن نفقتها وإن كانت دينًا فانما تجب يومًا بيوم. فلو قال: لا كسب لي, وحاله يشهد بصدقه, فإن كان شيخًا كبيرًا أو زمنًا .. أعطي بلا بينة ولا يمين, وإن كان جلدًا وقال: لا مال لي .. فوجهان: الأصح في (التهذيب): لا يحلف. قال: (ويعطى غاز وابن سبيل بقولهما) ولا يكلفان حلفًا ولا بينة؛ لأن حالهما يظهر بعد الأخذ. وفي وجه: يحلفان؛ لأنهما قد يكونان كاذبين ويتلف ما أخذاه ولا نجد مرجعًا, ويأتي الخلاف هل هو حتم أو مندوب؟ وخصه ابن الرفعة بحثًا بابن السبيل من البلد وغاز جاء مبتدئًا بعد تجهيز الإمام جماعة. أما المجتاز ومن عينه الإمام للغزو .. فلا يحلف جزمًا. قال: (فإن لم يخرجا .. استرد)؛ لأن صفة الاستحقاق قد انتفت. قال الرافعي: ولم يتعرض الجمهور للقدر الذي يحتمل تأخيره, وقدره السرخسي بثلاثة أيام, فإن لم يخرج فيها .. استرد, قال: ويشبه أنها تقريب, وأن يعتبر ترصده للخروج, وكون التأخير لانتظار الرفقة وتحصيل الآهبة ونحوها.

стр. 3024

وَيُطَالَبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبَيّنَةٍ, وَهِيَ: إِخْبَارُ عَدْلَيْنِ, وَتُغْنِي عَنْهَا الِاسْتِفَاضَةُ, ــ وعبارته تفهم: أنه إذا خرج ثم رجع ومعه شيء .. لا يسترد, وليس كذلك, بل يسترد من ابن السبيل مطلقًا, وكذا من الغازي إذا غزا ورجع وفضل معه شيء صالح, وكذلك المكاتب والغارم كما تقدم. قال: (ويطالب عامل ومكاتب وغارم ببينة)؛ لأنه يدعي أمرًا ظاهرًا تسهل إقامة البينة عليه. وصورة ذلك: إذا أتى إلى رب المال وطالبه وجهل حاله, أما الإمام .. فلا يطالبه بالبينة؛ لأنه يعلم حاله, وهو الذي يبعثه فلا تأتي البينة فيه, وهكذا المؤلف؛ فإنه الذي يتألفه. ويستثنى من مطلق الغارم: الغارم لذات البين, فلا حاجة فيه إلى بينة؛ لشهرة أمره, قاله الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي حسين وغيرهم, وجرى عليه ابن الرفعة, وفي كلام (البيان) ما يخالفه. قال: (وهي: إخبار عدلين) كسائر الشهادات, وهذه العبارة تقتضي: أنه لا يشترط لفظ الشهادة, ولا تقدم دعوى, ولا سماع قاض, بل المراد: إخبار عدلين على صفة الشهود, بل قيل: يكفي واحد إذا حصل الوثوق بقوله, والمقالتان مفرعتان على قبول الاستفاضة. قال: (وتغني عنها الاستفاضة)؛ لأنها كالبينة, بل أقوى؛ لأنها تفيد العلم غالبًا, واستأنسوا بحديث قبيصة المتقدم فإن أدنى ما تحصل به الاستفاضة ثلاثة, وفي (التنبيه): أقلها اثنان, لكن سيأتي في (الشهادات) أن شرطها: السماع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب. وقيل: أراد بالثلاثة رجلاً وامرأتين.

стр. 3025

وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِد فِي الأَصَحّ. ويُعطَى الْفَقِيرُ وَالمِسْكِينُ: كِفَايَةَ سَنَةِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ المَنْصُوصُ, وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: كِفَايَةَ العُمْرِ الْغَالِبِ, ــ واختار ابن الرفعة تبعًا للشيخ أبي علي: أنها إن انتهت إلى التواتر المعتبر عند الأصوليين وأفادت العلم الضروري .. اعتبرت, وإلا .. فلا بد من البينة, والرافعي والشيخ عمما ذلك. قال: (وكذا تصديق رب الدين والسيد في الأصح)؛ لظهور الحق بالإقرار. والثاني: لا؛ لاحتمال التواطؤ, وصححه الجرجاني وغيره. ثم الكلام من أول الفصل إلى هنا في الصفات المقتضية للاستحقاق, ومن هنا إلى آخر الفصل في كيفية الصرف وقدره. قال: (ويعطى الفقير والمسكين: كفاية سنة)؛ لأن الزكاة تتكرر فيحصل بها سد خلة سنة بعد سنة, وأيد بما في (الصحيح): (أن النبي ﷺ كان يدخر لأهله مؤنة سنة) ولم يصحح في (الشرحين) شيئًا, بل ذكر مقالة الطائفتين ثم قال: ووقضيتهما كونهما على وجهين, وأشار في (التتمة) إلى تنزيلهما على حالين: إن إمكن إعطاء ما تحصل منه كفايته .. أعطاه, وإلا .. كفاية سنة, واختارة الشيخ بعد أن توقف فيه. قال: (قلت: الأصح المنصوص, وقول الجمهور: كفاية العمر الغالب)؛ لأنه تحصل به الكفاية على الدوام, وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. قال الإمام: وهذا قد ينبو عنه القلب قليلاً؛ فإنه إذا كان ابن خمس عشرة .. أدى إلى أن يجمع له مالاً جمًا لا يليق بقواعد الكفايات في مطرد العادات, والقريب من الفقه أن يعطى ما يمكن أن ينصب به غلامًا يحسن التجارة لتحصل به كفايته, فإن عسر هذا .. فالظاهر: أنه لا يزاد على مؤنة سنة. ويستدل لما صححه المصنف بما روى أبو داوود عن سهل بن أبي حثمة: (أن النبي صلى الله وسلم ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر بمئة من إبل الصدقة) وبوب

стр. 3026

فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ, وَاللهُ أَعْلَمُ ــ عليه (باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة). ووجه الدليل: أنه أعطاه من الصدقة هذا القدر؛ لعلمه بحاجته, ولو كان بدلاً عن الدية .. لأعطاه من بيت المال لا من الصدقة. تنبيهان: أحدهما: محل الخلاف فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة, أما المحترف .. فيعطى ما يشتري به أداة حرفته قلت قيمتها أو كثرت, والتاجر رأس مال بقدر ما يحسن أن يحصل من ربحه كفايته غالبًا, ومثلوه بخمسة دراهم للبقلي, وعشرة للباقلاني, وعشرين للفاكهاني, وخمسين للخباز, ومئة درهم للنقلي, وألفًا للعطار, وألفين للبزاز, وخمسة آلاف للصيرفي, وعشرة آلاف للجوهري. كل هذا في غير المحصورين؛ أما المحصورون .. فلأنهم ملكوا الموجود, وهل يقال: ملكوا ذلك على عدد رؤوسهم, أو على قدر حاجاتهم, أو لا يملكون إلا الكفاية دون الزائد على ذلك؟ فيه نظر. الثاني: من ملك ما يكفيه أقل من سنة أو أقل من العمر الغالب .. قال الشيخ: الذي يظهر لي من كلام الأصحاب أنه يعطى تكملة ما تحصل به كفايته لبقية السنة على أحد الوجهين, ولبقية العمر الغالب على الأصح, ولا يسلبه ما معه اسم الفقر والمسكنة, وكان بعض فقهاء الزمان يتوهم أنه لا يعطى, وأنه لا بد من اتصافه يوم الإعطاء بصفة الفقر أو المسكنة ثم يعطى حينئذ كفاية سنة على أحد الوجهين وكفاية العمر الغالب على الصحيح, وليس كما توهمه؛ فقد تحققنا من كلام الأصحاب ما ذكرناه, ثم أطال في الاستدلال لذلك. قال: (فيشتري به عقارًا يستغله والله اعلم) هذا تفسير لكفاية العمر, وأنه ليس المراد منه دفع ما يكفيه عمره دفعة؛ لما في ذلك من الإضرار بالأصناف, وقد لا يتسع المال, بل المراد أن يدفع له ما يشتري به شيئًا تحصل منه كفايته مدة عمره؛ لأن

стр. 3027

وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ: قَدْرَ دَيْنِهِ ــ ما يتحصل منه وإن كان شيئًا فشيئًا يكفيه عند حاجته, ولهذا قلنا في القادر على اكتساب ما يكفيه يومًا فيومًا: لا يعطى من سهم الفقر أو المسكنة, وليس المراد أنا نشتريه على ملك المزكي أو المسلمين, ولا يكون للفقير منه إلا الغلة؛ هذا ليس بمراد. وينبغي أن يقرأ (فيشترى) بضم أوله؛ ليفيد أن المشتري له الإمام, ويشبه أن يكون على الخلاف في أن الغازي يشترى له الفرس, أو يصرف له ليشتري, أو يأذن له الإمام في الشراء. فرع: لو أعطى الفقير ما يوصله إلى حد المسكنة, ثم أراد أن يعطيه ما يوصله إلى حد الغنى, فإن كان الذي يعطيه ثانيًا من تلك الزكاة من سهم المساكين .. لم يجز؛ لأنه يكون آخذًا بصفتين, وإن كان من بقية سهم الفقراء .. فيظهر جوازه, أما لو أعطي من زكاة أخرى من سهم المساكين بعد ما أخذ من سهم الفقراء .. فيجوز إن كان وقت وجوبها بعد صيرورته مسكينًا. وسكتوا عن أقل ما يعطى من الزكاة, وفي (الودائع) لابن سريج: أقله نصف درهم, وأكثره ما يخرج به من صفة الفقر إلى الغنى. قال: (والمكاتب والغارم: قدرَ دينه) , فلا يجوز أن يزاد على ذلك؛ لأن الدفع لهما للحاجة, حتى لو كان معهما البعض .. أعطيا التتمة فقط, لكن إذا أخذه المستحق وصار فقيرًا .. يعطى من سهم الفقراء. وأفراد المصنف الضمير مع العطف بـ (الواو) وهو ضعيف, وعبارة (المحرر): (قدر دينهما) وهي أصوب.

стр. 3028

وَابْنُ السَّبِيلِ: مَا يُوَصِّلُهُ مَقْصِدَهُ أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ. وَالْغَازِي: قَدْرَ حَاجَتِهِ لِنَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ وَفَرَسًا وَسِلاَحًا، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ، ــ قال: (وابن السبيل: ما يوصله مقصده أو موضع ماله)؛ لأنه الذي يحتاج إليه. وشملت عبارة المصنف النفقة والكسوة، لكنه استغنى عن تفصيله بذكره في الغازي، وأفهمت عبارته: أنه لا يعطى للرجوع، والصحيح: أنه يعطى له كالغازي. وقيل: إن عزم على وصل الرجوع بالذهاب .. أعطي، أو على إقامة مدة .. فلا. و (المقصد) بكسر الصاد كما ضبطه المصنف. قال: (والغازي: قدرَ حاجته لنفقته وكسوته ذاهبًا وراجعًا) سواء طال أو قصر؛ لأن كل ذلك مما يحتاج إليه، وسكت الجمهور عن نفقة عياله، وتعرض لها بعض شراح (المفتاح)، قال الرافعي: وإعطاؤه ليس ببعيد؛ لأنا ننظر في استطاعة الحج إلى قدرته على ذلك. اهـ وبالذي بحثه الرافعي جزم الفارقي وغيره، وهل يعطى جميع كفايته أو ما يزيد بسبب السفر؟ وجهان كالوجهين المذكورين في ابن السبيل. قال: (ومقيمًا هناك) أي: إلى الفتح، بخلاف ابن السبيل؛ فإنه لا يعطى إلا لإقامة ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج، والفرق أن اسم الغزو باق مع الإقامة. قال: (وفرسًا)؛ إذ لابد للمقاتل منه، فيشتريان له؛ لأن الفرس والسلاح لا يكونان من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، فيحمل على أنهما يشتريان له. قال: (ويصير ذلك ملكًا له) هذا يقتضي: أن يكون الشراء بإذنه وتوكيله، ويكون المعطى الثمن لا الفرس والسلاح، والأمر كذلك إذا رآه الإمام، وإن رأى

стр. 3029

وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلِابْنِ السَّبِيلِ مَرْكُوبٌ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَويلاً أَوْ كَانَ ضَعِيفًا لاَ يُطيقُ الْمَشْيَ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ. وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الأَظْهَرِ ــ استئجارها .. فله ذلك، وللإمام أن يشتري ذلك من سهم الغزاة ويقفه في سبيل الله، فله في الفرس والسلاح طرق: الشراء أو الإجارة أو دفع الثمن أو الأجرة إليه أو الوقف على الجهة، ولا يملك إلا في دفع الثمن. قال: (ويهيأ له ولابن السبيل مركوب إن كان السفر طويلاً أو كان ضعيفًا لا يطيق المشي)؛ لتتم الكفاية، فإن كان قصيرًا وهو قوي .. فلا، كمن بينه وبين مكة دون مرحلتين وهو قوي على المشي .. فإنه يلزمه الحج كذلك. وأشار بقوله: (يهيأ) إلى أن ذلك بشراء أو كراء، ونقل الشيخان عن السرخسي في ابن السبيل الشراء إن اتسع المال والكراء إن ضاق. والمراد بـ (المركوب): زيادة على الفرس الذي يقاتل عليه. قال: (وما ينقل عليه الزاد ومتاعه)؛ لاحتياجه إليه (إلا أن يكون قدرًا يعتاد مثله حمله بنفسه) وأفهمت عبارته: استرداد المركوب منهما إذا رجعا وهو كذلك. وشملت عبارته: ابنَ السبيل إذا كان في سفر نزهة على ما سبق وهو بعيد، والصواب: استثناء ذلك؛ إذ لا ضرورة إليه. قال: (ومن فيه صفتا استحقاق) كالفقير الغارم (يعطى بإحداهما فقط في الأظهر)؛ لأن الله تعالى عطف المستحقين بعضهم على بعض، والعطف يقتضي المغايرة، وبهذا قال أبو حنيفة. والثاني: بهما، لأن للفقير سهمًا وللغارم سهمًا، وهذا فقير وغارم، وإذا قلنا: لا يعطى إلا بواحدة فأخذ بالفقر .. كان للغريم أن يطالبه بدينه فيأخذ ما حصل له، وكذا إن أخذه بكونه غارمًا، فإذا بقي بعد أخذه منه فقيرًا .. فلابد من إعطائه من سهم الفقراء؛ لأنه الآن محتاج، كذا في زوائد (الروضة)، ونازعه الشيخ فيه.

стр. 3030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى الأظهر: إن كان العامل فقيرًا .. فوجهان؛ بناء على أن الذي يأخذه أجرة أم صدقة، إن قلنا: أجرة .. جاز، وإلا .. فلا. وهذا لا يختص بالصفتين، بل من فيه صفات كذلك. ولو قال المصنف: أخذ بأحدهما .. كان أولى؛ فقد جزما بأن الخيار للآخذ، والمراد: صفات استحقاق الزكاة، أما صفات الفيء كالغازي يكون هاشميًا .. فإنه يعطى بهما قطعًا كما تقدم. ولم يذكر المصنف ما تعطى المؤلفة والعامل، فأما الأول .. فيعطى ما يراه الإمام، وأما الثاني .. فيعطى أجرة مثله. تتمة: لو عمل على أن لا يأخذ شيئًا .. قال ابن الرفعة: لا يستحق شيئًا على القاعدة، وأورد حديثًا في (أبي داوود) عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه .. أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : (إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأله .. فكل وتصدق) وهو في (الصحيحين) و (النسائي) بلفظ آخر. قال ابن الرفعة: وطريق الجواب: أن العطاء لم يكن من الصدقات، بل من بيت المال، وللإمام أن يعطي من بيت المال لا على العمل. قال الشيخ: وهذا يرده قول عمر ﵁ فيه: (فعملني)، ومعناه: أعطاني العمالة، والعمالة: هي الأجرة، والظاهر: أنها مما عمل فيه، ولو كانت من بيت المال .. فلا يجوز أن يعطى من بيت المال على سبيل الأجرة إلا ما هو واجب عليه، قال: وطريق الجواب عندي: أن هذا مفروض من الله لمن عمل لا يفتقر إلى

стр. 3031

فَصْلٌ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الأَصْنَافِ إِنْ قَسَّمَ الإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، ــ عقد ولا رغبة من العامل فيه، كالغنيمة يستحقها المجاهد في سبيل الله وإن لم يقصد إلا إعلاء كلمة الله، بل هو أعظم، وهكذا سهم العاملين فريضة من الله بعملهم قصدوها أو لم يقصدوها. وإذا عمل على أن لا يأخذ شيئًا .. استحق، وإسقاطه بعد العمل لا يصح؛ لأن الصحيح: أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة، فلا يسقط ذلك الجزء الذي ملكه العامل من عين المال إلا بهبة أو نحوها مما ينقل الملك. وإن قلنا: يتعلق بالذمة .. فلا يسقط إلا بإبراء صحيح بشرط العلم به، وعمر وابن الساعدي كل منهما لم يحصل منه شيء من ذلك، وليس كمن عمل لغيره عملاً على قصد التبرع حتى يقال: إن قاعدتنا أنه لا يستحق؛ لأن ذلك فيما يحتاج إلى شرط من المخلوق وهذا من الله تعالى كالميراث والغنيمة والفيء ونحوها. قال: (فصل: يجب استيعاب الأصناف إن قسم الإمام وهناك عامل)؛ لأن الله تعالى ملكهم بـ (لام) التمليك، وشرك بينهم بـ (واو) التشريك، فتقسم على ثمانية لكل صنف الثمن، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري وعكرمة. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز تخصيص بعض الأصناف وبعض آحاد الصنف، وبه قال الحسن والشعبي والثوري. وقال مالك: يجوز الصرف إلى من هو أشد حاجة من الأصناف. فاتفق أبو حنيفة ومالك على جواز صرفها إلى صنف واحد، ولكن أبو حنيفة يقول: أي صنف شاء، ومالك يقول: الأمس حاجة، وسواء في ذلك زكاة الفطر وزكاة المال.

стр. 3032

وَإِلاَّ .. فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ .. فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ ــ وأغرب الحناطي فحكى عن الإصطخري جواز الاقتصار على ثلاثة من الفقراء، والمعروف ذلك عنه في الفطرة، وعن ابن الوكيل جواز صرف الزكاة لأهل الخمس، وهما شاذان. وعن أبي ثور: إن قسم الإمام .. استوعب، أو المالك .. فله أن يخص صنفًا واحدًا. قال: (وإلا .. فالقسمة على سبعة) لكل صنف السبع؛ لسقوط سهم العامل، وكذا إذا فرق رب المال بنفسه .. فإنه يسقط قطعًا، ووقع في (الشرح) و (الروضة) في موضع ما يوهم خلافه، وهو مؤول. وحكي عن النص: أن المالك إذا قسم سهم المؤلفة أيضًا .. فتصير القسمة من ستة لكل صنف السدس. قال الشيخ: وسقوط المؤلفة هنا عجيب، إن كان للفقد .. فلا خصوصية لهم، وسيأتي في حكم الفقد، ولعل سبب ذلك: أن الإمام هو الذي يتألف المؤلفة، بخلاف آحاد الناس. قال: (فإن فقد بعضهم) أي: من البلد وغيره (.. فعلى الموجودين) اتفق الأصحاب عليه، كما لو وقف على اثنين فمات أحدهما .. فإن حصته تنتقل إلى الآخر على الصحيح المنصوص، وهذا بخلاف ما إذا أوصى لاثنين فرد أحدهما حيث يعود نصيبه إلى الورثة؛ لأن المال كان لهم لولا الوصية، والوصية تبرع والزكاة دين لازم. وخالف أيضًا: ما إذا فضل الميراث عن ذوي الفروض؛ فإنه لا يرد عليهم على المذهب، لأن بيت المال وارث كالعصبة فلم يفضل شيء. ثم لمسألة الكتاب صورتان: إحداهما: فقد صنف بكماله كالمكاتبين. والثانية: فقد بعض صنف بأن لا يجد منه إلا واحدًا أو اثنين، فليحمل كلامه عليهما. فقوله: (فعلى الموجودين) في الأولى على بقية الأصناف، وفي الثانية على

стр. 3033

وَإِذَا قَسَّمَ الإِمَامُ .. اسْتَوعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ ــ الموجودين من ذلك الصنف، إما قطعًا وإما على الصحيح، لا على غيره إلا أن يستغني الموجود من ذلك الصنف فترد على باقي الأصناف. قال ابن الصلاح: والموجود اليوم من الأصناف أربعة: الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل. وقال ابن كج: سمعت القاضي أبا حامد يقول: أنا أفرق زكاة مالي على الفقراء والمساكين؛ لأني لا أجد غيرهم. وسكتوا عن فقد الجميع؛ لأنه كالمستحيل، فإن فرض .. حفظت حتى يوجدوا أو بعضهم. قيل: ويتعين للحفظ الإمام لا المالك، لكن في الحديث: (حتى يذهب الرجل بزكاة ماله اليوم واليومين فلا يجد من يأخذها منه) وهذا يدل على أنها تبقى عند المالك. قال: (وإذا قسم الإمام) وكذا العامل الذي فوض إليه الصرف (.. استوعب من الزكوات الحاصلة عنده آحاد كل صنف)؛ لأنه لا يتعذر عليه ذلك. وأشار المصنف بقوله: (من الزكوات الحاصلة عنده) إلى أنه لا يلزمه أن يستوعب من زكاة كل شخص الآحاد، بل له أن يعطي زكاة كل شخص بكمالها لواحد، وله أن يخص واحدًا بنوع وآخر بغيره؛ لأن الزكوات كلها في يده كزكاة واحدة، فلو أخل بصنف .. قال الماوردي: ضمن في مال الصدقات لا في مال نفسه قدرَ سهمهم من تلك الصدقة، بخلاف رب المال؛ فإنه يضمن ذلك في مال نفسه، وهذا الاستيعاب واجب على الأصح كما قاله في (تصحيح التنبيه). قال في (شرح المهذب): وأطلق كثيرون ندبه، ولم يحفظ الرافعي هذا

стр. 3034

وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ إِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمُ الْمَالُ، وَإِلاَّ .. فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلاَثَةٍ ــ الخلاف، وهو مخصوص - كما قاله في (الكفاية) - بما إذا أمكن بحيث تندفع حاجة الجميع، أما إذا لم يمكن بحيث لا تحصل لهم الكفاية بالاستيعاب .. فيستحب قطعًا؛ لئلا ينكسر قلب من لم يعط. قال: (وكذا يستوعب المالك إن انحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال)؛ لتيسره حينئذ، وعبارة المصنف تدل على وجوب الاستيعاب عند الإمكان سواء قل عددهم أو كثر، حتى يجب استيعاب المحصورين إذا زادوا على ثلاثة. وقد ذكر الرافعي في (الفروع المنثورة) آخر الباب: أنه لا يجب الاستيعاب إذا زادوا على ثلاثة، وذكر في (باب الوصية) مثله، وجمع الشيخ بين الكلامين فحمل الأول على ما إذا وفى المال، والكلام الذي بعده على ما إذا لم يوف. ويتلخص من كلا النقلين أنهم إن كانوا ثلاثة فأقل .. تعين الصرف إليهم وفى بهم المال أم لا، وإن كانوا أكثر من ثلاثة، فإن عسر ضبطهم .. كان الملك للجهة، ويجوز الاقتصار على ثلاثة منهم، وهؤلاء إنما يملكون يوم القسمة وإن سهل ضبطهم، فإن وفى المال بحاجتهم .. كانوا كالثلاثة، وإن لم يوف .. كانوا كما لو عسر ضبطهم، لكن يستحب التعميم. وضابط العدد المحصور - كما قال في (الإحياء) في اختلاط الحلال بالحرام -: أن كل عدد لو اجتمع في صعيد .. لعسر على الناظر عددهم كالألف فغير محصور، وإن سهل كعشرين .. فمحصور، وبينهما أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما شك فيه يستفتى فيه القلب. قال: (وإلا) أي: وإن لم ينحصروا ولم يف المال بهم. قال: (.. فيجب إعطاء ثلاثة) أي: فصاعدًا؛ لأن الله تعالى ذكرهم بلفظ

стр. 3035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجمع، والثلاثة أقله، ولا ينقص عن ثلاثة بلا خلاف نظرًا إلى المعنى. نعم؛ يجوز أن يكون العامل واحدًا إذا حصلت به الكفاية، وقد استثناه في (التنبيه)، وأهمله في (المهذب)، وتعجب المصنف في (شرحه) من إهماله، وهو وارد عليه هنا. وقيل: يكفي في ابن السبيل واحد؛ لأنه لم يذكر بلفظ الجمع، وجوز بعضهم طرده في الغزاة، فعلى الأصح: إذا دفع السهم إلى اثنين .. غرم للثالث أقل متمول على الأقيس. والمنصوص: أنه يغرم ثلث نصيب ذلك الصنف، فإن لم يقدر على ثالث .. أعطى من وجده، وصرف باقي السهم إليه إذا كان مستحقًا على الأصح. ولو صرف الإمام إلى بعض المستحقين كل السهم .. ضمن للباقين قدر حاجتهم. ثم إن عدم الانحصار .. قد يكون مع إمكان الاستيعاب ومع عدمه، ولا شك أنه مع عدم الإمكان يسقط الوجوب والاستحباب؛ إذ لا تكليف معه. فروع: ختم في (الروضة) هذا الباب بنقله عن (الإحياء): أنه يجب على الآخذ أن يسأل دافع الزكاة عن قدرها، فيأخذ بعض الثمن بحيث يبقى من الثمن ما يدفع إلى اثنين من صنفه، فإن دفع إليه الثمن بكماله .. لم يحل له الأخذ، قال: وإنما يجوز ترك السؤال عن هذا إذا لم يغلب على الظن احتمال التحريم. وقوله: (الثمن) تمثيل؛ فإن سهم العامل يسقط إذا فرق المالك كما تقدم. وإذا كثرت زكاة رجل بحيث لو بسطها على محاويج بلده كفتهم بعض كفاية، فصرفها إلى ثلاثة من كل صنف ولم يكن في القطر من يرعى المحاويج غيره .. برئت ذمته من الزكاة وعصى بتضييعهم، ولو بسطها عليهم .. سقط فرض العين وفرض الكفاية.

стр. 3036

وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَصْنَافِ، لاَ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، إِلاَّ أَنْ يُقَسِّمَ الإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ .. ــ وإذا امتنع الفقراء من أخذ الزكاة .. قوتلوا، ولا يصح إبراء الفقراء المحصورين ربَّ المال من الزكاة إن قلنا: تجب في العين، وهو الأصح. قال: (وتجب التسوية بين الأصناف) ولو زادت حاجة بعضهم، سواء قسم الإمام أو المالك؛ لأن الله تعالى جمع بينهم بـ (واو) التشريك فاقتضى أن يكونوا سواء، هذا إذا كانوا غير محصورين، فإن انحصروا .. لم تجب التسوية وإن وجب تعميمهم، نقله الرافعي عن (التهذيب)، وأسقطه من (الروضة)، لكن تستثنى صورتان: إحداهما: العامل حيث يستحق .. فلا يزاد على أجرة المثل، ولا يجوز أن يصرف إليه الثمن. والثانية: إذا قسم فنقص سهم بعض الأصناف عن الكفاية وزاد سهم بعضهم عليها .. فهل يصرف ما زاد إلى من نقص نصيبه أو ينتقل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد؟ وجهان: مقتضى كلام (الروضة): ترجيح الأول، لكنه صحح في (تصحيح التنبيه) نقله. قال: (لا بين آحاد الصنف) أي: إن قسم المالك؛ لأن الحاجات متفاوتة غير منضبطة فاكتفي بصدق الاسم، لكن يستحب عند تساوي الحاجات. والفرق: أن الأصناف محصورة فتمكن التسوية بينهم، بخلاف آحاد الصنف، وبخلاف الوصية لفقراء بلد؛ فإنه تجب التسوية؛ لأن الحق في الوصية لهم على التعيين. قال: (إلا أن يقسم الإمام فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات)؛ لأن عليه التعميم فلزمه التسوية، بخلاف المالك؛ فإنه لا تعميم عليه فلا تسوية، وحرمة

стр. 3037

وَالأَظْهَرُ: مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ ــ التفضيل في هذه الصورة حكاه الرافعي عن المتولي فقط، وكلام ابن الصباغ يوافقه، واختاره الشيخ، وجزم به في (المحرر)، فتبعه في (المنهاج)، وقال في (الروضة): إنه قوي إلا أنه خلاف إطلاق الجمهور استحبابَ التسوية، ونقله الصيدلاني عن النص، وجزم به ابن القشيري في (تفسيره). قال: (والأظهر: منع نقل الزكاة) أي: إذا كانت في البلد وأمكن الصرف إليهم .. فيحرم نقلها، ولا يسقط به الفرض؛ لخبر معاذ المتقدم، ولأن طمع الفقراء في كل بلد يمتد إلى ما فيها من المال والنقل يوحشهم، وبهذا قال مالك وأحمد. ولا فرق في التحريم: بين أن ينقل إلى مسافة القصر أو دونها، فلذلك أطلقه المصنف؛ لأنه نقل إلى بلد آخر ويتضرر بذلك أهل بلده، فأشبه النقل إلى مسافة القصر، ويخالف الرخص؛ فإنها متعلقة بالسفر المشق. وقيل: يجوز؛ لأنه في حكم الحضر بالنسبة إلى القصر وغيره. والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يجوز؛ لإطلاق الآية ولم يحك ابن المنذر عن الشافعي ﵁ غيره، وقال الخطابي والبغوي في (شرح السنة): عليه أكثر العلماء، واختاره الروياني في (الحلية)، وأفتى به ابن الصلاح وابن الفركاح عند وجود مصلحة لأجل قريب ونحوه. وظاهر تعبير المصنف: أن القولين في التحريم، لكن المرجح في (الروضة) و (أصلها): أنهما في الإجزاء، أما التحريم .. فلا خلاف فيه، وقيل: بالعكس، وقيل: فيهما، وقال في (الشرح الصغير): لا يبعد التعميم. وإطلاق المصنف يقتضي التعميم في مسافة القصر وما دونها، وهو الصحيح. وقيل: بل الخلاف في مسافة القصر، ولا بأس بالنقل لدونها، لكن يستثنى من إطلاقه صور: إحداها: ما إذا فرق الإمام .. فالأشبه: جواز النقل، فيفرق كيف شاء،

стр. 3038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك الساعي؛ لأنه في معناه. الثانية: إذا كان له نصاب من الغنم نصفه ببلد ونصفه ببلد آخر .. فإن له أن يخرج شاة بأحد البلدين على الأصح؛ فرارًا من التشقيص. الثالثة: إذا جاء الحول والمال ببادية .. فإنه يفرق في أقرب البلاد إليه. الرابعة: إذا فارق المستحقون أو بعضهم بلد المال .. فله النقل اعتبارًا بالأخذ لا بالبقعة، نقله الإمام، قال: ومنعه بعضهم عند انتقال بعضهم وفي المقيمين مقنع. فروع: مؤنة النقل - حيث جاز أو وجب - على المالك، قال الرافعي: ويمكن تخريجه على أجرة الكيال، قال الشيخ: هذا عند الوجوب صحيح، وإلا .. فعلى المالك قطعًا؛ لإمكان الصرف في البلد. ولو كان المال في بلد والمالك في بلد .. فالاعتبار ببلد المال؛ لأنه سبب الوجوب، والأصح في زكاة الفطر: اعتبار بلد المالك. وأهل الخيام الذين ينتقلون من بقعة إلى بقعة يصرفون الزكاة إلى من معهم، فإن لم يكن معهم. فإلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحول. ولو دخل إلى بلد المال غريب حين وجوب الزكاة .. كان كالقاطن في البلد، لكن تقديم القاطن في البلد أولى عند الشافعي ﵁ من الداخل. فائدة: إذا لم يعلم الإمام بحاجة أهل الصدقة حتى قسمها في غيرهم، أو فعل ذلك بعض عماله ثم علم هو به .. فإنه يروى عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أضعف الصدقة في مثل هذا من قابل.

стр. 3039

وَلَوْ عُدِمَ الأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ .. وَجَبَ النَّقْلُ، ــ بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة إذا أعرابية فتوسمت الناس، فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة ولي بنون، وإن أمير المؤمنين عمر بعث محمد بن سلمة ساعيًا فلم يعطنا، فلعلك يرحمك الله أن تشفع لنا إليه فصاح بيرفأ أن ادع لي محمد بن مسلمة، فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، فقال: إنه سيفعل إن شاء الله. وروي أنه قال لها: اذهبي فقولي له: هذا الرجل يدعوك فقالت: ليس هكذا يكون الشفيع، فجاء محمد بن سلمة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فاستحيت المرأة فقال عمر: والله ما آلو أن أختار خياركم، كيف أنت قائل إذا سألك الله عن هذه؟! فدمعت عينا محمد ثم قال: أد إليها صدقة العام وعام أول، وما أدري لعلي ما أبعثك، ثم دعا إليها بجمل وأعطاها دقيقًا وزيتًا وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نزيدك، فأتته بخيبر .. فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا حتى يأتيك محمد فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول. قال الشيخ ﵀: في هذا الأثر دليل على أن مال السنة إذا فرق على المستحقين وتأخر بعضهم .. يعطى من تأخر من السنة القابلة عنها وعن الماضية، وهذا يقع كثيرًا في المدارس، ويقول من لا علم له: لا نفرق مال سنة في سنة، وإنما ذلك عند عدم المباشرة والاستحقاق، أما معهما .. فيعطى؛ لهذا الأثر، ويكون المتأخر لتلك المرأة دينًا على جهة الزكاة كدين على بيت المال، وكذا نقول في المتأخر لفقيه على وقف. قال: (ولو عدم الأصناف في البلد .. وجب النقل) أي: إلى أقرب بلد بالاتفاق كما أنا نراعي بقية الأصناف بالرد، فإذا لم نجدهم .. انتقلنا إليهم، ولأن صدقات بني تميم قدمت على النبي ﷺ ، وصدقات طيء قدمت مع عدي بن حاتم على أبي بكر الصديق ﵄. وليكن النقل إلى أقرب البلاد إليه، وإلا .. فهو على الخلاف في نقل الصدقات،

стр. 3040

أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ .. وَجَبَ، وَإِلاَّ .. فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ. وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ: حُرًّا، عَدْلاً، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، ــ وهذا بخلاف الدم الواجب في الحرم؛ فإنه إذا فقد فيه المسكين .. لم يجز نقله، سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم كمن نذر التصدق عليهم. قال: (أو بعضهم وجوزنا النقل .. وجب)؛ لتصل الزكاة إلى أربابها. والمراد بـ (البعض): غير العامل؛ فإن نصيبه إذا عدم .. يرد على الباقين بلا خلاف. قال: (وإلا .. فيرد على الباقين) أي: وجوبًا؛ لانحصار الاستحقاق فيهم. قال: (وقيل: ينقل)؛ لأن استحقاق الأصناف منصوص عليه، فيقدم على رعاية المكان الذي ثبت بالاجتهاد، وعلى هذا القول: لو نقل إلى البلد البعيد مع إمكان القريب أورد على الباقين .. ضمن، ونقله في (الكفاية) عن تصحيح الرافعي وهو سهو، ونقل فيها عن البندنيجي: أن محل الخلاف إذا لم يكف الباقين نصيبهم، فإن كفاهم .. نقل. والقولان مبنيان على أن المغلب حكم البلد أو حكم الأصناف، فالأول على الأول، والثاني على الثاني. قال: (وشرط الساعي كونه: حرًا، عدلاً)؛ لأن ذلك ولاية وتصرف في مال الغير، والعبد والفاسق ليسا من أهلها، ونبه بالعدالة على أنه لابد أن يكون مسلمًا مكلفًا، لكنه أهمل اشتراط الذكورة كما في (المهذب) و (شرحه)، وفي (الروضة) و (أصلها) اعتبارها، وفي (الكفاية) خلاف، وتقدم اشتراط: أن لا يكون من ذوي القربى ومواليهم والمرتزقة في الأصح؛ أي: إذا أخذ من الزكاة، فإن فوض إلى ذوي القربى ورزقه من المصالح .. جاز، قاله ابن الصباغ والماوردي في (الأحكام). قال: (فقيهًا بأبواب الزكاة)؛ لأنها ولاية من جهة الشرع فافتقرت إلى الفقه كالقضاء.

стр. 3041

فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ. وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأَخْذِهَا. وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ ــ والمراد بـ (أبواب الزكاة): معرفة ما تجب فيه الزكاة وقدرها، ومن تجب عليه ومن تجب له، وقدر ما يستحقه، فلا يجوز استعمال الجاهل بأحكامها وإن عرف غيرها، ويجوز تولية من عرفها وإن جهل غيرها. قال الماوردي: ويجوز استعمال المرأة لكن يكره. قال: (فإن عين له أخذ ودفع .. لم يشترط الفقه)؛ لأنها رسالة لا ولاية، قال الماوردي: ولا الإسلام ولا الحرية، قال في (الروضة): في عدم اشتراط الإسلام نظر، وقال في (شرح المهذب): المختار اشتراطه، قال الشيخ: وما قاله الماوردي لا يعرج عليه. قال: (وليعلم شهرًا لأخذها)؛ ليتهيأ أرباب الأموال لأداء زكاتهم، وهذا الإعلام إما من الساعي أو الإمام، والأصح: أنه مستحب، وقيل: واجب. وقال الشافعي والأصحاب: ينبغي أن يكون ذلك الشهر المحرم؛ لقول عثمان ﵁، المحرم شهر زكاتكم، ولأنه أول العام، ولا فرق في ذلك بين الشتاء والصيف، وفي (الشامل الصغير): رمضان أولى؛ لمضاعفة الثواب فيه. كل هذا في الزكاة التي يشترط فيها الحول، أما زكاة الزروع والثمار .. فتبعث وقت وجوبها، وهو في الزرع عند الاشتداد، وفي الثمار عند بدو الصلاح، وينبغي لأرباب الأموال إذا قدم عليهم الساعي قبل وجوبها على بعضهم .. أن يعجلها له؛ حتى لا يحتاج أن يقدم مرة أخرى، ولئلا تتعطل مصلحة الساعي والفقراء. قال: (ويسن وسم نعم الصدقة والفيء)، وكذا الجزية والخيل والحمير؛ لتتميز وليردها من وجدها ضالة، وليعرفها المتصدق فلا يتملكها؛ لأنه يكره لمن تصدق بشيء أن يتملكه اختيارًا.

стр. 3042

فِي مَوْضِعٍ لاَ يَكْثُرُ شَعْرُهُ، ــ وقال أبو حنيفة: الوسم مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، وقد نهى عنهما الشارع. لنا: ما روى الشيخان عن أنس أنه قال: غدوت على رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته وبيده الميسم يسم إبل الصدقة، ويجعل ميسم الغنم ألطف من ميسم البقر، وميسم البقر ألطف من ميسم الإبل، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها، وفي رواية لأحمد وابن ماجه: يسم غنمًا في آذانها. وعبد الله بن أبي طلحة المذكور هو الذي قال النبي ﷺ لأبويه: (بارك الله لكما في ليلتكما)، فولدته على عهد رسول الله ﷺ ، وولد له عشرة ذكور كلهم قرؤوا القرآن والعلم، وأشهرهم إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة شيخ مالك. والمتولي للوسم كل من له ولاية على النعم من إمام أو ساع أو غيرهما. ويكتب في الزكاة: لله، واستبعده بعضهم بتعريضه للنجاسة، وأجيب بأنه فعل للتمييز لا للذكر والتبرك، ويختلف التعظيم باختلاف القصد، كما يتلفظ الجنب بقرآن على قصد غيره، هكذا أجاب الرافعي وغيره. والأحسن أن يستدل بما رواه البيهقي عن صفوان بن عمرو قال: كنت بباب عمر بن عبد العزيز فخرجت علينا خيل مكتوب على أفخاذها: عدة لله، فالشافعي ﵁ اقتدى به في ذلك. و (الوسم): أثر الكي، وهو بالسين المهملة، وجوز بعضهم إعجامها، حكاه في (شرح مسلم)، وبعضهم جعل المهملة للوجه والمعجمة لسائر الجسد. قال: (في موضع لا يكثر شعره)؛ ليكون أهون على البهيمة وأظهر لمن يراه، والمراد: أن يكون مع ذلك صلبًا. والأولى في الغنم: الأذن، والإبل والبقر: أصول أفخاذها؛ لأن النبي صلى الله

стр. 3043

وَيُكْرَهُ فِي اَلْوَجْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يَحْرُمُ، وبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) لَعْنُ فَاعِلهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ عليه وسلم وسم الغنم في آذانها، رواه ابن ماجه، وفي الإبل، رواه الشافعي ﵁. وفي (البيهقي) عن جنادة: أن النبي ﷺ قال له: (أخر أخر) حتى وصل إلى أفخاذها فقال له: (سِمْ على بركة الله) وقيس الخيل والبقر على الإبل؛ لقوتها وجلادتها. قال الإمام: والوسم في غير الموضع الصلب .. كلام القاضي يقتضي تحريمه. قال: (ويكره في الوجه)؛ لما روى مسلم عن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوسم في الوجه). قال: (قلت: الأصح: يحرم، وبه جزم البغوي، وفي (صحيح مسلم): (لعن فاعله) والله أعلم) ولفظه: عن جابر: أن النبي ﷺ مر عليه بحمار وسم في وجهه فقال: (لعن الله الذي وسمه) واللعن يقتضي التحريم. ودل ذلك على أنه يجوز لعن أصحاب المعاصي من غير تعيين؛ ففي (الصحيحين): أنه ﷺ قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة). و: (آكل الربا) و (المصورين). و: (من غير منار الأرض، والسارق، ومن لعن والديه، ومن ذبح لغير الله). و: (من أحدث في المدينة حدثًا، أو آوى محدثًا).

стр. 3044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و: (لعن رعلاً وذكوان وعصية). و: (لعن اليهود). و: (المتشبهين بالنساء وعكسه). و: (لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا). أما البغوي .. فهو الإمام العلامة، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود، منسوب إلى (بغ) بفتح الباء وبالغين المعجمة: مدينة معروفة بخراسان بين مرو وهراة، أحد أئمة المذهب، صنف في التفسير والحديث والفقه، وكان زاهدًا يأكل الخبز البحت، فعدل في ذلك فصار يأدمه بالزيت، ولم يلق درسًا إلا وهو على طهارة، مات سنة ست عشرة وخمس مئة، ودفن عند شيخه القاضي حسين. تتمة: كما يجوز وسم الحيوان للحاجة - وهو تعذيب - يجوز أن يخصى ما يؤكل لحمه في الصغر؛ لأنه يؤثر في طيب اللحم، ولا يجوز في الكبر وما لا يؤكل لحمه، ومنع ابن المنذر ذلك في الكبير والصغير مطلقًا؛ لأن فيه تعذيبًا للحيوان. وقال المصنف: الكي إذا لم تدع إليه حاجة حرام، سواء كوى نفسه أو غيره، آدميًا أو غيره، وإن دعت إليه حاجة بقول أهل الخبرة .. جاز. ويكره إنزاء الحمر على الخيل والعكس؛ لما روى أبو داوود بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وسبب النهي: أن ذلك يؤدي إلى قلة الخيل وضعفها، قال الحليمي: هذا في عتاقها، أما البراذين .. فلا، وهو حسن قريب في المعنى مما قاله الشيخ أبو محمد في إركابها أهل الذمة، وتوقف الشيخ تقي

стр. 3045

فَصْلٌ: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيِّ ــ الدين القشيري في جواز إنزاء الخيل على البقر؛ لضعفها وتضررها بكبر آلة الخيل. ويحرم الهراش بين البهائم؛ لما روى أبو داوود والترمذي: أن النبي ﷺ نهى عن ذلك. قال: (فصل: صدقة التطوع سنة) أي: مؤكدة إذا لم يعلم أن الآخذ يصرفها في معصية، قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. وصحح ابن حبان والحاكم: أن النبي ﷺ قال: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس). وروى مسلم: أن النبي ﷺ قال: (ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره). والأصح: أنها كانت محرمة على رسول الله ﷺ دون ذوي القربى. قال: (وتحل لغني) ولو من ذوي القربى على المشهور، لا للنبي ﷺ ، وسواء كان غنيًا بكسب أو مال؛ ففي الصحيح: (تصدق الليلة على غني) وفيه: (لعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله). وفي (الصحيح) أيضًا: (ما آتاك الله من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل .. فخذه) وبظاهر هذا الأمر قال ابن حزم: يجب أخذه لمن عرض عليه ولو كان غنيًا، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْسًا﴾ وهذا يتخرج على الأمر بعد الحظر، والمشهور: أنه للإباحة. وقال الماوردي والروياني: وإنما يكون على الغني صدقة إذا قصد بها وجه الله تعالى وثوابه، فإن قصد الامتنان والملاطفة .. كانت هبة.

стр. 3046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتعبير المصنف بـ (الحل) يفهم: أنه لا يكره أخذها، وليس كذلك، والحل مقيد بأمرين: أحدهما: أن لا يظهر الفاقة، فإن أظهرها .. حرمت عليه، وعليه حملوا حديث الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال ﵊: (كيتان من نار). والثاني: أن لا يظن الدافع فقره، فإن أعطاه ظانًا حاجته .. ففي (الإحياء): إن علم الآخذ ذلك .. لم يحل له، قال: وكذلك إذا دفع إليه لعلمه أو صلاحه أو نسبه .. لم يحل له إلا أن يكون بذلك الوصف المظنون، وأن لا يكون فاسقًا في الباطن فسقًا لو علم به المعطي .. ما أعطاه. تنبيه: اقتضى إطلاقه الحل ولو بالسؤال، ولا خلاف في تحريم السؤال على الغني بمال، وكذا بكسب على الأصح؛ ففي (صحيح مسلم): (من سأل أموال الناس تكثرًا .. إنما يسأل جمرًا) ومعنى تكثرًا؛ أي: من غير حاجة، بل ليكثر ما عنده من المال، ومعنى جمرًا أي: يعذب به يوم القيامة، والسؤال لغير حاجة مكروه. وقال ابن الصلاح: السؤال حرام مع التذلل والإلحاح وإيذاء المسؤول. وقال ابن عبد السلام: الصحيح من مذهب الشافعي ﵁: جوازه؛ لأنه طلب مباح كطلب العارية وغيرها، والذم الوارد في الأخبار يحمل على الطلب من الزكاة الواجبة وليس هو من الأصناف الثمانية.

стр. 3047

وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضَانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ ــ فائدة: جزم القرطبي بأنه يكره أن يقول الإنسان في دعائه: اللهم؛ تصدق علي بكذا؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالنوال وبجميع النعم، لا رب غيره. وسمع الحسن رجلاً يقول: اللهم؛ تصدق علي، فقال له: إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق مبتغي الثواب، أما سمعت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟ قل: اللهم؛ أعطني وتفضل علي. قال: (وكافر)؛ لأن (في كل كبد حرى أجر) رواه ابن حبان، وفي (الصحيحين): (في كل كبد رطبة أجر) وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. وأما ما رواه أبو داوود والترمذي: أن النبي ﷺ قال: (لا يأكل طعامك إلا تقي) .. فمحمول على الأولى والأفضل. لكن شملت عبارة المصنف: الصدقة عليه من أضحية التطوع، وسيأتي في (بابها) أن الشافعي ﵁ نص على منع ذلك. قال: (ودفعها سرًا وفي رمضان ولقريب وجار أفضل) أما السر .. فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه: (ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه).

стр. 3048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الحليمي: ولا يكفي في ذلك الإخفاء، بل لابد مع ذلك من أن لا يتحدث بها، فإن أظهرها من غير رياء وسمعة لكن ليقتدى به وهو ممن يتبع .. فالإظهار أفضل. وأما الزكاة .. فالأفضل إظهارها بالإجماع، قاله في (شرح المهذب)؛ لئلا يساء به الظن، وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة، وأما الباطنة .. فإخفاؤها أفضل؛ للآية. وأما فعلا في شهر رمضان .. فلأنه سيد الشهور، وكان النبي ﷺ فيه أجود بالخير من الريح المرسلة، والمراد: في إسراعها وعمومها، وقال في (الإحياء): معناه: لا يمسك شيئًا. وروى الترمذي عن أنس: أن النبي ﷺ سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان) ولأن الفقراء يعجزون فيه عن الكسب بسبب الصوم. وتستحب التوسعة فيه على العيال، سيما في العشر الأخير منه، وكذا في الأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة ويومي العيد وعاشوراء، وكذا في الأماكن الشريفة كمكة والمدينة، والإكثار منها أمام الحاجات المهمة، وعند الكسوف والمرض والسفر، وفي الغزو والحج. وأما القريب .. فلأن الصدقة عليه صدقة وصلة كما رواه أصحاب السنن وصححه الحاكم، فيبدأ بذي الرحم المحرم، ثم بغير المحرم، ثم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم بالولاء، قال الحليمي والدارمي: ويخص الأعداء منهم؛ لما روى الدارقطني في (علله): أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) هو العدو، كذا فسره الهروي، لكن كلام (النهاية) يخالفه.

стр. 3049

وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .. يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ــ وتخصيصه القريب يقتضي إخراج الزوجة وهي ملحقة به، وكذلك الصديق ونحوه. وأفضلية الدفع إلى القريب لا تختص بالتطوع، بل الزكاة والكفارة كذلك إذا كانوا بصفة الاستحقاق. وأما الجار .. فلقول عائشة ﵂: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا) رواه البخاري، والجار القريب أولى من الأجنبي. فروع: يكره أن يتصدق بالرديء وبما فيه شبهة، وينبغي أن لا يمتنع من الصدقة بالقليل احتقارًا له؛ فقد كان بعض السلف يتصدق ببصلة، وتصدقت عائشة ﵂ بعنبة. ويستحب أن يدفعها بطيب نفس، وأن يتصدق بما يحب. ويحرم المن بها، فإذا منَّ بها .. بطل ثوابها. ويستحب بالماء. ومن دفع إلى غلامه أو غيره شيئًا ليدفعه للسائل .. لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه السائل، ويستحب له أن لا يعود فيه إذا لم يقبضه، بل يتصدق به. قال: (ومن عليه دين أو له من تلزمه نفقته .. يستحب أن لا يتصدق حتى يؤدي ما عليه)؛ تقديمًا للأهم، وربما قيل: يكره، وما ذكره محمول على ما إذا لم يطالب به، فإن طولب به .. فلا سبيل إلى القول بالجواز؛ لوجوب أدائه على الفور، وعبارة الرافعي: (لا يستحب له أن يتصدق) وبين العبارتين تفاوت ظاهر. قال: (قلت: الأصح: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته،

стр. 3050

أَوْ لِدَيْنٍ لاَ يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ أو لدين لا يرجو له وفاء والله أعلم)؛ لأنه حق واجب فلا يترك لسنة، وقد قال ﷺ : (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) رواه أبو داوود والنسائي وصححه الحاكم. وأما الدين، فإن غلب على ظنه وفاؤه من جهة أخرى .. فلا بأس بالصدقة. وكلام المصنف في (شرح المهذب) مخالف لكلامه هنا وفي (الروضة). وقال الشيخ محب الدين الطبري: في إطلاق التحريم نظر؛ فإن كبار الصحابة كانوا يؤثرون حالة الضرورة، ويخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون لعيالهم شيئًا، وكانوا يقترضون ويتصدقون، قال: والظاهر اختلاف الحكم باختلاف الأحوال، فعمر تصدق بنصف ماله، وأبو بكر الصديق بجميعه، فكان بينهما كما بين كلمتيهما، فسبحان من فاوت بين الخلق. الصديق تصدق بجميع ماله وثعلبة بخل بزكاته، وقيل للخليل: اذبح ولدك .. فأضجعه للذبح، وقيل لبني إسرائيل اذبحوا بقرة .. فذبحوها وما كادوا يفعلون. ولا فرق بين دين الزكاة وغيره؛ لأنها على الفور. وقال الماوردي: لا تستحب الصدقة لمن عليه زكاة. ثم لا يكفي في منع التحريم مطلق رجاء الوفاء، بل لابد من استناده إلى سبب ظاهر كما قاله في (الإحياء)، وكلام (الروضة) في (الشهادات) يقتضيه. وينبغي تخصيص المنع بدين يتعين وفاؤه على الفور، فإن كان على التراخي .. فيجوز، وقد نزل ابن الرفعة الوجهين بالتحريم والمنع على هاتين الحالتين، قال: وعلى التحريم هل يملكها المتصدق عليه؟ يشبه أن يكون على الوجهين فيما إذا وهب الماء الذي يحتاج إليه بعد دخول الوقت، ومقتضاه: أنه لا يملكه على الأصح، لكن جوزوا للمدين تخصيص بعض الغرماء بجميع ماله، ولعل الفرق أن في ذلك إسقاطًا عما في الذمة بخلاف الصدقة.
следующие страницы →