Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتعبير المصنف بـ (الحل) يفهم: أنه لا يكره أخذها، وليس كذلك، والحل مقيد بأمرين:
أحدهما: أن لا يظهر الفاقة، فإن أظهرها .. حرمت عليه، وعليه حملوا حديث الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال ﵊: (كيتان من نار).
والثاني: أن لا يظن الدافع فقره، فإن أعطاه ظانًا حاجته .. ففي (الإحياء): إن علم الآخذ ذلك .. لم يحل له، قال: وكذلك إذا دفع إليه لعلمه أو صلاحه أو نسبه .. لم يحل له إلا أن يكون بذلك الوصف المظنون، وأن لا يكون فاسقًا في الباطن فسقًا لو علم به المعطي .. ما أعطاه.
تنبيه:
اقتضى إطلاقه الحل ولو بالسؤال، ولا خلاف في تحريم السؤال على الغني بمال، وكذا بكسب على الأصح؛ ففي (صحيح مسلم): (من سأل أموال الناس تكثرًا .. إنما يسأل جمرًا) ومعنى تكثرًا؛ أي: من غير حاجة، بل ليكثر ما عنده من المال، ومعنى جمرًا أي: يعذب به يوم القيامة، والسؤال لغير حاجة مكروه.
وقال ابن الصلاح: السؤال حرام مع التذلل والإلحاح وإيذاء المسؤول.
وقال ابن عبد السلام: الصحيح من مذهب الشافعي ﵁: جوازه؛ لأنه طلب مباح كطلب العارية وغيرها، والذم الوارد في الأخبار يحمل على الطلب من الزكاة الواجبة وليس هو من الأصناف الثمانية.
стр. 3047
وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضَانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ
ــ
فائدة:
جزم القرطبي بأنه يكره أن يقول الإنسان في دعائه: اللهم؛ تصدق علي بكذا؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالنوال وبجميع النعم، لا رب غيره.
وسمع الحسن رجلاً يقول: اللهم؛ تصدق علي، فقال له: إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق مبتغي الثواب، أما سمعت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟ قل: اللهم؛ أعطني وتفضل علي.
قال: (وكافر)؛ لأن (في كل كبد حرى أجر) رواه ابن حبان، وفي (الصحيحين): (في كل كبد رطبة أجر) وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
وأما ما رواه أبو داوود والترمذي: أن النبي ﷺ قال: (لا يأكل طعامك إلا تقي) .. فمحمول على الأولى والأفضل.
لكن شملت عبارة المصنف: الصدقة عليه من أضحية التطوع، وسيأتي في (بابها) أن الشافعي ﵁ نص على منع ذلك.
قال: (ودفعها سرًا وفي رمضان ولقريب وجار أفضل) أما السر .. فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه: (ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه).
стр. 3048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الحليمي: ولا يكفي في ذلك الإخفاء، بل لابد مع ذلك من أن لا يتحدث بها، فإن أظهرها من غير رياء وسمعة لكن ليقتدى به وهو ممن يتبع .. فالإظهار أفضل.
وأما الزكاة .. فالأفضل إظهارها بالإجماع، قاله في (شرح المهذب)؛ لئلا يساء به الظن، وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة، وأما الباطنة .. فإخفاؤها أفضل؛ للآية.
وأما فعلا في شهر رمضان .. فلأنه سيد الشهور، وكان النبي ﷺ فيه أجود بالخير من الريح المرسلة، والمراد: في إسراعها وعمومها، وقال في (الإحياء): معناه: لا يمسك شيئًا.
وروى الترمذي عن أنس: أن النبي ﷺ سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان) ولأن الفقراء يعجزون فيه عن الكسب بسبب الصوم.
وتستحب التوسعة فيه على العيال، سيما في العشر الأخير منه، وكذا في الأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة ويومي العيد وعاشوراء، وكذا في الأماكن الشريفة كمكة والمدينة، والإكثار منها أمام الحاجات المهمة، وعند الكسوف والمرض والسفر، وفي الغزو والحج.
وأما القريب .. فلأن الصدقة عليه صدقة وصلة كما رواه أصحاب السنن وصححه الحاكم، فيبدأ بذي الرحم المحرم، ثم بغير المحرم، ثم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم بالولاء، قال الحليمي والدارمي: ويخص الأعداء منهم؛ لما روى الدارقطني في (علله): أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) هو العدو، كذا فسره الهروي، لكن كلام (النهاية) يخالفه.
стр. 3049
وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .. يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ
ــ
وتخصيصه القريب يقتضي إخراج الزوجة وهي ملحقة به، وكذلك الصديق ونحوه.
وأفضلية الدفع إلى القريب لا تختص بالتطوع، بل الزكاة والكفارة كذلك إذا كانوا بصفة الاستحقاق.
وأما الجار .. فلقول عائشة ﵂: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا) رواه البخاري، والجار القريب أولى من الأجنبي.
فروع:
يكره أن يتصدق بالرديء وبما فيه شبهة، وينبغي أن لا يمتنع من الصدقة بالقليل احتقارًا له؛ فقد كان بعض السلف يتصدق ببصلة، وتصدقت عائشة ﵂ بعنبة.
ويستحب أن يدفعها بطيب نفس، وأن يتصدق بما يحب.
ويحرم المن بها، فإذا منَّ بها .. بطل ثوابها.
ويستحب بالماء.
ومن دفع إلى غلامه أو غيره شيئًا ليدفعه للسائل .. لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه السائل، ويستحب له أن لا يعود فيه إذا لم يقبضه، بل يتصدق به.
قال: (ومن عليه دين أو له من تلزمه نفقته .. يستحب أن لا يتصدق حتى يؤدي ما عليه)؛ تقديمًا للأهم، وربما قيل: يكره، وما ذكره محمول على ما إذا لم يطالب به، فإن طولب به .. فلا سبيل إلى القول بالجواز؛ لوجوب أدائه على الفور، وعبارة الرافعي: (لا يستحب له أن يتصدق) وبين العبارتين تفاوت ظاهر.
قال: (قلت: الأصح: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته،
стр. 3050
أَوْ لِدَيْنٍ لاَ يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
أو لدين لا يرجو له وفاء والله أعلم)؛ لأنه حق واجب فلا يترك لسنة، وقد قال ﷺ : (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) رواه أبو داوود والنسائي وصححه الحاكم.
وأما الدين، فإن غلب على ظنه وفاؤه من جهة أخرى .. فلا بأس بالصدقة.
وكلام المصنف في (شرح المهذب) مخالف لكلامه هنا وفي (الروضة).
وقال الشيخ محب الدين الطبري: في إطلاق التحريم نظر؛ فإن كبار الصحابة كانوا يؤثرون حالة الضرورة، ويخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون لعيالهم شيئًا، وكانوا يقترضون ويتصدقون، قال: والظاهر اختلاف الحكم باختلاف الأحوال، فعمر تصدق بنصف ماله، وأبو بكر الصديق بجميعه، فكان بينهما كما بين كلمتيهما، فسبحان من فاوت بين الخلق.
الصديق تصدق بجميع ماله وثعلبة بخل بزكاته، وقيل للخليل: اذبح ولدك .. فأضجعه للذبح، وقيل لبني إسرائيل اذبحوا بقرة .. فذبحوها وما كادوا يفعلون.
ولا فرق بين دين الزكاة وغيره؛ لأنها على الفور.
وقال الماوردي: لا تستحب الصدقة لمن عليه زكاة.
ثم لا يكفي في منع التحريم مطلق رجاء الوفاء، بل لابد من استناده إلى سبب ظاهر كما قاله في (الإحياء)، وكلام (الروضة) في (الشهادات) يقتضيه.
وينبغي تخصيص المنع بدين يتعين وفاؤه على الفور، فإن كان على التراخي .. فيجوز، وقد نزل ابن الرفعة الوجهين بالتحريم والمنع على هاتين الحالتين، قال: وعلى التحريم هل يملكها المتصدق عليه؟ يشبه أن يكون على الوجهين فيما إذا وهب الماء الذي يحتاج إليه بعد دخول الوقت، ومقتضاه: أنه لا يملكه على الأصح، لكن جوزوا للمدين تخصيص بعض الغرماء بجميع ماله، ولعل الفرق أن في ذلك إسقاطًا عما في الذمة بخلاف الصدقة.
стр. 3051
وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ .. اسْتُحِبَّ، وَإِلاَّ .. فَلاَ.
ــ
قال: (وفي استحباب الصدقة بما فضل) أي: بجميع ما فضل (عن حاجته أوجه، أصحها: إن لم يشق عليه الصبر .. استحب، وإلا .. فلا) وعلى هذا تحمل الأحاديث المختلفة الظواهر كقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول) وصدقة أبي بكر وعمر ﵄.
والوجه الثاني: يستحب بجميع الفاضل مطلقًا كما فعل الصديق.
والثالث: لا مطلقًا؛ لقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىّ).
وقوله: (حاجته) قد يفهم عدم اعتبار حاجة من يمونه وليس كذلك، بل لابد من اعتبار الأمرين، لكنه لم يبين المراد بـ (الحاجة) هل هي في الحال أو اليوم والليلة؟ وكلام الغزالي في (الإحياء) يقتضي الثاني، وسيأتي في (السير) عن الإمام: أن الموسر تجب عليه المواساة بما زاد على كفاية سنة.
ويستحب إذا تصدق بصدقة .. أن ينوي بها الصدقة عن أبويه فيحصل الثواب لهما وله؛ لما روى البيهقي في (الشعب) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال لأبيه: إن النبي ﷺ قال لأبي ذر: (إذا أردت أن تتصدق بصدقة .. فاجعلها عن أبويك؛ فإنه يلحقهما ولا ينقص من أجرك شيء).
تتمة:
يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره إذا أذن فيه صريحًا، وبما لم يأذن فيه ولم ينه عنه إذا علمت رضاه به، فإن لم تعلمه .. حرم، وكذا حكم المملوك.
стр. 3052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
قال في (الإحياء): اختلف السلف في المحتاج، هل الأفضل له أن يأخذ من الزكاة أو من صدقة التطوع؟
فكان التجنيد والخواص وجماعة يفضلون الأخذ من الصدقة.
وفضل آخرون الأخذ من الزكاة؛ لأنه إعانة على واجب ولا منة فيها.
قال: والصواب أنه يختلف باختلاف الأحوال.
واختلفوا في تفضيل الغني والفقير مع اتفاقهم على أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم، والصحيح الذي عليه الجمهور: أن الغني الشاكر أفضل؛ لأنه متصف بصفتين من صفات الله تعالى فهو الغني الشكور، والفقير الصابر متصف بصفة من صفات العبيد وهي الفقر وصفة من صفات المعبود، وهي الصبر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ﴾ ومن أسمائه تعالى (الصبور)، ورجع هذا الشيخ تقي الدين القشيري وغيره.
وذهب جمهور الصوفية إلى تفضيل الفقير الصابر.
ومرادهم بالأفضل: أن درجته فوق درجته، واستدلوا لذلك بأمور: منها ما رواه الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام).
قال أبو حنيفة: عنى به النبي ﷺ الأغنياء من غير هذه الأمة؛ ليكون على موافقة العقل، فإنا نعلم قطعًا أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ كانا من الأغنياء ولا يدخل الفقراء قبلهم الجنة.
стр. 3053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال محمد بن خفيف: الفقير الصابر هو الغني الشاكر؛ لما روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر).
وقال الشيخ أبو علي الدقاق: الأفضل أن يعطى الإنسان قدر كفايته ويصان فيه، وهو مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن خيار الأمور أوساطها، والله أعلم.
***
стр. 3054
فهرس الكتاب
كتاب اللقطة
٧
فصل: في بيان حكم الملتقط
١٧
فصل: فيما تملك به اللقطة
٣٧
كتاب اللقيط
٤٩
فصل: في الحكم بإسلام الرقيق وكفره
٦٥
فصل: فيما يتعلق برق اللقيط وحريته
٧٦
كتاب الجعالة
٨٩
كتاب الفرائض
١٠٧
فصل: في الفروض وذويها
١٢٨
فصل: في الحجب
١٣٦
فصل: في بيان إرث الأولاد انفرادًا واجتماعًا
١٤٣
فصل: في بيان إرث الأب والجد والأم في حالة
١٤٦
فصل: في ميراث الحواشي
١٥١
فصل: في الإرث بالولاء
١٥٨
فصل: في ميراث الجد مع الإخوة
١٦١
فصل: في موانع الإرث وما يتبعها
١٦٨
فصل: في أصول المسائل وما يعول منها
١٩٠
فرع: في تصحيح المسائل
١٩٨
فرع: في المناسخات
٢٠٤
كتاب الوصايا
٢١٣
فصل: في الوصية بزائد على الثلث
٢٣٩
فصل: في بيان المرض المخوف والملحق به
٢٥٠
стр. 3055
فصل: في أحكام الوصية
٢٦٩
فصل: في أحكام الوصية المعنوية
٢٩٨
فصل: في الرجوع عن الوصية
٣١٥
فصل: في الوصاية
٣٢١
كتاب الوديعة
٣٤٣
كتاب قسم الفيء وَالغنيمة
٣٧٩
فصل: في الغنيمة
٤٠٣
كتاب قسم الصدقات
٤٣١
فصل: في مقتضى صرف الزكاة وصفة من يأخذ منها
٤٥٣
فصل: في حكم استيعاب الأصناف
٤٦٣
فصل: في صدقة التطوع
٤٧٧
فهرس الكتاب
٤٨٧
стр. 3056
كِتَابُ النِّكَاحِ
ــ
كتاب النكاح
هو فِعال من النُّكح بضم النون وسكون الكاف، وهو بضع المرأة، يقال: نكحها؛ أي: أصاب نكحها.
وأصله في اللغة: الضم والاجتماع، ومنه: تناكحت الأشجار .. إذا تمايلت وتعانقت، وأطلق على الوطء؛ لإفضائه إلى الضم، والعرب تستعمله بمعنى الوطء والعقد جميعا، لكنهم إذا قالوا، نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أمته أو أخته.
أرادوا: تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أو أمته .. لم يريدوا إلا المجامعة.
قال الثعالبي: وله مئة اسم، وقال ابن القطان: ألف اسم، ولأصحابنا في موضوعه الشرعي ثلاثة أوجه:
أصحها: انه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وبهذا قال أحمد، وهو أقرب إلى الشرع؛ لأن أكثر ما ورد في القرآن بمعنى العقد، وفي (الترمذي)] ١٠٨٩ [: (أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد).
والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وإليه ذهب أبو حنيفة، وهو أقرب إلى اللغة.
والثالث: حقيقة فيهما بالاشتراك كالعين، وإنما ينصرف لأحدهما بقرينة.
ويظهر أثر الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في: أن الوطء بالزنا هل يحرم ما حرمه
стр. 3057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النكاح أو لا؟ عندنا: لا يحرمه، وعنده: يحرمه، وإذا علق الطلاق على النكاح عندنا يحمل على العقد؛ لأنه الحقيقة لا الوطء إلا إذا نوى، حكاه الرافعي في آخر (الطلاق) عن البوشنجي.
والأصح في الأصول والضوابط: انه من العقود اللازمة، وقال في (المطلب): إنه المذهب، والذي يظهر أن لزومه من جهة المرأة، وفي الزوج وجهان؛ لقدرته على الطلاق، وهل هو عقد حل أو تمليك؟ وجهان بنى عليهما المتولي ما لو حلف أنه لا ملك له وله زوجة، والمختار في زوائد (الروضة) منها: عدم الحنث إذا لم يكن له نية؛ لأنه لا تفهم منه الزوجية.
والأصل في مشروعيته قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى:﴾ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ﴿، وقوله:﴾ وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ ﴿، وقوله:﴾ ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴿الآيات.
ومن السنة أحاديث: منها قوله ﷺ : (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم] ١٤٦٧ [، وقوله ﷺ : تناكحوا تكثروا) رواه الشافعي بلاغا] أم ٥/ ١٤٤ [.
وفي (سنن النسائي)] سك ٨٨٦٣ [و (البيهقي (] ٧/ ٧٨ [و (المستدرك (] ٢/ ١٦٠ [قوله ﷺ : (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء)، وفيه في (كتاب الزهد) لأحمد: (إني أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن).
وقال ﷺ : (من تزوج .. فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي) كذا في (الوسيط)، وفي (الإحياء): (فقد أحرز شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) وكلا اللفظين ليس بثابت، لكن صحح الحاكم] ٢/ ١٦١ [: من رزقه الله امرأة صالحة .. فقد أعانه على شطر دينه).
فالفرج واللسان لما استويا في إفساد الدين جعل كلا شطرا، ومن روى: (للفرج
стр. 3058
هُوَ مُسْتَحَبٌ لِمُحْتَاج إِلَيْهِ يَجِدُ ُأهْبَتَهُ،
ــ
الثلثين) ... فلأن مفسدته أعظم؛ لأنها تسري إلى غيره، إذ لا يمكن الطاعة به والمعصية إلا باجتماع فرج آخر، بخلاف اللسان، فلذلك قوبل بالثلثين؛ لاحتياجه إلى غيره، بخلاف اللسان.
وروى أحمد] ٥/ ١٦٣ [وابن أبي شيبة وابن عبد البر عن عكاف بن وداعة أنه أتى النبي ﷺ فقال له: (ألك زوجة يا عكاف؟) قال: لا، قال: (ولا جارية؟) قال: لا، قال: (وأنت صحيح موسر؟) قال: نعم والحمد لله، قال: (فأنت إذن من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى .. فالحق بهم، وإن كنت منا .. فاصنع كما نصنع؛ فإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، ويحك يا عكاف .. تزوج) فقال عكاف: يا رسول الله؛ لا أتزوج حتى تزوجني من شئت، فقال ﷺ : (زوجتك على اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميري).
قال: (هو مستحب)؛ لما روى أبو يعلي الموصلي] ٢٧٤٨ [عن ابن عباس بإسناد حسن: أن النبي ﷺ قال: (النكاح سنتي، فمن أحب فطرتي .. فليستن بسنتي).
وروى أبو منصور الديلمي عن أبي سعيد، والداري والبغوي، وأبو داوود في (المراسيل): أن النبي ﷺ قال: (من ترك التزويج مخافة العيلة .. فليس منا).
قال: (لمحتاج إليه يجد أهبته)؛ تحصينا لدينه وفرجه، وغضا لبصره، ولما فيه من بقاء النسل وحفظ النسب، والاستعانة على المصالح.
وفي (الصحيحين)] خ ٥٠٦٥ - ١٤٠٠م [: أن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة .. فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع ... فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).
و (الباءة) بالمد: مؤن النكاح، وبالقصر: نفس النكاح.
و (الوجاء): قطع الشهوة.
стр. 3059
فَإِنْ فَقَدَهَا .. اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ
ــ
والمراد ب (المحتاج إليه): الذي تتوق نفسه إليه وإن كان خصيا كما سيأتي عن (الإحياء)؛ فإنه استحبه للعنين ونحوه.
و (الأهبة): مؤن النكاح، وأهبة الحرب: عدته، وسواء كان الواجد للأهبة متعبدا أم لا.
ووجه عدم الوجوب قوله تعالى:﴾ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴿علقه بالاستطابة، والواجب ليس كذلك، لكن يستحب أن لا يزيد على امرأة واحدة، إلا أن يحتاج إلى أكثر منها .. فيستحب ما يحتاج إليه؛ ليتحصن به.
قال: (فإن فقدها .. استحب تركه)؛ لقوله تعالى:﴾ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ﴿.
وفي (صحيح مسلم)] ٢٧٤٢ [: (اتقوا الله واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وليس المراد تركهن، إنما المراد: التقوى فيهن؛ فإنهن مما لا بد منه.
وعبارة المصنف هنا وفي (التصحيح) تقتضي: أن الترك مطلوب، والحديث اقتضى عدم طلب الفعل وهو أعم من طلب الترك، ولا يلزم من الأعم الأخص، وعبارة (المحرر) و (الشرح): (الأولى أن لا ينكح) فلو قال المصنف: فإن فقدها لم يستحب .. كان أحسن، لكنه قال في (شرح مسلم): (يكره له) وهي أبلغ من طلب الترك.
قال: (ويكسر شهوته بالصوم)؛ للحديث المذكور، والأمر فيه بالصوم للإرشاد، ولأن فيه التزام مؤن وكلف لا يستطيعها، والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج.
وخص الصوم بالذكر؛ ليخرج الكافور وقد صرح الأصحاب بالمنع منه، لكن قال الخطابي والروياني والبغوي في (شرح السنة): إنه يؤخذ من الحديث جواز المعالجة لقطع الباه بالأدوية، فإن لم ينقطع توقانه بالصوم لشدة غلمته .. تزوج.
стр. 3060
فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ ... كُرِهَ إِنْ فَقَدَ الأُهْبَةَ، وَإِلاَّ .. فَلَا، لَكِنِ الْعِباَدَةُ أَفْضَلُ
ــ
قال: (فإن لم يحتج ... كره إن فقد الأهبة)؛ لقوله تعالى:﴾ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ﴿، ولأنه يلتزم به ما لا يقدر على القيام بمقتضاه من غير ضرورة، وعليه حمل ما روي عنه ﵊ من قوله: (خيركم بعد المئتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد) رواه أبو يعلى والخطابي في (كتاب العزلة).
وعدم الحاجة: إما لعدم توقان نفسه، وإما لمرض أو عجز أو غير ذلك.
قال: (وإلا ... فلا) أي: إذا لم يفقد غير المحتاج الأهبة .. لم يكره؛ لقدرته عليه، ومقاصد النكاح لا تنحصر في الجماع.
قال: (لكن العبادة أفضل)؛ اهتماما بها، قال الشافعي ﵁ وذكر الله تعالى عبدا أكرمه فقال:﴾ وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ﴿و (الحصور): الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاح، وهذه مسألة خلاف بيننا وبين الحنفية، فعنده النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ لأنه يراه من العبادات لما فيه من تكثير النسل، وعندنا وجه مثله.
ومذهبنا: أن التخلي للنوافل أفضل؛ لأنه عندنا من المباحات، والعبادة عارضة له بالقصد بدليل صحته من الكافر.
وفي (فتاوي المصنف): إن قصد به طاعة من ولد صالح أو الإعفاف .. فهو من عمل الآخرة ويثاب عليه، وإلا .. فهو مباح، ويؤيده قول الماوردي في (كتاب النذر): ولو نذر التزوج فإن قصد به غض الطرف وتحصين الفرج .. كان قربة، وإن
стр. 3061
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ .. فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائمٍ أَو تَعْنِينٍ .. كُرِهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
أراد التلذذ والاستمتاع .. كان مباحا ولم يلزم قطعا.
وكان ينبغي للمصنف أن يقابل الاستمتاع بالتخلي للعبادة لا بالعبادة نفسها، هذا في حق الأمة، أما رسول الله ﷺ .. فكان في حقه من العبادات قطعا؛ لنقل الشريعة التي لا يطلع عليها إلا النساء، ولإظهار محاسنه الباطنة؛ فإنه ﷺ مكمل الظاهر والباطن.
وفسر الماوردي التخلي للعبادة بالاشتغال بالعلم.
قال: (قلت: فإن لم يتعبد .. فالنكاح أفضل في الأصح)؛ لأن البطالة قد تفضي إلى الفواحش.
والثاني: تركه أفضل؛ لما فيه من الخطر بالقيام بواجباته.
ولنا وجه في الأصل: أنه إن خاف الزنا .. وجب عليه النكاح، قال المصنف: أو التسري، ووجه أنه فرض كفاية، وسيأتي في (السير) بيان معناه.
وأوجب داوود العقد فقط مرة في العمر.
قال: (فإن وجد الأهبة وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين .. كره والله أعلم)؛ لما فيه من التزام الخطر وعدم القدرة على الوطء فلا تحصل به فائدة من إقامة سنة النكاح، كذا جزما به، وفيه نظر؛ لأنه لم يرد فيه نهي يخصه، وعموم أدلة الترغيب تشمله.
وجزم في (الإحياء) باستحبابه للعنين؛ فإن نهضات الشهوة قوية، قال: والمسموح لا ينقطع الاستحباب في حقه، بل يؤمر به كما يؤمر الأصلع بإمرار الموسى على رأسه، قال: ومن اجتمع له فوائد النكاح من النسل والتحصين وغيرهما وانتفت عنه آفاته من تخليط في الكسب وتقصير في حقهن .. استحب له، وعكسه العزوبة له أفضل، فإن اجتمعا .. اجتهد وعمل بالأحوط.
стр. 3062
وَتُسْتَحَبُّ دَيِّنَهُ بِكِرٌ
ــ
تذنيب:
قال الزنجاني في (شرح الوجيز): سكت الأصحاب عن حكم النساء، ويغلب على الظن أن النكاح لهن أولى مطلقا؛ لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والستر عن الرجال ولا يجب عليهن المهر والنفقة.
وقال في (التنبيه): ومن جاز لها النكاح من النساء، فإن كانت لا تحتاج إليه ... كره، وإن احتاجت إليه .. استحب، ولم يقيد الجمهور تبعا ل (المختصر) الاستحباب لهما بجواز تصرفهما، وقيده في (التنبيه) تبعا للإمام؛ ليخرج غيره، فالكراهة له عند عدم الحاجة ظاهرة، بل لا يجوز؛ لأن الولي إنما يتصرف له بالمصلحة.
قال: (وتستحب دينة)؛ لقوله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه] خ ٥٠٩٠ - م ١٤٦٦ [.
قال الرافعي في (الأمالي): المراد ههنا ب (الدين) الطاعات والأعمال الصالحات والعفة عن المحرمات، وهذا مراد الفقهاء بقولهم: إن الدين من خصال الكفاءة.
ومعنى (تربت): استغنت إن فعلت، أو افتقرت إن لم تفعل.
قال (بكر)؛ لقوله ﷺ لجابر: (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك) متفق عليه من روايته، وهذا إذا لم يكن عذر، وفي الحديث: (عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير) رواه ابن ماجه] ١٨٦١ [.
ومعنى (أطيب أفواها): ألين كلمة، و (أنتق أرحاما): أكثر أولادا.
стр. 3063
نَسِيبَةٌ
ــ
فائدتان:
الأولى: قال في (الإحياء): كما يستحب نكاح البكر يستحب أن لا يزوج ابنته إلا من بكر لم يتزوج قط؛ لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في خديجة: (إنها أول نسائي).
ولذلك زوج النبي ﷺ ابنته زينب أكبر بناته بابن خالتها أبي العاص بن الربيع، واسمه لقيط بن عبد العزى وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، ولم يكن تزوج قبلها غيرها، وقال عنه ﷺ : (حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي).
وزوج فاطمة بابن عم أبيها علي ولم يكن تزوج قبلها غيرها.
وزوج رقية عتبة بن أبي لهب لوم يكن تزوج غيرها، ثم فارقها قبل الدخول لما أنزل الله تعالى:﴾ تبت يدا أبي لهب وتب ﴿
، ثم تزوجها عثمان ولم يكن تزوج قبلها غيرها، فلما ماتت زوجه النبي ﷺ أم كلثوم؛ ليبين للناس حل تزوج الأختين.
الثانية: روى أبو نعيم عن شجاع بن الوليد قال: كان فيمن كان قبلكم رجل حلف لا يتزوج امرأة حتى يستشير مئة نفس، وأنه استشار تسعة وتسعين رجلا فاختلفوا عليه، فقال: بقي واحد وهو أول من يطلع من هذا الفج فآخذ بقوله ولا أعدوه، فبينا هو كذلك ... إذ طلع عليه رجل يركب قصبة فأخبره بقصته فقال له: النساء ثلاثة: واحدة لك وواحدة عليك وواحدة لا لك ولا عليك، فالبكر لك، وذات الولد عليك، والثيب لا لك ولا عليك، ثم قال: أطلق الجواد، فقال له: أخبرني بقصتك، فقال: أنا رجل من علماء بني إسرائيل، مات قاضينا فركبت هذه القصبة وتبالهت؛ لأخلص من القضاء.
قال: (نسيبة) فتكره بنت الفاسق ومن لا يعرف لها أب؛ لقوله صلى الله عليه
стр. 3064
لَيْسَتْ قَرَابَةٌ قَرِيبَةً
ــ
وسلك: (تخيروا لنطفكم) رواه ابن ماجه] ١٩٦٨ [والبيهقي] ٧/ ١٣٣ [، وصححه الحاكم] ٢/ ١٦٣ [.
وروى الواقدي: أن النبي ﷺ قال: (إياكم وخضراء الدمن). قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: (المرأة الحسناء في المنبت السوء).
وقال أكثم بن صيفي: المناكح الكريمة مدارج الشرف.
وقال ابن عبد البر: ينبغي أن تكون من بيت معروف بالدين والقناعة.
قال: (ليست قرابة قريبة)؛ لأن مقصود النكاح اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة، وهو مفقود في نكاح القريبة، واستدل الرافعي له تبعا (للوسيط) بقوله ﵊: (لا تنكحوا القرابة القريبة؛ فإن الولد يخلق ضاويا) أي: نحيفا، وذلك لضعف الشهوة غير أنه يجئ كريما على طبع قومه، والحديث المذكور قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا معتمدا.
قال الشيخ: فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم؛ لعدم الدليل، وقد زوج النبي ﷺ عليا فاطمة ﵄، وأنشد الزمخشري في (الفائق) على ذلك] من الطويل [:
فتى لم تلده بنت عم قريبة .... فيضوى وقد يضوى رديد القرائب.
وأنشدني له بعض فقهاء اليمن في سنة ستين وسبع مئة] من الخفيف [:
إن أردت الإنجاب فانكح غريبا .... وإلى بعض الأقربين لا تتوصل.
فانتقاء الثمار طيبا وحسنا .... ثمر غصنه غريب موصل.
فجملة الأوصاف التي ذكرها المصنف أربعة وبقي منها:
стр. 3065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن تكون حسنة؛ لما روى الحاكم] ٢/ ١٦١ [عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (خير النساء من تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، ولا تخالف في نفسها ومالها).
قال الماوردي: لكنهم كرهوا ذات الجمال البارع؛ فإنها تزهو بجمالها، أو كما قال بعض الأعراب] من البسيط [:
ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا .... إلا وجدت به آثار منتجع
وأن لا يكون لها ولد من غيره إلا لمصلحة، كما تزوج النبي ﷺ أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة.
وأن تكون وافرة العقل.
وأن لا يكون لها مطلق يرغب فيها ويخشى من الفتنة.
وأن لا تكون شقراء ذكره صاحب (الترغيب) أبو المفاخر سعيد بن أسعد من متأخري المراوزة في المئة السادسة، وقد أمر الشافعي ﵁ الربيع أن يرد الغلام الأشقر الذي اشتراه له وقال: ما لقيت من أشقر خيرا، ذكره الآبري في (مناقبه) وقصته مع الأشقر الذي أضافه في عوده من اليمن مشهورة.
ويستحب أن تكون ولودا، ذات خلق حسن، وأن تكون خفيفة المهر؛ لما روى الحاكم] ٢/ ١٧٨ [عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا).
وقال عروة: أول شؤم المرأة أن يكثر صداقها.
ويستحب أن تكون بالغة، نص عليه، إلا أن تدعو إلى ذلك مصلحة أو حاجة كتزويج النبي ﷺ عائشة.
ويستحب العقد في شوال، قال في (الأحياء): وكذلك يستحب له الدخول
стр. 3066
وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا .. سُنَّ نَظَرُةُ إِلَيْهَا قَبْلَ الخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تَاذَنْ،
ــ
فيه، وأن يكون العقد في المسجد، وأن يكون أول النهار؛ لحديث: (اللهم؛ بارك لأمتي في بكورها).
قال: (وإذا قصد نكاحها .. سن نظره إليها قبل الخطبة)؛ لقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: (انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) حسنه الترمذي] ١٠٨٧ [وصححه الحاكم] ٢/ ١٦٥ [.
قيل معنى (يؤدم): يدوم، فقدم الواو على الدال.
وقيل: هو من الأدم؛ فإن الطعام لا يطيب إلا به، حكى الماوردي الأول عن المحدثين والثاني عن اللغويين.
وفي (سنن أبي داوود)] ٢٠٧٥ [و (ابن حبان)] ٤٠٤٢ [عن محمد بن مسلمة: أن النبي ﷺ قال: (إذا ألقى الله في قلب رجل خطبة امرأة ... فلا بأس أن ينظر إليها) واستدل له البخاري] ٢٤٣٨ [بقوله ﷺ لعائشة ﵂: (رأيتك في المنام في سرقة من حرير).
وقيل: هذا الأمر مباح؛ لأنه أمر بعد الحظر وهو للإباحة، ومال إليه ابن الصلاح، وتؤيده رواية أبي داوود: (لا بأس أن ينظر إليها).
وقال داوود: هذا النظر واجب؛ لأن الأمر بعد الحظر عنده للوجوب.
وقيل: لا يحل له أن ينظر إلا حين تحرم الخطبة على خطبته بالركون إليه أو إجابته، وقيده الشيخ عز الدين بمن يرجو رجاء مؤكدا أن يجاب.
قال: (وإن لم تأذن)؛ اكتفاء بإذن الشارع خلافا لمالك.
стр. 3067
وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ، وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ
ــ
لنا: ما روى البزار] ٣٧١٤ [والطبراني] طس ٩١٥ [وأحمد] ٥/ ٤٢٤ [: أن النبي ﷺ قال: (لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها وإن كانت لا تعلم).
ولأنها إذا علمت .. ربما تصنعت وتجملت بما ليس فيها، ففيه نوع غرور.
قال: (وله تكرير نظره) إليها؛ ليتبين هيئتها، ولئلا يندم بعد النكاح، وإنما يكرر النظر حيث احتاج إليه، والظاهر أن ذلك مقيد بثلاث؛ لأن بها تندفع الحاجة، وفي حديث عائشة ﵂: (أريتك في ثلاث ليال) وسواء خشي الفتنة من ذلك أم لا كما قاله الروياني والإمام.
وقال الجويني في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة): لا يتأمل عند خوف الفتنة.
قال: (ولا ينظر غير الوجه والكفين)؛ لأن غيرهما عورة، ولأنها المواضع التي تظهر من الزينة المشار إليها بقوله تعالى:﴾ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴿، وعلله الماوردي بأن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي اليدين ما يستدل به على خصب البدن ونعومته.
ويعم بالنظر ظاهر الكفين وباطنهما، وقيل: ومفصل اليدين.
وقيل: إنما ينظر الوجه فقط، وهو الذي يفهمه كلام (الوجيز)، ولم يقمه الرافعي وجها، بل أوله وليس كذلك، بل هو مقتضى كلام جماعة من العراقيين.
وقيل: ينظر ما ينظره الرجل من الرجل، ولا يجوز أن ينظر إليها حاسرة بإذنها ولا بغيره.
ويستحب للمرأة أيضا أن تراه إذا أرادت نكاحه؛ لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها.
وجوز أبو حنيفة ومالك النظر إلى الوجه والكفين والقدمين.
وقال الأوزاعي: ينظر منها المواضع التي هي سبب رغبته فيها.
وقال داوود: ينظر جميع البدن إلا الفرج؛ لإطلاق الأحاديث.
стр. 3068
وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبيرةٍ أَجْنَبِيةٍ، وَكَذَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصًحِيحِ،
ــ
وإذا كانت المخطوبة أمة .. قال ابن الرفعة: مفهوم كلامهم أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.
وإذا تعذر النظر عليه .. ينبغي أن يبعث امرأة تنظرها وتصفها له، وهو مستثنى من النهي عن ذلك للحاجة.
قال: (ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية) هذا لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى:﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴿.
والمراد ب (العورة) ههنا: عورة الصلاة، وهو ما عدا الوجه والكفين، ولا فرق في ذلك بين العنين والخصي والمجبوب وغيرهم.
قال: (وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة) بالإجماع، وقيل: إنما ينظر باطن الكف فقط.
وليس المراد ب (الفتنة) المخوفة الجماع، بل ما يدعو إليه، أو إلى ما دونه من خلوة ونحوها مما يشق احتماله.
قال: (وكذا عند الأمن على الصحيح)؛ لأن النظر إليهن مظنة الفتنة، وأجمع المسلمون على منعهن من أن يخرجن سافرات الوجوه، واللائق بمحاسن الشريعة الإعراض عن مواضع التهم.
والثاني: لا يحرم ولكن يكره، واختاره الشيخ أبو حامد، وهو المنقول عن أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمين، ولعل من هذا دخول سفيان على رابعة.
стр. 3069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد نقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن المرأة لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، بل يندب، وعلى الرجل غض البصر للآية.
واعترض على المصنف في تعبيره ب (الصحيح)؛ فإن الذي في (المحرر): أنه أولى الوجهين، ومراده أولى من حيث أن فيه حما للباب، لا أنه الصحيح في المذهب.
وظاهر عبارة الكتاب و (الروضة) و (أصليهما): أن وجهها وكفيها غير عورة، بل ملحق بها في تحريم النظر، وهو محتمل، ويحتمل أن يكون ذلك عورة في النظر لا في الصلاة.
وقال الماوردي: عورتها مع غير الزوج كبرى وصغرى، فالكبرى: ما عدا الوجه والكفين، والصغرى: ما بين السرة والركبة، فيجب ستر الكبرى في الصلاة والصغرى عن النساء وعن رجال المحارم.
وشملت عبارة المصنف: الشابة والعجوز وهو كذلك، فما من ساقطة .. إلا ولها لاقطة، ولهذا ينتقض الوضوء بلمسها.
وبنى الماوردي في (الشهادات) الخلاف على اختلاف العلماء في تأويل قوله ﷺ : (لا تتبع النظرة النظرة) قيل: لا تتبع نظر عينك نظر قلبك.
فعلى هذا: لا يأثم بالنظر بغير شهوة ويبقى على عدالته، وهو قول جمهور المتقدمين.
وقيل: لا تتبع النظرة الأولى التي وقعت اتفاقا نظرة أخرى عمدا، فعلى متعمد النظر إثم يخرج به عن العدالة.
стр. 3070
وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ
ــ
فروع:
ما لا يجوز النظر إليه وهو متصل كالذكر وساعد الحرة وشعرها وظفرها وشعر العانة .. في تحريم النظر إليه بعد الانفصال وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النظر إليه بعد الانفصال لا يخاف منه فتنة.
وأصحهما: استمرار التحريم، وبه أجاب أبو علي الشبوي، ومفتي مرو، وفيما يحكى: أن أبا عبد الله الخضري سئل عن النظر إلى قلامة ظفر المرأة، فأطرق الشيخ متفكرا، وكانت تحته بنت أبي علي فقالت: سمعت أبي يقول: إن كانت قلامة يدها فله النظر إليها وإن كانت قلامة الرجل فلا.
قال الرافعي: والتفصيل مبني على أن يدها ليست بعورة.
وقال القاضي حسين: دم الفصد والحجامة من المرأة عورة.
وفي (طبقات العبادي) عن بعض الأصحاب: أن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر حرة .. يجب ستره، أو بشعر أمة ... فلا.
وفي (فتاوي البغوي): لو أبين شعر الأمة أو ظفرها ثم عتقت .. ينبغي أن يجوز النظر إليه؛ لأنه حين الانفصال لم يكن عورة، والعتق لا يتعدى إلى المنفصل.
وصوتها ليس بعورة على الأصح، لكن يحرم الإصغاء إليه عند خوف الفتنة، وإذا قرع بابها فينبغي أن لا تجيب بصوت رخيم، بل تغلظ صوتها بأن تجعل ظهر كفها بفيها وتجيب كذلك، وقال القاضي: إن كان لها نغمة .. فهو عورة يحرم على الرجال استماعه، وهذا يوافق ما نقله صاحب (عوارف المعارف) عن أصحابنا عن اتفاقهم على تحريم سماع الغناء من الأجنبية.
قال: (ولا ينظر من محرمه بين سرة وركبة) بالاتفاق، وهذا يعم المحرم من النسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل: لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة.
و (المحرم) هنا: من حرمت مؤبدا بسبب مباح لحرمتها كما تقدم في (نواقض الوضوء).
стр. 3071
وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو فِي الْمَهْنَةِ فَقَطْ. وَالأَصَحُّ: حَلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الْأَمَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ َوركْبَةٍ،
ــ
قال: (ويحل ما سواه) أي: ما سوى المذكور؛ لقوله تعالى:﴾ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن ﴿الآية، ولأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة أبدا فيكونا كالرجلين أو المرأتين.
قال: (وقيل: ما يبدو في المهنة فقط)؛ لأنه لا حاجة إلى ما سواه.
فتلخص أن النظر إلى ما يبدو في المهنة جائز بالاتفاق، وإلى ما بين السرة والركبة غير جائز بلا خلاف، وفيما بينهما وجهان: أصحهما: الجواز، وهل الثدي زمن الرضاع مما يبدو عند المهنة؟ فيه وجهان.
ويجوز للمحرم الخلوة والمسافرة بها.
و (المهنة) بفتح الميم: الخدمة، وحكى أبو ثور والكسائي كسرها، وأنكره الأصمعي وقال: لم يسمع إلا مفتوح الميم.
قال: (والأصح: حل النظر بلا شهوة إلى الأمة إلا ما بين سرة وركبة)؛ لما روى ابن أبي شيبة] ٢/ ١٣٥ [وغيره عن عمر ﵁: انه رأى أمة وعليها جلباب مقنعة به، فسألها: أعتقت؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب؟! ضعيه عن رأسك، إنما الجلباب على الحرائر، فتلكأت فقام إليها بالدرة يضرب رأسها حتى ألقته قال البيهقي: والآثار فيه عن عمر ﵁ صحيحة، وعلى هذا: يكره النظر إليها.
والثاني: يحرم إلا ما يبدو في حال المهنة؛ إذ لا حاجة إليه دون غيره.
والثالث: أنها كالحرة، وهو أرجح دليلا، واختاره الشيخ، وسيأتي في كلام المصنف ترجيحه ونسبته إلى المحققين، وقال ابن أبي عصرون: إنه المذهب.
وإنما صحت صلاتها مكشوفة الرأس؛ لأن الشارع جعل عورتها في الصلاة كعورة الرجل، وأما تحريم النظر ... فلخوف الفتنة.
стр. 3072
وَإِلَى صَغِيرَةٍ إِلَّا الْفَرْجَ، وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالْنِّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ،
ــ
ولا فرق في الأمة بين القنة وأم الولد، والتي عرض لها مانع من الوطء قريب الزوال أم لا كالحائض والمرهونة والمزوجة، وفي المبعضة خلاف تقدم في (شروط الصلاة).
قال: (وإلى صغيرة)؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة ولم يزل السلف على ذلك.
ومقابله: لا يحل؛ لأنها من جنس الإناث، حكاه في (الوسيط)، قال ابن الصلاح: ولم أره إلا فيه، وقائله يكاد أن يخرق الإجماع؛ فإن النبي ﷺ كان يحمل أمامة في الصلاة بين الناس وهم ينظرون إليها.
قال: (إلا الفرج)؛ لما روى الحاكم] ٣/ ٢٥٧ [بسنده إلى محمد بن عياض قال: رفعت إلى رسول الله ﷺ في صغري وعلى خرقة وقد كشفت عورتي،، فقال: (غطوا عورته؛ فإن حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير، ولا ينظر الله إلى كاشف عورته) وبهذا حزم الرافعي، ورد عليه في (الروضة) بأن القاضي جزم بجواره في الصغير، وصححه المتولي، والمسألة تقدمت في (شروط الصلاة).
قال: (وأن نظر العبد إلى سيدته ونظر ممسوح كالنظر إلى محرم)، أما نظر العبد .. فلقوله تعالى:﴾ أو ما ملكت أيمانهم ﴿.
وفي (سنن أبي داود)] ٤١٠٣ [بإسناد جيد: أن النبي ﷺ دخل على فاطمة ومعه عبد قد وهبه لها وعليها ثوب لا يستر جميع بدنها، فقال صلى الله عليه ويلم: (ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك) وهذا هو المنصوص، وظاهر الكتاب والسنة، وقيد البغوي في (تفسيره) الجواز بكون العبد عفيفا.
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: أنه كالأجنبي، لأن المحرمية لو ثبتت .. لاستمرت كما في الرضاع، وبهذا قال أبو إسحاق المروزي والإصطرخي والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن أبي عصرون، وصححه المصنف في مسودة له على (المهذب)، وحمل حديث فاطمة على أن العبد كان صغيرا، واختاره الشيخ، وكلام ابن الرفعة وابن الصلاح مائل إليه، وهو قول سعيد بن المسيب وطاووس ومجاهد والشعبي وأبي حنيفة.
والخلوة في جميع كذلك كالنظر، وعلى الوجهين لا بد من استئذان العبد على سيدته في الأوقات الثلاثة؛ لقوله تعالى:﴾ ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴿الآية.
كل هذا في كامل الرق لها، فو كانت تملك بعضه ... فالظاهر: أنه كالاجنبي؛ تغليبا لجانب الحرية، وقد صرح الماوردي بذلك في (شروط الصلاة) فقال: لا يختلف أصحابنا في أنه كالأجنبي مع سيدته، وذكر الرافعي في الأمة المشتركة نحوه.
وشملت عبارة المصنف: المدبر ومعلق العتق بصفة والمكاتب، فأما المدبر ومعلق العتق ... فهما كذلك بلا خلاف، وأما المكاتب .. ففي (المهمات): انه كالأجنبي كما صرح به الرافعي في عكسه؛ وهو ما إذا كاتب الرجل أمته فقال: لا يحل له النظر إليها، وبه صرح القاضي حسين، كما نقله عنه ابن الصلاح والمصنف في زوائد (الروضة)، ورأى ابن الرفعة في (المطلب) تخريج وجهين فيه.
وذد ذهب إلى جواز نظره إليها أبو نصر ولد الأستاذ أبي القاسم القشيري، وهو المنقول عن النص.
وأما حديث أم سلمة الذي رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي: (إذا كان
стр. 3074
وَأَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ
ــ
لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي ... فلتحتجب منه) فقال الشافعي ﵁: ذلك مما عظم الله به أمهات المؤمنين وخصهن به دون غيرهن.
وأما المسموح الذي ليس بعبد للمرأة سواء كان عبدا لغيرها أم حرا .. ففي جواز نظره لها وجهان:
أحدهما: أنه كنظر الفحل إلى المحارم؛ لأنه من غير أولي الإربة، وإلى هذا ذهب الأكثرون، ولهذا صححه المصنف.
والثاني: أنه كنظر الفحل إلى الأجنبية؛ لأنه يحل له أن يتزوج بها، وأما غير أولي الإربة .. فاختار المصنف: أنه المغفل في عقله الذي لا يشتهي النساء، وكذا فسره ابن عباس وغيره.
و (الممسوح): هو الذي ليس له ذكر ولا انثيان، وهو محل الوجهين، أما الخصي الذي سلت أنثياه وبقي ذكره .. فهو كالفحل، وقال القاضي حسين: لا خلاف أنه لا يدخل على النساء من غير حجاب؛ لأن ضرره أكثر من ضرر الفحل.
و (المجبوب): الذي ذهب ذكره وبقيت أنثياه كالفحل أيضا، قال الشيخ: لا نعلم خلافا في ذلك إلا ما يوهمه كلام ابن أبي عصرون وليس مرادا.
والعنين والمخنث- وهو المتشبه بالنساء- والشيخ الهم كالفحل عند الأكثرين.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: لا يحل للخصي النظر إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته، وكذا المخنث.
قال: (وأن المراهق كالبالغ)؛ لقوله تعالى:﴾ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴿فلا جوز لها أن تبدي له زينتها كما لا يجوز لها أن تبديها للبالغ، وهذا معنى قوله: (المراهق كالبالغ) أنها مأمورة بالاحتجاب عنه، وأما هو .. فليس بمكلف لكن يؤمر أمر تأديب.
стр. 3075
وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بَشَهْوَةٍ
ــ
والثاني- وهو اختيار القفال وأبي عبد الله الزبيري-: أن له النظر كما يجوز له الدخول من غير استئذان إلا في الأوقات الثلاثة المشار إليها بقوله تعالى:﴾ ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴿الآية.
ولأن الحل ثبت فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر وهو البلوغ، والأصحاب ألحقوه هنا بالبالغ كما ألحقوه به في جواز رميه إذا نظر إلى حرمة الغير، وفيما إذا صاح عليه فمات لا يضمن إذا كان متيقظا، ولم يلحقوه به في غالب الأبواب.
ويجب على المرأة الاحتجاب عن المجنون قطعا؛ لأنه بالغ ذو شهوة، وقد يكون الخوف منه أكثر.
وخرج ب (المراهق) غيره من الصبيان، فلا حجاب عنهم؛ لقوله تعالى﴾ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴿، قيل: لم يبلغوا أن يصفوا العورات.
قال: (ويحل نظر رجل إلى رجل) أي: عند أمن الفتنة بلا شهوة وهذا لا خلاف فيه.
قال: (إلا ما بين سرة وركبة)؛ فإنه عورة كما تقدم.
قال: (ويحرم نظر أمرد بشهوة) بالإجماع، قال في (الكافي): وهو أعظم إثما من الأجنبية؛ إذ لا سبيل إلى حله، ولا يختص ذلك بالأمرد، بل النظر إلى الرجل والمحارم وإلى كل من تقدم ممن يجوز النظر إليه شرطه عدم الشهوة، ومع الشهوة حرام، ولا فرق عند الشهوة أن يكون معها خوف فتنة أو لا.
стр. 3076
قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ،
ــ
والمراد ب (الشهوة): أن ينظر لقضاء وطر في الشهوة، أما من يحب النظر إلى الوجه الجميل فنظر ليتلذ به .. فهو حرام، وليس المراد به زيادة على ذلك من وقاع وغيره فلذلك زيادة في الفسق.
ووقع في (البحر) و (الحاوي): أن المحبة لاستحسان الصورة: إن كانت تفضي إلى ريبة .. كرهت، وإن كانت لاستحسان صنع الله تعالى وبديع خلقه .. لم تكره، وكانت بالاستحباب أشبه. أه ووهذا لا يعتمد.
قال: (قلت: وكذا بغيرها في الأصح المنصوص)؛ لأنه مظنة الافتتان.
وفي (كامل ابن عدي)] ٧/ ٩٦ [: (أن النبي ﷺ نهى أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد).
والثاني- وهو اختيار الإمام-: أنه لا يحرم، وإلا ... لأمر بالاحتجاب كالنسوة، واستدل له الرافعي وغيره بأن وفدا قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم غلام حسن الوجه .. فأجلسه من ورائه وقال: (أنا أخشى ما أصاب أخي داوود) وكان ذلك بمرأى من الحاضرين، فدل على أنه لا يحرم، وهذا الحديث رواه أبو حفص بن شاهين بإسناد مجهول، قال الشيخ: وهو موضوع لا أصل له.
وقوله (أخشى ما أصاب أخي داوود) معاذ الله أن يكون ذلك من كلام النبي ﷺ والله تعالى يقول:﴾ واذكر عبدنا داوود ذا الأيد ﴿فوصفه بالقوة في الدين ولم يحصل من داوود ﵊ شيء من ذلك، وما يتوهمه العامة
стр. 3077
وَالْأصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ الْأمَةَ كَالحُرَّةِ، وَالْلهُ أَعْلَمُ. وَالْمَرْأَةُ مَعَ الْمرْأَةِ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ،
ــ
وينقله بعض المفسرين والقصاص كذب، وقد صح عن النبي ﷺ : (أن داوود ﵊ كان أعبد البشر).
والنص الذي أشار إليه المصنف نقله الداركي، لكنه مقيد بحالة الشهوة، وهو يقتضي أن لا يحرم مطلقا لا كما ادعاه المصنف.
وقيده القاضي حسين والمتولي والمصنف في (رياض الصالحين) و (التبيان) و (رؤوس المسائل) بكونه حسنا، ولم يقيدوا به النساء.
و (الأمرد): الشاب الذي طر شاربه ولم تبد لحيته، ولا يقال لمن أسن ولا شعر بوجهه أمرد، ولا يقال جارية مرداء.
قال: (والأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة والله أعلم)؛ لعموم﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴿فيحرم النظر إليها مطلقا، ورب أمة أجمل من حرائر.
قال في (الروضة): وهذا أرجح دليلا، واختاره الشيخ أبو حامد والجرجاني والقاضي أبو الطيب وابن أبي عصرون والشيخ.
قال: (والمرأة مع المرأة كرجل ورجل)؛ لقوله تعالى﴾ أو نسائهن ﴿فيجوز لها عند أمن الفتنة أن تنظر إلى ما فوق السرة ودون الركبة، وعند الشهوة يحرم ذلك، وعند خوف الفتنة الوجهان اللذان ذكرهما الإمام في الرجل مع الرجل.
стр. 3078
وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيِّةٍ إِلَى مُسْلِمَةٍ،
ــ
قال: (والأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة)؛ لقوله تعالى:﴾ أو نسائهن ﴿والذمية ليست من نسائهن.
وصح عن عمر ﵁ أنه منع الذميات من دخول الحمامات مع المسلمات.
والثاني: أنها كالمسلمة؛ لأن الجنس واحد فكانتا كالرجلين المسلم والذمي، وصححه الغزالي، وقال ابن القشيري إنه القياس، ويدل له ما رواه الشيخان] خ ١٠٥٠ - م ٩٠٣ [وغيرهما عن عائشة ﵂: أن يهودية جاءت تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فأخبرت عائشة ﵂ بذلك النبي ﷺ فلم ينكر عليها.
وإذا قلنا بالتحريم .. فهل تكون معها كالرجل الأجنبي أو ترى منها ما يبدو عند المهنة؟ وجهان: أشبههما عند الشيخين: الثاني.
وإطلاق المصنف (النظر) يقتضي ترجيح الأول، وبه جزم القاضي والبغوي والمتولي وغيرهم، وعلى الأصح: لا تدخل الذمية الحمام مع المسلمات، ويحرم أيضا على المسلمة التكشف بحضرتها.
وسائر الكافرات كالذمية، لكن لكن يستثنى ما إذا كانت الكافرة مملوكة للمسلمة .. فلا يحرم التكشف بحضرتها للحاجة كما أفتى به المصنف، وينبغي أن يلحق بها محارمها.
стр. 3079
وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنْبِيِّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً. قٌلْتُ: الْأَصَحُّ: الْتَّحْرِيمُ كَهُوَ إِلْيْهَا، وَالْلَّهُ أَعْلَمُ
ــ
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الفاسقة مع العفيفة كالذمية مع المسلمة، وبه صرح صاحب (الترغيب) من متأخري المراوزة، وقال المتولي: إن التي تميل إلى النساء بالمساحقة لا يجوز لها أن تنظر إليهن.
قال: (وجواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرته وركبته إن لم تخف فتنة)؛ لان عائشة ﵂ نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، وأذن ﷺ لفاطمة بنت قيس أن تعتد عن ابن أم مكتوم، رواهما الشيخان] م ١٤٨٠ - ٣٦ [، وهذا صححه الغزالي والرافعي هنا في (الشرح) و (المحرر)، وليس كنظر الرجل إلى المرأة؛ لأن بدنها عورة في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة، لكن صرح المتولي بكراهة نظرها إلى وجهه وبدنه.
قال: (قلت: الأصح: التحريم كهو إليها والله أعلم)؛ لقوله تعالى﴾ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ﴿.
وفي (سنن أبي داوود)] ٤١٠٩ [و (الترمذي)] ٢٧٧٨ [و (النسائي)] سك ٩١٩٧ [عن أم سلمة: أنها كانت في بيت ميمونة ودخل عليهما النبي ﷺ فاستأذن ابن أم مكتوم الأعمى فقال: (احتجبا منه) قالت: فقلنا يا رسول الله؛ إنه أعمى لا يبصرنا! قال: (أفعمياوان أنتما.؟! ألستما تبصرانه؟!) لكن قال أبو داوود: هذا لأزواج النبي ﷺ خاصة.
وأجاب في (شرح مسلم) عن حديث عائشة بأنها لم تنظر إلى وجوه الحبشة ولا إلى أبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمد النظر إلى البدن.
стр. 3080
وَنَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ. ومتى حَرُمَ الْنَّظَرُ .. حَرُمَ الْمَسُّ،
ــ
وفي المسالة وجه ثالث: أنها تنظر إلى ما يبدو في المهنة فقط.
كل هذا إذا لم تخش الفتنة، فإن خافتها ... لم يجز قطعا، لكن يستثنى من ذلك ما إذا قصدت نكاحه .. فلها النظر إليه لا محالة.
ومرادهم بالمرأة: البالغة، وينبغي أن تكون المعصر على الخلاف في نظر المراهق إليها.
قال: (ونظرها إلى محرمها كعكسه) أي: كنظر الرجل إلى محرمه، وقد تقدم، والخنثى على الأصح يؤخذ فيه بالاحتياط، فيجعل مع النساء رجلا ومع الرجال امرأة، وعن القفال: يحكم فيه بالجواز؛ استصحابا لما كان في الصغر حتى يظهر خلافه، وبهذا قطع جماعة، قال الشيخ والمختار الأول، لكن جزم المصنف في (شرح المهذب) بأنه يحرم على الرجال والنساء النظر إليه إذا كان في سن يحرم فيه النظر إلى الواضح.
قال: (ومتى حرم النظر .. حرم المس) بل أولى؛ لأنه أبلغ في إثارة الشهوة بدليل أنه لو لمس فأنزل .. بطل صومه، ولو أنزل بالنظر .. لم يفطر، وينتقض الوضوء بالمس دون النظر، فيحرم مس الأمرد كما يحرم نظره، ويحرم على الرجل ذلك فخذ الرجل بلا حائل كما يحرم النظر إليه، وهذا الضابط يرد عليه:
العضو المبان من الأجنبية يحرم النظر إليه لا لمسه.
وحلقة دبر الزوجة والأمة يحرم نظرهما لا مسهما كما صرح به الدارمي في (الإستذكار)، وفرج الزوجة يحرم نظره على وجه، ويجوز مسه بلا خلاف.
وكان الأحسن أن يقول: وحيث حرم النظر .. حرم المس كعبارة (المحور) و (الروضة)؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود أن المكان الذي يحرم نظره ..
стр. 3081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحرم مسه، و (متى) اسم زمان لا يلزم منها المكان.
ومفهوم عبارة الكتاب: أنه حيث جاز النظر .. جاز المس، وهو غير مطرد، فلا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية وإن جوزنا نظره، ولا مس كل ما يجوز نظره من المحارم.
مهمة:
حاصل ما في (الروضة): أن جميع ما يجوز النظر إليه من المحارم .. يحرم مسه، حتى يحرم مس وجه الأم ويدها ورجلها، وهو غلط مخالف للإجماع؛ فهو في (شرح مسلم) في (باب غزو البحر) نقل الإجماع على حل ذلك، ونقل فيه الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما للنبي ﷺ ، وقد بين الشيخ شرف الدين الدمياطي أنها لم تكن محرما له بالاتفاق.
وحمل الشيخ ما في (الروضة) على الشهوة، والذي في (شرح مسلم) على الحاجة والشفقة، والسلف الصالح لم يزالوا على إباحة ذلك، فالنبي ﷺ قبل ابنته فاطمة، والصديق قبل الصديقة.
فرع:
لا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل ولا المرأة المرأة وإن كان كل واحد منهما في جانب الفراش؛ لما روى مسلم] ٣٣٨ [: أن النبي ﷺ قال: (لا يفضي
стр. 3082
وَيُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامةٍ وَعِلَاجٍ. قُلْتُ: وَيُبَاحُ نَظَرُ لِمُعَامَلَةٍ
ــ
الرجل إلى الرجل في الثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب).
وهذا مشروط بما إذا كانا عاريين كما ذكره في (شرح مسلم)، وصرح به القاضي حسين والخوارزمي، فإن كانا لابسين أو أحدهما .. فلا بأس.
وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين .. وجب التفريق بينه وبين أمه وأبيه وأخته وأخيه في المضجع؛ لعموم الأمر بذلك.
قال: (ويباحان) يعني: النظر والمس (لفصد وحجامة وعلاج) وكذلك الختان والتوليد للحاجة الملجئة إلى ذلك، لكن يشترط حضور زوج أو محرم أو امرأة أخرى معها.
والأصح في (الروضة): اشتراط فقد امرأة تداويها ورجل يداويه، وقال القاضي والمتولي: لا يجوز أن يكون ذميا مع وجود مسلم، وأقره في (الروضة)، وقيد في (الكافي) الطبيب بالأمانة .. فلا يعدل إلى غير الأمين مع وجوده.
ثم أصل الحاجة كاف في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في غير ذلك تأكدها وهو مبيح التيمم، وفي الفرج مزيد تأكد وهو ما لا يعد التكشف له هتكا للمروءة.
قال: (قلت: ويباح نظر لمعاملة)؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك بسبب العهدة
стр. 3083
وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيم
ــ
والمطالبة بالثمن وغير ذلك، وكذلك الإجارات وسائر المعاملات، وكذلك عكسه، ولا ينظر في المعاملة والشهادة والتعليم إلا الوجه فقط.
قال: (وشهادة)؛ لأنه يحتاج إلى ذلك، ويلزمها الكشف عند الأداء أيضا إذا قلنا: لا بد في الشهادة عليها من المعاينة كما هو المذهب، فإن اكتفينا بتعريف عدلين – وهو الذي عليه العمل كما سيأتي في (الشهادات) - امتنع النظر حينئذ، وكذلك إذا عرفها في النقاب .. فإنه لا يفتقر إلى الكشف كما قاله الماوردي، وحكاه الرافعي في (الشهادات) عن صاحب (العدة).
ومن الحاجة النظر إلى الفرج للشهادة على الولادة والزنا، والثدي للشهادة على الرضاع.
وقيل: لا يجوز إلا في الزنا فقط؛ لأنه هتك حرمة نفسه، وقيل: عكسه؛ طلبا للستر والذي ذهب إليه الجمهور: أنه يستوعب الوجه بالنظر.
وصحح الماوردي أنه ينظر إلى ما يعرفها به، قال: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق .. فيجوز.
كل هذا إذا لم يخف الفتنة، فإن خالفها .. امتنع عليه النظر، إلا أن تكون الشهادة متعينة عليه .. فإنه يضبط نفسه وينظر.
قال: (وتعليم)، المراد: تعليم ما يجب تعليمه كقراءة (الفاتحة) وما يجب تعلمه من الصنائع المحتاج إليها.
وإباحة النظر للتعليم انفرد به المصنف، وذكره في (شرح مسلم) أيضا في أحاديث الإسراء وهو مشكل؛ لأن تعليم (الفاتحة) وإن كان واجبا يمكن أن تعلمه من وراء حجاب، ويشترط مع ذلك فقد الجنس كما تقدم في العلاج، وإن كان لتعليم القطن والغزل ونحو ذلك .. فالنساء أعلم به.
ويمكن أن يحمل كلام المصنف على ما إذا تعذر التعليم من وراء حجاب.
стр. 3084
وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْلّهُ أَعْلَمُ. وَلِلزَّوْجِ الْنَّظَرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِهَا
ــ
قال: (ونحوها) كأمة يريد شراءها .. فينظر إلى ما تشترط رؤيته على الأصح، وهو ما عدا ما بين السرة والركبة، وكل ما جاز للرجل نظره من المرأة للحاجة .. جاز لها منه أيضا إذا تحققت حاجتها، كما إذا باعته أو اشترت منه أو استأجرت منه أو آجرته؛ لأنها تحتاج إلى معرفته لتطالبه وغير ذلك.
قال: (بقدر الحاجة والله أعلم)؛ لأن ما جاز للضرورة .. يتقدر بقدرها، وهي متفاوتة كما تقد.
قال: (وللزوج النظر إلى كل بدنها)؛ لأنه محل استمتاعه، وكذلك عكسه، وكذلك السيد مع الأمة المباحة له؛ لما روى الأربعة والحاكم] ٤/ ١٨٠ [أن النبي ﷺ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو أمتك) وإذا لم يحفظ عورته منها .. لم تحفظ عورتها منه.
فإن كانت الأمة مرتدة أو مجوسية أو وثنية أو مزوجة أو مكاتبة أو مشتركة بينه وبين غيره .. حرم نظره إلى ما بين سرتها وركبتها، ولا يحرم ما زاد على ذلك على الصحيح.
وجوز أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك للزوج أن يلحس فرج زوجته بلسانه، لكن يستثنى حلقة الدبر كما تقدم.
ويكره النظر إلى فرج نفسه وغيره بلا حاجة، وإلى باطنه أشد كراهة، وقيل: يحرم، حكاه الماوردي وغيره؛ لقوله ﷺ : (النظر إلى الفرج يورث العمى) رواه ابن عدي] ٢/ ٧٥ [والبيهقي بإسناد ضعيف] ٧/ ٩٤ [.
قال في (العدة): معناه أن الولد يولد أعمى، فعلى هذا: يخرج المموح، وقيل: الناظر يعمى فيعم المموح، وصحح هذا ابن الصلاح، وحسن إسناد الحديث، قال: وأخطأ من نسبه إلى الوضع، أشار بذلك إلى ابن الجوزي؛ فإنه ذكره في (الموضوعات).
стр. 3085
فَصْلٌ:
تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ،
ــ
وقيل: يورث عمى القلب.
وفي وجه ثالث في (شرح مسلم): أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع فجوز النظر عند ذلك قطعا، والمعروف إطلاقه.
تتمة:
جميع ما تقرر محله إذا لم يكن بالزوجة مانع، كما إذا كانت معتدة من وطء شبهة .. فإنه يحرم عليه أن ينظر إلى ما بين سرتها وركبتها، ولا يحرم ما زاد على الأصح، وقال المتولي: يحرم عليه الخلوة بها.
وكل هذا بالنسبة إلى الحياة، فإن ماتت .. صار الزوج كالمحرم في النظر كما أفاده في (شرح المهذب)، وأفاد الشيخ هنا عن أبي عبد الله ابن الحاج- وكان رجلا صالحا عالما- أنه كان يذكر: أن السنة العري عند النوم وينكر النوم في الثياب.
قال: (فصل:
تحل خطبة خلية عن نكاح وعدة) تصريحا وتعريضا بالإجماع.
وتعبيره ب (الحل) يقتضي أنها غير مستحبة، وعزاه الرافعي للجمهور، وقال الغزالي: إنها مستحبة؛ لفعل النبي ﷺ والسلف والخلف.
وفي (صحيح ابن حبان)] ٤٠٦٥ [عن أم سلمة قالت: (لما وضعت زينب .. جاءني النبي ﷺ يخطبني).
следующие страницы →