Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، لَا الْحَدَّ
ــ
لو وكل زيد عمرا في تزويج هذه فقال: هي موليتي، فزوجها عمرو ظانا ذلك ثم بان أنها ابنة عمرو أو أخته .. صح.
قال: (والوطء في نكاح بلا ولي يوجب مهر المثل)؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: (فإن دخل بها .. فلها المهر).
وشملت عبارته: الوطء في القبل والدبر؛ لأن كلا منهما يقرر المهر.
واقتصاره على (مهر المثل) يفهم: أنه لا يلزم معه أرش البكارة لو كانت بكرا، وهو كذلك كما صرح به في (شرح المهذب) في الكلام على البيع الفاسد؛ فإنه نقل ذلك عن النص والأصحاب، وفرق بينه وبين البيع الفاسد بأن إتلاف البكارة مأذون فيه في النكاح الفاسد كما في النكاح الصحيح، بخلاف البيع الفاسد؛ فإنه لا يلزم منه الوطء، لكن ينبغي أن يستثنى: ما إذا كان المتناكحان محجورا عليهما بالسفه كما سيأتي.
قال (لا الحد)؛ لشبهة اختلاف العلماء وتعارض الأدلة، سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته، باجتهاد أو تقليد، لكن يعزر معتقد التحريم.
وقال أبو بكر الصيرفي والإصطخري والفارسي: يجب الحد على معتقد التحريم محتجين بما روى ابن ماجة] ١٨٨٢ [عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)، ولأن شارب النبيذ يحد مع الاختلاف في إباحته.
وقياس إيجاب الحد: أن لا مهر، وبه صرح الرافعي، والحديث يرد عليهم؛ فإنه أثبت المهر، فيؤخذ منه سقوط الحد؛ فإنهما لا يجتمعان.
ومحل الخلاف: إذا حضر العقد شاهدان، فإن لم يحضرا ولا حصل فيه إعلان .. فالحد واجب؛ لانتفاء الشبهة.
стр. 3117
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَلِيُّ بِالنِّكَاحِ إِنِ اسْتَقَلَّ بِالإِنْشَاءِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلِةِ بِالْنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيدِ
ــ
ومحله أيضا: قبل الحكم بصحته، فإن حكم بصحته .. فلا حد قطعا، قاله الماوردي.
ومحله أيضا: ما لم يحكم حاكم ببطلانه ويفرق بينهما، فإن كان ذلك .. وجب الحد جزما، وامتنع على الحنفي حينئذ الحكم بصحته.
ولو رفع النكاح بلا ولي إلى قاض يصححه وحكم بصحته، ثم رفع إلينا، لم ينقض قضاؤه على الصحيح، وقال الإصطخري: ننقضه.
وإذا طلق فيه .. لم يقع، فلو طلق ثلاثا .. لم يفتقر إلى محلل، وقال أبو إسحاق: يقع، ويفتقر إلى محلل؛ احتياطا للأبضاع.
قال: (ويقبل إقرار الولي بالنكاح إن استقل بالإنشاء) كالأب في البكر؛ لأن من يملك الإنشاء يملك الإقرار إلا ما استثنى، والمراد: أن يكون حين الإقرار قادرا عليه.
وقيل: إن كانت بالغة .. فلا بد من موافقتها كالوكيل إذا ادعى أنه أتى بما وكل فيه، وعلى هذا: لا تسمع الدعوى عليه، وعلى الأول وجهان.
وعبارة (المحرر): إذا كان مستقلا بالإنشاء، وهو أحسن، وعبارة (المنهاج) يدخل فيها ما إذا استقل بالإنشاء، وزال ذلك بأن كانت ثيبا فادعى أنه زوجها وهي بكر .. فلا يقبل.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يستقل به إما لعدم إجباره أو لكون الزوج غير كفء .. فلا يقبل؛ لعجزه عن الإنشاء إلا بإذنها.
ولو أقر ولي السفيه بنكاحه .. لم يقبل؛ لأنه لا يستقل به.
قال: (ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد) المراد: يقبل إقرارها
стр. 3118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع تصديق الزوج بلا بينة؛ لأن النكاح حقهما، فيثبت بتصادقهما كالبيع وغيره، ولا فرق على هذا بين الثيب والبكر، ولا بين الغريبين والبلديين، وهذا مستثنى من قاعدة: من لا يملك الإنشاء لا يملك الإقرار.
والقديم- وبه قال مالك- أنهما إن كانا غريبين .. ثبت النكاح، وإلا .. طولبا بالبينة؛ لسهولتها عليهما، وللاحتياط للنكاح.
فعلى الجديد: هل يكفي إطلاق الإقرار؟ أو تفصل فتقول زوجتي به وليي بحضرة شاهدين عدلين ورضائي؟ إن كانت معتبرة الرضا .. وجهان: أصحهما: الثاني.
ثم إذا أقرت وكذبها الولي فثلاثة أوجه:
أصحها: يحكم بقولها؛ لأنها مقرة على نفسها.
والثاني: لا؛ لانها كالمقرة على الولي.
والثالث: يفرق بين العفيفة والفاسقة، ولا فرق على هذا الخلاف بين أن تفصل الإقرار وتضيف التزويج إلى الولي فيكذبها، وبين أن تطلق فيقول الولي: لا ولي لك غيري وما زوجتك، ويجري الخلاف أيضا في تكذيب الشاهدين إذا كانت قد عينتهما.
والأصح: أنه لا يقدح تكذيبهما؛ لاحتمال النسيان والكذب، فإن قلنا: تكذيب الولي يمنع قبول إقرارها فكان غائبا .. لم ينتظر حضوره، بل تسلم للزوج في الحال
стр. 3119
وَلِلأَبِ تَزْويجُ الْبِكْرِ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
ــ
للضرورة، فإذا عاد وكذبها .. فهل يحال بينهما لزوال الضرورة أو يستدام؟ وجهان: رجح الغزالي الأول، وغيره الثاني.
قال: (وللأب تزويج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها)؛ لقوله ﷺ : (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها) رواه الدارقطني] ٣/ ٢٤٠ [من رواية ابن عباس، وهو في (صحيح مسلم)] ١٤٢١ [بغير زيادة: (والبكر يزوجها أبوها).
قال البيهقي: قال الشافعي ﵁: وهذه الزيادة لو ثبتت .. لكانت حجة في تزويج كل بكر، ولكنها غير محفوظة انفرد بها سفيان بن عيينة.
وقول المصنف: (بغير إذنها) راجع إلى الكبيرة؛ فإن الصغيرة لا إذن لها، وقد يعود إليهما معا؛ لما نقل عن الإمام أحمد: أن المميزة تستأذن.
قال الشافعي في القديم: (أستحب أن لا تزوج البكر الصغيرة حتى تبلغ فتستأذن) فعلة الإجبار عند الشافعي البكارة، وعند أبي حنيفة الصغر، وعند الشيخ وابن حزم مجموعهما.
وشرط ولاية الإجبار: أن تكون غير موطوءة، وأن يزوجها من كفء موسر بمهر المثل وبنقد البلد، وأن لا يكون بينها وبين الأب عداوة ظاهرة كما قاله ابن كج وابن المرزبان، لكن جزم الماوردي والروياني في هذه الحالة بالإجبار؛ لأن الولي يحتاط لنسبه، وقال في (المطلب): إنه المذهب.
فعلى هذا تكون الشروط خمسة، وعلى مقالة ابن المرزبان وابن كج تكون ستة.
وأن لا يكون طرأ لها سفه بعد البلوغ؛ فإن الصحيح أن الذي يلي مالها الحاكم،
стр. 3120
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانِهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ إِلا بِإِذْنِهَا،
ــ
فعلى هذا: هو الذي يلي تزويجها، وهو الذي يقتضيه كلام الرافعي.
قال: (ويستحب إستئذانها)؛ لقوله ﷺ : (والبكر تستأمر وإذنها صماتها) وأوجبه أبو حنيفة؛ لظاهر الأمر.
قال في (الأم): ويكره للأب أن يزوجها ممن يعلم أنها تكرهه، فإن فعل وزوجها منه .. جاز ذلك عليها؛ فقد يجعل الله لها فيه خيرا كما اتفق لفاطمة بنت قيس لما كرهت أسامة أولا.
فرع:
إذا التمست البكر البالغة التزويج وقد خطبها كفء .. لزم الأب أو الجد إجابتها؛ تحصينا لها، كما يجب إطعام الطفل إذا استطعتم، فإن امتنع .. أثم ويزوجها السلطان؛ لما روى أحمد] ١/ ١٠٥ [والترمذي] ١٧١ [وابن ماجة] ١٤٨٦ [والحاكم] ٢/ ١٦٢ [عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفءا).
وفيه وجه: أنه لا تجب الإجابة ولا يأثم بالامتناع؛ لأن الغرض يحصل بتزويج السلطان، وأيضا: فإنها مجبرة من جهة الأب والجد فكيف يجبرهما على النكاح، والواجب عند الطلب أصل التزويج لا خصوص تزويجها بمن عينته.
ولو التمست التزويج ولم تعين أحدا ولا خطبها أحد .. فالظاهر من كلام الغزالي: أنه يجب على الأب السعي في زواجها كما لو عينت كفءا.
قال: (وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها)؛ للحديث المتقدم.
وفي (البخاري)] ٥١٣٩ [عن خنساء بنت خذام بن خالد الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فرد نكاحها.
стр. 3121
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةٌ .. لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَبْلُغَ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكَارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ،
ــ
وفي رواية للنسائي] سك ٥٣٦١: [أنها كانت بكرا، والصحيح الأول.
وروى هو] ٦/ ٨٥ [وأبو داوود] ٢٠٩٣ [عن ابن عباس مرفوعا: (ليس للولي مع الثيب أمر) قال البيهقي في (خلافياته): رواته ثقات.
ومن جهة المعنى: أن الثيب عرفت مقصود النكاح .. فلم تجبر، بخلاف البكر.
قال: (فإن كانت صغيرة .. لم تزوج حتى تبلغ)؛ لأن الأب إنما يجبر البكر، والثيب يشترط في تزويجها الإذن، ولا يعتبر إلا بعد البلوغ إجماعا، فامتنع تزويجها قبله.
وقال أبو حنيفة: تزوج؛ بناء على أن علة الإجبار عنده الصغر.
قال الأصحاب: وإنما قلنا تبقى ولاية الأب عليها في المال؛ لأن علته موجودة وهي الصغر، وعلة الإجبار منتفية وهي البكارة؛ لكن يستثنى من ذلك المجنونة والأمة وسيأتي بيانهما.
قال: (والجد كالأب عند عدمه)؛ لاشتراكهما في الولاية والتعصيب وولاية المال، وهل ألحق به قياسا أو لمشاركته له في الاسم؟ فيه وجهان في (الحاوي) و (البحر): أصحهما الأول، ولا تظهر لذلك فائدة حكمية.
وفي قول: ليس له إجبار البالغة، واختاره ابن القاص وابن سلمة، وقد يزيد الجد على الأب، وذلك في تولي الطرفين كما سيأتي.
قال: (وسواء زالت البكارة بوطء حلال أو حرام)؛ لأنها ثيب فشملها الخبر، ولذلك لا تدخل في عتق الأبكار ولا في الوصية لهن، وكذلك الحكم لو وطئت مجنونة أو مكرهة أو نائمة على الأصح.
وعن القديم: أن المصابة بالزنا حكمها حكم الأبكار، لكن يرد على المصنف
стр. 3122
وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ عَلَى حَاشِيةِ الْنَّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لَا يُزَوِّجُ صَغِيرَةً بِحَالٍ
ــ
الموطوءة بالشبهة؛ فإنه لا يوصف بحل ولا حرمة وحكمه حكم الوطء الحلال والحرام.
قال: (ولا أثر لزوالها بلا وطء كسقطة في الأصح) بل حكمها حكم الأبكار؛ لأنها لم تمارس الرجال.
والثاني: أنها كالثيب لزوال العذرة، وصححه المصنف في (شرح مسلم)، وذكر الرافعي في (باب القسم): أن الخلاف يجري فيما لو زالت بمرض.
ونص في (الأم) على أنها لو زال حياؤها بخروج الأسواق ومخالطة الرجال ولم تزل بكارتها .. كان حكمها حكم الأبكار.
وكالسقطة زوالها بإصبع، وحدة طمث، وطول تعنيث وهو: الكبر، وكل هذا مندرج في قوله: (بلا وطء)، فإن وطئت في الدبر فبكر في الأصح، فلو خلقت بلا بكارة .. كان لها حكم الأبكار بلا خلاف، قاله الماوردي والروياني والصيمري.
ولو ادعت الثيوبة أو البكارة .. كان القول قولها؛ لأنها أعلم ولا تسأل عن سبب الثيوبة.
ولو ذهبت بكارتها ثم عادت .. لا يكون لها حكم الأبكار، قاله أبو خلف الطبري في (شرح المفتاح).
قال: (ومن على حاشية النسب كأخ وعم لا يزوج صغيرة بحال) بكرا كانت أو ثيبا؛ لأنهم ليسوا في معنى الأب والجد، ولم يرد نص في ذلك.
وصحح الترمذي] ١١٠٩ [: أن النبي ﷺ قال: (لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن).
وقال أبو حنيفة: ينعقد موقوفا على إجازتها.
стр. 3123
وَتُزَوَّجُ الْثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ بِصَرِيحِ الإِذْنِ،
ــ
ويؤخذ من تنصيص المصنف على (الأخ والعم): أن من هو أبعد منهما كبنيهما والمعتق أولى بالمنع.
فائدة:
مذهب الشافعي ﵁: أن الصغيرة إذا لم يكن لها ولي خاص .. لا تزوج حتى تبلغ.
وعند أبي حنيفة: للقاضي تزويجها إذا نص له السلطان على الإذن في تزويج الصغار.
وكان قضاة الشام يأذنون في ذلك الوقت للحنفية، لما كانت العادة أن لا يكون في هذه البلاد إلا قاض شافعي، فأذن ابن سناء الدولة قاضي دمشق مرة لحنفي في تزويج صغيرة فزوجها، فرفع الأمر إلى القاضي كمال الدين التفليسي الشافعي فنقضه، وصنف في ذلك تصنيفا، وصنف أبو شامة تصنيفا، في الرد عليه، وذكر عن الشيخ عز الدين أنه أفتى بعدم النقض، واستشكله الشيخ وصوب قول التفليسي وجزم بالقول بأنه لا يحل لشافعي أن يأذن في ذلك لحنفي.
قال: (وتزوج الثيب البالغة بصريح الإذن) سواء زوجها أبوها أم غيره من الأولياء؛ لما تقدم من قوله ﷺ : (الثيب أحق بنفسها من وليها)، وقوله: (ليس للولي مع الثيب أمر).
وأشار بقوله: (بصريح الإذن) إلى أنها لو قالت: وكلتك بتزويجي .. لم يكف.
قال الرافعي: والفرع ليس بمسطور، والذين لقيناهم من الأئمة لا يعدون ذلك إذنا، والذي قاله الرافعي أفتى به البغوي، ونقله صاحب (البيان) عن النص،
стр. 3124
وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ سُكُوتُهَا فِي الْأَصَحِّ
ــ
وصوبه المصنف، والنص المذكور نقله البيهقي في (المبسوط).
قال: (ويكفي في البكر سكوتها في الأصح)؛ لما تقدم من قوله ﷺ : (والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها).
هذا إذا كانت بالغة، سواء علمت أنه إذن أم لا، خلافا لابن المنذر.
والثاني: لا بد من صريح نطقها كالثيب، قال الإمام: وهو القياس.
والثالث: لا حاجة إلى استئذانها، بل إذا عقد بحضرتها ولم تنكر .. كان ذلك رضا.
تنبيهات:
أحدها: أطلق المصنف والجمهور أن إذن البكر صماتها، وقيده ابن المنذر بما إذا علمت أن ذلك إذنها وهو حسن، لكن قال المصنف في (شرح مسلم): الذي عليه الجمهور أن ذلك لا يشترط.
الثاني: محل الخلاف في غير المجبر، أما المجبر .. فالسكوت فيه كاف بلا خلاف، ويكفي السكوت أيضا إذا كان الولي حاكما نص عليه.
وكذلك إذا حكمت البكر في التزويج- وجوزناه وهو الأصح- فقال لها المحكم: حكمتني لأزوجك من هذا؟ فسكت .. كفى ذلك كما لو استأذنها الولي فسكتت، نقله الرافعي في آخر (الدعاوى) عن (فتاوى البغوي) وأقره.
وإذا اكتفيا بالسكوت .. حصل الغرض ضحكت أو بكت، إلا إذا كان مع ذلك صباح أو ضرب خد .. فلا يكون رضا.
الثالث: جميع ما ذكره المصنف بالنسبة إلى تزويجها من كفء بمهر المثل، فإن كان من غير كفء .. ففي اشتراط التصريح بالإذن وجهان، وإذا كان بغير مهر المثل أو بغير نقد البلد .. فنقل في زوائد (الروضة) عن صاحب (البيان): أنه يكفي في رضاها السكوت كبيع مالها، لكنه حكى بعد ذلك عن (فتاوى البغوي) ما يخالفه.
стр. 3125
وَالْمُعْتِقُ وَالْسُّلْطَانُ كَالْأخِ
ــ
والأوجه: أنه لا يكفي سكوتها في المسائل الثلاث.
وقال الصيمري: ليس له تزويجها بشيخ هرم، ولا مقطوع اليدين والرجلين، ولا أعمى ولا زمن، ولا فقير وهي غنية، فإن فعل .. فسخ، قال العمراني: ويحتمل أنه ليس لها الفسخ.
ولو قال: أزوجك من شخص ... كفى؛ لأن الأصح: أنه لا يشترط تعيين الزوج في الإذن، ذكره الرافعي بحثا، وصوبه المصنف.
ولو أذنت ثم رجعت قبل التزويج .. لم يصح، فإن زوجها بعده وقبل العلم .. ففي صحته وجهان كنظير من الوكيل.
قال: (والمعتق والسلطان كالأخ) فيزوجان البوالغ بإذنهن، ولا يزوجان الصغائر، خلافا لأبي حنيفة كما سبق في الأخ والم.
لنا: قوله ﷺ : (الولاء لحمة كلحمة النسب)، وقوله: (فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له).
стр. 3126
وأَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ أَبُّ ثُمَّ جَدُّ ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ أَخُّ لِأَبَوْيْنِ أَوْ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ عَمِّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَةِ كَالإِرْثِ،
ــ
ولأن المعتق أخرجها من الرق إلى الحرية فأشبه الأب في إخراجه لها إلى الوجود.
ثم السلطان يزوج في ستة مواضع:
عدم الولي الخاص، وعضله، وسيأتيان في هذا الفصل.
وغيبته، وإحرامه، وإذا أراد الولي أن يتزوجها، وستأتي هذه الثلاثة في الفصل الذي بعده.
والسادس: تزويج المجنونة، وسيأتي في الفصل الثالث.
وقد جمع بعضهم خمسة في قوله] من الرجز [:
خمس محررة تبين حكمها .... فيها يرد العقد للحكام
فقد الولي وعضله ونكاحه .... وكذاك غيبته مع الإحرام
قال: (وأحق الأولياء أب)، لأن من عداه يدلي به، كذا علله الرافعي، ويرد عليه المعتق والسلطان؛ فإنهما لا يدليان به.
قال: (ثم جد)؛ لأنه كالأب عند عدمه.
قال: (ثم أبوه)؛ لان له ولاية وعصوبة فقدم على من ليس له إلا عصوبة، وهو مع الجدة كالجد مع الأب.
قال: (ثم أخ لأبوين أو لأب)؛ لأنه يدلي بالأب فكان أقرب.
وقدم مالك الأخ على الجد كما يقدم عليه في (باب الولاء).
قال: (ثم ابنه وإن سفل)؛ لأنه أقرب من العم.
قال: (ثم عم، ثم سائر العصبة كالإرث)؛ لأن المأخذ فيهما واحد.
стр. 3127
وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأَبٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ،
ــ
ومراده بقوله: (كالإرث) بالنسبة إلى سائر العصبة فقط، فترتيبهم هنا كترتيبهم هناك، فيقدم بعد العم من الأبوين أو من الأب ابنه وإن سفل، ثم سائر العصبات، ولا يصح عوده إلى جميع ما ذكره؛ لأن الجد والأخ يستويان في الإرث، وهنا يقدم الجد، ثم يرد على إطلاق المصنف مسائل تأتي في خاتمة (كتاب العتق).
قال: (ويقدم أخ لأبوين على أخ لأب في الأظهر)؛ لزيادة القرب والشفقة، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والمزني.
والثاني- وهو القديم وبه قال أحمد-: أنهما سواء؛ لأن قرابة الأم لا مدخل لها في النكاح لأنه لا تفيد ولايته، بخلاف الميراث؛ فإن الأخ من الأم يرث.
والجواب: أن إخوة الأم إذا لم تفد ولاية النكاح .. فهي توجب ترجيحا، كما أن العم لأبوين يقدم في الإرث على العم للأب وإن لم يكن العم للأم وارثا، ويجري الخلاف في ابني الأخ والعمين وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين والآخر من الأب.
قال: (ولا يزوج ابن ببنوة) خلافا للأئمة الثلاثة والمزني.
لنا: أنه لا مشاركة بينهما في النسب؛ لأنها تنسب إلى أبيها والابن إلى زوجها، والزوج لا ولاية له على امرأته، والأم لا تزوج نفسها فكذا من يدلي بها.
واحتج المخالفون بأن النبي ﷺ لما أراد تزويج أم سلمة .. قالت لابتها عمر: قم فزوج رسول الله ﷺ ، فزوجه، رواه النسائي] ٦/ ٨١ [.
والجواب: أنه كان صغيرا؛ لأنه ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وزواج النبي ﷺ بأمه كان في الرابعة فكان يومئذ ابن سنتين، ولو صح أن ابنها زوجها وأنه كان بالغا .. فيكون زوجها ببنوة العم؛ فإنه ابن ابن عم أبيها، على أن نكاح النبي ﷺ لا يفتقر إلى ولي.
وأجاب ابن الجوزي بأنه أراد عمر بن الخطاب، وهو ابن عمها، واسمه موافق لاسم ابنها فظن بعض الرواة أنه ابنها، قال: وما يروى من قول بعض الرواة: قم
стр. 3128
فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمِّ أَوْ مُعْتِقاً أَوْ قَاضِيا .. زَوَّجَ به. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَسِيبٌ .. زَوَّجَ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ كَالإِرْثِ
ــ
يا غلام فزوج أمك .. فباطل لا أصل له.
قال: (فإن كان ابن ابن عم أو معتقا أو قاضيا .. زوج به) أي: بذلك الوصف لا بالبنوة، وكذا لو كان وكيلا لوليها؛ لأنا إنما قلنا: البنوة لا تقتضي الولاية، ولم نقل إنها مانعة، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية .. لم يمنعه، وهذه أسباب الولاية.
وكذلك لو اتفق وطء بشبهة، أو نكاح مجوس أن يكون ابنها أخاها أو ابن أخيها أو ابن عمها.
قال: (فإن لم يوجد نسيب .. زوج المعتق) يعني: إذا كان رجلا (ثم عصبته) سواء كان المعتق رجلا أو امرأة.
قال: (كالإرث)؛ لما تقدم من أنه لحمة كلحمة النسب.
والمراد: أن ترتيب عصبات العتق هنا كترتيب عصبات النسب، لكن يستثنى من ذلك جد النسب؛ فإنه أولى من الأخ.
وأصح القولين هنا: أن أخ المعتق أولى من جده، وأن المرأة لا يزوجها ولدها، وابن المعتق يزوج، ويقدم على أبيه؛ لأن التعصيب له، والشقيق هنا يزوج قطعا.
وقيل: قولان كما في النسب، وقيل: يستويان قطعا.
стр. 3129
وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْمُعْتِقِّةِ فِي الْأَصَحِّ،
ــ
قال: (ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية) فتجعل الولاية عليها تبعا للولاية على المعتقة، فيزوجها الأب ثم الجد على ترتيب الأولياء، ولا يزوجها ابن المعتقة، ويشترط في تزويجها رضاها إن كانت بكرا .. فالبسكوت، وإن كانت ثيبا .. فالبنطق كما في غيرها.
وقيل: لا يزوجها إلا السلطان.
وقيل: يزوجها ابن المعتقة في حياتها، ويقدم على الأب، وهذا هو القياس كما لو كانت ميتة، ويؤيده: أن الولاء يثبت لعصبة المعتق في حياته.
وإطلاق المصنف يقتضي: أن العتيقة لو كانت كافرة والمعتقة مسلمة ووليها كافر .. لا يزوجها، وليس كذلك، فلو قال: يزوج عتيقة المرأة من له الولاء .. لاستقام.
وحكم أمة المرأة كذلك، فيزوجها من يزوج سيدتها، فإن كانت السيدة كاملة .. اشترط إذنها نطقا ولو كانت بكرا؛ لأنها لا تستحيي من ذلك، وإن كانت صغيرة ثيبا .. امتنع على الأب تزويج أمتها إلا إذا كانت مجنونة.
ويستثنى من إلحاقها بها صورتان:
البكر البالغ: للأب إجبارها وليس له إجبار أمتها.
والسيدة الكافرة: لا يزوج أمتها المسلمة من يزوجها.
قال: (ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح)؛ لأنه لا ولاية لها ولا إجبار.
والثاني: يشترط إذنها؛ لأن العصبات يزوجون بإدلائهم بها، فلا أقل من مراجعتها، واختاره الشيخ.
стр. 3130
فَإِذَا مَاتَتْ .. زَوَّجَ مَنْ لَهُ الوِلَاءُ،
ــ
فعلى هذا: إن لم تأذن .. ناب السلطان عنها في الإذن، قال: ولا نعلم من أوجب إذنها إذا قلنا: الابن يزوج.
قال: (فإذا ماتت) أي: المعتقة (.. زوج من له الولاء) فيقدم الابن ثم الأب ثم سائر العصبات على ترتيبهم في الولاء.
وفي وجه: أن أب المعتقة هو الذي يزوجها وإن ماتت المعتقة؛ لأنه كان أولى بتزويج المعتقة فيستدام هذا الحكم وهو شاذ ضعيف.
فرع:
كان المعتق خنثى مشكلا .. ينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه؛ ليكون قد زوجها وليه بتقدير الذكورة ووليها بتقدير الأنوثة.
فرع:
أعتق اثنان أمة .. اشترط في تزويجها رضاهما، إما أن يوكلا، أو يوكل أحدهما الآخر أو يباشرا العقد، ولو مات أحدهما عن ابنين أو أخوين .. كفي موافقة أحدهما للمعتق الآخر، ولو مات كل منهما عن ابنين أو أخوين .. كفى موافقة أحد ابني هذا أحد ابني ذاك.
فرع:
فيمن بعضها مبعض خمسة أوجه:
أصحها: يزوجها مالك البعض ومعه وليها القريب، فإن لم يكن .. فمعتق بعضها، فإن عدم .. فالسلطان.
والثاني: يكون معه معتق البعض.
والثالث: معه السلطان.
والرابع: يستقل مالك البعض.
стр. 3131
فَإِنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَكَذَا يُزَوِّجُ إِذَا عَضَلَ الْقَرِيبُ والْمُعْتِقُ
ــ
والخامس: لا يجوز تزويجها اصلا؛ لضعف الملك والولاية بالتبعيض.
قال: (فإن فقد المعتق وعصبته .. زوج السلطان)؛ لأنه ولي من لا ولي له، والمراد به: من له الولاية العامة، واليا كان أو قاضيا، في محل حكمه خاصة دون غيره.
قال: (وكذا يزوج إذا عضل القريب والمعتق) واحدا كان أو جماعة مستوين؛ لأن التزويج حق عليه، فإذا امتنع من فعله .. فعله الحاكم كمن عليه دين وامتنع من أدائه، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، ولم يصر أحد هنا إلى انتقال الولاية إلى الأبعد، بخلاف الغيبة؛ فإن فيها خلافا.
стр. 3132
وَإِنَّمَا يَحْصَلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ إِلَى كُفْءٍ وَامْتَنَعَ
ــ
قال المصنف في (الفتاوي): العضل كبيرة بإجماع المسلمين. أ. هـ.
والذي اختاره الإمام في (النهاية) أنه لا يحرم إلا إذا لم يكن في الخطة حاكم.
ثم إذا زوج الحاكم هل ذلك بطريق النيابة أو اولاية؟ فيه خلاف تظهر ثمرته في صور:
منها: لو كانت ببلد وأذنت لحاكم بلد آخر والولي فيه، فإن قلنا بالولاية .. امتنع، أو بالنيابة .. جاز.
ومنها: إذا زوجها بإذنها من غير كفء، إن قلنا: ولاية .. صح، أو نيابة .. فلا، قاله في (الترغيب).
ومنها: إذا اكتفينا بالبينة على العضل فزوج القاضي، ثم قامت ببينة رجوعه .. قبل تزويجه، إن قلنا بالنيابة .. خرج على عزل الوكيل، وإن قلنا ولاية .. فعلى الخلاف في انعزال القاضي قبل علمه بعزله، قاله في (المطلب).
قال: (وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع)؛ لأن إجابتها عليه حينئذ واجبة، فأما إذا دعت إلى غير كفء .. فله الامتناع، ولا يكون عضلا، وإذا حصلت الكفاءة .. فليس له الامتناع لنقصان المهر؛ لأنه محض حقها.
стр. 3133
وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْءاً وَأَرَادَ الأَبُ غَيْرَهُ .. فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ
ــ
واحترز ب (البالغة) عن الصغيرة إذ لا اعتبار بالتماسها، ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوجها، قال البغوي: ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدي القاضي، وذلك بأن يحضر الخاطب والمرأة والولي ويأمره القاضي بالتزويج فيقول: لا أفعل أو يسكت، فحينئذ يزوجها القاضي.
قال الرافعي: وكأن هذا فيما إذا تيسر إحضاره عند القاضي، فأما إذا تعذر بتعزز أو توار .. وجب أن يثبت بالبينة كسائر الحقوق، وفي (تعليق الشيخ أبي حامد) ما يدل عليه، وعند الحضور لا معنى للبينة؛ فإنه إن زوج وإلا .. عضل.
ومحل تزويج الحاكم عند العضل إذا لم يتكرر، فإن تكرر ثلاثا .. صار كبيرة يفسق بها، فيزوج الأبعد تفريعا على أن الفاسق لا يلي، كذا قاله الشيخان، وفي اعتبارهما الثلاث مخالفة لما ذكراه في (الشهادات): أنه لا تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر مع غلبة الطاعات عند الجمهور.
قال: (ولو عينت كفءا وأراد الأب غيره .. فله ذلك في الأصح)؛ لأنه أكمل منها نظرا، والمراد: أنه عين كفءا غيره؛ لأنه لو أراد غير الكفء .. لا يجاب قطعا.
والثاني: عليه أن يزوجها بمن عينته إعفافا لها، وهذا ظاهر نص (الأم)، واختاره الشيخ.
والخلاف كالخلاف فيما إذا عينت الزوجة خادما في الابتداء والزوج غيره، والأصح: إجابة الزوج، وكالخلاف فيما إذا أراد الإمام التغريب إلى جهة وطلب الزاني جهة أخرى، والأصح: أن المتبع رأي الإمام كما سيأتي.
стр. 3134
فَصْلٌ:
لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقِ وَصَبِيِّ وَمَجْنُونٍ
ــ
تتمة:
أفهم تمثيله ب (الأب): أن الخلاف في الولي المجبر، فأما غيره كالأخ إذا عين كفءا وعينت غيره .. فهي المجابة قولا واحدا؛ لأن إذنها كما هو شرط في أصل التزويج، كذلك هو شرط في تعيين من عينته.
قال: (فصل:
لا ولاية لرقيق)؛ لما فيه من النقصان وعدم تفرغه للبحث والنظر، ويجوز أن يتوكل لغيره في قبول النكاح بإذن سيده قطعا؛ وبغير إذنه على الأصح، ولا يصح توكيله في الإيجاب على الأصح عند الجمهور، وقد سبق هذا في (الوكالة).
قال: (وصبي ومجنون)؛ لسلب نظرهما وبحثهما عن حال الأزواج واختيارهم، فإذا كان الأقرب صبيا .. زوجها الأبعد، ولا يخفى أن ذلك لا يتصور في الأب والجد.
стр. 3135
وَمُخْتَلِّ الْنَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ،
ــ
والجنون المطبق اتفق الأصحاب على أنه يسلب الولاية، وفي المتقطع وجهان: أصحهما في (أصل الروضة): أنه كذلك، فيزوج الأبعد يوم جنونه؛ لبطلان أهليته وزوال ولايته عن نفسه وماله.
والثاني: لا يزيل الولاية؛ لأنه يشبه الإغماء من حيث إنه يطرأ ويزول، ولم يصحح الرافعي في (الكبير) شيئا، بل نقل الأول عن ابن كج والإمام والغزالي، وتصحيح الثاني عن البغوي، وجعله في (الشرح الصغير) الأشبه، وفي (التذنيب) الظاهر، وعلى هذا: تنتظر إفاقته على الأصح، وقيل: يزوج الحاكم.
والخلاف جار في الثيب المتقطع جنونها، فعلى رأي: تزوج في حال الجنون، وعلى رأي: تنتظر إفاقتها لتأذن.
ولو وكل المتقطع الجنون في إفاقته .. اشترط عقد وكيله قبل عود الجنون، وكذا إذا أذنت الثيب .. يشترط تقدم العقد على عود جنونها.
قال: (ومختل النظر بهرم أو خبل) سواء كان الخبل جبليا أو عارضا، فلا ولاية له؛ للعجز عن اختيار الأكفاء، وعدم العلم بمواضع الحظ الواجب على الأولياء، وكذلك الحكم في أذى الآلام والأسقام الشاغلة عن النظر، نص عليه.
فائدة:
(الخبل): فساد في العقل، وهو بإسكان الباء الموحدة وتحريكها.
و (الهرم) بالتحريك: كبر السن.
روى ابن ماجه] ٣٤٣٦ [وغيره أن النبي ﷺ قال: (إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا الهرم) فاستثناه ﷺ ؛ لأنه اضمحلال طبيعي، وطريق إلى الفناء ضروري؛ فإن كل نقصان وفساد يدخل على المصباح له
стр. 3136
وَكَذَا مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْصِّفَاتِ .. فَالْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ .....
ــ
طريق موصلة إلى العلاج، إلا النقص الداخل من جهة نقصان الزيت فليس له بدونه صلاح.
قال: (وكذا محجور عليه بسفه على المذهب)؛ لأنه ممنوع من عقد النكاح لنفسه فلا يجوز أن يعقده لغيره.
والطريقة الثانية: وجهان: أحدهما هذا.
والثاني: يلي؛ لأنه كامل النظر في أمر النكاح، وإنما الحجر عليه؛ لأجل المال.
والمراد ب (السفيه) هنا: من بلغ مبذرا، أو رشيدا ثم بذر وحجر عليه، فلو لم يحجر عليه ووجد التبذير المقتضي للحجر .. قال الرافعي: ينبغي أن لا يمنع، وإليه أشار المصنف بتقييده ب (الحجر)، وهو ظاهر نص (الأم)، فالسالب للولاية مجموع الأمرين: السفه مع الحجر.
وخرج ب (السفه) حجر المرض وحجر الفلس، فلا يمنعان الولاية؛ لأن ذلك ليس بخلل فيه، بل لحق الغير.
وتوكيل المحجور عليه بسفه في طرفي النكاح كتوكيل العبد، فيصح في القبول دون الإيجاب على الصحيح.
قال: (ومتى كان الأقرب ببعض هذه الصفات) وهي: الرق والصبا والجنون واختلال النظر بهرم أو خبل وحجر سفه، وكذلك الفسق والكفر.
قال: (.... فالولاية للأبعد)؛ لخروج الأقرب عن كونه وليا، ولأنه صلى الله
стр. 3137
وَالإِغْمَاءُ إِنْ كَانَ لَا يَدٌومُ غالبا .. انْتُظِرَ إِفَاقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ يَدُومُ أَيَّاماّ .. انْتُظِرَ،
ــ
عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة يتزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوجها منه خالد بن سعيد بن أبي وقاص كما قاله ابن إسحاق والشافعي] أم ٥/ ١٦ [وآخرون، أو عثمان بن عفان كما قاله عروة والزهري وغيرهما، وكلاهما ابن عم أبيها، وكان أبوها كافرا حيا، وهذه القصة أجمع عليها أهل المغازي.
وإذا ثبت ذلك في الكفر .. قسنا عليه الباقي، فإذا زالت الموانع .. عادت الولاية كما أفهمه لفظ (متى).
هذا في المناسب، أما الولاء، فلو أعتق أمة ومات عن ابن صغير وأب .. لم يكن للأب تزويجها، نص عليه، كما حكاه في (الكفاية) في آخر (باب الولاء)، وبه جزم البغوي في (فتاويه).
قال: (والإغماء إن كان لا يدوم غالبا .. انتظر إفاقته) كما ينتظر النائم، فلا يزوج غيره.
قال: (وإن كان يدوم أياما .. انتظر)؛ لأنه قريب الزوال كالمرض العارض، فعلى هذا: قال البغوي وغيره: تنتظر إفاقته كالنائم، وقال الإمام: تعتبر مدته بالسفر، وترجع معرفته إلى أهل الخبرة، فإذا قالوا: أنه من القسم الثاني .. جاز تزويجها في الحال.
وتعبيره ب (الأيام) يقتضي اعتبار ثلاث، وهو كذلك في (المحرر) تبعا للغزالي، والذي في (الروضة) و (الشرحين) يوما أو يومين فأكثر.
стр. 3138
وَقِيلَ: الْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ. وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ
ــ
قال: (وقيل: الولاية للأبعد) كالمجنون والسكران الذي سقط تمييزه بالكلية، فكلامه لغو، فإن بقي له تمييز ونظر .. فالمذهب: أنه لا يزوج وتنتظر إفاقته.
قال الشيخ: لم يسلكوا بالإغماء هنا مسلكه في الوكالة؛ لأن الأكثرين فيها لم يفرقوا بين طويل المدة وقصيرها، وهنا اتفقوا على التفرقة بين ما يدوم وبين ما لا يدوم، والفرق بين البابين اختلاف المأخذ فيهما، فالوكالة جائزة؛ لضعفها تزول بالإغماء، وولاية النكاح ثابتة للولي قوية، ولا يزيلها اليسير منه، وإنما يزيلها ما يفوت النظر في حق المولى عليها، قال: ومن هذا يعلم أنه لا ينبغي أن يلحق بالوكالة غيرها من الولايات التي هي أقوى رتبة منها كولاية القضاء والإمامة العظمى ونحوهما، وإطلاق القول بأن الإغماء موجب للانعزال بعيد.
قال: (ولا يقدح العمى في الأصح)؛ لا خلاف أن للأعمى أن يتزوج، وهل له أن يزوج بالولاية؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأن المقصود يحصل بالبحث مع الغير والسماع منه.
وإنما لم تقبل شهادته فيما تحمله بعد العمى؛ لتعذر التحمل.
واحتجوا له أيضا بأن شعيبا زوج ابنته من موسى عليهما الصلاة والسلام ولم يثبت ذلك.
وقال الشيخ: الحق أنه لم يعم نبي أبدا، وإن ما حصل ليعقوب ﵊ غشاوة وزالت، فعلى هذا: له أن يوكل.
والثاني: أن العمى يمنع الولاية؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة فأشبه الصغر.
وإذا قلنا يلي والصداق عين .. لم يثبت المسمى إن منعنا شراء الغائب، كذا قاله الشيخان في (البيع).
стр. 3139
وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ عَلَى الْمَذْهبِ،
ــ
ويجري الخلاف في ولاية الأخرس الذي له كتابة أو إشارة مفهمة.
وقيل: يزوج قطعا، فإن لم تكن مفهمة .. فلا ولاية له.
قال: (ولا ولاية لفاسق على المذهب)؛ لأن الفسق نقص يقدح في الشهادة فيمنع الولاية كالرق.
وروى الشافعي] شم ١/ ٢٢٠ [﵁ بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي مرشد) قال الشافعي: أراد ب (المرشد): العدل، قال أحمد: وهو أصح شيء في الباب، وبهذا قال أحمد في أصح الروايتين عنه.
والقول الثاني: أنه يلي؛ لأن الفسقة لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين، وهذه أشهر الطرق كما قاله الرافعي.
والطريق الثاني: القطع بالمنع، وهو قضية إيراد أبي علي بن أبي هريرة والطبري وابن القطان.
والثالث: القطع بأنه يلي.
والرابع: يلي الأب والجد فقط مع الفسق دون غيرهما، والفرق كمال شفقتهما وقوة ولايتهما.
والخامس: عكسه، والفرق أنهما مجبران، فربما وضعاها تحت فاسق مثلهما، وغيرهما يزوج بالإذن، فإن لم ينظر لها .. نظرت لنفسها.
والسادس: إن كان فسقه بشرب الخمر .. لم يل؛ لاضطراب نظره، وإن كان بسبب آخر .. يلي.
والسابع: يلي المستثمر بفسقه دون المعلن.
والثامن: يلي الغيور دون غيره.
وفي (رحلة ابن الصلاح): أن إمام الحرمين قال بهذا التفصيل، وأن فخر الإسلام الشاشي قال: لا وجه له؛ إذ لو جاز هذا في الولاية .. لجاز في الشهادة،
стр. 3140
وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ
ــ
فيقال: إذا كان الفاسق كريم النفس صدوق اللهجة .. تقبل شهادته ويلي القضاء، نعم؛ يستقيم على مذهب أبي حنيفة؛ فإن لهم في الشهادة هذا التقسيم.
والتاسع: إن كان الفاسق رشيدا في دنياه .. ولي، وإن كان مبذرا .. فلا.
وأطلق بعضهم الخلاف، وقيده المتولي بما إذا كان الفاسق غير محجور عليه، فإن كان محجورا عليه .. فلا.
وأفتى الغزالي بأنه إذا أدى السلب إلى تزويج حاكم فاسق .. ولي، وإلا .. فلا، واستحسنه المصنف، واختاره ابن الصلاح، وقواه الشيخ تفريعا على انعزال القاضي بالفسق.
وإذا قلنا: الفسق سالب .. زوج البعيد على الأصح، وقيل: السلطان.
قال البغوي: وإذا تاب .. زوج في الحال، وقال المتولي نحوه في العضل.
قال الرافعي: والقياس- وهو المذكور في (الشهادات) - اشتراط الاستبراء، وفي أصحاب الحرف الدنية كالكناس والحجام وجهان: قال المصنف: المذهب: القطع بأنهم يلون.
والأصح: أن للفاسق أن يتزوج بنفسه.
ويستثنى من إطلاق المصنف وغيره الإمام الأعظم؛ فإنه يزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة على الأصح؛ تفخيما لشأنه، كذا صححه الرافعي، وكأنه قلد فيه البغوي.
وقال المتولي: إن الأصحاب منعوا ذلك في بنات نفسه وصححوه في بنات غيره؛ لأن مستنده في الغير الولاية العامة والفسق لا ينافيها، بخلاف الولاية الخاصة.
قال: (ويلي الكافر الكافرة) ويجبرها وإن كانت صغيرة سواء زوجها من كافر أو مسلم؛ لأنه قريب ينظر بالمصلحة، وقال تعالى:﴾ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴿.
стр. 3141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الرافعي: وشرط ولايته أن لا يرتكب محرما من دينه، فإن ارتكبه فكالفاسق.
قال في (الدقائق): قوله: (الكافرة) أشمل من قول (المحرر): ابنته الكافرة؛ لأن أخته وغيرها كذلك، وخالف الحليمي فقال: لا يلي الكافر الكافرة إذا أراد المسلم أن يتزوج بها، بل يزوجه بها قاضي المسلمين، وصححه ابن يونس.
وهل يزوج اليهودي النصرانية؟ قال الرافعي: يمكن أن يلحق بالإرث، ويمكن أن يمنع، وقال في (الكفاية): قطع أصحابنا بأنه لا يؤثر كالإرث، لكن لنا صورة يزوج فيها المسلم الكافرة وهو السيد؛ فإنه يزوج أمته إذا كانا كذلك على الأصح؛ لأنه يزوجها بالملك، وإن قلنا بالولاية .. فلا.
وكذلك السلطان في نساء أهل الذمة إذا لم يكن لها ولي خاص، أو كان لها ولي وعضلها.
والمرتد ليس له ولاية على أحد.
ولا يزوج كافر مسلمة إلا أمته وأم ولده على وجه قاله الفوراني.
ولو كان لنصرانية أخ يهودي وأخ نصراني وأخ مجوسي .. استووا في الولاية عليها كما يشتركون في ميراثها، وهل للقاضي أن يزوج المجوسية المجبرة؟ فيه وجهان في (طبقات العبادي): عن أبي بكر الفارسي الجواز، وعن أبي بكر المروزي المنع.
стр. 3142
وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ الْزَّوْجَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ،
ــ
قال: (وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة يمنع صحة النكاح)؛ لأن المحرم مسلوب العبارة في عقد النكاح استقلالا وولاية ووكالة في كل من طرفي الإيجاب والقبول، سواء كان في حج أو عمرة، صحيحا كان أو فاسدا؛ لقوله ﷺ : (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) رواه مسلم] ١٤٠٩ [من حديث عثمان.
وروى الدارقطني] ٣/ ٢٦١ [عن أنس: أن النبي ﷺ قال: (لا يتزوج المحرم ولا يزوج).
وروى مالك] ١/ ٣٤٩ [: أن عمر رد نكاح رجل تزوج وهو محرم.
وروى البيهقي] ٥/ ٦٦ [عن سعيد بن المسيب: أن رجلا تزوج وهو محرم .. فأجمع أهل المدينة على أنه يفرق بينهما.
فمذهب الشافعي: أنه يحرم على المحرم عقد النكاح، ولا يصح منه، ولا فدية؛ لعدم حصول المقصود، وبه قال مالك وأحمد، ويفرق بينهما بغير طلاق.
وقال أبو حنيفة والثوري: يصح نكاح المحرم ولا يحرم.
لنا: الآثار المتقدمة.
واحتج المخالف بما روى الشيخان] خ ١٨٣٧ - ١٤١٠ [عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم).
стр. 3143
وَلَا يَنْقُلُ الْوِلَايَةَ فِي الْأَصَحِّ، فَيُزَوِّجُ الْسُّلْطَانُ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَلِيِّ، لَا الْأَبْعَدُ
ــ
وجوابه: أنه روى عن ابن عباس أيضا: أنه تزوجها وهو حلال فتعارضا وسقطا، وروى مسلم] ١٤١١ [وغيره عنها: أنها قالت: (تزوجني النبي ﷺ ونحن حلالان بسرف).
وقال أبو رافع: تزوجها وهو حلال، وكنت السفير بينهما، حسنه الترمذي] ٨٤١ [، وقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس فيه، وعند الخصم: أن الراوي إذا وهمه بعض السلف .. لم يعمل بروايته، وأيضا ابن عباس إذ ذاك كان ابن ست سنين، وإن سلم .. فذاك من خواصه، أو يكون معنى قوله: (وهو محرم) أي: في الحرم أو في الشهر الحرام كقول الشاعر] من الكامل [:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما .... ودعا فلم أر مثله مخذولا
أو أنه كان يرى أن من قلد هديه أو أشعره .. صار محرما فيحتمل أن يكون رأى النبي ﷺ فعل ذلك.
وقال ابن عبد البر: رواية: (أنه تزوجها وهو حلال) تواترت عن ميمونة، قال: ولا أعلم أحدا من الصحابة وافق ابن عباس على رواية أنه كان محرما.
وسواء في ذلك الإحرام الصحيح والفاسد.
وقيل: لا يمنع الفاسد، وينعقد بشهادة المحرم على الصحيح، وتصح الرجعة في الإجرام على الأصح، ومن فاته الحج .. لا يصح نكاحه قبل التحلل على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لأنه محرم.\
قال: (ولا ينقل الولاية في الأصح)؛ لبقاء الرشد والنظر.
والثاني: ينقلها إلى الأبعد كالجنون، فلا ينتظر تحلله ولو بقيت له ساعة، كما لا ينتظر بلوغ الصبي باستكمال السن وعتق العبد بوجود الصفة وإن بقيت له ساعة، لا جرم قال في (المطلب): هذا هو الذي يظهر رجحانه.
قال: (فيزوج السلطان عند إحرام الولي، لا الأبعد) كما لو غاب.
стр. 3144
قُلْتُ: وَلَوْ أَحَرَمَ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ الْحَلَالُ .. لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (قلت: ولو أحرم الولي أو الزوج فعقد وكيله الحلال .. لم يصح والله أعلم) إذا وكل حلال حلالا بالتزويج ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة .. ففي انعزال الوكيل وجهان: أصحهما: لا ينعزل، حتى يجوز له التزويج بعد التحلل بالوكالة السابقة.
وهل له التزويج قبل تحلل الموكل؟ المعروف في المذهب ما قاله المصنف من عدم الصحة، ونقل الغزالي في (الوجيز) فيه وجها لا يعرف لغيره، قال الشيخ: ومأخذه من جهة المعنى ظاهر؛ فإن الإحرام على الصحيح ليس بسالب، بل منزل منزلة الغيبة كما صرح به القاضي حسين.
ووكيل الغائب إذا زوج في زمن غيبته .. يصح إذن المرأة في حال إحرامها كالتوكيل في النكاح.
ولو وكل حلال محرما ليوكل حلالا بالتزويج .. صح على الأصح؛ لأنه سفير محض ليس إليه في العقد شيء.
ولا خلاف أن وكيل المصلي يزوج، بخلاف وكيل المحرم؛ لأن عبارة المحرم غير صحيحة، وعبارة المصلي صحيحة، حتى لو زوجها في صلاته ناسيا .. صح النكاح والصلاة.
فرع:
هل للإمام أو القاضي أن يزوج بالولاية العامة في الإحرام؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا.
وصحح في (المرشد) الجواز.
وثالثها: يجوز للإمام ولا يجوز للقاضي؛ لأن ولاية الإمام أعم، وجميع القضاة خلفاؤه، وفي منعه من ذلك ذريعة إلى منع سائر خلفائه.
وإذا امتنع على الإمام والقاضي التزويج في حالة الإحرام فهل لنوابهم المحلين التزويج؟ فيه في (حلية الشاشي) وجهان.
стр. 3145
وَلَوْ غَابَ الأَقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ،
ــ
قال الشيخ: والذي تلخص أن نائب الإمام يعقد ونائب القاضي كالوكيل فلا يعقد.
قال: (ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين .. زوج السلطان)؛ لأن الغائب ولي والتزويج حق عليه، فإذا تعذر استيفاؤه منه .. قام السلطان مقامه كما لو عضل، وتزويجه في هذه الحالة وحالة العضل وحالة التشاجر بطريق النيابة لا بطريق الولاية؛ لأن الولي لم يخرج عن ولايته، وولايته ثابتة مع غيبته بدليل أنه لو زوج في غيبته .. صح.
وإن كان له وكيل .. لم ينعزل، ويصح تزويجه في غيبته بشرطه الآتي، والذي ذكره المصنف هو المشهور، وحكى عن ابن سريج: أن الغيبة تنقل الولاية للأبعد كالجنون، وهو بعيد.
وفرق القاضي أبو حامد بين الملوك والأكابر فاعتبر مراجعتهم، والتجار وأوساط الناس فلم يعتبره.
وصورة المسألة: أن يعرف مكانه، فإن لم يعرف أو لم يعرف موته وحياته .. زوجها السلطان؛ لأن نكاحها قد تعذر من جهته، فإذا انتهى الأمر إلى غاية يحكم فيها بموته وقسم تركته .. فلا بد من نقل الولاية إلى الأبعد.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كانت الغيبة منقطعة- وهي التي لا تصل القوافل إليها في السنة إلا مرة- نقلت الولاية إلى الأبعد، ومذهب مالك كمذهبنا.
стр. 3146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه:
إنما يزوج القاضي إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر، فإن نصب وكيلا في تزويج موليته .. امتنع على القاضي أن يزوج؛ لأن الاستنابة المنصوص عليها أولى من الشرعية، كذا ذكره ابن سراقة في (التلقين)، والعبادي في (أدب القضاء)، وجزم به في (البحر)، وفي (اللطيف) لابن خيران، وبه جزم الشيخ تبعا لشيخه ابن الرفعة ثم قال: وهذا لا يخفى أن محله إذا كان مجبرا، أو كانت قد أذنت له وهو غير مجبر.
ويندب للحاكم أن يحضر عصباتها أو يستأذنهم أو يرد العقد إليهم؛ ليخرج من الخلاف.
فرع:
في (فتاوى البغوي): أن القاضي إذا زوج من غاب وليها ثم حضر بعد العقد بحيث يعلم أنه كان قريبا للبلد عند العقد .. تبين بذلك أن النكاح لم يصح، وفي (فتاوى القفال) و (القاضي) نحوه.
فرع:
زوج الحاكم في غيبة الولي، ثم قدم وقال: كنت زوجتها في الغيبة .. قال الأصحاب: يقدم نكاح الحاكم.
ولو باع عبد الغائب في دينه فقدم وقال: كنت بعته في الغيبة .. نص الشافعي ﵁ على أن بيع المالك مقدم، والفرق: أن السلطان في النكاح كولي آخر.
ولو كان لها وليان فزوجها أحدهما في غيبة الآخر فقدم الغائب وقال: كنت زوجتها .. لم يقبل إلا ببينة، وهو في البيع نائب عن المالك فأشبه الوكيل، والوكيل لو باع بحضرة الموكل وقال: كنت بعته .. صدق بيمينه.
والخلاف يجري فيما لو ادعى أنه أعتقه أو وقفه.
стр. 3147
وَدُونَهُمَا .. لَا يُزَوِّجُ إِلَا بِإِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
والأصح في دعوى العتق ما حكاه الرافعي في اللقطة: قبول قوله.
قال: (ودونهما .. لا يزوج إلا بإذنه في الأصح)؛ لأن الغيبة في المسافة القصيرة كالإقامة، ولو كان مقيما في البلد .. لم يزوجها الحاكم، فكذلك هنا.
والثاني: يزوج؛ لئلا تتضرر بفوات الكفء الراغب كالمسافة الطويلة.
والثالث: إن كان فوق مسافة العدوى زوج أو دونها استؤذن.
فرع:
الأصح: تصديق المرأة في غيبة وليها، ولا يشترط شهادة خبيرين بالباطن، وأما قول الشافعي ﵁: لا يزوج السلطان من ادعت غيبة وليها حتى يشهد اثنان بذلك، وأنها خلية من زوج وعدة .. فمحمول على الندب، وقال الشيخ عز الدين في (الفتاوى الموصلية): تعتمد إن كانت موثوقا بها، فغن كانت متهمة أو مجهولة .. لم تزوج حتى تثبت بالبينة الشرعية دون المجاهيل والفساق، وإن عجزت عن ذلك لكونها غريبة .. حلفت وزوجت.
فلو ألحت في الطلب ورأى التأخير .. فوجهان أطلقهما في (الروضة)، وعبارة الرافعي: وجهان رواهما الإمام عن الأصوليين.
والذي في (النهاية): أن هذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء، وإنما اختلف فيه أرباب الأصول، فذهب قدوتنا في الأصول إلى أنها تجاب، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى مقابله. أ. هـ.
ومراده بقدوتنا: الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵁، فإطلاق (الروضة) وجهين يوهم أنهما للأصحاب، وليس كذلك، إلا أن يكون نقلهما من خارج وهو بعيد.
قال الشيخ: وينبغي أن يقال: إن القاضي إذا أداه اجتهاده إلى أن مصلحة المرأة
стр. 3148
وَلِلْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
ــ
تفوت بالتأخير .. وجبت المبادرة، أو أن المصلحة التأخير .. تعين، فإن استوى الحال أو أشكل .. فهو موضع تردد.
ومما تعم به البلوى: أن تحضر امرأة إلى قاض تطلب تزويجها وتقول: كنت زوجا لفلان فطلقني وانقضت عدتي أو مات .. فعن القاضي حسين- كما نقله عنه البغوي في (فتاويه) -: لا تزوج حتى تقيم حجة على طلاقه أو موته؛ لأنها أقرت بالنكاح لفلان.
وفي (أدب القضاء) للزبيلي: أنه يسمع قولها ولا يمين عليها ولا بينة؛ لأنها مالكة لأمرها بالغة عاقلة، فلا تمنع التصرف في نفسها بعقد التزويج، فإن كانت صادقة .. فذاك، وإن ورد زوجها وادعى عدم الطلاق وحلف .. فسخنا النكاح ورددناها إليه بعد العدة إن كان الزوج دخل بها.
فإن كان الزوج في البلد وليست بغريبة وادعت الطلاق أو الموت .. فلا يعقد القاضي إلا ببينة، قال الشيخ: ولا مخالفة بين كلام البغوي والزبيلي، فكلام البغوي فيما إذا ذكرت زوجا معينا، وكلام الزبيلي في الزوج المجهول.
قال: (وللمجبر التوكيل في التزويج بغير إذنها) كما له مباشرة العقد بنفسه، هذا هو الأصح المنصوص.
وفي وجه- حكاه الحناطي والقاضي أبو حامد-: يشترط إذنها، فعلى هذا: إن كانت صغيرة .. امتنع التوكيل بتزويجها، وعلى الصحيح يندب للولي استئذانها، ويكفي السكوت.
وسكت المصنف عن شرط الوكيل هنا؛ استغناء بما ذكره في (كتاب الوكالة) وشرطه: أن يصح كونه وليا.
стр. 3149
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزِّوْجِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَحْتَاطُ الْوَكِيلُ فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ
ــ
قال: (ولا يشترط تعيين الزوج في الأظهر)؛ لأنه يملك التعيين في التوكيل، فيملك الإطلاق كما في البيع وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى أن لا يوكل إلا من يثق به.
والثاني: يشترط؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الأزواج، ويجريان في إذنها للولي أن يزوجها ولم تعين له زوجا.
فإن قيل: في زوائد (الروضة) في (باب الوكالة): إذا وكله أن يزوجه امرأة، ففي اشتراط تعيينها وجهان: الأصح: الاشتراط، وصحح هنا أنه لا يشترط تعيين الزوج، بل يصح ويحمل على الكفء بمهر المثل .. فالجواب: أن اعتناء الولي بدفع العار جوز إطلاق الإذن، بخلاف الأجنبي.
ولا يشترط في التوكيل في التزويج ذكر المهر، لكن لو سمت قدرا .. لم يصح التزويج بدونه بغير إذنها، كما لو قال: زوجها في يوم كذا أو في المسجد فخالف .. لم يصح، وكذا لو قال الولي لرجل: زوج ابنتي من فلان على أن يضمنه فلان أو يرتهن بمهرها كذا فزوجها من غير ضمان ولا رهن .. لم يصح على المذهب كما في البيع.
ولو وكل رجلا بتزويج ابنته فزوجها وبان موت الأب ولم يدر أكان بعد الموت أو قبله .. فوجهان: أصحهما: صحة العقد؛ بناء على تقابل الأصلين.
قال: (ويحتاط الوكيل فلا يزوج غير كفء) هذا واجب عليه، فإن زوجها بغير كفء .. لم يصح في الأصح.
стр. 3150
وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ إِنْ قَالَت لَهُ: وَكِّلْ .. وَكَّلَ، وَإِنْ نَهَتْهُ .. فَلَا، وَإِنْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي .. فَلَهُ الْتَّوْكِيلُ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاح .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصِّحِيح
ــ
وقيل: يصح ولها الخيار، فإن كانت صغيرة .. خيرت إذا بلغت.
ولو خطبها كفان وأحدهما أشرف فزوج الآخر .. لم يصح؛ لأنه خلاف الاحتياط الواجب عليه.
قال: (وغير المجبر إن قالت له: وكل .. وكل) هذا لا خلاف فيه، وشمل كلام المصنف مسألتين:
إحداهما: قالت: زوجني ووكل .. فله كل منهما.
والثانية: اقتصرت على قولها: وكل بتزويجي .. فله ذلك، وهل له أن يزوجها؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه يبعد منعه مما له التوكيل فيه.
ولو رجعت عن الإذن بعد التوكيل .. بطلت الوكالة.
قال: (وإن نهته .. فلا)؛ لأنه غير مستقل، وادعى الإمام والبغوي: أنه لا خلاف فيه أيضا.
قال: (وإن قالت: زوجني .. فله التوكيل في الأصح)؛ لأنه متصرف بالولاية، فأشبه الوصي والقيم يتمكنان من التوكيل بغير إذن، بل أولى منهما؛ لأنهما نائبان، وهو ولايته أصلية بالشرع، وإذنها في التزويج شرط في صحة تصرفه وقد حصل.
والثاني: لا وهو قول ابن أبي هريرة؛ لأنه يتصرف بالإذن فلا يوكل إلا بالإذن كالوكيل.
قال: (فلو وكل قبل استئذانها في النكاح .. لم يصح على الصحيح)؛ لأنه لا يملك التزويج بنفسه، فلأن لا يملك التوكيل فيه إلا بإذن أولى.
والثاني: يصح؛ لأنه يلي تزويجها بشرط الإذن، فله تفويض ما له لغيره، فعلى هذا: يبقى موقوفا على الإذن، فإن أذنت له .. صح، ولو كانت أذنت له ولم يعلم فوكل .. فتنبغي الصحة كتصرف الفضولي، وتستثنى هذه من إطلاقهم.
стр. 3151
وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلِانٍ، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيلِ الزّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلانَاً، فَيَقُولُ وَكِيلُهُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ
ــ
وعلى المذهب: يستثنى ما لو لم يكن لها ولي سوى الحاكم فأمر رجلا بتزويجها قبل استئذانها .. فالأصح صحته؛ بناء على أن استنابته في شغل معين استخلاف، وهو الأصح.
فرع:
قالت: أذنت لك في تزويجي ولا تزوجني بنفسك .. قال الإمام: قال الأصحاب: لا يصح هذا الإذن؛ لأنها منعت الولي وجعلت التفويض للأجنبي، فأشبه الإذن للأجنبي ابتداء.
قال: (وليقل وكيل الولي: زوجتك بنت فلان) مقصوده: بيان لفظ الوكيل في عقد النكاح، فإذا كان يزوج وكيل الولي من الخاطب فيقول: زوجت بنت فلان منك .. فيصح؛ لحصول الغرض المقصود، ولا يحتاج إلى تصريح بوكالة ولا بإشهاد، لكن يشترط- كما قال المتولي- علم الزوج بالوكالة، فإن لم يعلم .. اشترط التصريح بها.
وأفاد بقوله: (بنت فلان) جواز الاقتصار على الاسم، وقال الجرجاني: لا بد من ذكر صفتها والرفع في نسبها إلى أن ينفي الاشتراك.
قال: (وليقل الولي لوكيل الزوج: زوجت بنتي فلان) يعني موكله (فيقول وكيله: قبلت نكاحها له) فلو لم يقل له .. فعلى الوجهين المذكورين فيما إذا قال
стр. 3152
وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ،
ــ
الزوج: قبلت، ولم يقل: نكاحها ولا تزويجها.
ولو قال: زوجت بنتي منك، فقال: قبلت نكاحها لفلان .. لم ينعقد، وإن قال: قبلت نكاحها .. وقع العقد للوكيل، ولم ينصرف إلى الموكل بالنية.
وأفهم قوله: (فيقول) أنه لا يجوز تقديمه على إيجاب الولي، والمعروف جوازه كما تقدم.
وإذا جرى النكاح بين وكيلين فقال وكيل الولي: زوجت فلانة فلانا، فقال وكيل الزوج: قبلت نكاحها لفلان .. صح.
وفي البيع: يجوز أن يقول البائع لوكيل المشتري: بعتك، ويقول الوكيل: اشتريت، وينوي موكله فيقع العقد للموكل وإن لم يسمه، وفرقوا بينهما بوجهين:
أحدهما: أن الزوجين كالثمن والمثمن ولا بد من تسميتهما.
والثاني: أن البيع يرد على المال وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص، والنكاح يرد على البضع وهو لا يقبل النقل، ولهذا لو قبل النكاح بوكالة لزيد فأنكرها زيد .. لم يصح العقد، ولو اشترى لزيد بوكالة فأنكرها .. صح الشراء للوكيل.
قال: (ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة ومجنون ظهرت حاجته).
أما المجنونة .. فحاجتها اكتساب المهر والنفقة، وقد يكون جنونها لشدة الشبق، وحاجة المجنون تظهر بأمارات التوقان، أو توقع الشفاء بقول عدلين من الأطباء، أو
стр. 3153
لَا صَغِيرَةِ وَصَغِيرٍ. وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ،
ــ
عدم متعهد محرم إن زاد ثمن أمة ومؤنتها على مؤن النكاح، نص عليه، واستشكله الرافعي بأن الزوجة لا يلزمها خدمته، فربما تمتنع أو لا تفي إن وعدت.
ولا يقبل قوله في الحاجة من غير ظهور أمارة، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: حاجتهما؛ فإنه لا فرق بينهما.
وفي المجنون وجه: أن توقع الشفاء لا يكفي.
واشتراط المصنف البلوغ في المجنونة إنما ذكره لأنه محل الحاجة، ولم يذكره في المجنون اكتفاء بما قبله وما بعده في الدلالة عليه.
قال: (لا صغيرة ولا صغير) فلا يجب تزويجها؛ لعدم الحاجة إليه في الحال، فلو ظهرت الغبطة في تزويجهما .. ففي الوجوب احتمال للإمام، كما إذا طلب ماله بزيادة .. يجب البيع، والوجوب في الصغير أبعد؛ للزوم المؤن.
والمراد ب (الصغيرة): البكر الصغيرة؛ فإن الثيب لا تزوج.
قال: (ويلزم المجبر وغيره إن تعين) كأخ واحد أو عم واحد (إجابة ملتمسة التزويج) كالقضاء وأداة الشهادة، وقيل: لا يلزم المجبر؛ لأن المجبر لا يجبر، والصحيح الأول، واستشكله الحنفية علينا فقالوا: لو كانت البكر مجبرة للأب ما ملكت جبره.
وأجاب الأصحاب بأن الغرض في النكاح إعفافها، فإذا أعربت عن حاجتها .. وجب على الناظر في أمرها رعاية مصلحتها، وإنما يكون ذلك بعد بلوغها، وكذلك
стр. 3154
فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ وَسَأَلَتْ بَعْضَهُمْ .. لَزِمَهُ الإِجَابَةُ فِي الْأَصَحِّ
ــ
المعصر في وجه، وإنما يلزمه إذا عينت كفءا وطلبت التزويج منه كما أفهمه كلام الرافعي.
قال: (فإن لم يتعين كإخوة وسألت بعضهم .. لزمه الإجابة في الأصح)؛ لئلا يتواكلوا فيتعطل الحق، وهما كالوجهين في الشهود إذا كانوا في واقعة وطلب من اثنين منهم الأداء، فإذا امتنع الجميع .. زوج السلطان بالعضل.
وعلى الأصح: يأثم المسئول وحده، وعلى مقابله: يأثم الجميع كفرض الكفاية، وقيل: لا إثم؛ لحصول المقصود بالسلطان.
فرع:
إذا قبل الأب للصغير أو المجنون نكاحا بصداق من مال الابن، فإن كان عينا .. فذاك، ولا تعلق له بالأب، وإن كان دينا .. فالقديم: أن الأب ضامن للمهر بالعقد، والجديد: لا يكون ضامنا إلا أن يضمن صريحا، كما إذا اشترى لطفله شيئا .. فإن الثمن عليه لا على الأب.
وإذا قلنا بالجديد فتبرع الأب بالأداء .. لم يرجع، وكذا لو ضمن صريحا وغرم، فقصد الرجوع هنا ينزل منزلة إذن المضمون عنه، فإن ضمن على قصد الرجوع وعزم على قصد الرجوع .. يرجع، وإلا .. فعلى الخلاف فيما إذا ضمن بغير إذن، وأدى بغير إذن.
وإذا قلنا بالقديم فغرم .. قال الشيخ أبو علي: لا يرجع به على الابن، كما لا ترجع العاقلة على الجاني، ويحكى مثله عن القاضي حسين، واعترضه الإمام بأن الأب نصب للتصرف ورعاية المصلحة للابن فكيف يكون طريقا للضمان وليس كذلك العاقلة؟!.
ولو شرط الأب أن لا يكون ضامنا .. فعن القاضي أنه يبطل العقد على القديم،
стр. 3155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: وهذا وهم من الآخذين عنه؛ فإن النكاح لا يفسد بمثل ذلك، ولعله قال: يبطل الشرط ويلزم الضمان.
فرعان- ذكرا هنا استطردًا؛ لتعلقهما بالنظر والمصلحة-:
أحدهما: يجب على الولي حفظ مال الطفل وصونه عن أساب التلف، قال الإمام والغزالي والرافعي: وعليه استنماؤه بما يصونه عن ذهابه في النفقة والزكاة ومؤن حفظه إن أمكن ذلك، وقال العراقيون: إن ذلك مستحب.
قال الشيخ: وغالب الاستنماء بأحد شيئين:
إما معاملة بحيلة، وفيها شبهة ينبغي للولي أن لا يفعلها؛ لأن رعاية مصلحة الصبي في الآخرة أولى من رعاية مصلحته في الدنيا، ومن مصلحته في الآخرة إطعامه الحلال الخالص عن الشبهة.
الطريق الثاني: شراء ما فيه ربح، وهو جيد لكنه كثيرًا ما يكسد، فإن فرض طريق خال عن الضرر الأخروي والدنيوي .. وجب أو استحب، وإلا .. فالواجب الحفظ.
قال الأصحاب: ولا تلزمه المبالغة في الاستنماء، والنهاية فيه بحيث يكد نفسه، وينبغي أن يحرص على معاملة من ماله حلال موثوق به مأمون، ويراعي المصلحة والغبطة في البيع له والشراء.
الثاني: إذا تضجر الأب بحفظ مال الطفل والتصرف فيه .. رفع الأمر إلى القاضي لينصب قيمًا بأجرة، وله أن ينصب بنفسه، ذكره الإمام.
ولو طلب من القاضي أن يثبت له أجرة على عمله .. فالذي يوافق كلام الجمهور: أنه لا يجيبه إليه غنيًا أو فقيرًا، إلا أنه إذا كان فقيرًا ينقطع عن كسبه .. فله أن يأكل منه بالمعروف كما سبق في (الحجر).
وللإمام احتمال قطع به الغزالي: أنه يفرض له أجرة، وعلى هذا: لابد من تقرير القاضي، وليس له الاستقلال به، هذا إذا لم يكن هناك متبرع بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرع وطلب الأب الأجرة .. فوجهان:
следующие страницы →