← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

أوْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ أَبَدًا .. لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَانَ، وَكَذَا العِيدُ وَالتَّشْرِيقُ فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ .. صَامَهَا، وَيَقْضِي أَثَانِيَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَقْضِي إِنْ سَبَقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ مئة وستين يومًا، أو اثني عشر شهرًا بالهلال، وإن انكسر شهر .. أتمه ثلاثين، وشوال وذو الحجة منكسران بسبب العيد والتشريق. قال: (أو يوم الإثنين أبدًا .. لم يقض أثاني رمضان)؛ لأن وجوب صوم رمضان سابق على النذر فلا يتقدم عليها النذر. وقوله: (أثاني) بحذف النون هو الصواب. ووقع في (المهذب) و (المحرر) و (الشرح) و (الروضة): أثانين رمضان بالنون، وهي لغة قليلة، ويم الاثنين لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مثنى. قال: (وكذا العيد والتشريق في الأظهر)؛ لتعينهما للإفطار. والثاني: يقضي؛ لأنه لم يتحقق وقوعه فيه فلم يخرج عن نذره، وبخلاف ما إذا نذر صوم سنة معينة حيث قلنا: لا يقضي؛ لأن وقوعها في السنة لازم، ووقوع العيد في يوم الاثنين غير لازم. ثم إن كلام المصنف يقتضي: أن كل إثنين وقع في رمضان لا يقضى قطعًا مع جريان خلاف في العيد والتشريق، وليس كذلك، بل خامس الأثاني فيه الخلاف كالعيد. قال: (فلو لزمه صوم شهرين تباعًا لكفارة .. صامها ويقضي أثانيهما) وإن سبق النذر الكفارة؛ لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعده. قال: (وفي قول: لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر. قلت: ذا القول أظهر والله أعلم) كما لا يقضي الأثاني الواقعة في رمضان؛ لتقدم وجوبها على النذر. ووجه مقابله: أن الوقت غير متعين لصوم الكفارة، ولو صام في الشهرين أثانيهما .. لوقعت عن نذره، فإذا تركه .. قضى، بخلاف أثاني رمضان، وهو أظهر عند البغوي وطائفة من العراقيين، وتبعهم في (المحرر)، قال في (المهمات): وهو الصواب المنصوص المفتى به، لكن بشكل على الرافعي ما لو نذر صوم الدهر وكان عليه كفارة حين النذر .. فإن زمانها مستثنىّ كما قاله.

стр. 4902

وَتَقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فِي الأَظْهَرٍ. أَوْ يَوْمًا بِعَيْنِهِ .. لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ .. صَامَ آخِرَهُ وَهُوَ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ .. وَقَعَ قَضَاءً ــ وقياس قوله في الأثاني: أن يفدي عن النذر كما لو لزمت الكفارة بعد أن نذر .. وإذا نذر صوم الإثنين أبدًا ثم صامه عن نذر آخر مطلق .. لم يصح عن النذر المعين بلا خلاف، وهل يجزئ عما نوى؟ على قولين: أظهرهما: الإجزاء، بل نقل الإمام الاتفاق عليه. قال: (وتقضي زمن حيض ونفاس في الأظهر)؛ لأن الوقت غير متعين لصوم الكفارة. والثاني: لا تقضيها؛ لتقدم وجوبها على النذر كما لا تقضى الأثاني الواقعة في رمضان. وموضع الخلاف إذا لم تكن لها عادة غالبة، فإن كانت .. فعدم القضاء فيما يقع في عادتها أظهر، وبه قطع بعضهم، أما لو أفطرت بعذر المرض .. فالمشهور وجوب القضاء، وقيل: على الخلاف. ولو نذر صوم يوم الشك .. لم يصح على الأصح، فإن صححنا .. فليصم غيره، قال في (الروضة) هنا: فإن صامه .. خرج عن نذره على ما في ذلك من النظر. قال: (أو يومًا بعينه .. لم يصم قبله) كالواجب بالشرع، فإن فعل .. لم يصح، ولا يجوز تأخيره عنه بلا عذر، فإن أخر وفعل .. صح وكان قضاء، هذا هو المذهب، وقيل: وجهان: ثانيهما: لا يتعين كالزمان، فيجوز قبله وبعده. ويجريان أيضًا في تعيين السنة والشهر، فلو نذر صوم خميس ولم يعين .. كفاه أي خميس كان، وإذا مضى خميس .. استقر في ذمته، حتى لو مات قبل أن يصوم .. فدي عن قال: (أو يومًا من أسبوع ثم نسيه .. صام آخره وهو الجمعة، فإن لم يكن هو .. وقع قضاء) كذا قاله الشيخان وغيرهما. قال في (المطلب): ويجوز أن يقال: يلزمه صوم جميع الأسبوع، كما إذا عين الصلاة وقتًا له مزية كليلة القدر .. فإنه لا تجوز الصلاة في غيرها ويلزمه أن يصلي كل

стр. 4903

وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ ثُمَّ نَذَرَ إِتْمَامَهُ .. لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ ...... ــ ليلة من ليالي العشر الأخير؛ ليصادفها، فإن لم يصل في ليالي العشر كلها .. لم يقضها إلا في مثله. ويدل لأن آخر الأسبوع الجمعة ما روى مسلم [٢٧٨٩] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (خلق الله التربة يوم السبت، والجبال يوم الأجد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة منه). وقول الشاعر [من الطويل]: ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت فقل لجديد الثوب: لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل: لا بد من شت وقال ابن سيده: أوله الأحد، وقال المصنف في (التحرير) و (شرح المهذب): سمي يوم الاثنين لأنه ثاني الأسبوع، والخميس لأنه خامسه، والصواب الأول. قال: (ومن شرع في صوم نفل ثم نذر إتمامه .. لزمه على الصحيح)؛ لأنه عبادة صحيحة يصح التزامها بالنذر. والثاني: لا يصح؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم. قال: (وإن نذر بعض يوم .. لم ينعقد)؛ لأنه ليس بقربة. قال: (وقيل: يلزمه يوم)؛ لأنه قد ورد الأمر بإمساك بعض النهار كمن أصبح مفطرًا يوم الشك ثم بان أنه من رمضان، ولكن لا سبيل إلى صيامه؛ لأن صيام بعض اليوم غير معهود شرعًا، فيلزمه يوم كامل، وكذلك لو نذر أن يصلي بعض ركعة .. لم تنعقد على الأصح، وقيل: يصح وتلزمه ركعة.

стр. 4904

أوْ يَوْمَ قدُومِ زَيْدٍ .. فَالأَظْهَرُ: انْعِقَادُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ .. فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا .. وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا .. فَكَذَلِكَ، ــ أما لو نذر سجدة واحدة .. فالأصح: عدم الانعقاد؛ لأنها ليست قربة، ولو نذر بعض نسك .. ينبغي أن يكون على الخلاف فيما لو أحرم به، وقد ذكره في زوائد (الروضة) هناك عن الروياني: أنه ينعقد بنسك كالطلاق، قال: وفيه نظر. ولو نذر بعض طواف .. ينبغي أن ينبني على أنه هل يصح التطوع بشوط على حدته، والمنصوص لم الأم: أنه يثاب عليه كما لو صلى ركعة ولم يضف إليها أخرى. قال: (أو يوم قدوم زيد .. فالأظهر: انعقاده)؛ لإمكان الوفاء به بأن يعلم قدومه غدًا. والثاني: لا ينعقد؛ لتعذر الوفاء به، لأنه إن قدم ليلًا .. فهو إنما نذر صوم اليوم، فإن أراد باليوم الوقت .. فالليل لا يقبل الصوم، وإن قدم نهارًا .. فالنية لم توجد من الليل، ولا تجزئه نية من النهار، وإذا لم يمكن الوفاء بالملتزم .. يلغو الالتزام. قال: (فإن قدم ليلًا أو في يوم عيد أو في رمضان .. فلا شيء عليه)؛ لأنها أوقات غير قابلة للصوم. نعم؛ يستحب أن يصوم من الغد أو يومًا آخر شكرًا لله تعالى. قال: (أو نهارًا وهو مفطر) إما لعدم النية من الليل، أو لتناول مفطر (أو صائم قضاء أو نذرًا .. وجب يوم آخر) كما لو نذر صوم يوم معين ففاته. واستحب الشافعي أن يعيد الصوم الواجب الذي هو فيه أيضًا؛ لأنه بان أنه صائم يومًا مستحق الصوم لكونه يوم قدوم فلان. ولو قدم نهارًا والناذر مفطر .. استحب له أن يمسك بقية يومه كالمسافر يقدم في رمضان مفطرًا. قال: (أو وهو صائم نفلًا .. فكذلك)، فيلزمه يوم آخر عن نذره؛ لأنه لم يأت

стр. 4905

وَقِيلَ: يَجِبُ تَتْمِيمُهُ وَيَكْفِيهِ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوَمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَهُ، فَقَدِمَا فِي الأَرْبِعَاءِ .. وَجَبَ صَوْمُ الْخَمِيسِ عَنْ النَّذْرَيْنِ وَيَقْضِي الآخَرَ. فَصْلٌ: نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِتْيَانَهُ .. فالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، ــ بالواجب عليه بالنذر، والنفل لا يقوم مقام الفرض، هذا هو المنصوص في (الأم). قال: (وقيل: يجب تتميمه ويكفيه)، فيكون أوله تطوعًا وآخره فرضًا كمن دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه. قال: (ولو قال: إن قدم زيد فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه، وإن قدم عمرو فلله علي صوم أول خميس بعده، فقدما في الأربعاء .. وجب صوم الخميس عن أول النذرين ويقضي الآخر)؛ لتعذر صومه، بخلاف الأول، وللبغوي احتمال في انعقاد النذر الثاني. وقال في (شرح المهذب): لو قال: إن قدم زيد فلله علي أن أصوم أمس يوم قدومه .. صح نذره على المذهب. تتمة: لو تبين للناذر أن فلانًا يقدم غدًا فنوى الصوم من الليل .. فالأصح الإجزاء، وخصه المتولي بما إذا قلنا: يلزم الصوم من أول اليوم، فإن قلنا: يلزم من وقت القدوم .. لم يجزئه. ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا فقدم يوم الاثنين .. فهو كما لو نذر الأثاني كلها أبدًا، وقد تقدم حكمه. قال: (فصل: نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إتيانه .. فالمذهب: وجوب إتيانه بحج أو عمرة)؛ لأن الله تعالى أوجب قصده بنسك فلزم بالنذر كسائر القرب.

стр. 4906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واستدل الرافعي وغيره بما روى ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله، فأمرها النبي ﷺ أن تمشي بحج أو عمرة. ولأن مطلق كلام الناذر محمول على ما ثبت له أصل في الشرع، فمن نذر أن يصلي .. تلزم الصلاة المعهودة لا الدعاء؛ لأن قصد مكة في الشرع هو بالحج أو العمرة. والمصنف تابع (المحرر) في التعبير، وسنذكر مثله في قوله: (أمشي إلى بيت الله)، والمراد فيهما: إذا قال: بيت الله الحرام أو نواه، ففي هذه الصور طريقان: المذهب الوجوب، وقيل: قولان. وكذا الحكم لو قال: آتي مكة أو زمزم أو الصفا أو مسجد الخيف أو منى أو مزدلفة أو مقام إبراهيم أو دار أبي جهل، أو ذكر بقعة من الحرم .. لزمه القصد بالنسك. فلو قال: بيت الله ولم يقل الحرام ولا نواه .. فهي مسألة (التنبيه) التي أقره عليها المصنف، والأظهر فيها: أنه لا ينعقد نذره؛ لأن المساجد كلها بيوت الله، وقيل: يلزمه؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه، أما إذا نواه .. فهو كالتصريح به. ووجوب إتيانه بحج أو عمرة في مسألة الكتاب هو المنصوص بناء على الحمل على واجب الشرع، وإلا .. ففي لزوم ضم شيء آخر إليه وجهان: أصحهما: نعم. وهل هو الصلاة أو النسك أو يتخير؟ فيه أوجه. قال الإمام: ولو قيل يكفي الطواف لم يبعد. ولو قال في نذره: أمشي إلى بيوت الله بلا حج ولا عمرة .. فالأصح انعقاد نذره، ولو نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ أو المسجد الأقصى .. فالأصح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنهما لا يقصدان بالنسك فأشبها سائر المساجد. والثاني: يلزم؛ لأن الرحال تشد إليهما.

стр. 4907

فَإِنْ نَذَرَ الإِتْيَانَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمَشْيِ، ــ وعلى هذا: ففي وجوب المشي وجهان: صحح الشيخان وجوبه، والأصح في (المهمات): عدمه، وعليه أيضًا: أنه لا بد من ضم عبادة إلى الإتيان على الأصح. واختلفوا في ذلك، فقيل: صلاة ركعتين، وقال الإمام: ركعة، وفي الاكتفاء بصلاة الفرض وجهان: وقيل: يكفي الاعتكاف ولو ساعة؛ لأنه أخص القرب بالمسجد، وقيل: يتخير بينهما، وهو الأصح. وأما الإتيان إلى غير المساجد الثلاثة .. فلا يلزم بالنذر، واختلف الشيخان في أعمال المطي إليها كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد: يحرم، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح: أنه لا يحرم ولا يكره. ولو نذر المضي إلى عرفات .. فالأصح: أنه إن نوى بإتيانها التزام الحج وعبر عنه بشهود عرفة أو نوى أن يأتيها محرمًا .. انعقد نذره بالحج، وإن لم ينو ذلك .. لم ينعقد. قال: (فإن نذر الإتيان .. لم يلزمه مشيٌ) هذا لا خلاف فيه، وله أن يركب قطعًا. قال: (ولو نذر المشي أو أن يحج أو يعتمر ماشيًا .. فالأظهر: وجوب المشي).

стр. 4908

وَإِنْ كَانَ قَالَ: أَحُجُّ مَاشِيًا .. فِمِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، وَإِنْ قَالَ: أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى .. فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ، ــ هذا مفرع على أن الحج راكبًا أو ماشيًا أفضل، وفيه قولان: أصحهما – وصوبه المصنف -: الركوب؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه حج راكبًا، رواه البخاري [١٥١٧] من رواية أنس، ولأن فيه زيادة مؤنة وإنفاق في سبيل الله. والثاني – وصححه الرافعي –: المشي؛ لكثرة التعب، ولما في (الصحيح) [م ١٢١١/ ١٢٦] عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: (أجرك على قدر نصبك). وفي قول أو وجه: أنهما سواء؛ لتعارض المعنيين. وقال ابن سريج: هما سواء ما لم يحرم، فإذا أحرم .. كان المشي أفضل؛ لما روى الحاكم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إليها .. كتب الله بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم: الحسنة بمئة ألف) لكن ضعفه البيهقي [٤/ ٣٣١]. وقال في (الإحياء): من سهل عليه المشي .. فهو أفضل في حقه، ومن صعب وساء خلقه لو مشى .. فالركوب أفضل. فإن قلنا: المشي أفضل .. لزم بالنذر، وإن قلنا: الركوب أفضل أو سوينا .. لم يلزمه المشي بالنذر. قال: (وإن كان قال: أحج ماشيًا .. فمن حيث يحرم) سواء أحرم من الميقات أو من دونه؛ لأنه التزم المشي في الحج وابتداؤه من الإحرام. وقيل: يلزمه من دويرة أهله؛ للعادة، فإن من قال: حججت ماشيًا .. فهم منه المشي في جميع الطريق، ولقول عمر: إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقوله: أمشي حاجًا كقوله: أحج ماشيًا على الصحيح. وقيل: أمشي حاجًا يقتضي أن يمشي من مخرجه إلى الحج. قال: (وإن قال: أمشي إلى بيت الله تعالى .. فمن دويرة أهله في الأصح)؛ لأن ذلك مدلول لفظه.

стр. 4909

وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْمَشْيَ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأَظْهَرِ، ــ والثاني: من الميقات؛ لأن المقصود من الإتيان الحج أو العمرة. قال: (وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر .. أجزأه) هذا لا خلاف فيهز وفي (الصحيحين) [خ ١٨٦٥ – م ١٦٤٢] عن عائشة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يهادى بين رجلين، فسأل عنه فقالوا: نذر أن يحج ماشيًا، فقال: (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه) وأمره أن يركب. قال: (وعليه دم في الأظهر)؛ لما روى البيهقي [١٠/ ٨٠] بإسناد ضعيف عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ يسير في جوف الليل في ركب؛ إذا أبصر بخيال قد نفرت منه إبلهم، فأنزل رجلًا فنظر فإذا هو بامرأة عريانة ناقضة شعرها، فقال: ما لك؟ قالت: نذرت أن أحج البيت ماشية عريانة ناقضة شعري، وأنا أكمن النهار وأتنكب الطريق بالليل، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: (ارجع إليها فمرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دمًا). وروى أبو داوود [٣٢٨٨] عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أختي نذرت أن تحج ماشية، فقال ﷺ : (إن الله لا يصنع بمشي أختك شيئًا، فلتحج راكبة ولتكفر عن يمينها). وفي رواية: (ولتهد هديًا) [٣٢٩٠] وفي أخرى: (ولتهد بدنة) [٣٢٨٩] وهذا الحديث وحديث عقبة الآتي محمولان على أنهما عجزتا كما هو الغالب، ولأن ما أوجب تركه الدم مع القدرة .. أوجبه مع العجز كسائر دماء النسك. والثاني: لا دم عليه، كما لو نذر الصلاة قائمًا .. يصلي قاعدًا للعجز. وفرق الأول بأن الصلاة لا تجبر بالمال، بخلاف الحج. واحترز بقوله أولًا: (إذا أوجبنا المشي) عما إذا لم نوجبه .. فإنه لا يجبر تركه بدم، والدم: شاة على الأصح؛ لقوله ﷺ : (ولتهد هديًا) ومطلق الهدي محمول عليها، ولأنه ترفه بترك المشي فأشبه ما إذا ترفه باللبس والطيب. وقيل: الدم بدنة؛ لرواية: (ولتهد بدنة).

стр. 4910

أَوْ بِلاَ عُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً .. لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا .. اسْتَنَابَ ــ قال: (أو بلا عذر .. أجزأه على المشهور)؛ لأنه أتى بأصل الحج ولم يترك إلا هيئة، فصار كترك الإحرام من الميقات أو من المبيت بمنى، لكنه يعصي بذلك؛ لأنه ترك الواجب مع القدرة. والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لم يأت بما التزم، وهو قديم. فعلى هذا: لو مشى في البعض .. قضى ومشى حيث ركب وركب حيث مشى. قال: (وعليه دم)؛ لترفهه، وهل الدم شاة أو بدنة؟ فيه القولان السابقان. وفي وجه أو قول: لا دم؛ لأنه إنما يجب بترك أبعاض النسك والمشي ليس من أبعاضه، إنما هو صفة، ثم في نهاية المشي في الحج وجهان: أصحهما – وهو المنصوص -: أنه بفراغه من التحللين؛ لأنه بذلك خرج عن الإحرام. والثاني: بالتحلل الأول؛ لأنه فارق اسم الحج المطلق، ويباح له اللبس وغيره. ولم لم يكن للعمرة إلا تحلل واحد – وهو فراغها – لزمه المشي إليه قولًا واحدًا، ولا خلاف في جواز ترك المشي لرمي أيام التشريق. وما وقع في (التنبيه) من توقفه على الرمي وهم، قاله في (شرح المهذب). ويستثنى من التوقف على التحللين ما لو فسد الحج، وظاهر كلام الرافعي: أن الأصح جواز الركوب؛ لأن الإفساد أخرجها عن وقوعها عن النذر، ويستأنف عنها حجة ويمشي فيها. ولو نذر الحج حافيًا .. لزمه الحج ولا يلزمه الحفاء، بل له أن يلبس النعلين في الإحرام، ولا فدية عليه بلا خلاف؛ لأنه ليس بقربة. قال في (المهمات): وينبغي أن يلزمه الحفاء في الموضع الذي يستحب فيه، وهو عند دخول مكة. قال: (ومن نذر حجًا أو عمرة .. لزمه فعله بنفسه، فإن كان معضوبًا .. استناب)؛ حملًا له واجب الشرع.

стр. 4911

وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ الإِمْكَانِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ .. حُجَّ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ .. لَزِمَهُ – فِإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ، ــ قال في (الدقائق): قوله (استناب) يتناول الاستنابة بأجرة أو جعل أو تبرع، وهي مراد (المحرر) وإن لم يصرح بالتبرع. قال: (ويستحب تعجيله في أول) سني (الإمكان)؛ مبادرة لبراءة الذمة، فإذا خشي العضب .. لزمته المبادرة أيضًا كما تقدم في حجة الإسلام. ولو نذر المعضوب أن يحج بنفسه .. لم ينعقد نذره، وإن نذر أن يحج من ماله أو أطلق .. انعقد. قال: (فإن تمكن فأخّر فمات .. حُج من ماله) كحجة الإسلام. واحترز عما إذا مات قبل الإمكان .. فلا شيء عليه، قال في (شرح المهذب): ولا خلاف فيه. قال: (وإن نذر الحج عامه وأمكنه .. لزمه) أي: في ذلك العام على الصحيح في تعيين الزمان في العبادات، فلا يجوز تقديمه عليه كالصوم. وفي الحاوي وجه: أنه يجوز كما يجوز تقديم حجة الإسلام قبل وجوبها. واحترز بقوله: (عامه) عما إذا لم يقيده بعامه .. فيلزمه لكن في أي عام شاء، وبقوله: (وأمكنه) عما إذا نذر حج السنة ولا زمان يسع الاتيان به، والأصح: لا ينعقد؛ لتعذر اللزوم. وقيل: ينعقد، ويقضي في سنة أخرى. هذا فيمن حج، فإن لم يكن .. فإنه يقدم حجة الإسلام، ولو قدم النذر .. وقعت عن حجة الإسلام كما تقدم في (كتاب الحج). قال: (فإن منعه مرض .. وجب القضاء) كما لو نذر صوم سنة معينة فأفطر فيها لعذر المرض .. فإنه يقضي. هذا إذا منعه بعد الإحرام، فإن منعه قبله .. فلا، قاله المتولي؛ لأن المنذور حج في تلك السنة ولم يقدر عليه.

стр. 4912

أَوْ عَدُوٌّ .. فَلاَ فِي الأَظْهَرِ – أَوْ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ .. وَجَبَ الْقضَاءُ، ــ والنسيان وخطأ الطريق والضلال كالمرض. قال: (أو عدو .. فلا في الأظهر) كما في حجة الإسلام إذا صد عنها في أول سني الإمكان .. لا يجب قضاؤها، ويفارق المرضَ لاختصاصه بجواز التحلل به من غير شرط، بخلاف المرض. والقول الثاني: يجب، ومنهم من قطع به، ويجريان فيما لو منعه سلطان أو رب الدين وهو لا يقدر على أدائه، وفي الحصر العام والخاص اختلاف منتشر. ومنع العدو لا فرق فيه بين أن يكون قبل الإحرام أو بعده. فروع: نذر القران فأفرد او تمتع .. فقد أتى بالأفضل؛ ليخرج عن نذره، كذا قاله الشيخان. وأفاد في (المهمات): أن الدم لا يسقط عنه بعدوله إلى الإفراد. ولو نذر أن يحرم بالحج من شوال أو من بلد كذا .. لزمه في الأصح، كذا ذكره الرافعي والمصنف هنا، وجزما في الحج بأنه لا يتعين الزمان. ولو نذر أن يزور النبي ﷺ .. قال ابن كَج: عندي أنه يلزمه الوفاء به وجهًا واحدًا، قال: ولو نذر أن يزور غيره .. فوجهان. ولو نذر ستر الكعبة أو تطييبها .. لزمه ذلك، بخلاف سائر المساجد. قال الشيخ عز الدين: وحكم مشاهد العلماء والصلحاء كضريح الشافعي وذي النون المصري حكم البيوت لا المساجد. قال: (أو صلاة أو صومًا في وقت فمنعه مرض أو عدو .. وجب القضاء)؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد تجب الصلاة والصوم مع العجز فلزما بالنذر، والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، والاعتكاف كالصوم والصلاة.

стр. 4913

أَوْ هَدْيًا .. لَزِمَهُ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا، ــ وتعبيره بـ (القضاء) يقتضي تعيين المذكورات في الوقت المعين بالنذر، وهو الذي صححه في الروضة في (الصوم) وقال: الخلاف يجري في الصلاة أيضًا، لكنه في (باب الاعتكاف) جزم في الصلاة بعدم التعيين، وهو تابع للرافعي في جميع ذلك. قال: (أو هديًا) أي: نذر أن يهدي شيئًا معينًا إلى الحرم (.. لزمه حمله إلى مكة) أي: عند الإمكان؛ لأنها محل الهدي وإن لم يسمها ولا نواها لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وقيل: لا يلزمه حمله إليها إذا لم يصرح بها؛ حملًا على أقل واجب الشرع، فإن دم الإحصار يجزئ في غير الحرم. واقتضى كلامه تعيين النعم، وهو الأظهر؛ لأن اسم الهدي عند الإطلاق ينصرف إليه، ولا بد أن يكون بصفة الأضحية؛ لأنا سلكنا به مسلك الواجب. وقوله: (لزمه حمله) يعلم منه أن مؤنة حمله عليه، وكذلك علق الحيوان كما صرح به المارودي؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب، وهذا بخلاف ما لو قال: جعلت هذا هديًا إلى الكعبة .. لا تلزمه المؤنة، بل يباع بعضه فيها، قاله الفوراني وغيره. قال الرافعي: وأطلق مطلقون أن المؤن في ماله، فإن لم يكن له مال .. بيع بعضه في المؤنة. قال: (والتصدق به على من بها) غريبًا كان أو مستوطنًا، سواء في ذلك الفقير والمسكين. ثم إذا حصل المنذور في الحرم، فإن كان حيوانًا يجزئ في الأضحية .. وجب ذبحه وتفرقته عليهم، والأصح: تعين الحرم لذبحه كما تقدم ي (محرمات الإحرام). وإن كان من غير النعم كالظباء أو لا تجزئ في الأضحية .. لم يلزمه ذبحه في الأصح، بل يتصدق به حيًا؛ لأن الذبح ينقصه، فلو ذبحه تصدق باللحم وغرم ما نفص بالذبح.

стр. 4914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن كان غير حيوان .. تصدق به، فإن عسر التصدق به كاللؤلؤ والطيب والثوب الواحد .. باعه وفرق ثمنه عليهم. وإن نوى أن يخص به الكعبة .. اختص بها، فإن كان شمعًا .. أشعله فيها، أو دهنًا .. جعله لمصابيحها، وإن كان متاعًا لا يستعمل فيها .. باعه وصرف ثمنه في مصالحها، وإن لم يمكن نقله كالعقار .. باعه ونقل ثمنه؛ فإن ابن عمر سئل عن امرأة نذرت أن تهدي دارًا فقال: (تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم). ولو تلف المنذور المعين في يده كما لو كانت بقرة فماتت .. فالأصح: لا ضمان. فروع: من نذر الهدي وأطلق .. لزمه الجذع من الضأن، أو الثني من المعز والإبل والبقر. وإن نذر بدنة في الذمة .. لزمه، فإن لم يجدها .. أخرج بقرة، فإن فقدها .. فسبع من الغنم. ويستحب لمن أهدى شيئًا من البدن أن يشعرها بحديدة في صفحة سنامها اليمين، وأن يقلدها حزب القرب ونحوها من الخيوط المفتولة والجلود، ويقلد البقر والغنم ولا يشعرها. وصوب المصنف إشعار البقر. فإن عطب منها شيء قبل المحل .. نحره حتمًا في المنذور وندبًا في غيره وغمس نعله في دمه وضرب به صفحة سنامه وخلى بينه وبين المساكين. والذين يباح لهم الأكل من الواجب هم فقراء الركب والقافلة، وأما فقراء رفقته المختصين به .. فالأصح: تحريمه عليهم.

стр. 4915

أَوِ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ .. لَزِمَهُ، أَوْ صَوْمًا فِي بَلَدٍ .. لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا صَلاَةٌ إِلاَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ، ــ قال: (أو التصدق على أهل بلد معين .. لزمه) سواء مكة وغيرها، وهذا تفريع على منع نقل الزكاة. ومقتضى كلامه: أنه لا فرق بين أهل الذمة والمسلمين والأغنياء والفقراء، وليس كذلك؛ فقد نص في (الأم) على تخصيصه بالمساكين، وصرح القاضي حسين والمروروذي والمارودي في (الإقناع) بأنه لا يجوز وضع المنذور في أهل الذمة. قال: (أو صومًا في بلد .. لم يتعين) أي: ذلك البلد، بل يلزمه الصوم ويصوم حيث شاء، كما أن الصوم الذي هو بدل واجبات الإحرام لا يختص بالحرم. وقيل: يتعين كالصلاة، ومال إليه الشيخ أبو زيد، ففي (سنن ابن ماجه) [٣١٧٧]: (من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام فيه ما تيسر .. كتب له بمئة ألف شهر رمضان فيما سواه). وألحق به ابن سراقة في (التلقين) نذر العتق. وقال الشيخ زين الدين بن الكتناني: إن جميع القرب كذلك، فإذا نذر حسنة بالحرم .. وجب فعلها فيه؛ لأن الحسنة فيه بمئة ألف حسنة، والتضعيف قربة. قال: (وكذا صلاة) أي: إذا نذرها في بلد .. لا يتعين؛ لأنها لا تختلف باختلاف البقاع، هذا هو المشهور. وقيل: يتعين، وقيل: إن عين الجامع .. تعين، حكاهما في (الذخائر). وإطلاق المصنف محمول على صلاة النفل، فلو نذر صلاة الفرض في المسجد .. ففي (الوسيط): أنه يلزمه، فإن صلى في مسجد أكثر منه جماعة .. جاز. قال: (إلا المسجد الحرام) فيتعين بالنذر؛ لعظم فضله، وصح: أن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، رواه أحمد [٣/ ٣٤٣] وغيره. والمراد بـ (المسجد الحرام): جميع الحرم لا موضع الطواف فقط؛ فإن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي وتبعه المصنف في (مناسكه)،

стр. 4916

وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تَعْيِينُهُمَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ وجزم صاحب (الحاوي الصغير) بأن غير المسجد من الحرم كالمسجد في تعيينه للصلاة، وبه جزم الماوردي في مساجد الحرم كمسجد الخيف. قال: (وفي قول: ومسجد المدينة والأقصى)؛ لأنهما مسجدان تشد الرحال إليهما كما تقدم فتعينا بالنذر كالمسجد الحرام، لا جرم رجحه المصنف فقال: (قلت: الأظهر: تعيينهما كالمسجد الحرام والله أعلم) هو نصه في البويطي، وقطع به (المراوزة). وروى ابن ماجه [١٤٠٧] عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ أنها قالت: قلت: يا رسول الله؛ أفتنا في البيت المقدس، قال: (أرض المحشر والمنشر، ايتوه فصلوا فيه؛ فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره). والقول الثاني: لا يتعين؛ لما روى أبو داوود [٣٢٩٨] والحاكم [٤/ ٣٠٤] والبيهقي [١٠/ ٨٢] عن جابر: أن رجلًا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله؛ إني نذرت لله إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال: (صل هاهنا) ثم أعاد فقال (صل هاهنا) ثم أعاد عليه فقال: (شأنك إذن). وهذا مبني على أنه إذا نذر الإتيان إليهما .. لا يلزمه كما صححه العراقيون والروياني، وهل تقوم الصلاة في أحدهما مقام الصلاة في الآخر؟ فيه أوجه، والصواب في (الروضة) – ونص عليه في (البويطي) -: أنه يقوم مسجد المدينة مقام الأقصى دون العكس؛ لحديث جابر المذكور، وجميع هذا تقدم في (باب الاعتكاف). وينبغي أن يلتحق بالمساجد الثلاثة في التعيين مسجد قباء؛ ففي (الصحيحين) [خ ١١٩٤ – م ١٣٢٩٩/ ٥١٦]: (أنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين). وروى الترمذي [٣٢٤]: أن النبي ﷺ قال: (ركعتان فيه كعمرة).

стр. 4917

أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا .. فَيَوْمٌ، أَوْ أَيَّامًا .. فَثَلاَثَةٌ، ــ وذكر الإمام أنه لو قال: أصلي في مسجد المدينة، فصلى في غيره ألف صلاة .. لم يخرج عن نذره، كما لو نذر الألف صلاة .. لا يخرج عن نذره بصلاة واحدة في مسجد المدينة، وأن شيخه كان يقول: لو نذر صلاة في الكعبة فصلى في أطراف المسجد .. خرج عن نذره. قال: (أو صومًا مطلقًا) أي: من غير تعرض لعدد بلفظ ولا نية (... فيوم)؛ لأن الصوم اسم جنس يقع على القليل والكثير، والظاهر أنه لو قال: صومًا كثيرًا أو طويلًا أو عريضًا .. لا يلزمه أكثر من يوم. قال في (الروضة): ولو قال: أصوم دهرًا أو حينًا .. كفاه يوم. واستشكل ابن الصلاح – تبعًا للماوردي والروياني – الاكتفاء بيوم وقال: ينبغي أن لا يكتفى به إذا حملنا النذر على واجب الشرع؛ فإن أقل ما وجب بالشرع صيام ثلاثة أيام. وحاول ابن الرفعة دفع هذا الإشكال فقال: لا نسلم أنه أقل صوم وجب بالشرع ابتداء، ولئن سلمنا أن ذلك يشمل ما وجب بإيجاب الشرع ابتداء أو بسبب من المكلف .. فصوم يوم فقط يجب بالشرع في جزاء الصيد، وعند إفاقة المجنون وبلوغ الصبي قبل طلوع الفجر آخر يوم من رمضان. والعجب من المعترض والمجيب، فإن أقل صوم واجب بالشرع ابتداء يوم فإن رمضان ثلاثون عبادة بدليل وجوب النية كل ليلة، وأن بعضه لا يفسد بفساد بعض. وعند مالك: جميعه عبادة واحدة فتكفي له نية واحدة، ومن يقرر هذا الأصل كيف ينكر ما تقدم. قال: (أو أيامًا .. فثلاثة)؛ لأنها أقل الجمع، ويحتمل مجيء وجه بيومين بناء على أنهما الأقل. ويجب التبييت في النية لصوم النذر على الأصح بناء على أنه يسلك به مسلك واجب الشرع، وصح في شرح المهذب الجزم به سواء سلكنا به مسلكًا الواجب أو الجائز.

стр. 4918

أَوْ صَدَقَةً .. فَبِمَا [كَانَ،] أَوْ صَلاَةً .. فَرَكْعَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: رَكْعَةٌ، ــ فرع: نذر صوم رمضان في السفر .. فالأصح عدم انعقاده؛ لأنه التزام يبطل رخصة الشرع. والخلاف جار فيمن نذر إتمام الصلاة في السفر إذا قلنا: الإتمام أفضل، وفيمن نذر القيام في النوافل، أو استيعاب الرأس بالمسح، أو تثليث الطهارة، أو أن يسجد للتلاوة أو الشكر عند مقتضيها، وصحح (الحاوي الصغير) في الأولين الانعقاد. ولو نذر اعتكافًا .. قال المتولي: كفاه أقل شيء، ويندب أن يتمه يومًا. قال: (أو صدقة .. فبما [كان]) ينطلق عليه الاسم مما يتمول ولا يتقدر بخمسة دراهم ولا بنصف دينار وإن حملنا المطلق على الواجب من جنسه. فإن قيل: لم يختلفوا هنا في الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم، وإذا قال: لله علي هدى .. ففي إجزاء ما يقع عليه الاسم قولان .. فالجواب: أن الصدقة يتصور وجوب القليل فيها كالواجب في أحد الخلطاء، فلهذا اختص به، وأما أقل الهدي: فلا يتصور وجوبه. فروع: نذر التصدق بمال عظيم .. قال القاضي أبو الطيب في (باب الإقرار): لا يتقدر بشيء، قال: ورأيت بعضهم يوجب فيه مئتي درهم، وقد تقدم ما في ذلك في (باب الإقرار). ولو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بشيء .. صح نذره، ويتصدق بما شاء من قليل وكثير. ولو قال: فعلي ألف ولم يعين شيئًا باللفظ ولا بالنية .. لم يلزمه شيء. قال: (أو صلاة .. فركعتان)؛ حملًا على أقل واجب الشرع. قال: (وفي قول: ركعة)؛ حملًا على جائزه، فلا يكفيه سجود التلاوة والشكر؛

стр. 4919

فَعَلَى الأَوَّلِ: يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: لاَ. أَوْ عِتْقًا .. فَعَلَى الأَوَّلِ: رَقَبَةٌ كَفَّارَهٍ، وَعَلَى الثَّانِي: رَقَبَةٌ. قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ لأن ذلك لا يسمى صلاة، والقولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي، ولم يستثنى من المرجح إلا مسالة الإعتاق، وقال المصنف (باب الرجعة): المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين، بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين بعض بعضها وعكسه في بعض، وكذلك الخلاف في الرجعة والإبراء. وبين في (المهمات) أن لفظ (المختار) في (الروضة) بمعنى الأصح والراجح. قال: (فعلى الأول: يجب القيام فيهما مع القدرة)؛ لأنا ألحقناه بواجب الشرع. [قال]: (وعلى الثاني: لا)؛ إلحاقًا بجائزه، ولو نذر أن يصلي قاعدًا .. قال في (الروضة): جاز أن يقعد، وإن صلى قائمًا .. فقد أتى بالأفضل، وقال بعد ثلاثة أوراق: يلزمه القيام، ووقع الموضعان كذلك في (الشرح الصغير) أيضًا. قال: (أو عتقًا .. فعلى الأول: رقبة كفارة) وهي السليمة المؤمنة؛ حملًا على الواجب. قال: (وعلى الثاني: رقبة) ولو كافرة؛ لوقوع الاسم. قال: (قلت: الثاني هنا أظهر والله أعلم)، وقال في (الروضة): صححه الأكثرون، وهو الراجح في الدليل. اهـ وهو المنصوص في (الأم)، ولم يحك ابن خيران في (اللطيف) عن الشافعي غيره. تنبيه: قال في (التحرير): قول (التنبيه): (أو عتقًا) كلام صحيح، ولا التفات إلى

стр. 4920

أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ أَوْ مَعِيبَةٍ .. أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ ناَقِصَةُ .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ صَلاَةً قَائِمًا .. لَمْ يَجُزْ قَاعِدًا، بِخِلاَفِ عَكْسِهِ، أَوْ طُولَ قِرَاءةِ الصَّلاَةِ، أَوْ سُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ الْجَمَاعَةَ .. لَزِمَهُ ــ من أنكره لجهله، ولكن لو قيل: إعتاق .. كان أحسن، والعجب أن عبارة (المحرر) إعتاقًا، فغيرها بخلاف الأحسن. قال: (أو عتق كافرة أو معيبة .. أجزأه كاملة)؛ لإتيانه بما هو أفضل. قال: (فإن عين ناقصة .. تعينت)؛ لتعلق النذر بعينها، ولم يجز غيرها. فروع: لا يصح بيع العبد المنذور إعتاقه، كما لا يصح بيع أم الولد، وقد تقدمت الإشارة إليه في (شروط المبيع). ولو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد وكان ملك غيره فملكه يومًا .. لا يلزمه عتقه؛ لقوله ﷺ : (لا نذر فيما لا يملك ابن آدم). ولو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر .. لا يصح؛ لأنه جعل الكفر صفة، ولو قال: هذا العبد، وكان كافرًا .. صح كنظيره من الوقف. وفي (فتاوى القاضي حسين): لو قالت امرأة كان يموت لها أولا: إن عاش لي ولد فلله علي عتق رقبة .. فشرط لزوم العتق أن يعيش لها ولد أكثر مما عاش أولادها الموتى وإن قلت تلك الزيادة، وقال أبو عاصم العبادي: متى ولدت حيًا لزمها العتق وإن لم يعش أكثر من ساعة، قال المصنف: والأول أصح. قال: (أو صلاة قائمًا .. لم يجز قاعدًا)؛ لأنه دون ما التزم. قال: (بخلاف عكسه)؛ لإتيانه بالأفضل، وفي المسألة بسط في (المهمات). قال: (أو طول قراءة الصلاة، أو سورة معينة، أو الجماعة .. لزمه)؛ لأن ذلك طاعة، ومحل الجزم بذلك في الصلاة الملتزمة بالنذر، أما لو أفرد الصفة بالالتزام والأصل واجب كتطويل القراءة والركوع والسجود في الفرائض، وكقراءة سورة كذا في الصبح مثلًا أو أن يصليها في جماعة .. فالأصح اللزوم أيضًا.

стр. 4921

وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُ النَّذْرَ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لاَ تَجِبُ ابْتِدَاءً كَعِيَادَةٍ، وَتَشْيِيعِ جَنَازَةٍ، وَالسَّلاَمِ ــ وقيل: لا تتغير عن وصفها ويجريان في نذر الوتر وسائر الرواتب، فلو نذر الجماعة في الفريضة فصلاها منفردًا .. قال القاضي أبو الطيب: لا يلزمه أن يعيدها في جماعة؛ لأن الفرض سقط فسقط النذر، بخلاف ما لو نذر ركعتين جماعة فصلاهما منفردًا .. فإنه لا يجزئه. قال صاحب (التقريب): ولو نذر أن يصلي صلاتين .. لم يخرج عن نذره بأربع ركعات بتسليمه واحدة. قال: (والصحيح: انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداء) المراد القربات التي لم تشرع لكونها عبادة، وإنما هي: أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشرع فيها لعظم فائدتها، وقد يبتغى بها وجه الله تعالى فينال الثواب فيها. قال: (كعيادة، وتشييع جنازة، والسلام)؛ لأن ذلك من حق المسلم على المسلم. ومن ذلك زيارة القادمين بقصد القربة، وتشميت العاطس، فكلها تلزم بالنذر على الأصح. والثاني: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات. وشملت عبارته فعل المكتوبة أول الوقت، وصلاة الفجر، وقيام الليل، والتراويح، وتحية المسجد وركعتي الإحرام والطواف إذا لم نوجبها. ولو نذر تأجيل الدين بأن قال: إن شفي الله مريضي فلا أطالب فلانًا بديني سنة .. ففيه الوجهان، حكاه في (البحر) في (باب بيع اللحم بالحيوان). وطردهما الماوردي فيما لو قال: لله علي أن أتزوج، وقصد به غض البصر وتحصين الفرج، قال: فإن قصد الاستمتاع .. لم يجب قطعًا. واحترز بقوله: (لا تجب ابتداء) عن الصلاة والصوم والحج والعتق فيلزم بالنذر، وزاد القاضي حسين في الضابط: أن لا يكون فيه إبطال رخصة؛ ليخرج

стр. 4922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما إذا نذر أن لا يفطر في السفر في شهر رمضان .. فلا ينعقد نذره كما تقدم، لكن يرد على الضابط صور: منها: إذا قال: إن شفى الله مريضي فالله علي أن أعجل زكاة مالي .. فالأصح في زوائد (الروضة) عدم الانعقاد. ومنها: لو نذر الاعتكاف صائمًا .. فإنه يلزمه الأمران قطعًا. ومنها لو نذر قراءة (الفاتحة) إذا عطس .. قال القاضي في (فتاويه): إن كان به علة ونوى شفاءه في العطاس .. انقعد نذره بلا خلاف، وإن لم تكن به علة .. فعندي ينعقد نذره أيضًا. قال: ولو عطس هذا الناذر في ركوع أو سجود .. فعليه أن يقرأ الفاتحة بعد صلاته، فإن عطس في القيام .. قرأها في الحال؛ لأن تكرير الفاتحة في الصلاة لا يبطلها. قال: ولو نذر أن يحمد الله عقب شرب الماء .. انعقد نذره. وقول المصنف: (والسلام) أجود من قول (المحرر): السلام على الغير؛ لأنه يوهم الاحتراز عن السلام نفسه عند دخوله بيتًا خاليًا، ولا يصح الاحتراز عنه؛ فإنهما سواء، كذا قاله في (الدقائق). تتمة: نذر أن يتوضأ أو يغتسل لكل صلاة .. قال المتولي: ينعقد نذره، ولا يخرج عنه بالوضوء عن حدث، بل بالتجديد، والذي جزم به من الانعقاد جزم به القاضي حسين، وحكى في (التهذيب) وجهًا ضعيفًا: أنه لا يلزم، والمراد بالتجديد الذي يخرج به عنه: التجديد المشروع، وهو أن يكون صلى بالأول صلاةً ما على الأصح. * * *

стр. 4923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة في (فتاوى القفال): لو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أشتري بدرهم خبزًا وأتصدق به .. لا يلزمه الشراء إذا شفي، ويكفيه أن يتصدق بخبز قيمته درهم. ومن نذر كسوة يتيم .. وجب ثوب واحد قميص أو إزار كما في كسوة الكفارة، وقال بعضهم: لا يخرج عن نذره باليتيم الذمي؛ لأن مطلقه في الشرع المسلم، وقال المصنف: ينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على أنه يسلك به مسلك واجب الشرع أم جائزه كما لو نذر إعتاق رقبة. ولو نذر زيتًا أو شمعًا ونحوه ليسرج في المسجد ونحوه، فإن كان ينتفع به – ولو على الندور – مصلٍ هناك أو من يقرأ على القبر أو غيرهما .. صح ولزمه الوفاء به، وإن كان يغلق ولا يتمكن أحد من دخوله والانتفاع به .. لم يصح، وإن وقد على القبر خاصة .. لم يصح، فإن حصل شيء منه .. رد إلى مالكه، وإلى وارثة بعده، فإن جهل .. صرف في مصالح المسلمين. وقال الشيخ عز الدين: المهدى إلى المساجد من زيت وشمع إن صرح بأنه نذر .. وجب صرفه إلى جهة النذر ولا يجوز بيعه وإن أفرط في الكثرة، وإن صرح بأنه تبرع .. لم يجز التصرف فيه إلا على وفق إذنه، وهو باق على ملكه، فإن طالت المدة وعرفت أن باذله مات .. فقد بطل إذنه ووجب رده إلا وارثه، فإن لم يعرف له وارث صرف في مصالح المسلمين، وإن لم يعرف قصد المهدي .. أجري عليه أحكام المنذور التي تقدمت، أو يصرف في مصالح المسلمين. * * *

стр. 4924

كتاب القضاء

стр. 4925

كِتَابُ الْقَضَاءِ ــ كتاب القضاء هو بالمد: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية كغطاء وأغطية ورداء وأردية. قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهو في الأصل: إحكام الشيء وإمضاؤه وفراغه، ومنه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فالقاضي ينهي الأمر ويفرغ منه. وقضى بمعنى أوجب، ومنه: ﴿وقَضَى رَبُّكَ﴾، فالقاضي يوجب الحكم على المحكوم عليه. والقضاء: الإتمام، ومنه: ﴿فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾، فسمي القضاء قضاء؛ لأن القاضي يتم الأمر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه. وسمي حكمًا لما فيه من منع الظالم من الظلم، ومنه الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله، أو من إحكام الشيء مأخوذ من حكَمة اللجام؛ لمنعها الدابة.

стр. 4926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو في الشرع: فصل الخصومة بحكم الله تعالى. ونقل ابن بري عن بعضهم: أنه فرق بين القضاء والحكم بأن الحكم: إظهار ما يفصل به بين الخصمين قولًا، والقضاء: إيقاع ما يوجبه الحكم فعلًا. وقال ابن عبد السلام: الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه، بخلاف المفتي؛ فإنه لا يجب عليه إمضاءه. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾، ﴿وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة قوله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب .. فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ .. فله أجر) رواه الشيخان [خ ٧٣٥٢ – م ١٧١٦]، وفي رواية للحاكم [٤/ ٨٨]: (إذا اجتهد فأخطأ .. فله أجر، وإن أصاب .. فله عشر أجور). قال المصنف: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، إن أصاب .. فله أجران باجتهاده وإصابته، وإن أخطأ .. فله أجر باجتهاده في طلب الحق، وسيأتي في نقض الحكم بيان هذا الحديث. فأما من ليس بأهل للحكم .. فلا يحل له أن يحكم، فإن حكم .. فلا أجر له، بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا.

стр. 4927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى الأربعة والحاكم [٤/ ٩٠] والبيهقي [١٠/ ١١٧]: أن النبي ﷺ قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة .. فرجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل). فالقاضي الذي ينفذ حكمه هو الأول، والثاني والثالث لا اعتبار بحكمهما، ولذلك كان السلف يتحامون الدخول في القضاء؛ لخطر أمره روى البيهقي [١٠/ ٩٧] عن محارب بن دثار: أنه كان إذا جلس للقضاء قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به وقدرته عليه إلا وأنا أكرهه وأبغضه، فاكفني شر عواقبه. قال: وطُلب قعنب التميمي للقضاء فلم يقبل، فلم يزل به الأمير إلى أن ولي كرهًا، فدخل منزله فسقط عليه البيت فمات متواريًا. وقال أبو جعفر المنصور للّيث بن سعد: أوليك القضاء؟ فلم يفعل، فاستشاره في رجل يوليه، فأشار بعثمان بن الحكم الجذامي، فلما بلغه ذلك .. عاهد الله أن لا يكلم الليث أبدًا. وقال: وعرض على الحسين بن منصور النيسابوري قضاء نيسابور، فاختفى ثلاثة

стр. 4928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيام ودعا الله فمات في اليوم الثالث. وورد في كتاب السلطان بتولية نصر بن علي الجهضمي عشية قضاء البصرة فقال: أشاور نفسي الليلة وأخبركم غدًا، فأتوا إليه من الغد فوجدوه ميتًا. ولما مات عبد الرحمن بن أذينة قاضي البصرة .. طلب أبو قلابة عبد الله بن زيد للقضاء، فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل قاضيها فذكر للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة، فسئل عن ذلك فقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى أن يسبح حتى يغرق. وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء والقتل .. اخترت القتل. وامتنع الشافعي ﵁ لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب. وامتنع أبو حنيفة ﵀ لما استدعاه المنصور، فحبسه وضربه. وحكى القاضي الطبري وغيره: أن الوزير ابن الفرات طلب أبا علي بن خيران ليوليه القضاء، فهرب منه فختم دوره نحوًا من عشرين يومًا، وأشرت إلى ذلك في المنظومة بقولي [من الرجز]: وطيَّنوا البابَ على أبي علي ... عشرين يوما لِيَلِي فما وَلِي وما أحسن قول قاضي القضاة شرف الدين بن عين الدولة [من المتقارب]: وليت القضاء وليت القضا .... ء لم يك شيئًا توليته فأوقعني في القضاء القضا .... وما كنت قدمًا تمنيته وقال قاضي القضاة عماد الدين بن السكري وقد عاتبه بعض أصحابه على توليته القضاء [من السريع]: يا ذا الذي آلمني عتبه .... أنسيت ما قدر في الماضي والله ما اخترت سوى قربه .... فاختار أن يعكس أغراضي إن الذي ساقك لي واعظًا .... هو الذي صيرني قاضي

стр. 4929

هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ــ وقال آخر [من المتقارب]: فيا ليتني لم أكن قاضيا ... ويا ليتها كانت القاضيه قال: (هو فرض كفاية) بل هو أسنى فروض الكفايات وأعلى مراتب الولايات. فأما كونه فرضًا .. فلقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ولأن طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه. ولا يقدر الإمام على فصل كل الخصومات بنفسه، فدعت الحاجة إلى ولاية القضاء. وأما كونه على الكفاية .. فلأنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وهما على الكفاية. وقد بعث النبي ﷺ عليًا إلى اليمين قاضيًا فقال: يا رسول الله؛ تبعثني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: (اللهم اهده وثبت لسانه) قال: فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين، رواه أبو داوود [٣٥٧٧] والحاكم [٤/ ٩٣] وقال: صحيح الإسناد. واستخلف النبي ﷺ عتاب بن أسيد على مكة واليًا وقاضيًا، وقلد معاذًا قضاء بعض اليمين. وبعث أبو بكر أنسًا إلى البحرين قاضيًا، وبعث عمر أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيًا، وابنَ مسعود إلى الكوفة، وعثمان قلد شريحًا القضاء، وعلي قلد ابن

стр. 4930

فَإِنْ تَعَيَّنَ .. لَزِمَهُ طَلَبُهُ، ــ عباس قضاء البصرة، فلو كان فرض عين .. لم يكف واحد. وقال الرافعي: هو فرض كفاية لا غنى عنه بالإجماع. فقوله: (بالإجماع) متعلق بلا غنى عنه لا بالأول؛ فإنه بعد ذلك نقل عن ابن كج كراهته. وعن القاضي أبي الطيب: استحباب نصب القضاء في البلدان، قال ابن الرفعة: ولم أره لغيره، فعلى المشهور: إذا قام به من فيه الكفاية .. سقط الفرض عمن خوطب به، وهم من تكاملت فيهم الشروط الآتية، فإذا امتنعوا كلهم .. أثموا جميعًا، وحينئذ فالأصح: أن للإمام إجبارهم على التولية. فإن قيل: لم يذكروا هنا ما يسقط به الفرض .. فالجواب: أنه محمول على ما ذكروه في (السير) من أنه لا يكفي أن يكون في الإقليم مفت واحد تعسر مراجعته بل المعتبر مسافة القصر. لكن في (الوسيط) و (النهاية) قبيل (باب القسمة): أنه لا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاضٍ، ونقله شريح الروياني عن الإصطخري؛ لما في إحضار الخصوم من البلد البعيد من المشقة. قال: (فإن تعين .. لزمه طلبه) كغيره من فروض الكفايات إذا تعينت، فإن توقف على بذل مال .. لزمه كما يلزمه شراء الرقبة للكفارة والطعام في المجاعة، هذا هو المشهور. وقال الماوردي: لا يلزمه طلبه؛ لأن فرض التقليد على الإمام، قال ابن الرفعة: ولعله إذا علم به الإمام، وإلا .. لزمه إعلامه كما أطلقه ابن الصلاح وغيره، وعلى هذا: يستحب بذل المال ولا يجب. هذا كله إذا لم يعرض عليه، فإن عرض .. لزمه القبول بلا خلاف. وشمل إطلاقه ما إذا خاف على نفسه من الميل، وهو كذلك؛ لأن فرض العين

стр. 4931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يسقط بخوف العاقبة، وعليه مراقبة الله فيما عليه وله. ويندب أن يقول إذا دعي: سمعًا وطاعة. والصحيح: أنه إذا امتنع من الدخول فيه .. أجبر عليه؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه صاحب الطعام إذا منعه من المضطر. وفي وجه: لا يجبر، واستدل له الرافعي بحديث: (إنا لا نكره أحدًا على القضاء) وهو غريب، والأول أصح، وحمل الحديث على حالة عدم التعين. فإن قيل: هو بامتناعه من الواجب المتعين عليه فاسق، قال الرافعي: فيمكن أن يقال: يؤمر بالتوبة أولًا ثم يولى. واختار المصنف أنه لا يفسق؛ لأن امتناعه غالبًا بتأويل فلا يعصي وإن كان مخطئًا. وعلم من كلام المصنف: أنه لا يصير مولّىً بمجرد تعيينه وتكامل الشروط فيه، بل لا بد من تولية من الإمام؛ لأن الولاية عقد فافتقرت إلى عاقد. وحكى الماوردي فيه الإجماع، وشذ بعض أهل المذاهب فجعل ولاية القضاء عند اجتماع شروطها منعقدة بلا عاقد. وكلام الخطابي يقتضي: الانعقاد عند الضرورة من عينه الإمام ونحوه؛ فإنه ذكر في قصة مؤتة: أنه لما أصيب زيد ثم جعفر ثم ابن رواحة .. أخذها خالد من غير إمرة ففتح له، ووافق الحق، فصار ذلك أصلًا في الضرورات إذا وقعت في مهمات الدين. وترجم البخاري عليه: (باب من تأمر في الحرب من غير إمرةٍ إذا خاف العدو)، والجواب: أن النبي ﷺ قال: (فليرتض المسلمون رجلًا) وخالد ارتضاه المسلمون فكان مولّىً من جهة النبي ﷺ .

стр. 4932

وَإِلاَّ: فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ وَكَانَ يَتَوَلاَّهُ .. فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ، وَقِيلَ: لاَ. وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، ..... ــ قال: (وإلا) أي: وإن لم يتعين عليه (فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه .. فللمفضول القبول) بناء على أن الإمامة العظمى تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل وهو الأصح، لأن تلك الزيادة خارجة عن حد الإمامة، والقضاء أولى بالجواز؛ لإمكان التدارك فيه بنظر من فوقه من الولاة، بخلاف الإمام. قال: (وقيل: لا) أي: لا يجوز القبول بناء على منع الانعقاد. ويدل له ما روى الحاكم [٤/ ٩٢] والبيهقي [١٠/ ١١٨]: أن النبي ﷺ قال: (من استعمل رجلًا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله عنه .. فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين). وقال الماوردي: محل القولين: إذا لم يكن عذر في تولية المفضول، فإن كان بأن كان أطوع في الناس أو أقرب إلى القلوب، أو كان الأفضل غائبًا أو مريضًا .. انعقدت قطعًا، فإن منعنا ولاية المفضول .. حرم الطلب والتولية والقبول، وإن أجزنا .. جاز القبول، وكره الطلب، وقيل: يحرم. واحترز بقوله: (وكان يتولاه) عما إذا كان لا يصلح ولا يتولاه .. فإنه كما لو لم يوجد. قال: (ويكره طلبه)؛ لما فيه من الخطر، لأن الولاية تفيد قوة بعد ضعف، وقدرة عن عجر، تتخذها النفس المجبولة على الشر ذريعة إلى الانتقام من العدو، والنظر للصديق، وتتبع الأغراض الفاسدة، ولا يوثق بحسن عاقبتها وسلامة مجاورتها، فالأولى أن لا يطلب ما أمكن، ولذلك قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: (لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة .. وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة .. أعنت عليها) متفق عليه [خ ٦٦٢٢ – م ١٦٥٢].

стр. 4933

وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ .. فَلَهُ الْقَبُولُ. وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلمِ ــ وقال ﷺ : (من طلب القضاء واستعان عليه .. وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه .. أنزل الله ملكًا يسدده). وقال: (من ولي القضاء .. فقد ذبح بغير سكين) رواهما أبو داوود [٣٥٧٣ – ٣٥٦٦]، وقال الترمذي: حسنان غريبان [١٣٢٣ – ١٣٢٥]. ومعنى الذبح في الحديث: أنه متعرض للذبح؛ فإنه يريد أن يحكم على الصديق والعدو بحكم واحد. وقيل: صار كمذبوح؛ فإنه يحتاج إلى إماتة شهوته وقهر نفسه بالمنع من المخالطة، وبغير سكين كناية عن شدة الألم؛ فإن الذبح بغيرها تعذيب، ويحتمل أنه عدل عن السكين؛ لأنه مفسد للدين لا للبدن. قال: (وقيل: يحرم) بناء على امتناع ولاية المفضول، وعلى هذا: تحرم توليته. قال: (وإن كان مثله .. فله القبول)؛ إذ لا محذور فيه، وقد أتاه من غير مسألة فيعان عليه. وعلم من قوله: (فله) أنه لا يجب عليه، وهو الأصح؛ لأن غيره قد يقوم به. وقد صحح ابن حبان [٥٠٥٦]: أن ابن عمر امتنع لما سأله عثمان القضاء. وظاهر عبارته استواء القبول وعدمه في حقه. وحكى الشيخ أبو خلف الطبري وجهين في الأَولى له، وصحح: أنه الأولى عدم القبول؛ لما فيه من الخطر، خصوصًا إذا خاف على نفسه اتباع الهوى، قال الرافعي: وينبغي أن يحترز؛ فإن أهم الغنائم حفظ السلامة. قال: (ويندب الطلب إن كان خاملًا يرجو به نشر العلم)؛ لحصول المنفعة بنشره. و (الخامل): الساقط الذِّكر الذي لا يعرف.

стр. 4934

أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، وَإِلًا .. فَالأَوْلَى تَرْكُهُ. قُلْتُ: وَيْكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ قال: (أو محتاجًا إلى الرزق) أي: مع الشهرة؛ لأنه يكسب كفايته بسبب هو طاعة، لما في العدل من جزيل الثواب. وقال القفال: لا يندب الطلب بحال، ولكن تستحب له الإجابة إذا طلب، وقال بعض أصحابنا: يكره الطلب مطلقًا؛ لظاهر حديث عبد الرحمن بن سمرة. وفي (صحيح مسلم) [١٧٣٣]: أن النبي ﷺ قال: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه). و (حرص) بفتح الراء، ومن الصور التي يستحب فيها الطلب أيضًا: إذا كانت الحقوق مضاعة؛ لجور أو عجز، أو فسدت الأحكام بتولية جاهل فقصد بالطلب تدارك ذلك، ويندب حينئذ بذل المال لتحصيله، وقد أخبر الله تعالى عن يوسف ﵇: أنه طلب فقال:، وإنما طلب ذلك شفقة على المسلمين لا منفعة لنفسه. هذا إذا لم يكن هناك قاض مولّىً، فإن كان وهو غير أهل .. فكالعدم، وإن كان أهلًا والطالب يروم عزله .. فهذا الطلب محظور وهذا الطالب مجروح، سواء كان فاضلًا أو مفضولًا. قال: (وإلا) أي: وإن كان مع الشهرة مكفيًا (.. فالأولى تركه) أي: ترك الطلب إذا كان من أهل العفة والأمانة مكفيًا معروفًا بالعلم يرجع إليه في الفتاوى .. فالأولى له الاشتغال بنشر العلم والفتيا؛ لما في القضاء من الأخطار، وعلى هذا: يحمل امتناع من امتنع من تقليد القضاء من السلف الصالح. قال: (قلت: ويكره على الصحيح والله أعلم) أي: الطلب والقبول إن لم يطلبه، وهذا الذي صححه الرافعي في (الشرح)، وقال هنا: إنه يروى عن الشافعي: أنه أوصى المزني في مرض موته أن لا يتولى القضاء، وعرض عليه كتاب الرشيد بالقضاء .. فلم يجبه إليه. اهـ. والمعروف: أن الذي كتب بالقضاء إلى الشافعي المأمون بن الرشيد كما تقدم.

стр. 4935

وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِهَ بِالنَّاحِيَةِ. وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، ــ قال الإمام: ولأن الولايات تستخرج من النفوس خبايا البليات، ومن العصمة ألا يقدر. قال: (والاعتبار في التعيين وعدمه بالناحية) فلا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها، ولا قبوله إذا ولي. قال الرافعي: يجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر كالجهاد وتعلم العلم ونحوهما، فإن تلك يمكن القيام بها والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب. قال: (وشرط القاضي: مسلم) فلا تجوز تولية الكافر لا على المسلمين ولا على الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، ولا سبيل أعظم من القضاء. قال الماوردي والروياني: وما جرت به العادة من تنصيب الحاكم بين أهل الذمة منهم .. فتقليد رئاسة وزعامة لا تقليد حكم وقضاء، ولا يلزمهم حكمه بإلزامه، بل بالتزامهم، ولا يلزمون بالتحاكم عنده. وهذا الشرط داخل في اشتراط العدالة، والمصنف كثيرًا ما يكتفي باشتراط العدالة عن اشتراط الإسلام. قال: (مكلف) فلا يولى صبي ولا مجنون؛ لنفصهما، ولأنهما لا يتعلق بقولهما حكم على أنفسهما فعلى غيرهما أولى. وقد ادعى الإمام الإجماع عليه في المجنون، وسواء المنقطع وغيره. وقال الماوردي: لا يكفي العقل الذي يتعلق به التكليف حتى يكون صحيح الفكر جيد الفطنة بعيدًا عن السهو والغفلة؛ ليتوصل إلى وضوح المشكل. قال: (حر) فلا تصح ولاية الرقيق، ولا من بعضه رقيق، سواء تعلق به سبب العتق كالمكاتب والمدبر أو لا بالقياس على الشهادة، ولأنه ناقص عن ولاية نفسه، فعن ولاية غيره أولى.

стр. 4936

ذَكَرٌ، عَدْلٌ، سَمِيعٌ، ــ قال: (ذكر) فلا تصح ولاية المرأة ولو فيما تقبل شهادتها فيه ولو بين النساء؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. وفي (البخاري) [٤٤٢٥] عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: أن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه)، ولأنهن ناقصات عقل ودين، والمرأة مأمورة بالستر، والقاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال. وأبعد ابن جرير فجوز تقليد المرأة القضاء مطلقًا. وجوزه أبو حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه. فلو ولى حنفي امرأة فيما تقبل شهادتها فيه على معتقده فحكمت .. قال الإصطخري: نقض قضاءها، وقال غيره: لا. والخنثى المشكل كالمرأة، فإن بانت ذكورته قبل التولية .. صحت توليته قطعًا، وإن بانت بعدها .. لم تبن صحتها على المذهب. قال: (عدل) فلا يولى الفاسق؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في أقل الحكومات فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، ولأنه ممنوع من النظر في مال الولد مع وفور شفقته فنظره في أمر الكافة أولى بالمنع، والعدالة معتبرة في سائر الولايات. والمراد: فاسق بما لا شبهة له فيه. قال المارودي: وهو أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإن انخرم منها شيء .. منع الولاية كما يمنع قبول الشهادة. ومن لا تجوز شهادته من المبتدعة لا تجوز توليته القضاء، وقال الماوردي: لا تجوز تولية الشيعة. قال: (سميع)؛ لأن الأصم لا يفرق بين الإقرار والإنكار، فإن كان يسمع ولو بصياح في أذنه .. فهو سميع، فلو طرأ الصمم على السمع .. انعزل.

стр. 4937

بَصِيرٌ، نَاطِقٌ، كَافٍ، ــ قال: (بصير) فلا يولّى الأعمى؛ لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب، فلو سمع البينة ثم عمي .. قضى على الأصح. وفي وجه ضعيف اختاره ابن أبي عصرون – وبه قال مالك –: تصح ولايته؛ لأن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة. والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم، لكن روى الطبراني في (معجمه الكبير) [١١/ ١٤٧]: أن النبي ﷺ استخلفه على الصلاة وغيرها من أمورها المدينة. وتستثنى صورتان: إحداهما: إذا نزل من في القلعة على حكم أعمى. والثانية: إذا سمع البينة قبل العمى. ويجوز أن يكون القاضي أعور بخلاف الإمام كما تقدم في (قتال البغاة). قال: (ناطق) فلا تصح تولية الأخرس؛ لأنه كالجماد، وفي من فهمت إشارته وجه ضعيف. قال: (كاف) الكفاية: كلمة جامعة، وهي شرط في صحة كل ولاية، وهي هنا: النهضة والقيام بعمل القضاء، فلا تجوز تولية المغفل ومختل النظر بكبر أو مرض ونحوهما.

стр. 4938

مُجْتَهِدٌ، ــ واحتجوا لاعتبار هذا الشرط بما روى مسلم [١٨٢٦]: أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: (إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تليَنَّ مال يتيم). قال الشيخ عز الدين: وذلك أن الولاية لها شرطان: العلم بأحكامها والقدرة على تحصيل مصالحها ودرء مفاسدها، وقد نبه عليهما يوسف ﵇ بقوله: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. فإذا فقد الشرطان .. حرمت الولاية. ومن لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يصح تقليده القضاء، وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع، أو لا يقول بأخبار الآحاد، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلًا، بل يتبعون النصوص فإن لم يجدوا .. أخذوا بقول سلفهم كالشيعة. فإن كانوا مجتهدين في مجرى الكلام ويثبتون الأحكام على عموم النصوص وإشاراتها .. جاز تقليدهم على الأصح. قال: (مجتهد) فلا تصح تولية الجاهل بالأحكام الشرعية وطرقها المحتاج إليها، ولأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى، قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. والضمير في (عنه) يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى: أن الله يسأل سمع الإنسان وبصره وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه، وذلك غاية الخزي. ويحتمل عوده على (كل) التي هي السمع والبصر والفؤاد؛ أي: أن الله يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده فكأنه قال: كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولًا، فهو على حذف مضاف. ولا يخفى أنه يستثنى من هذا المحكَّمُ في النكاح كما تقدم في بابه. وقال أبو حنيفة: تجوز تولية العامي، ثم هو يسأل أهل العلم.

стр. 4939

وَهُوَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، وَخَاصَّةُ وَعَامَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، ــ قال: (وهو: أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام)؛ لأن أهلية الاجتهاد لا تحصل إلا بالعلم بالكتاب والسنة. وآيات الأحكام – كما قيل – خمس مئة آية، وفيه نظر؛ فإن الأحكام كما تستنبط من الأوامر والنواهي تستنبط من القصص والمواعظ ونحوهما، وكذلك قيل: أحاديث الأحكام خمس مئة حديث. وكان الحافظ عبد الغني جعل (العمدة) خمس مئة حديث كذلك. قال الغزالي: ولا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كـ (سنن أبي داوود)، وسبقه إلى ذلك البندنيجي، واعترض عليه المصنف في التمثيل بـ (سنن أبي داوود) بأنه لم يستوعب الصحيح من الأحكام ولا اشترطه، وكم في (الصحيحين) من حديث حكمي ليس فيه، ولا يرد؛ فإنه لم يدع استيعاب الجميع، بل الاعتناء بالجميع. ولا يشترط حفظ الآيات عن ظهر قلب، قال الروياني: وكذلك الأخبار، لكن نقل الفوراني عن النص: أنه يشترط حفظ جميع القرآن. قال: (وخاصه وعامه) فـ (الخاص): خلال العام، و (العام): لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. ولا بد من معرفة العام المخصوص، والمراد به الخصوص والخاص الذي أريد به العموم. وأفرد المصنف الضمير حملًا على لفظ (ما). قال: (ومجمله ومبينه) فـ (المجمل): ما لم تتضح دلالته، و (المبين) ضده. قال: (وناسخة ومنسوخه) فيعلم ما نسخ لفظه وبقيت تلاوته وعكسه، وجميع أنواعه التي قررها العلماء فيه.

стр. 4940

وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسِلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلاَفًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، ــ قال ابن برهان: ولا بد من معرفة أسباب النزول، وكذلك لا بد من معرفة المطلق والمقيد، والمتشابه والمفصل، والنص والظاهر؛ لأن الجهل بهذه الأشياء يمنع من الاجتهاد. قال: (ومتواتر السنة وغيره) وهو الآحاد. وقيل: لا يوجد اليوم حديث متواتر إلا ثلاثة تواتر معناها: حديث إتيان الحوض، وحجة الوداع، (ومن كذب علي متعمدًا ...)، واقتصر بعضهم على الحديث الثالث. قال: (والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا)؛ لأنه بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام. قال: (ولسان العرب لغة ونحوًا) فيعرف صيغ الأمر والنهي، والخبر والاستفهام، والوعيد والوعد، والإطلاق والتقييد، والأسماء والأفعال والحروف، وما لا بد منه في فهم الكتاب والسنة. قال الزمخشري: علوم العربية ترتقي إلى اثني عشر علمًا، غير أن أصولها أربعة: اثنان يتعلقان بالمفردات هما اللغة والتصريف، ويليهما الثالث وهو علم النحو؛ فإن المركبات هي المقصود منه وهو كالنتيجة لها، ثم علم المعاني. قال: (وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافًا)؛ حتى لا يخالف الإجماع باختيار قول ثالث. قال: (والقياس بأنواعه) أي: جليه وخفيه، وصحيحه وفاسده.
следующие страницы →