← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الأُولَى .. تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلاَّ .. فَتتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً .. تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا، ــ وكذلك لو بادر أربعون من السامعين بعد الخطبة فعقدوا الجمعة .. انعقدت لهم بخلاف غيرهم. وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في الصلاة. قال الشيخ: فإذا تأملت هذا الكلام .. ظهر لك: أن الشرط هنا حقيقة السماع، ولا يكفي الحضور بخلاف المسألة المتقدمة، وهو مما يرشد إلى أن سماع الأربعين حقيقة لا بد منه في أصل الباب. قال: (ثم إن كان أدرك الأولى .. تمت جمعتهم) أي: جمعة الجميع، سواء كان حدث الإمام في الأولى أو الثانية. وقيل: إن الخليفة يصلي الظهر، والقوم يصلون الجمعة. قال: (وإلا .. فتتم لهم دونه في الأصح) فيهما؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، فيتمها ظهرا، بخلاف ما إذا استمر مأموما إلى آخر الصلاة؛ فإنه إذا أدرك ركعة .. جعل تبعا للإمام في إدراك الركعة، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعا للمأمومين. والثاني: يتمها الإمام جمعة أيضا؛ لأنه صلى ركعة في جماعة فأشبه المسبوق. والثالث: أن القوم أيضا يتمونها ظهرا لا جمعة تبعا للإمام. وتعبيره ب (الأصح) يقتضي: قوة الخلاف وهو عكس عبارة (الروضة). ولك أن تقول جواز تقديم المأموم نفسه في هذه الحالة مشكل؛ لأن من فرضه الجمعة لا يجوز له أن يصلي الظهر مع إمكان الجمعة، فهو بتقديم نفسه مفوت للجمعة، فينبغي أن لا يجوز له أن يصير نفسه إماما. قال: (ويراعي المسبوق نظم المستخلف) أي: وجوبا (فإذا صلى ركعة .. تشهد وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا)؛ لأنه قائم مقامه. وأشار ب (المراعاة) إلى أن استخلاف المسبوق محله: إذا عرف نظم صلاة

стр. 842

وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ القُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ زُوحِمَ عَنْ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ ... فَعَلَ، ــ إمامه، فإن لم يعرفها .. لم يصح، وهذا هو الأشبه في (الروضة). والثاني: يصح ويراقب القوم، فإن قعدوا ... قعد، وإن هموا بالقيام ... قام، ورجحه في (التحقيق) في (صلاة الجماعة). وتعبيره بـ (النظم) يفهم: أنه لا يجب عليه قراءة التشهد وهو كذلك، وقياس ما تقدم في (صلاة الجماعة) .. أن يكون انتظاره أفضل. قال: (ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح)؛ لأن الأول لو استمر ... لم يحتج القوم إلى تجديد النية، فكذلك عند الاستخلاف. والثاني: يلزمهم استئنافها؛ لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، بدليل أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة. قال: (ومن زحم عن السجود فأمكنه على إنسان .. فعل) هذه مسألة الزحام وهي موصوفة بالإشكال، فإذا منعته الزحمة أن يسجد إلا على ظهر إنسان أو رجله .. لزمه ذلك؛ لأنه متمكن منه فلزمه، فإن لم يفعل .. كان متخلفا بغير عذر. وروى البيهقي] ٣/ ١٨٣ [عن عمر أنه قال: (إذا اشتد الزحام .. فليسجد أحدكم على ظهر أخيه)، ولا يعرف له مخالف، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: يصبر ولا يسجد على غيره. ونقل المحاملي وغيره وجها أنه: يتخير بين أن يسجد على الغير متابعة للإمام، وبين أن يصبر ليفعله على الأرض. ثم على المذهب .. يشترط أن ترتفع أسافله على أعاليه في الأصح، كما في سائر الصلوات. وصورته: أن يكون الساجد على شاخص، والمسجود عليه في وهدة. وقيل: لا يضر عدم التنكيس هنا وإن ضر في باقي الصلوات؛ لمكان العذر. وحكم ظهر البهيمة كالإنسان، وعبر في (التنبيه) بظهر إنسان.

стр. 843

وَإِلَّا .. فَالصَحِيحُ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، ولَا يُومئ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ .. سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ .. قَرَأَ، ــ قال في (التحرير): ولو حذف لفظ: إنسان .. لعم، وقد وقع هو هنا فيه، فلو قال: على شيء .. لعم. قال: (وإلا) أي: وإن لم يمكنه السجود (.. فالصحيح: أنه ينتظر، ولا يومئ به) حتى يزول الزحام؛ لأن ذلك نهاية قدرته. والثاني: يومئ كالمريض؛ لمكان العذر. والثالث: يتخير بينهما. وهما ضعيفان. وقيل: يجوز له الخروج من متابعة الإمام لهذا العذر ويتمها ظهرا؛ بناء على صحة الظهر قبل فوات الجمعة. ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يجوز له إخراج نفسه من الجماعة، والمشهور في المذهب المنصوص: أنه يجوز له إبطال الصلاة وينتظر الجمعة إن زال الزحام. هذا كله في الركعة الأولى؛ فإن كان في الثانية .. سجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده. قال: (ثم إن تمكن قبل ركوع إمامه .. سجد) تداركا عند زوال العذر، ولا يضر تخلفه بالسجدتين؛ لأنه معذور. قال: (فإن رفع والإمام قائم .. قرأ)، فإن لم يتم قراءته حتى ركع الإمام .. فكما تقدم في (صلاة الجماعة) في الأصح، وهذا تخلف بعذر كما في (صلاة عسفان)، وهي العمدة في جواز ذلك.

стр. 844

أَوْ رَاكِعٌ .. فَالأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ .. وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ .. فَاتتِ الجُمُعَةُ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ .. فَفِي قَوْلِ: يُرَاعِي نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، فَرِكْعِتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الأَصَحِّ، ــ قال: (أو راكع .. فالأصح) أنه (يركع وهو كمسبوق). والثاني: لا؛ لأنه مؤتم بالإمام حال قراءته، فيقرأ ويسعى خلفه؛ لتخلفه بعذر. قال: (فإن كان إمامه فرغ من الركوع ولم يسلم .. وافقه فيما هو فيه ثم يصلي ركعة بعده)؛ لأنه فاتته ركعة كالمسبوق. وصرحوا هنا بأنه: لو سلم الإمام، كما رفع هو من السجود .. أنه يتم الجمعة. قال: (وإن كان سلم .. فاتت الجمعة)؛ لأنه لم يدرك معه ركعة. قال: (وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) أي: في الثانية (.. ففي قول: يراعي نظم نفسه)؛ لقوله ﷺ : (إذا سجد .. فاسجدوا)، وقد سجد الإمام في الأولى فيسجد هو. وعلى هذا: فالوجه: أن يقتصر على الأركان، ويحتمل أن يأتي بالسنن أيضا، كذا نقله الرافعي عن الإمام. قال: (والأظهر: أنه يركع معه)؛ لحديث: (وإذا ركع .. فاركعوا)، ولأن متابعة الإمام آكد، ولهذا يتبعه المسبوق إذا أدركه راكعا، ويترك القراءة والقيام. قال: (وبحسب ركوعه الأول في الأصح)؛ لأنه أتى به وقت الاعتداد به، وركوعه الثاني كان للمتابعة. والثاني: المحسوب هو الثاني؛ لإفراط التخلف وكأنه مسبوق لحق الآن. قال: (فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية، وتدرك بها الجمعة في الأصح)؛

стр. 845

فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِماً بَأَنَّ وَاجِبَهُ المُتَابَعَةُ .. بَطَلَت﴾ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَو﴾ جَهِلَ .. لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِياً .. حَسِبَ، وَالأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ، ــ لإطلاق قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الجمعة .. فليصل إليها أخرى). والثاني: لا تدرك بها لنقصانها بالتلفيق، والجمعة تعتبر فيها صفات الكمال. قال: (فلو سجد على ترتيب نفسه عالما بأن واجبه المتابعة .. بطلت صلاته)؛ لتلاعبه بسجوده في موضع الركوع عالما بتحريمه، ويلزمه الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع هذا إذا لم ينو مفارقته، فإن نواها .. فقد أخرج نفسه من المتابعة بغير عذر. قال: (وإن نسي أو جهل .. لم يحسب سجوده الأول)، وهذا هو الذي أتى به على ترتيب صلاة نفسه؛ لأنه أتى به في غير موضعه. قال: (فإذا سجد ثانيا .. حسب) قاله الصيدلاني والإمام والغزالي، واستشكله الرافعي وأشار إليه في (المحرر) بقوله حيث قال: المنقول أنه يحسب. وصورة مسألة الكتاب: أن يستمر النسيان والجهل حتى يسجد ثانيا، فلو زال قبل ذلك .. فعلى ما فهمه الرافعي عن الأكثرين ينبغي: أن يمتنع، وتجب المتابعة في التشهد، وإن كان الإمام في السجود .. تابعه. قال: (والأصح: إدراك الجمعة بهذه الركعة إذا كملت السجدتان قبل سلام الإمام)؛ لما سبق في الركعة الملفقة. والثاني: لا وإن قلنا بالإدراك بالملفقة؛ لأن الملفقة فيها نقصان واحد، وهذه فيها نقصانان.

стр. 846

وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُجُودِ نَاسِياً حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ .. رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ــ قال: (ولو تخلف بالسجود ناسيا حتى ركع الإمام للثانية .. ركع معه على المذهب)؛ لأنه مفرط بالنسيان، فلا يجوز له ترك المتابعة. ويقابله: أنه يراعي ترتيب نفسه ويسعى خلفه. والطريقة الثانية: فيه القولان في المزحوم: هل يتبع الإمام، أو يشتغل بما عليه؟ وصحح هذه الطريقة في (الشرح الصغير) و (المحرر)، وفي (الروضة) تفصيل حاصله: إطلاق خلاف بلا تصحيح. تتمة: إذا لم يزل الزحام حتى تشهد الإمام .. قال المتولي: يسجد، ثم إن رفع قبل السلام .. أدرك الجمعة، وإلا .. فلا. قال ابن الرفعة: ولا شك أن الركعة ملفقة، كملت في قدوة حكمية. ولو استمر نسيانه حتى سجد الإمام في الثانية .. قال الشيخ: الذي ينبغي أن لا تبطل الصلاة، وتحصل له ركعة ملفقة إذا سجد مع الإمام وإن كان قد حصل التخلف بأربعة أركان. ... خاتمة ختم الله لكتابه بخير الزحام كما يفرض في الجمعة يفرض في سائر الصلوات، وإنما ذكر في الجمعة؛ لأن الزحام فيها أكثر، ولأنه يجتمع فيها وجوه من الإشكال لا تأتي في غيرها، كالتردد في الإدراك بالملفقة والحكمية واشتراط الجماعة المانع من المفارقة، وفي غيرها عند الزحمة يمكنه أن يفارق والله أعلم. ***

стр. 847

بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ ــ باب صلاة الخوف نسأل الله الأمن من أعدائه وعذابه وعقابه. الخوف والخيفة: ضد الأمن، وليس المراد: أن للخوف صلاة كالعيد ونحوه، وغنما المراد: أن الخوف يقتضي احتمال أمور في الصلاة لا تحتمل عند انتفائه، ولا يؤثر في قدرها. وعن محمد بن نصر المروزي: أن الصبح تصلى في الخوف ركعة؛ لما تقدم من حديث عائشة ﵂، وتقدم جوابه. وهي مشروعة في حقنا إلى يوم القيامة. وقال أبو يوسف وغيره: إنها مختصة بالنبي ﷺ ؛ لقوله تعالى:﴾ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴿الآية، والمراد بها: صلاة الخوف إجماعا. ودليلنا: أنها إذا ثبتت في حقه ﷺ ... ثبتت في حقنا؛ لقوله تعالى:﴾ فاتبعوه ﴿، وقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو قد يخاطب بالشيء وتشركه فيه أمته؛ لقوله تعالى:﴾ خذ من أموالهم صدقة ﴿وغيره مثله في ذلك اتفاقا. وروى البيهقي] ٣/ ٢٥٢ [: أن سعيد بن العاصي صلاها بطبرستان، وأبا موسى ببعض بلاد فارس، وعليا بصفين ليلة الهرير ولم ينكره أحد. : أن سعيد بن العاصي صلاها بطبرستان، وأبا موسى ببعض بلاد فارس، وعليا بصفين ليلة الهرير ولم ينكره أحد.

стр. 848

هِيَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبَ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ وَيُصَلِّي بَهِمْ، فّإِذَا سَجَدَ .. سَجَدَ مَعَهُ صَفٌ سَجْدَتَيْهِ، وَحَرَسَ صَفٌ، فَإِذَا قَامُوا .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحَقُوهُ، وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوْلاً، وَحَرَسَ الآَخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسِلَّمَ، وَهَذِهِ صَلَاة رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعُسْفَانَ، ــ و (ليلة الهرير): حرب كانت بينه وبين الخوارج، وكان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك. وقيل: هي ليلة صفين بين علي ومعاوية. وقال المزني: إنها نسخت؛ فإنه ﷺ أخر يوم الخندق أربع صلوات، ولم يصل صلاة الخوف. وجوابه: أن ذلك كان قبل مشروعيتها، كما جاء مبينا في رواياتهم، و (أنه ﷺ صلاها بذات الرقاع)، وهي بعد الخندق. قال: (هي أنواع) ذكر المصنف منها ثلاثة، وعد ابن حبان منها تسعة، ومجموعها ستة عشر نوعا، بعضها في (صحيح مسلم)، ومعظمها في (سنن أبي داوود)، واختار الشافعي منها الثلاثة الأنواع المذكورة في الكتاب. وتجوز عندنا في الحضر خلافا لمالك. وفي جعل المصنف هذه الأحوال أنواعا نظر، إنما أنواعها الصلاة المفعولة في هذه الأحوال التي تفعل فيها هذه الصلاة. قال: (الأول: أن يكون العدو في جهة القبلة، فيرتب الإمام القوم صفين ويصلي بهم، فإذا سجد .. سجد مع صف سجدتيه، وحرس صف، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقوه، وسجد معه في الثانية من حرس أولا، وحرس الآخرون، فإذا جلس ... سجد من حرس وتشهد بالصفين وسلم، وهذه صلاة رسول الله ﷺ بعسفان).

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و (عسفان): بين مكة والمدينة، كانت قرية جامعة، بينها وبين مكة أربعة برد، سميت بذلك لعسف السيول فيها. وهذه الصلاة رواها أبو عياش الزرقي: أحد الصحابة، أخرج حديثه أبو داوود] ١٢٢٩ [والنسائي] ٣/ ١٧٦ [وغيرهما وهو حسن. وروى مسلم] ٨٤٠ [عن جابر نحوه، لكن فيه: (أن الصف الأول سجد معه في الركعة الأولى، والثاني في الثانية)، وذكر الإمام الشافعي ﵁ في (المختصر) عكس ذلك، وكلاهما جائز، والأفضل ما ثبت في السنة. وإنما تستحب هذه الصلاة بثلاثة شروط: أن يكون العدو في جهة القبلة. وأن يشاهد المسلمون عدوهم في الصلاة ليأمنوا كيدهم. وأن يكون في المسلمين كثرة، بحيث تسجد طائفة وتحرس طائفة أخرى. وفي هذه الصلاة يتخلف المأموم عن الإمام بثلاثة أركان: السجدتين والجلسة بينهما، وإنما احتمل للحاجة، فلو كان في حالة الأمن .. لم يجز؛ لأنه تخلف بغير عذر. ولفظ المصنف محتمل لثلاث كيفيات: إحداها: (أنه في الركعة الأولى يسجد الصف المقدم ثم المؤخر، وفي الركعة الثانية يتأخر الصف المقدم ويتقدم المؤخر، ثم يسجد المقدم الذي كان مؤخرا، ثم المؤخر الذي كان متقدما)، والحديث كذلك في (صحيح مسلم)] ٨٤٠ [و (أبي داوود)] ١٢٣٠ [. والثانية: أن يثبت كل صف في مكانه، ويتقدم الصف الأول بالسجود في الأولى ويتأخر في الثانية. والثالثة: أن يسجد الصف المؤخر أولا في الركعة الأولى ويحرس المقدم، وفي الثانية بالعكس.

стр. 850

وَلَوْ حَرَسٍ فِيهِمَا فِرْقَتَا صَفٍّ .. جَازَ، وّكَذَا فِرْقَةٌ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهَا، فَيُصَلِّي مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهّذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِبَطْنِ نَخْلٍ ــ والكيفيات الثلاثة جائزة، وأفضلها ما جاء في الحديث، وحكمته: تفضيل الصف الأول بتقديمه في السجود، ويشترط أن لا يزيدوا على خطوتين. والحراسة مختصة بالسجود؛ لأن الراكع يمكنه المشاهدة. وقيل: يحرسون في الركوع أيضا، وفي بعض الروايات ما يدل له. قال: (ولو حرس فيهما فرقتا صف .. جاز)؛ لحصول المقصود، وهو الحراسة. قال: (وكذا فرقة في الأصح)؛ لأنه قد لا يتأهل للحراسة غيرهم. والثاني: إذا حرست طائفة واحدة في الركعتين .. لم تصح الصلاة؛ لأن الخبر ورد في ذلك القدر من التخلف، فلا يحتمل الزيادة عليه. ويجوز أيضا جعلهم صفوفا كثيرة، ويحرس في كل مرة منها صفان فصاعدا. قال: (الثاني: أن يكون في غيرها، فيصلي مرتين، كل مرة بفرقة، وهذه صلاة رسول الله ﷺ ببطن نخلة) وهي: موضع من نجد، ونخل من أرض غطفان، غير نخلة الموضع الذي بقرب مكة: (الذي جاء ﷺ إليه فيه وفد الجن)، وهذه الكيفية رواها الشيخان] خ ٤١٣٧ - م ٨٤٣ [، ولفظهما: (أنه ﷺ صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان، وهو محمول على ما قلناه وكانت الصلاة مقصورة). وإنما تندب هذه الصلاة بثلاثة شروط: أن يكون العدو في غير جهة القبلة. وان يكون في المسلمين كثرة والعدو قليل. وأن يخافوا هجوم العدو عليهم في الصلاة.

стр. 851

أَوْ تَقِفَ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ وَيُصَلِّي بّفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ ... فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وّذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدُوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فّإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ .. قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، ــ قال الرافعي: وهذه الأمور ليست شروطا للصحة، بل الصلاة على هذا الوجه تجوز بغير خوف. واعترضه في (المهمات) بأن المستحب للمفترض أن لا يصلي خلف المتنفل، وفيما قاله نظر. قال: (أو تقف فرقة في وجهه ويصلي بفرقة ركعة، فإذا قام للثانية .. فارقته وأتمت وذهبت إلى وجهه، وجاء الواقفون فاقتدوا به فصلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد .. قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم، وهذه صلاة رسول الله ﷺ بذات الرقاع). هذه الكيفية في (الصحيحين)] خ ٤١٣١ - م ٨٤١ [من حديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ . و (ذات الرقاع) أيضا من أرض غطفان، قيل: سميت بذلك؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: شجرة تعرف بذات الرقاع، وقيل: لترقيع صلاتهم فيها. قال ابن الرفعة: والأصح ما ثبت في (الصحيحين)] خ ٤١٢٨ - م ١٨١٦ [عن أبي موسى ﵁ أنه قال فيها: (نَقِبَتْ أقدامنا- أي: تقرحت وتقطعت جلودها- فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع بذلك). قال الدمياطي: وفيه نظر؛ لأن أبا موسى قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر مع أصحاب السفينتين، فكيف حضر هذه الغزاة، وهي قبل خيبر بثلاث سنين؟!.

стр. 852

وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ، ــ وفي (صحيح مسلم)] ٨٤٣ [عن جابر ﵁: (حتى إذا كنا بذات الرقاع)، فلذلك قال بعضهم من أجل هذا: الأصح: أنه اسم موضع. وجمع ابن الصلاح بينهما بأن البقعة سميت بذات الرقاع؛ لما قاله أبو موسى. ووقع في (الوسيط): أن ذات الرقاع آخر الغزوات وهو غير صحيح، بل آخرها تبوك. وما ذكره المصنف من الكيفية هو الأولى، ويجوز لها أن تفارقه بعد رفع رأسه من السجود. قال الإمام الشافعي ﵁: وأكره أن تصلى هذه الأنواع بأقل من ثلاثة، ويقف في وجه العدو ثلاثة؛ لقوله تعالى:﴾ وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴿. وفي قول: تفارقه الطائفة الثانية بعد التشهد. ولفظ الحديث محتمل للقولين. وفي القديم: قول بعد السلام كالمسبوق، وهو مخالف للحديث. قال: (والأصح: أنها أفضل من بطن نخل)؛ لأنها أخف وأعدل بين الطائفتين، ولا يأتي فيها الخلاف في صلاة المفترض خلف المتنفل. وقال أبو إسحاق: صلاة بطن نخل أفضل؛ ليحصل لكل فضيلة جماعة تامة.

стр. 853

وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ وَيَتَشَهَّدُ، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ. فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا .. فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، ــ قال: (ويقرأ الإمام في انتظاره الثانية ويتشهد) أي: يقرأ في انتظاره فراغ الأولى ومجيء الثانية. أما القيام .. فلأنه ركن تجب فيه القراءة، فلا يجوز فيه السكوت ولا الاشتغال بذكر آخر. وأما التشهد .. ففيه طريقان. إحداهما: فيه القولان كالقراءة. والثانية: يتشهد قطعا وهي الأصح؛ لئلا تختص الثانية بالتشهد. والخلاف في الصورتين في الاستحباب قطعا. وعلى الأصح: يقرأ (الفاتحة) وسورة طويلة يطيل فيها القراءة حتى تجيء الطائفة الثانية، فيقرأ من السورة بقدر (الفاتحة) وسورة قصيرة؛ لتحصل لهم القراءة. ودليله: أن الصلاة مبنية على أن لا سكوت فيها، والقيام لا يشرع فيه إلا القراءة. قال: (وفي قول: يؤخر لتلحقه)؛ لأنه قرأ مع الأولى (الفاتحة) فينبغي أن يقرأها أيضا مع الثانية، ولا يشرع غير (الفاتحة) قبلها فيشتغل بالذكر والتسبيح حتى يأتوا؛ طلبا للتسوية. قال: (فإن صلى مغربا .. فبفرقة ركعتين، وبالثانية ركعة)؛ لأنه لا يمكن فيها التسوية بين الطائفتين فيما يصلونه مع الإمام، فجاز أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وبالعكس، وفي الأولى منهما طرق أشار إليها المصنف فقال: (وهو أفضل من عكسه في الأظهر)؛ لأن الأولى امتازت بحق السبق، فخصت بركعتين معه، ولأنه أقرب إلى المساواة، إذ كل منهما يتشهد تشهدين، ولأنه لو عكس .. لزاد في صلاة الطائفة الثانية تشهدا غير محسوب لها؛ لوقوعه في ركعتها الأولى، واللائق بالحال التخفيف دون التطويل. والقول الثاني- وهو نصه في (الإملاء) -: يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين؛

стр. 854

وَيَنْتَظِرُ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ أفْضَلُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ رُبَاعِيَّةٌ .. فَبِكُلَّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً .. صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، ــ لأن عليا ﵁ كذا صلاها ليلة الهرير، لكنه أثر ضعيف. وعلى هذا: يكون الانتظار في قيام الثانية. قال: (وينتظر في تشهده، أو قيام الثالثة وهو أفضل في الأصح) هذا تفريع على الأظهر، فينتظر الثانية في تشهده الأول، أو في قيامه للركعة الثالثة؛ لحصول المقصود بكل منهما، لكن انتظارهم في القيام أفضل في الأصح؛ لأنه محل التطويل، والتشهد الأول مبني على التخفيف. والثاني: في التشهد أولى ليدركوا معه الركعة من أولها. والخلاف في (الشرح) و (الروضة) وغيرهما قولان، فكان الصواب التعبير بالأظهر. قال: (أو رباعية .. فبكل ركعتين)؛ طلبا للمساواة، ويتشهد بكل طائفة تشهدا قطعا، وهذا إذا قضى في السفر رباعية، أو وقع الخوف في الحضر، وفيما دون ثلاثة أيام؛ لأن الإتمام أفضل، وإلا .. فالقصر أفضل لا سيما وهو أليق بحالة الخوف، وهل يستحب انتظار الثانية جالسا أو قائما؟ .. فيه القولان. قال: (فلو صلى بكل فرقة ركعة) أي: وفارقته وصلت لنفسها ثلاثا، وهو ينتظر فراغها ومجيء الأخرى، وانتظر الرابعة في التشهد حتى أتموا وسلم بهم. قال: (.. صحت صلاة الجميع في الأظهر)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، بأن يكون المسلمون مثلا أربع مئة، والعدو ست مئة، فيحتاج أن يقف بإزاء العدو ثلاث مئة، ويصلي بمئة مئة، ولأن الانتظار الثالث والرابع بالقيام والقراءة وذلك لا يبطل الصلاة. وتفصيل الخلاف: أن في الإمام قولين:

стр. 855

وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ، ــ أصحهما: صحة صلاته؛ لأن المخالفة هنا بتطويل قيامه وتشهده وذلك لا يضر، ولأن انتظار الداخل في الركوع لا يبطل فكذلك هنا. وعلى هذا: في المأمومين قولان: أصحهما: صحة صلاتهم. والثاني: تصح صلاة الفرقة الرابعة فقط، وتبطل صلاة الباقين لأجل المفارقة. والقول الثاني في الإمام: بطلان صلاته؛ لأن الرخصة وردت بانتظارين فلا يزاد عليهما، كما أن العمل القليل لا يبطل الصلاة ويبطلها الكثير. فعلى هذا: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية؛ لانهم فارقوه قبل بطلان صلاته، كذا جزم به الرافعي. وقال المصنف: فيهم قولا المفارقة بغير عذر، وتبطل صلة الفرقة الرابعة إن عملت بطلان صلاته، وكذا الثالثة في الأصح بناء على أن صلاة الإمام بطلت بالانتظار في الثالثة. ويشترط في جواز هذه الصلاة الحاجة إلى ذلك كما جزم به في (المحرر)، وحذف المصنف هنا؛ لأنه صحح في (شرح المهذب) عدمها. ولو فرقهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة وبفرقة ثلاثا، أو عكسه .. فالصواب الذي نص عليه الإمام الشافعي ﵁ والجمهور: أن صلاة الجميع صحيحة. ولو فرقهم في المغرب ثلاث فرق .. صحت صلاتهم على المنصوص. قال: (وسهو كل فرقة) أي: من فرق هذه الصلاة، وهي صلاة (ذات الرقاع) إذا فرقهم فرقتين، كما صرح به في (المحرر). قال: (محمول في أولاهم)؛ لأنهم فيها مقتدون.

стр. 856

وَكَذّا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لَا ثَانِيَةُ الأُولَى. وَسَهْوُهُ فِي الأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الأَوَّلِينِ. وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ ــ قال: (وكذا ثانية الثانية في الأصح)؛ لان حكم القدوة مستمر في حقهم. والثاني: لا؛ لأنهم منفردون حسا. قال: (لا ثانية الأولى): لانفرادهم حسا وحكما، وهذا لا خلاف فيه. أما إذا فرقهم أربع فرق وقلنا بالصحة .. فسهو كل فرقة محمول في أولاهم فيصح أن يدرج في كلامه: وكذا باقي الرابعة في الأصح لا باقي البواقي. قال: (وسهوه في الأولى يلحق الجميع)، فيسجد المفارقون عند تمام صلاتهم للنقصان الحاصل في صلاة الإمام، سواء كان قبل اقتدائهم أو حال القدوة. قال: (وفي الثانية لا يلحق الأولين)؛ لأنهم فارقوه قبل السهو، وتسجد الثانية معه آخر صلاته، ولو سها في حال انتظارهم .. لحقهم في الأصح. وهذه الأنواع الأربعة جائزة في الجمعة على الأصح إلا صلاة بطن نخل؛ إذ لا جمعة بعد جمعة. قال: (ويسن حمل السلاح في هذه الأنواع)؛ لأن وضعه لا يفسد الصلاة، فلا يجب كسائر ما لا يفسد تركه. قال: (وفي قول: يجب)؛ لقوله تعالى:﴾ وليأخذوا أسلحتهم ﴿. وقيل: ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين .. يجب حمله، وما يدفع به عن غيره كالرمح والقوس .. لا يجب حمله. قال الإمام: ولو غلب على ظنه الهلاك بتركه .. وجب قطعا- قال- ووضعه بين يديه إذا سهل تناوله كالحمل.

стр. 857

الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ القِتَالُ أَوْ يَشْتَدَّ الخَوْفُ فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبَاً وَمَاشِياً، وَيَعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، ــ والخلاف له شروط: أحدها: أن يكون السلاح طاهرا، فإن كان نجسا .. حرم حمله قطعا. الثاني: أن لا يكون مانعا لبعض الأركان، كالبيضة المانعة من السجود. ومحل هذين الشرطين: إذا لم يخف ضررا من تركهما. الثالث: أن لا يتأذى به الغير، فإن تأذى به كالرمح في وسط الصف .. كره حمله، كذا قاله الرافعي والمصنف. والصواب: أنه يحرم إذا تحقق ذلك، أو غلب على ظنه. قال: (الرابع: أن يلتحم القتال أو يشتد الخوف)، وذلك بأن يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يتركوهم إذا انقسموا فرقتين. و (التحام القتال): أن يقطع بعضهم لحم بعض، و (الملحمة): المقتلة. و (اشتد الخوف): من الشدة، يقال: عن الشدة إذا تتابعت .. انفرجت، وإذا توالت .. تولت، وفي الحديث: (اشتدي أزمة انفرجي). قال: (فيصلي كيف أمكن راكبا وماشيا)؛ لقوله تعالى:﴾ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ﴿، قال ابن عمر ﵄: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) رواه البخاري] ٤٥٣٥ [. وفي هذه الحالة يجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلين في جوف الكعبة، والجماعة في هذه الحالة أفضل من الانفراد. وقال أبو حنيفة ومالك/ لا تصح صلاتهم في هذه الحالة جماعة، بل قال أبو حنيفة: إذا التحم القتال .. جاز تأخير الصلاة. قال: (ويعذر في ترك القبلة)؛ للضرورة وللحديث. وإنما يعفى عن ترك

стр. 858

وَكَذَا الأَعْمَالُ الكَثِيرَةُ لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، لَا صِيَاحٌ، وَيُلْقِي السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَمْسَكَهُ، وَلَا قّضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، ــ الاستقبال إذا كان بسبب القتال، فلو انحرف عنها لجماع الدابة وطال الزمان .. بطلت صلاته. قال: (وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح)، وذلك كالضربات المتوالية، والركوب في أثناء الصلاة. والثاني: لا يعذر؛ لأن النص ورد في هذين فيبقى ما عداهما على الأصل، وهو المنصوص في (الأم). والثالث: يعذر في أشخاص لا في شخص واحد؛ لندرة الاحتياج إليها. أما لغير الحاجة .. فلا يعذر قطعا. قال: (لا صياح)؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأن الساكت أهيب. قال: (ويلقى السلاح إذا دمي) محافظة على صحة الصلاة، قال الإمام: أو يرده سريعا إلى قرابه ويجعله تحت ركابه، وخالفه الروياني. قال: (فإن عجز .. أمسكه)؛ للمشقة، ولو عبر بقوله: فإن احتاج .. كان أولى. قال: (ولا قضاء في الأظهر)؛ لأن ذلك عذر عام في المقاتل، فأشبه المستحاضة. والثاني: يجب القضاء لندوره، وهذا هو المنصوص في (البويطي)، وظاهر كلام جمهور الأصحاب .. القطع به، وهو المفتى به، وبه صرح الرافعي في (باب التيمم)، وحاصل كلامه هنا، وفي (شرح المهذب): ترجيح الأول كما في الكتاب. فرع: لو شردت فرسه فتبعها إلى صوب القبلة شيئا يسيرا .. لم تبطل صلاته، وإن تبعها كثيرا .. فسدت، وإن تبعها إلى غير القبلة .. بطلت مطلقا.

стр. 859

فإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ .. أَوْمَأَ وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ. وَلَهُ ذَا النَّوعُ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، وَهَرَبِ مِنْ حَرِيقٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ سَبْعٍ، وَغَرِيمٍ عِنْدَ إِعْسَارٍ وَخَوْفٍ حَبْسٍ، وَالأَصَحُّ: مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، ــ قال: (فإن عجز عن ركوع أو سجود .. أومأ)؛ لقول ابن عمر ﵄ بعد أن وصف صلاة الخوف التي صلاها النبي ﷺ : (فإذا كان خوف أكثر من ذلك .. يصلي راكبا أو قائما يومئ إيماءً)، رواه مسلم] ٨٣٩ [. قال: (والسجود أخفض)؛ ليتميز بذلك عن الركوع. قال: (وله ذا النوع) - أي: صلاة شدة الخوف- للواحد والجمع بلا إعادة أيضا على المشهور. قال: (في كل قتال وهزيمة مباحين)، فلا يجوز في القتال المحرم بالإجماع. والمراد ب (المباح) هنا: ما لا إثم فيه ولو كان واجبا كقتال البغاة والكفار وقطاع الطريق، ولا يجوز ذلك للبغاة والقطاع، ويجوز في هزيمة مسلم عن أكثر من كافرين. قال: (وهرب من حريق أو سيل) إذا لم يجد سبيلا غير ذلك. قال: (أو سبع) وكذلك الحية- إذا لم يمكنه التحصين بشيء- لدفع الضرر، ولأن الخوف في الجملة عذر عام وإن كان سببه غير معهود، كما أن المرض يبيح الصلاة قاعدا ويبيح الفطر وإن كان من الأمراض ما هو نادر. قال: (وغريم عند إعسار وخوف حبس)، أما إذا كان معه مال .. فلا يباح له ذلك. وإذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال .. فالأظهر: لا إعادة، وفي قول مخرج: نعم؛ لندور ذلك. قال: (والأصح: منعه لمحرم خاف فوت الحج). صورتها: أن يقرب المحرم من عرفات ولم يبق للفجر إلا قدر الصلاة، وإن سار

стр. 860

وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوّا فَبَانَ غَيْرُهُ .. قَضَوْا فِي الأَظَهَرِ ــ فيه إلى عرفات فاتته الصلاة .. فالأصح: أنه لا يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؛ لأن الصلاة أفضل من الحج، ولأن وقتها مضيق ووقت الحج موسع. والثاني: يجوز أن يصليها، ورجحه ابن عبد السلام في (قواعده)؛ لأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج قد يعظم على ضرر الحبس أياما في حق المعسر. وإذا قلنا بالأول .. ففي جواز تأخير العشاء وجهان: رجح الرافعي: المنع. والثاني- وصوبه المصنف- يؤخرها. وإذا قلنا بهذا .. فهل التأخير على سبيل الإيجاب أو الجواز؟ صرح في (الكفاية) في أوائل (الصلاة) بأنه على سبيل الوجوب. والوجهان الأخيران يقربان من الوجهين الآتيين فيمن أصبح صائما وفي فيه طرف خيط، هل يحافظ على الصلاة أو الصوم؟ ونقل ابن الصلاح في (رحلته) قولا رابعا: أنه إن كان آفاقيا .. قدم الحج، أو مكيا .. قدم الصلاة، لكنه نسبه إلى أصحاب مالك ﵁. قال: (ولو صلوا لسواد ظنوه عدوا فبان غيره) أي: ظهر السواد (.. قضوا في الأظهر)؛ لعدم الخوف في نفس الأمر. والثاني: لا؛ لوجود الخوف في نفس الأمر. والثالث: إن كانوا في دار الحرب .. لم يجب لغلبة الخوف، وإلا .. وجب. والرابع: إن استند الظن إلى إخبار ثقة فتبين غلطه .. لم يجب، وإلا .. وجب. وقيد في (المحرر) المسألة بصلاة شدة الخوف. فإن صلوا صلاة الخوف .. فلا قضاء قطعا وبه صرح الماوردي؛ لأنهم لم يسقطوا فرضا ولا غيروا ركنا. ويجري القولان الأولان فيما إذا هربوا ظنا منهم أن في العدو كثرة ثم تبين أنهم

стр. 861

فَصَلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، ــ قليل، وفيما إذا هربوا ولم يعلموا أن بقربهم مددا، وفيما إذا لم يعلموا أن بالقرب منهم حصنا أو نهرا ثم تبين. تتمة: صلاة شدة الخوف تجوز للمنفرد، كمن قصده ثلاثة من الكفار وضاق الوقت، أو قاطع طريق يريد دمه أو حريمه، وكذا ماله في الأصح. واشترط ابن الصباغ وقوع صلاة الخوف في السفر، والصواب: صحتها سفرا وحضرا. قال: (فصل: يحرم على الرجل استعمال الحرير بفرش وغيره). ختم الشافعي ﵁ هذا الباب ببيان ما يجوز لبسه وما لا يجوز، فاقتدى به الأكثرون فأوردوا أحكام الملابس هنا، وذكرها بعضهم في (صلاة العيدين) وهو مناسب أيضا، وأورد الغزالي بعضها هنا وبعضها هناك. فالتزين بالحرير والديباج حرام على الرجال؛ لما روى أبو داوود] ٤٠٥٤ [والنسائي] ٨/ ١٦٠ [وابن ماجه] ٣٥٩٥ [عن علي ﵁: أن النبي ﷺ خرج يوما وفي يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، فقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)، قال علي بن المديني: إنه حديث حسن. وروى الشيخان] خ ٨٨٦ - م ٢٠٦٨ [: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة)، (ومن لبسه في الدنيا .. لم يلبسه في الآخرة)] خ ٥٨٣٣ - م ٢٠٧٣ [. وفي (البخاري)] ٥٨٣٧ [عن حذيفة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن ليس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه)، وقيس على ذلك باقي الاستعمال. والمعنى في تحريمه على الرجال: ما في لبسه من الخنوثة التي لا تليق بهم،

стр. 862

وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، وَأَنْ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسَهُ الصَّبِيَّ ــ واستشكل الرافعي هذه العلة بأن الإمام الشافعي ﵁ قال في (الأم): ولا أكره اللؤلؤ إلا أنه من زي النساء. وفي وجه ضعيف: لا يحرم الجلوس عليه؛ لأنه لا يسمى لبسا. وشمل قوله: (بفرش وغيره) لبسه، والتغطية به، والاستناد إليه، وجعله سترا، أو بطانة أو ظهارة. قال: (ويحل للمرأة لبسه) انعقد الإجماع على ذلك بعد عبد الله بن الزبير. وقال ﷺ : (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها) رواه أحمد] ٤/ ٣٩٢ [، وقال الترمذي] ١٧٢٠ [: حسن صحيح، ولأن تزيين المرأة بذلك يدعو إلى الميل إليها وإلا وطئها، فيؤدي إلى ما طلبه الشارع من كثرة النسل. وفي (الصحيح)] م ٢٠٧١ [أن النبي ﷺ أهدى إليه أكيدر دومة ثوب حرير فأعطاه عليا وقال: (شققه خمرا بين الفواطم) أراد: فاطمة بنت أسد أمه، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ زوجته، وفاطمة بنت عمه حمزة. وذكر الحافظان عبد الغني وابن عبد البر بإسنادهما أن عليا قسمه بين الفواطم الأربع، قال القاضي عياض: الرابعة: فاطمة بنت شيبة بن ربيعة زوجة أخيه عقيل. ولم يذكر المصنف حكم الخنثى، والمجزوم به في (الروضة): أنه كالرجل لاحتمال الذكورة. وفي وجه حكاه المحب الطبري، وأشار إليه الرافعي: أنه كالمرأة؛ تغليبا لجانب الإباحة. قال: (والأصح: تحريم افتراشها)؛ للسرف والخيلاء، كما قلنا: يجوز لها لبس الذهب دون الأكل في إنائه. والثاني: لا؛ لعموم الحديث المتقدم. قال: (وأن للولي إلباسه الصبي)؛ لأنه غير مكلف.

стр. 863

قَلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ والثاني: لا كما يمنعه من شرب الخمر وغيره، ولعموم قوله ﵊: (ذكور أمتي) ولم يقل: رجالهم. والثالث: يحل قبل سبع سنين لا بعدها وهو الراجح في (الشرحين) كيلا يعتاده. وهذه الأوجه جارية في الحلي أيضا. ومحل الخلاف: في غير يومي العيد، فأما فيهما .. فيجوز إلباسه الحرير والحلي بلا خلاف؛ لأنه يوم زينة، لكن قال الشيخ عز الدين: الأولى اجتنابه، قال: وعمل ذلك من مال الصبي أقبح من عمله من مال الولي. قال: (قلت: الأصح: حل افتراشها، وبه قطع العراقيون وغيرهم والله أعلم)؛ لما تقدم. وقوله: (وغيرهم) فيه نظر. فروع: سئل قاضي القضاة ابن رزين عمن يفصل الكلوتات والأقباع الحرير، ويشتري القماش الحرير مفصلا ويبيعه للرجال، فقال: يأثم بتفصيله لهم وبخياطته، وبيعه وشرائه، كما يأثم من يصوغ الذهب للبسهم. قال: وكذلك خلع الحرير يحرم بيعها والتجارة فيها، وأما الكتابة فيه فإن كان مما ينتفع به الرجال كالمراسلات .. حرم، وغن كان للنساء كصدقاتهن .. فهو كافتراشهن الحرير، بل هو أبلغ في الإسراف؛ إذ لا حاجة إليه ولا يتزين به، وأفتى المصنف بتحريم ذلك. وقال الشيخ شرف الدين البارززي: كتابة الكاتب والشاهد والقاضي على الصداق الحرير جائزة، وبه أفتى شيخه ابن عساكر مفتي الشام، وعليه عمل القضاة في

стр. 864

وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرِّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ، أَوْ فَجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، ــ الأمصار في سائر الأعصار. وقال الشيخ أبو حامد، والزاهد الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي: يحرم تعليق ستر الحرير وفرش البيوت بها، ووافقهما في (الروضة) هنا على ذلك، ولذلك كان ابن الرفعة أيام زينة المحمل لا ينظر إليها، لكن كلام (الشرح) و (الروضة) في (باب الوليمة) يشعر بالجواز، وكلام الرافعي في (باب النذر) صريح في جوازه. وقال الغزالي: تزيين الحيطان بالحرير لا ينتهي إلى التحريم، ولو حرم .. لحرم تزيين الكعبة به، والأولى إباحته .. وأجاب الشيخ عز الدين بقريب منه- قال- ولم تزل الكعبة تستر بالحرير، فلا يبعد إلحاق غيرها بها. وسيأتي هذا مع سترها بغير الحرير في (باب الوليمة). قال: (ويحل للرجل لبسه للضرورة كحر وبرد مهلكين)؛ حفظا للنفس المحرمة. والتقييد بكونهما (مهلكين) ذكره في (المحرر) و (الشرحين)، فتبعه المصنف وليس كذلك؛ فإن الخوف على العضو والمنفعة ومن المرض الشديد مبيح أيضا. والمتجه: إلحاق الألم الشديد بذلك؛ لأنه أبلغ من المشقة الحاصلة لصاحب الجرب، ولأجل ذلك لم يذكر هذا التقييد في (الروضة) ولا في (شرح المهذب). قال: (أو فجأة حرب ولم يجد غيره)؛ للضرورة. و (الفجاءة) بضم الفاء وفتح الجيم والمد: البغتة، وفيها لغة أخرى: فتح الفاء وسكون الجيم، وبهذا ضبطها المصنف بخطه، لكنه في (الوصايا) ضبطها باللغة الأولى فجمع بين اللغتين. وكذلك يحل له لبسه إذا كان في خلوة أو في صلاة ولم يجد ما يستتر به غيره، بل يجب على الأصح فيهما.

стр. 865

وَلِحَاجَةٍ كَجَرَبٍ وَحِكَّةٍ وَدَفْعِ قَمْلٍ، ــ قال: (ولحاجة كجرب وحكة) أي: إذا آذاه لبس غيره؛ لأن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبسه لحكة بهما، متفق عليه] خ ٢٩١٩ - م ٢٠٧٦ [، زاد أبو داوود] ٤٠٥٣ [: (في السفر). ووقع في (الوسيط) أن النبي ﷺ أرخص في ذلك لحمزة، والصواب ما تقدم. وفي وجه – وإليه ذهب مالك-: أنه لا يجوز؛ لعموم الأخبار السابقة. وهذا الوجه لم يحكه الرافعي إلا عن (التنبيه). وفي وجه: يجوز ذلك في السفر دون الحضر؛ لأن الرخصة وردت فيه؛ إذ المقيم يمكنه المداواة. والصحيح: لا فرق. و (الحكة) بكسر الحاء: الجرب اليابس وهو الحصف، فلذلك غاير المصنف بينهما، والجوهري جعل الجرب والحكة واحدا. فإن قيل: هل من شرط جوازه لذلك أن لا يجد ما يغني عنه من دواء ولباس، كما في التداوي بالنجاسة؟ .. فالجواب: أنهم أطلقوا ذلك والقياس عدم التسوية؛ لأن جنس الحرير مما أبيح لغير ذلك فكان أخف من النجاسة. قال: (ودفع قمل)؛ لأنه لا يقمل بالخاصة. وفي (الصحيح)] خ ٢٩٢٠ - م ٢٠٧٦ [: (أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف شكيا القمل إلى رسول الله ﷺ ، فأرخص لهما في قميص الحرير). والصحيح: أن هذا أيضا لا يختص بالسفر. وقيل: يختص- واختاره الشيخ أبو حامد وابن الصلاح، وإليه ذهب مالك- لأن الرواية مقيدة به، وسببه أن كثرة التعب والعرق تولده. واعترض في (المهمات) على المصنف في حكاية هذا الوجه في القمل وغلطه فيه وقال: إنه مخصوص بالجرب. و (القمل): جمع قملة، وهو القمل المرسل على بني إسرائيل في قول عطاء،

стр. 866

وَلِقِتَالٍ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إِبْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الإِبْرِيسَمِ، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ ــ وقيل: البراغيث قاله أبو زيد، وقيل: السوس، وقيل غير ذلك. قال: (ولقتال كديباج لا يقوم غيره مقامه) في دفع السلاح صيانة لنفسه، وذلك في حكم الضرورة. فلو وجد ما يقوم مقامه .. فالأصح: التحريم. وقيل: يجوز مع الكراهة، كالتضبيب بالفضة للحاجة مع وجود النحاس. وجوز ابن كج اتخاذ القباء ونحوه مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيهما على الإطلاق؛ لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لينكسر قلب الكفار منه كتحلية السيف ونحوه. والمشهور الأول. و (الديباج) بكسر الدال وفتحها: فارسي معرب، مأخوذ من التدبيج وهو: النقش والتزين، وجمعه: دبابيج وديابيج. وقوله: (مقامه) هو بفتح الميم؛ لأنه من ثلاثي تقول: قام هذا مقام ذاك بالفتح، وأقمته مقامه بالضم. قال: (ويحرم المركب من إبريسم وغيره إن زاد وزن الإبريسم، ويحل عكسه) تغليبا لجانب الأكثر، وروى أحمد] ١/ ٣١٣ [وأبو داوود] ٤٠٥٢ [- بإسناد صحيح- عن ابن عباس ﵄ قال: (إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير)، فأما العلم وسدى الثوب .. فلا بأس به. و (المصمت): الخالص، و (العلم) بفتح اللام: الطراز ونحوه. واعتبار الكثرة بالوزن هو الأصح. وقيل: إن ظهر الحرير .. حرم وإن قل وزنه، وإن خفي واستتر .. حل وإن كثر وزنه. و (الإبريسم) بكسر الهمزة والراء، وبفتحهما، وبكسر الهمزة وفتح الراء.

стр. 867

وَكَذَا إِنْ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ ــ قال: (وكذا إن استويا في الأصح)؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل في المنافع الإباحة. والثاني- واختاره الماوردي-: يحرم؛ تغليبا لجانب الحرمة. فرع: الذي قطع به الجمهور: أن القز من الحرير يحرم على الرجال استعماله، وفي وجه: لا يحرم؛ لأنه ليس من الزينة. و (القز): ما قطعته الدودة وخرجت منه حية، فلا يمكن حله وغزله كالكتان، وهو كمد اللون. و (الحرير) ما حل عن الدود بعد موته. وقد يطلق الإبريسم عليهما، وهو معرب. قال: (ويحل ما طرز أو طرف بحرير). (المطرز): ما جعل له طراز وهو العلم، ودليله: حديث ابن عباس ﵄، والمراد: أن يكون الطراز كله حريرا مركبا على الثوب. أما التطريز الذي يجعل في الثوب بالإبرة، فهل هو مثله لأنه زائد على الثوب، أو مثل المعمول من أصل النسج حتى يكون حكمه حكم المركب من الحرير وغيره؟ .. قال الشيخ: لم أر فيه نقلا، والأقرب: أنه كالمنسوج. و (المطرف): هو المسجف، مأخوذ من الطرف، ودليله: (أن النبي ﷺ كانت له جبة مكفوفة الفرجين بالديباج) رواه مسلم] ٢٠٦٩ [. وفي (النسائي) بسند صحيح: (الفرجين والكمين والجيب). وروى مسلم] ٢٠٦٩ [عن عمر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع إصبع أو إصبعين أو ثلاث أو أربع).

стр. 868

قَدْرَ الْعَادَةِ، ــ واحترز بقوله: (بحرير) عن التطريز والتطريف بالذهب، فإنه حرام؛ لشدة السرف فيه. وشذ ضياء الدين الحسين بن محمد الهروي في (لباب التهذيب) فجعله كالحرير في جواز قد أربع أصابع، وفي (الكافي) قريب منه. وترقيع الثوب بالديباج كتطريزه. ولو خاط ثوبا بإبريسم .. جاز لبسه قطعا، بخلاف الدرع المنسوجة بالذهب، فإنه حرام وإن قل، ولا يخرج على التفصيل في الإناء المضبب. وفي (فتاوى ابن عبد السلام): لا بأس باستعمال العمامة التي في طرفها من الحرير قدر شبر إذا كان- بين كل قدر إصبع- أربع أصابع منها فرق من كتان أو غيره. قال: (قدر العادة) هكذا قدره الشيخ أبو محمد، وقدره صاحب (التهذيب) بأربع أصابع فما دونها وهو الأصح. والمصنف ضبط التطريف بالعادة، والتطريز بأربع أصابع فما دونها، قال الشيخ: ولا معنى لذلك. والصحيح: ضبطهما بأربع أصابع؛ للحديث، وصاحب (التهذيب) لم يتعرض للتطريف، فلو تعرض له .. لقال فيه كما قال في التطريز. فروع: يجوز حشو الجبة والمخدة منه، والجلوس عليه إذا بسط فوقه ثوب. ولو نظم سبحة في خيط حرير .. لم يحرم استعمالها، ولا يجوز لبس جبة بطانتها حرير.

стр. 869

وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، ــ ويحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل للخيلاء، ويجوز للمرأة إسباله على الأرض. ويستحب تقصير الكم، ويجوز لبس العمامة بإرسال طرفها ودونه، ولا كراهة في واحد منهما. ويكره المشي في نعل واحدة أو خف واحدة ونحوه لغير عذر، وإذا انقطع شسع نعله .. ينبغي أن يخلع الآخر. ويكره الانتعال قائما، ويستحب أن يبدأ باليمين لبسا وباليسار خلعا. ويستحب غسل الثوب إذا توسخ، وإصلاح الشعر إذا تشعث. ولا يحرم استعمال النشاء في الثياب، والأولى اجتنابه، قاله ابن عبد السلام. قال: وإفراط توسعة الأكمام بدعة وسرف وتضييع مال، ولا بأس بلبس شعار العلماء؛ ليعرفوا بذلك فيسألوا. ويحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة- في اللباس وغيره- وعلى المرأة أن تتشبه بالرجل، وقيل: يكره في اللباس وغيره. قال: (ولبس الثوب النجس) أي: المتنجس مع طهارة عينه (في غير الصلاة ونحوها) أي: مما شرط فيه طهارة الملبوس، كالطواف وخطبة الجمعة وسجود التلاوة والشكر؛ لأن تكليف إدامة طهارته تشق خصوصا على الفقير وبالليل.

стр. 870

لَا جِلْدِ كَلْبٍ وَخَنْزِيرٍ إِلَّا لِضَرُورَة كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، وَكّذّا جِلْدُ الْمِيْتَةِ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ ــ قال: (لا جلد كلب ولا خنزير) وفرع أحددهما، فلا يجوز لبسه؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حال حياته ولا بالكلب إلا في أشياء مخصوصة؛ فبعد موتهما أولى، وفرع أحدهما مما يلحق بهما. قال: (إلا لضرورة كفجأة قتال)، أو خوف على نفسه من حر أو برد أو غيرهما، ولم يجد غيره فيجوز. قال: (وكذا جلد الميتة في الأصح) أي: لا يحل عند عدم الضرورة لنجاسته. والثاني: يحل؛ لأن جلد الكلب إنما حرم لغلظ نجاسته. ولا فرق في ذلك بين الثوب والبدن، ويجوز إلباس دابته الجلد النجس سوى جلد الكلب والخنزير؛ إذ لا تعبد على الدواب. فرع: الامتشاط بمشط العاج رطبا ويابسا: صرح الرافعي بالمنع منه، وصرح في (شرح المهذب) بالجواز، فظنه في (المهمات) تناقضا وليس كذلك، بل (العاج) هو: الذبل، وهو مراده في (شرح المهذب)، وأما عظم الفيل .. فهو الذي أراده الرافعي. قال: (ويحل الاستصباح بالدهن النجس على المشهور) سواء تنجس بعارض، او كان نجس العين كودك الميتة؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن فأرة وقعت في سمن .. فقال: (إن كان ذائبا .. فاستصبحوا به) رواه الطحاوي، ولكنه يكره.

стр. 871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: لا يجوز؛ لقوله تعالى:﴾ والرجز فاهجر ﴿وذلك يقتضي: الاجتناب من كل وجه، ولأجل دخان النجاسة. وصحح في (شرح المهذب) القطع بالأول. ويحل دهن السفن به، وان يتخذ صابونا يستعمله ولا يبيعه، ولمالك ﵁ فيه قولان. تتمة: استثنى صاحب (البيان) والمتولي ودك الكلب والخنزير، والقياس في (المهمات): منعه. ولا شك أن تستثنى المساجد، وعن مالك ﵁ قولان في جواز الاستصباح به فيها.\ وقد سها ابن الرفعة في (كتاب البيع) في نقله عن الرافعي: أن الظاهر عند الأصحاب منع الاستصباح بالدهن النجس، وهو إنما نقله عنهم في منع البيع. ولا بأس أن يطعم ما عجن بماء نجس ناضحه وبهيمته، وأن يطعم النحل العسل المتنجس، والكلب وطيور الصيد الميتة. وإذا سجر التنور بالسرجين، فإن قلنا بتنجس دخان النجاسة .. ففي العفو عنه وجهان: أحدهما: نعم، فيجعل الخبز فيه من غير مسح. وثانيهما: لا. فعلى هذا: لو تدخن به ثوبه .. لزمه غسله، ويجب مسح التنور قبل جعل الخبز فيه بخرقة، فإن خبز قبله .. نجس ظاهره، والقياس: نجاسة جميعه؛ لرطوبته.

стр. 872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة يباح لبس الكتان والقطن والصوف والوبر والشعر ونحوها وإن كثرت قيمتها؛ لأن نفاستها بالصنعة. ولا يكره لبس الناعم منه، ولبس الخشن مكروه إلا لغرض شرعي مع الاستغناء عنه؛ لأنه تعذيب للنفس. وسواء غير المصبوغ والمصبوغ، وسواء الأخضر والأحمر والأسود، وسواء صبغ قبل النسج أم بعده، ففي (الصحيحين)] خ ٣٥٥١ - م ٥٠٣ [: (أنه ﷺ لبس حلة حمراء). وفيهما] خ ٥٨١٢ - م ٢٠٧٩ [: (كان أعجب اللباس إليه ﷺ الحبرة)، وهي: شملة فيها بياض وحمرة. وروى الترمذي] ٢٨١٢ [وأبو داوود] ٤٠٦٢ [: (أنه ﷺ لبس بردين أخضرين). وروى مسلم] ١٣٥٨ [: (أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء)، و (لبسها على المنبر أيضا)، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة لبس الأسود. وأما الأصفر .. فكان ابن عمر ﵄ يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه منها ويقول: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل). لكن المنصوص: أن المزعفر حرام على الرجال، وأما المعصفر .. فالمذهب: كراهته. وقال ابن الرفعة: الصواب تحريمه كما قاله الحليمي للأحاديث الصحيحة الواردة فيه التي لو بلغت الإمام الشافعي ﵁ .. لقال بها؛ لأن مذهبه: إتباع الحديث الصحيح.

стр. 873

بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ هِيَ سُنَّةٌ، ــ باب صلاة العيدين (العيد): مشتق من العود. سمي بذلك، لأنه يتكرر بتكرر السنين. وقيل: من عود السرور بعوده. وقيل: من كثرة عوائد الله تعالى على عباده. والأصل في مشروعية الصلاة فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)، وما روى أنس ﵁: أن النبي ﷺ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (ما هذان اليومان؟) فقالوا: كنا نلعب فيهما بالجاهلية، فقال: (إن الله تعالى أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى)، وهو يوم الحج الأكبر، و (أول عيد صلاه النبي ﷺ عيد الفطر، من السنة الثانية من الهجرة)، ثم (لم يزل يواظب على صلاة العيدين حتى فارق الدنيا). قال: (هي سنة)؛ لقوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله تعالى على عباده)، قال له السائل: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).

стр. 874

وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَتُشْرَعُ جَمَاعَةٌ، وَلِلمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ ــ فعلى هذا: لو اتفق أهل بلد على تركها .. لم يقاتلوا- خلافا لأبي إسحاق- واختاره الروياني وابن أبي عصرون، وهما كالوجهين في الأذان. قال: (وقيل: فرض كفاية) قاله الإصطخري؛ لأنها صلاة يتوالى فيها التكبير من قيام فأشبهت صلاة الجنازة، وأجمع المسلمون: على أنها ليست فرض عين. قال: (وتشرع جماعة) بالإجماع. قال: (وللمنفرد والعبد والمرأة والمسافر) كسائر النوافل، إلا أن المرأة الجميلة وذات الهيئة يكره لها أن تحضرها، والعجوز يستحب لها الحضور لكن في ثياب بيتها بلا طيب كما سيأتي، والخنثى في هذا كالمرأة. ونقل عن القديم: أنها كالجمعة في الشروط، حتى لا تصح للمنفرد ونحوه، إلا أنه يستثنى - على هذا القول- إقامتها في خطة، الأبنية، وتقديم الخطبتين، والعدد. وإذا قلنا: يصلي المنفرد .. لا يخطب على الأصح. وإذا اجتمع مسافرون .. صلى بهم واحد منهم وخطب، وكذلك من لا جمعة عليهم إذا اجتمعوا. فرعان: أحدهما: الحاج بمنى لا تستحب له صلاة العيد على النص، وفي (التجربة النظامية) للإمام: أنها تستحب لهم، وكلام المتولي يقتضي: أنها تصلى فرادى. الثاني: إذا وافق يوم العيد يوم جمعة، وحضر أهل القرى الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا فاتتهم الجمعة .. فلهم أن ينصرفوا ويتركوها نص عليه في القديم والجديد.

стр. 875

وَوَقْتُهَا: بَيْنَ طُلُوِعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَاخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ ــ ويدل له ما روى أحمد] ٤/ ٣٧٢ [وأبو داوود] ١٠٦٦ [والنسائي] ٣/ ١٩٤ [وابن ماجة] ١٣١٠ [والحاكم] ١/ ٢٨٨ [عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن أحب أن يشهد معنا الجمعة .. فليفعل، ومن أحب أن ينصرف .. فليفعل). وصح عن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز: أنهم خطبوا بمثل ذلك. قال: (ووقتها: بين طلوع الشمس وزوالها)، أما خروج وقتها بالزوال .. فمتفق عليه، وأما أول وقتها .. فالأصح: أنه: - كما قال المصنف- يدخل بطلوع الشمس؛ لأن به يخرج وقت الصبح فدخل وقت غيرها، ثم فرع المصنف على هذا فقال: (ويسن تأخيرها لترتفع كرمح)؛ لخروج وقت الكراهة وإن كان لها سبب. وقال الماوردي: يدخل وقتها بتمام الطلوع. وقيل: لا يدخل حتى ترتفع: واختاره الشيخ لعدم الدليل على فعلها قبل ذلك. وقال ابن الرفعة: لا يتم القول بأن وقتها يدخل بالطلوع إلا إذا قلنا: إن الصلاة في الأوقات المكروهة لا تحرم وتصح، أما إذا قلنا: لا تصح أو تحرم- كما هو الأصح- فلا؛ إذ يستحيل أن نقول بعدم دخول الوقت وعدم الصحة أو التحريم. ومقتضى عبارة المصنف .. أنها تفوت إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين، وعدلوا بعد الغروب وقلنا العبرة بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلوا من الغد أداء كما سيأتي. وإذا خرج وقتها .. ففي استحباب قضائها القولان السابقان في صلاة التطوع، والأصح: الاستحباب: وهما مفرعان على الجديد: الصحيح: أنه لا يشترط فيها شروط الجمعة، أما على القديم .. فلا تقضى قطعا. وقال الماوردي: ليس لمن ولي الصلوات الخمس حق في إقامة العيدين والخسوف والاستسقاء، إلا أن يقلد جميع الصلوات، ويأمر الإمام الناس بصلاة العيد.

стр. 876

وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا، ثُمَّ يَاتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرِاتٍ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآَيِةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيَكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ ــ وهل الأمر واجب أو مستحب؟ وجهان، قال المصنف في (سير) (الروضة): قلت: الأصح الوجوب وإن قلنا: إنها سنة؛ لأن الأمر بالمعروف وهو الطاعة واجب، لا سيما إذا كان شعارا ظاهرا. قال: (وهي ركعتان) بالإجماع. قال: (يحرم بهما) بنية صلاة العيد. هذا أقلها. قال: (ثم يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات. قال: (ثم بسبع تكبيرات)؛ لما روى الدارقطني] ٢/ ٤٨ [وابن ماجه] ١٢٧٩ [والترمذي] ٥٣٦ [: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا)، قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ليس في الباب أصح منه. وعلم من عبارة المصنف .. أن تكبيرة الإحرام ليست من السبعة، وجعلها منها مالك والمزني وأبو ثور. لنا: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الإحرام) رواه أبو داوود] ١١٤٥ [، وهو حجة على أبي حنيفة أيضا حيث قال: يكبر ثلاثا. وتكره الزيادة والنقص عن هذا العدد، فلو صلى خلف من كبر ثلاثا أو ستا .. تابعه في الأظهر؛ لئلا يخالفه. قال: (يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد) روى الطبراني] ٩/ ٣٠٣ [والبيهقي] ٣/ ٢٩٢ [ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا، وأيضا فإن سائر التكبيرات المشروعة في الصلاة يعقبها ذكر مسنون فكذلك هذه التكبيرات. و (التهليل): قول: لا إله إلا الله.

стр. 877

وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَا قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَيِرْفَعُ يَدْيْهِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَسْنَ فرْضًا وَلَا بَعْضاً، ــ و (التمجيد): التسبيح والتشريف والتعظيم، وفي حديث قراءة (الفاتحة): (.. مجدني عبدي ..). ومن أسمائه تعالى: المجيد والماجد وهو: الشريف الذات، الكريم الفعال. وقالت عائشة ﵂: (ناوليني المجيد) أرادت: المصحف، قال تعالى:﴾ بل هو قرءان مجيد ﴿. قال: (ويحسن: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))؛ لأن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات، وهي لائقة بالحال. وقال ابن الصباغ: لو قال ما اعتاده الناس وهو: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا .. كان حسنا أيضا. وقال المسعودي: يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، وجل ثناؤك ولا إله غيرك. قال: (ثم يتعوذ) لاستفتاح القراءة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يتعوذ قبل التكبير. قال: (ويقرأ) أي: الفاتحة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها. قال: (ويكبر في الثانية خمسا قبل القراءة)؛ للحديث السابق. قال: (ويرفع يديه في الجميع)؛ قياسا على غيرها من تكبيرات الصلاة. قال الإمام الشافعي ﵁: فإن تركه في بعضها أو كلها .. كرهت له ذلك ويستحب أن يضع يمينه على يساره بين كل تكبيرتين. قال: (ولسن فرضا ولا بعضا)، فلا تبطل الصلاة بتركهن، ولا يجبرن بالسجود، بل هن من الهيئات كالتعوذ ودعاء الاستفتاح.

стр. 878

وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءِةِ .. فَاتَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأُولَى (قَ)، وَفِي الْثّانِيَةِ (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا ــ وأجمعوا: على أنه يجهر بالتكبير، ويسر الذكر. ولا يأتي بالذكر بعد السابعة والخامسة ولا قبل السبع اتفاقا. قال: (ولو نسيها وشرع في القراءة .. فاتت)؛ لفوات محلها. والتعبير ب (النسيان) يعلم منه: الفوات في العمد من باب أولى- فلو عاد .. لم تبطل صلاته، لكن لو عبر بقوله: لم يتدارك .. كان أولى؛ لأن الفائت قد يقضى. قال: (وفي القديم: يكبر ما لم يركع)؛ لأن محله القيام وهو باق. وإذا أدرك الإمام في أثناء (الفاتحة)، أو بعض التكبيرات، فعلى الجديد .. لا يكبر ما فاته، وعلى القديم .. يكبر. ولو أدركه راكعا .. لم يكبر اتفاقا، ولو أدركه في الثانية .. كبر معه فيها خمسا، ويكبر بعده إذا قام في الثانية خمسا. ولو قضى صلاة العيد .. فقال العجلي: لا يكبر؛ لأن التكبيرات من شعار الوقت وقد فات. ويظهر: أن يأتي فيه الخلاف الآتي عن القاضي فيما إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في غيرها، هل يكبر خلفها. ولو شك في عدد التكبيرات .. أخذ بالأقل. قال: (ويقرأ بعد (الفاتحة) في الأولى (ق)، وفي الثانية (اقتربت) بكمالهما)؛

стр. 879

جَهْراً، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ، ــ لأن النبي ﷺ قرأ بهما فيهما، رواه مسلم] ٨٩١ [من حديث أبي واقد الليثي. وفيه] ٨٧٨ [أيضا من حديث النعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﷺ كان يقرأ ب (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)، وكلاهما سنة. قال: (جهرا) بالإجماع. قال: (ويسن بعدها خطبتان) اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين؛ ففي (الصحيحين)] خ ٩٦٣ - م ٨٨٨ [عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد قبل الخطبة). فلو خطب قبلها .. أساء ولا يعتد بها، وكذا قبل طلوع الشمس قطعا.

стр. 880

أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ، ــ قال: (أركانهما كهي في الجمعة) فيحمد لله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بالتقوى، ويقرأ، ويدعو فيهما، وكذلك في السنن؛ لما روى ابن ماجه] ١٢٩٨ [عن جابر: (أن النبي ﷺ خرج يوم فطر أو أضحى إلى المصلى فخطب قائما، ثم قعد بعده، ثم قام). واقتصاره على ذكر الأركان يشعر بأنه يجوز القعود فيهما وهو كذلك على الأصح؛ لأن النبي ﷺ خطب على بعيره)، وكذلك فعل علي وعثمان والمغيرة ﵃. وقيل: لا بد فيهما من القيام كخطبتي الجمعة. وأفهمت عبارته: أنه لا يشترط فيهما شروط خطبة الجمعة كالطهارة والستر، وقل من تعرض لذلك من الأصحاب، لكنه جزم في آخر (الوضوء) من (شرح المهذب) و (التحقيق) باستحباب الوضوء لخطبة غير الجمعة. وأفهمت عبارة المتولي: اشتراط ذلك؛ فإنه قال: صفتهما في الشرائط كخطبتي الجمعة إلا في القيام. فيؤخذ منه اشتراط الطهارة والستر. ومما يسن أيضا: الجلوس بينهما، والسلام عند صعود المنبر كالجمعة. وهل يجلس قبل الأولى؟ فيه وجهان: الصحيح المنصوص: يجلس كما في خطبة الجمعة، وعن بعضهم: أنه يجلس قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة وهو غلط، وإنما هي جلسة خفيفة بقدر ما يستريح. والثاني: لا يجلس؛ لأنه إنما يجلس في الجمعة ليؤذن المؤذن وذلك مفقود هاهنا. وينبغي: أن يحث في الخطبة على الصدقة؛ إتباعا للنبي ﷺ ، ويفصل بين الخطبتين بالتكبير، ويكثر منه في فصول الخطبة. قال الإمام الشافعي ﵁] أم ١/ ٢٣٩ [: أخبرني الثقة من أهل المدينة: أنه
следующие страницы →