Полный текст (5 377 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا، ثُمَّ يَاتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرِاتٍ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآَيِةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيَكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ
ــ
وهل الأمر واجب أو مستحب؟ وجهان، قال المصنف في (سير) (الروضة): قلت: الأصح الوجوب وإن قلنا: إنها سنة؛ لأن الأمر بالمعروف وهو الطاعة واجب، لا سيما إذا كان شعارا ظاهرا.
قال: (وهي ركعتان) بالإجماع.
قال: (يحرم بهما) بنية صلاة العيد. هذا أقلها.
قال: (ثم يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات.
قال: (ثم بسبع تكبيرات)؛ لما روى الدارقطني] ٢/ ٤٨ [وابن ماجه] ١٢٧٩ [والترمذي] ٥٣٦ [: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا)، قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ليس في الباب أصح منه.
وعلم من عبارة المصنف .. أن تكبيرة الإحرام ليست من السبعة، وجعلها منها مالك والمزني وأبو ثور.
لنا: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الإحرام) رواه أبو داوود] ١١٤٥ [، وهو حجة على أبي حنيفة أيضا حيث قال: يكبر ثلاثا.
وتكره الزيادة والنقص عن هذا العدد، فلو صلى خلف من كبر ثلاثا أو ستا .. تابعه في الأظهر؛ لئلا يخالفه.
قال: (يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد) روى الطبراني] ٩/ ٣٠٣ [والبيهقي] ٣/ ٢٩٢ [ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا، وأيضا فإن سائر التكبيرات المشروعة في الصلاة يعقبها ذكر مسنون فكذلك هذه التكبيرات.
و (التهليل): قول: لا إله إلا الله.
стр. 877
وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَا قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَيِرْفَعُ يَدْيْهِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَسْنَ فرْضًا وَلَا بَعْضاً،
ــ
و (التمجيد): التسبيح والتشريف والتعظيم، وفي حديث قراءة (الفاتحة): (.. مجدني عبدي ..).
ومن أسمائه تعالى: المجيد والماجد وهو: الشريف الذات، الكريم الفعال.
وقالت عائشة ﵂: (ناوليني المجيد) أرادت: المصحف، قال تعالى:﴾ بل هو قرءان مجيد ﴿.
قال: (ويحسن: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))؛ لأن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات، وهي لائقة بالحال.
وقال ابن الصباغ: لو قال ما اعتاده الناس وهو: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا .. كان حسنا أيضا.
وقال المسعودي: يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، وجل ثناؤك ولا إله غيرك.
قال: (ثم يتعوذ) لاستفتاح القراءة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يتعوذ قبل التكبير.
قال: (ويقرأ) أي: الفاتحة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها.
قال: (ويكبر في الثانية خمسا قبل القراءة)؛ للحديث السابق.
قال: (ويرفع يديه في الجميع)؛ قياسا على غيرها من تكبيرات الصلاة.
قال الإمام الشافعي ﵁: فإن تركه في بعضها أو كلها .. كرهت له ذلك ويستحب أن يضع يمينه على يساره بين كل تكبيرتين.
قال: (ولسن فرضا ولا بعضا)، فلا تبطل الصلاة بتركهن، ولا يجبرن بالسجود، بل هن من الهيئات كالتعوذ ودعاء الاستفتاح.
стр. 878
وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءِةِ .. فَاتَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأُولَى (قَ)، وَفِي الْثّانِيَةِ (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا
ــ
وأجمعوا: على أنه يجهر بالتكبير، ويسر الذكر.
ولا يأتي بالذكر بعد السابعة والخامسة ولا قبل السبع اتفاقا.
قال: (ولو نسيها وشرع في القراءة .. فاتت)؛ لفوات محلها.
والتعبير ب (النسيان) يعلم منه: الفوات في العمد من باب أولى- فلو عاد .. لم تبطل صلاته، لكن لو عبر بقوله: لم يتدارك .. كان أولى؛ لأن الفائت قد يقضى.
قال: (وفي القديم: يكبر ما لم يركع)؛ لأن محله القيام وهو باق.
وإذا أدرك الإمام في أثناء (الفاتحة)، أو بعض التكبيرات، فعلى الجديد .. لا يكبر ما فاته، وعلى القديم .. يكبر.
ولو أدركه راكعا .. لم يكبر اتفاقا، ولو أدركه في الثانية .. كبر معه فيها خمسا، ويكبر بعده إذا قام في الثانية خمسا.
ولو قضى صلاة العيد .. فقال العجلي: لا يكبر؛ لأن التكبيرات من شعار الوقت وقد فات.
ويظهر: أن يأتي فيه الخلاف الآتي عن القاضي فيما إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في غيرها، هل يكبر خلفها.
ولو شك في عدد التكبيرات .. أخذ بالأقل.
قال: (ويقرأ بعد (الفاتحة) في الأولى (ق)، وفي الثانية (اقتربت) بكمالهما)؛
стр. 879
جَهْراً، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ،
ــ
لأن النبي ﷺ قرأ بهما فيهما، رواه مسلم] ٨٩١ [من حديث أبي واقد الليثي.
وفيه] ٨٧٨ [أيضا من حديث النعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﷺ كان يقرأ ب (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)، وكلاهما سنة.
قال: (جهرا) بالإجماع.
قال: (ويسن بعدها خطبتان) اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين؛ ففي (الصحيحين)] خ ٩٦٣ - م ٨٨٨ [عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد قبل الخطبة). فلو خطب قبلها .. أساء ولا يعتد بها، وكذا قبل طلوع الشمس قطعا.
стр. 880
أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ،
ــ
قال: (أركانهما كهي في الجمعة) فيحمد لله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بالتقوى، ويقرأ، ويدعو فيهما، وكذلك في السنن؛ لما روى ابن ماجه] ١٢٩٨ [عن جابر: (أن النبي ﷺ خرج يوم فطر أو أضحى إلى المصلى فخطب قائما، ثم قعد بعده، ثم قام).
واقتصاره على ذكر الأركان يشعر بأنه يجوز القعود فيهما وهو كذلك على الأصح؛ لأن النبي ﷺ خطب على بعيره)، وكذلك فعل علي وعثمان والمغيرة ﵃.
وقيل: لا بد فيهما من القيام كخطبتي الجمعة.
وأفهمت عبارته: أنه لا يشترط فيهما شروط خطبة الجمعة كالطهارة والستر، وقل من تعرض لذلك من الأصحاب، لكنه جزم في آخر (الوضوء) من (شرح المهذب) و (التحقيق) باستحباب الوضوء لخطبة غير الجمعة.
وأفهمت عبارة المتولي: اشتراط ذلك؛ فإنه قال: صفتهما في الشرائط كخطبتي الجمعة إلا في القيام. فيؤخذ منه اشتراط الطهارة والستر.
ومما يسن أيضا: الجلوس بينهما، والسلام عند صعود المنبر كالجمعة. وهل يجلس قبل الأولى؟ فيه وجهان:
الصحيح المنصوص: يجلس كما في خطبة الجمعة، وعن بعضهم: أنه يجلس قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة وهو غلط، وإنما هي جلسة خفيفة بقدر ما يستريح.
والثاني: لا يجلس؛ لأنه إنما يجلس في الجمعة ليؤذن المؤذن وذلك مفقود هاهنا.
وينبغي: أن يحث في الخطبة على الصدقة؛ إتباعا للنبي ﷺ ، ويفصل بين الخطبتين بالتكبير، ويكثر منه في فصول الخطبة.
قال الإمام الشافعي ﵁] أم ١/ ٢٣٩ [: أخبرني الثقة من أهل المدينة: أنه
стр. 881
وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ، وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، يَفْتَتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ
ــ
أثبت له كتاب عن أبي هريرة فيه: يكبر الإمام في الخطبة الأولى يوم الفطر ويوم الأضحى إحدى أو ثلاثا وخمسين تكبيرة بين ظهراني الكلام.
وقوله: (كهي) كثيرا ما يستعمله المصنف وغيره من الفقهاء، وهو قليل؛ فإن الكاف لا تجر إلا الظاهر فقط وجرها ضمير الغائب قليل، وسيأتي هذا في (باب الصيال) أيضا، وغيره.
قال: (ويعلمهم في الفطر الفطرة، وفي الأضحى الأضحية) تعليما واضحا يفهمونه، فيذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه؛ لأن ذلك لائق بالحال.
وخطب ﷺ يوم النحر ثم قال: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا .. فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة .. فلا نسك له).
قال: (يفتتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع)؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: إنه من السنة.
قال الإمام الشافعي ﵁: وبقوله نقول.
لكنه ضعيف، ومع ضعفه، لا دلالة فيه؛ لأن عبيد الله تابعي، والتابعي إذا قال: (من السنة) .. فيه وجهان:
أشهرهما: أنه موقوف.
والثاني: مرفوع مرسل.
فإن قلنا بالأول .. فهو قول صحابي لم ينشر فلا حجة فيه على الصحيح، وإن قلنا بالثاني .. فهو مرسل لا يحتج به.
وهذه التكبيرات مقدمة للخطبة لا منها- كذا نص عليه- لأن افتتاح الشيء قد يكون بمقدمته التي ليست منه.
стр. 882
وَلَاءَ. وَيُنْدَبُ: الْغُسْلُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلِ: بِالفَجْرِ. والتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُنُ كَالْجُمُعَةِ
ــ
ولو خطب واحدة، أو ترك الخطبة، أو شيئا منها .. أساء ولا إعادة عليه.
قال: (ولاء) كذا عبر في (الروضة) أيضا، وقال في (شرح المهذب): نسقا، وقال الرافعي: تترى، والجميع متقارب.
قال الشيخ: والتنبيه على الموالاة لا بد منه، وإلا لفات المقصود عند السكوت الطويل.
ولو أدخل بينهما الحمد والتهليل والثناء .. كان حسنا.
قال: (ويندب: الغسل) أي: كالجمعة؛ لما صح في (الموطأ)] ١/ ١٧٧ [أن ابن عمر ﵄ كان يغتسل، وورد عن النبي ﷺ وجماعة من الصحابة بإسناد ضعيف.
قال: (ويدخل وقته بنصف الليل) كما في الأذان للصبح.
قال: (وفي قول: بالفجر) كالجمعة.
وقيل: يجوز في جميع الليل.
قال (والتطيب والتزين كالجمعة)؛ لأنه يوم زينة وإظهار سرور بنعمة الله تعالى.
وأشار المصنف بالتشبيه إلى قوله هناك: (وأن يتزين بأحسن ثيابه، وطيب، وإزالة الظفر والريح).
وروى الحاكم] ٤/ ٢٣٠ [: (أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يلبسوا في
стр. 883
وَفِعْلُهَا بِالمَسْجِدِ أَفْضَلُ،
ــ
العيد أجود ما يجدون، وأن يتطيبوا بأجود ما يجدون)، لكن في سنده رجل مجهول.
و (كان النبي ﷺ يلبس في العيدين برد حبرة ويتعمم).
ويستوي- في استحباب الطيب والزينة، وإزالة الشعر والظفر والرائحة الكريهة- الخارج إلى الصلاة، والقاعد في بيته، والمسافر.
وأفضل الألوان البياض، قال ابن الصلاح: وفي جعل الأبيض من الزينة نظر. فإن استوى اثنان في الحسن والنفاسة .. فالأبيض أفضل، فإن كان الحسن ليس بأبيض .. فهو أفضل من الأبيض، فإن لم يجد إلا ثوبا .. استحب أن يغسله للجمعة والعيد، واستحباب ذلك للإمام أكثر؛ لأنه منظور إليه ومقتدى به.
وهذا في غير النساء، فهن يلبسن ثيابا قصدا من البياض أو غيره، ويكره لهن ثياب الزينة؛ لقوله ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات) - أي: غير عطرات- رواه مسلم] ٤٤٢ [.
ويكره لهن الشهرة من الثياب والتطيب.
قال: (وفعلها بالمسجد أفضل)؛ لأن المساجد خير البقاع وأشرفها وأنظفها، ولأن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة في المسجد الحرام، وهذا إذا اتسع كالمسجد الحرام وبيت المقدس، وإلا .. فالصحراء أفضل؛ لأن النبي ﷺ صلى في الصحراء لضيق مسجده، فلو صلى الإمام بهم في هذه الحالة في المسجد .. كره للمشقة عليهم.
стр. 884
وَقِيلَ: بِالصَّحْرَاءِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ. وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقِ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى
ــ
قال: (وقيل: بالصحراء)؛ تأسيا به ﷺ .
وعلى هذا: يستثنى المسجد الحرام؛ لأنه حاز شرف البقعة مع سعة الخطة، وألحق به الأكثرون بيت المقدس للفضل والسعة.
قال: (إلا لعذر) كوحل أو مطر أو خوف وشبهه، فعند ذلك لا خلاف أن المسجد أفضل؛ لما روى أبو داوود] ١١٥٣ [والترمذي والحاكم] ١/ ٢٩٥ [عن أبي هريرة ﵁ قال: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد).
قال: (ويستخلف من يصلي بالضعفة) كالزمنى والمرضى؛ لأن عليا ﵁ استخلف أبا مسعود الأنصاري ليصلي بالضعفة من الناس في المسجد، رواه الإمام الشافعي ﵁ بإسناد صحيح، ولأن فيه حيازة فضيلة الصلاة بهم.
وقال في (الأم): يأمره أن يخطب بهم، فإن لم يأمره .. لم يخطب.
وكذلك في الكسوف تكره الخطبة بغير أمره.
فرع:
قال في (الأم): أكره للمساكين إذا حضروا العيد المسألة في حال الخطبتين، بل يكفوا عنها حتى يفرغ الإمام، فإن سألوا .. فلا شيء عليهم إلا ترك الأفضل في الاستماع.
قال: (ويذهب في طريق ويرجع في أخرى)؛ لقول جابر ﵁: (كان النبي ﷺ يفعل ذلك في العيد) رواه البخاري] ٩٨٦ [وغيره.
واختلف في سبب ذلك على أقوال:
أظهرها: أنه كان يتوخى أطول الطريقين في الذهاب؛ تكثيرا للأجر.
وقيل: ليتبرك به أهل الطريقين، وقيل: ليستفتى فيهما، وقيل: ليتصدق على
стр. 885
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ. وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلَاتِهِ وَيُعَجِّلُ فِي الأَضْحَى
ــ
فقرائهما، وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما، وقيل: ليشهد له الطريقان، وقيل: ليزداد غيظ المنافقين به، وقيل: خوفا من مكائدهم، وقيل: ما من طريق مر بها إلا فاحت فيها رائحة المسك، وقيل: ليساوي بين الأوس والخزرج في المرور؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بمروره عليهم، وقيل: تفاؤلا بتغير الحال إلى المغفرة والرضا كما حول رداءه في الاستسقاء، وقيل: فعل ذلك ليخف الزحام، واختاره الشيخ أو حامد وابن الصلاح؛ لوروده في رواية.
ويستوي في هذه السنة الإمام وغيره، قاله في (الأم).
وإذا لم يعلم السبب .. استحب التأسي قطعا.
وقال المصنف في (رياض الصالحين): إن ذلك يجري في الجمعة والحج وعبادة المريض وسائر العبادات.
وقول الإمام: أن الرجوع ليس بقربة غلط، بل الأجر حاصل في الذهاب والإياب؛ لما تقدم في (صلاة الجمعة) عند قول المصنف: (والتبكير إليها ماشيا بسكينة).
قال: (ويبكر الناس)؛ ليحصل لهم القرب من الإمام، وفضيلة انتظار الصلاة.
قال: (ويحضر الإمام وقت صلاته)؛ لما روى الإمام الشافعي ﵁] أم ١/ ٢٣٢ [عن الثقة: أن الحسن ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يغدو إلى العيدين في الأضحى والفكر حين تطلع الشمس ويتم طلوعها، فأول شيء يبدأ به الصلاة).
قال: (ويعجل في الأضحى)؛ ليتسع الوقت للتضحية والتفرقة، بخلاف عيد الفطر فإنه يؤخر فيه؛ توسعا لوقت الاستحباب في زكاة الفطر، فإن المستحب إخراجها قبل الصلاة، ولأن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم حين ولاه البحرين: (أن عجل الأضحى وأخر الفطر)، إلا أنه مرسل كما قاله البيهقي] ٣/ ٢٨٢ [.
стр. 886
قُلْتُ: وِيَاكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُمْسِكُ فِي الأَضْحَى. وَيَذْهَبُ مَاشِيَاً بِسَكِينَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (قلت: ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى)؛ لما روى البخاري] ٩٥٣ [عن أنس: (أن النبي ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل ثمرات، ويأكلهن وترا).
وروى الترمذي] ٥٤٢ [وابن ماجه] ١٧٥٦ [والحاكم] ١/ ٢٩٤ [عن بريدة بن الحصيب قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسكه).
قال الإمام الشافعي ﵁: فإن لم يطعم في بيته .. ففي الطريق أو المصلى إن أمكن.
والحكمة في ذلك: أن يتميز يوم الفطر عما قبله الذي يحرم فيه الأكل.
قال: (ويذهب ماشيا بسكينة)، ففي ابن ماجة] ١٢٩٤: [(أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشيا).
ولا باس أن يركب في الرجوع- إذا لم يتضرر به أحد- لأن الرجوع وإن كان يثاب عليه إلا أنه ليس في تلك الحال قاصدا إلى قربة.
قال: (ولا يكره النفل قبلها لغير الإمام والله أعلم)؛ لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، وروى البيهقي] ٣/ ٣٠٣ [عن أنس وغيره: (أنهم كانوا يتنفلون قبل خروج الإمام). وكذا لا يكره بعدها إذا لم يسمع الخطبة.
أما الإمام فيكره له التنفل قبل وبعد؛ لما روى الشيخان] خ ٩٦٤ - م ٨٨٤/ ١٣ [: (أن النبي ﷺ كان لا يفعل ذلك).
والسبب فيه: أن وظيفته بعد الحضور صلاة العيد، وبعد الصلاة الخطبة.
فرع:
إذا فرغ من الخطبة، ثم علم أن قوما فاتهم سماع الخطبة .. استحب أن يعيدها لهم؛ لما روى ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ صلى
стр. 887
فَصْلٌ:
يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ
ــ
وخطب، فلما فرغ .. رأى أنه لم يسمع النساء، فجاء إليهن ومعه بلال فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة)، وليس ذلك متأكدا فإن النبي ﷺ فعله مرة وتركه أكثر.
تتمة:
قال القمولي: لم أر لأحد من أصحابنا كلاما في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي: أنه سئل عن ذلك، فأجاب بأن الناس لن يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه: أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة.
وفي (جامع البيان والتحصيل) عن مالك أنه قال: لا يكره.
وقال ابن حبيب في (الموضحة): لا أعرفه ولا أنكره.
قال: (فصل:
يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل والطرق والمساجد والأسواق) هذا يسمى التكبير المرسل والمطلق، ودليل استحبابه في عيد الفطر قوله تعالى:﴾ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴿.
قال الإمام الشافعي ﵁: سمعت من أرضاه من العلماء بالقرآن يقول: المراد ب (العدة) عدة الصوم، و (التكبير) عند الإكمال.
قال المحب الطبري: حمل (الواو) هنا على الترتيب متفق عليه.
قال البيهقي] ٣/ ٢٧٩ [: وصح عن ابن عمر ﵄ أنه كان يكبر ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى.
стр. 888
بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وِالأَظْهَرُ: إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى، بَلْ يُلَبِّي، وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ،
ــ
وأما عيد الأضحى .. فبالقياس عليه.
والجديد: أن تكبير ليلة الفطر آكد من ليلة الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، والقديم: عكسه.
قال: (برفع الصوت) قياسا على التلبية للحاج والمعتمر، واستثنى الرافعي المرأة، وغيره الخنثى أيضا. ويتأكد عند ازدحام الناس ليوافقوه إذا سمعوه.
و (الأسواق): جمع سوق يذكر ويؤنث. سميت سوقا؛ لقيام الناس فيها على سوقهم، وهي أبغض البقاع إلى الله، وبها ينصب الشيطان رايته، وبها باض وفرخ، وسيأتي فيه أثر آخر في (كتاب الشهادات).
قال: (والأظهر: إدامته حتى يحرم الإمام بصلاة العيد)؛ لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية، وذكر الله أولى ما يقع به الاشتغال فإنه ذكر الله وشعار اليوم.
والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة.
والثالث: إلى فراغه من الصلاة.
والرابع: إلى فراغ الخطبة. والأخيران قديمان.
قال: (ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبى)؛ لأنها ذكره.
قال: (ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح)؛ لأنه لم ينقل.
وهذا النوع يسمى: التكبير المقيد؛ لأنه يقتصر به على أدبار الصلوات.
والثاني: يسن كالأضحى، فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح، واختاره المصنف في (الأذكار)، وهو مذهب أهل العراق، وعليه العمل بالاتفاق.
قال: (ويكبر الحاج من ظهر النحر)؛ لقوله تعالى:﴾ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ﴿، والمناسك تقضى يوم النحر ضحوة، وأول صلاة تلقاهم الظهر.
стр. 889
وَيَخْتِمُ بَصُبْحِ آَخِرِ التَّشْرِيقِ، وَغَيْرُهُ كَهُوَ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا
ــ
قال: (ويختم بصبح آخر التشريق)؛ لأنه آخر صلاة يصليها الحاج بمنى، والناس تبع لهم.
والسنة لهم: أن يرموا في اليوم الثالث بعد الزوال وهم ركبان، ولا يصلون الظهر بمنى بل بعد نفرهم منها.
و (أيام التشريق): الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
سميت بذلك لتشريق اللحم بها- وهو: نشره- وقيل: من قولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
قال: (وغيره كهو في الأظهر)؛ لأن الناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر كما تقرر، ولإطلاق حديث مسلم] ١١٤٢ [: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله).
وقوله: (كهو) تقدم الكلام عليه قريبا.
قال: (وفي قول: من مغرب ليلة النحر، وفي قول: من صبح) يوم (عرفة ويختم بعصر آخر) أيام (التشريق، والعمل على هذا)؛ لما روى الحاكم] ١/ ٢٩٩ [عن علي وعثمان قالا: (كان النبي ﷺ يجهر في المكتوبات بـ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ويقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، لا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح.
وصح من فعل عمر وعلي، فلذلك اختاره المصنف في (شرح المهذب) و (التصحيح)، وصححه في (الأذكار)، ونسبه في زوائد (الروضة) إلى المحققين.
стр. 890
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ
ــ
قال: (والأظهر: أنه يكبر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والنافلة)؛ لأن التكبير شعار للوقت، والنافلة تشبه الفريضة.
والقول الثاني- وبه قال الأئمة الثلاثة-: يختص التكبير بالفرائض المفعولة في هذه الأيام، سواء كانت مؤداة أو فائتة، كالأذان والإقامة.
والثالث: بفرائضها فقط.
والرابع: بفرائضها وسننها الراتبة؛ لتآكدها.
واحترز بقوله: (هذه الأيام) عما لو فاتته صلاة منها فقضاها في غيرها .. فإنه لا يكبر عقبها بالاتفاق.
والمنذورة كالنافلة، وكذلك العيد والكسوف والاستسقاء.
والأصح: أنه يكبر خلف الجنازة، وقيل: لا؛ لأن مبناها على التخفيف.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، والحاضر والمسافر، والمنفرد والمصلي جماعة.
فلو نسي التكبيرات .. أتى بها إن قرب الفصل، وكذا إن طال في الأصح.
كل هذا في التكبير الذي يرفع به الصوت ويجعله شعارا، ما لو استغرق عمره بالتكبير في نفسه .. فلا منع.
فلو كبر الإمام على خلاف اعتقاد المأموم .. فالأصح: اعتبار اعتقاد نفسه، بخلاف تكبير نفس الصلاة.
قال: (وصيغته المحبوبة: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)) كذا ورد عن جابر وابن عباس ﵄.
وفي القديم: يكبر مرتين.
стр. 891
لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ: (كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً). وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ .. أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ. وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ .. لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ،
ــ
قال: (... لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)؛ اتباعا للسلف الصالح.
قال: (ويستحب أن يزيد: (كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا)) كما قاله النبي ﷺ على الصفا.
والصواب زيادة التكبير أيضا، فيكون التكبير أربعا.
قال الإمام الشافعي ﵁: وما زاد من ذكر الله فهو حسن- قال- ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
قال في (شرح مسلم): قوله ﵊: (الله أكبر كبيرا) قيل: هو على إضمار فعل؛ أي: كبرت تكبيرا، وقيل: على القطع، وقيل: على التمييز.
و (البكرة): الغدوة: والجمع: بكر.
و (الأصيل): من العصر إلى المغرب، وجمعه: أصل وآصال وأصلان.
قال: (لو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية).
لو قال: (شهدا) بالتثنية ... كان أولى من (واو) الجمع.
قال: (.. أفطرنا وصلينا العيد) أداء؛ لبقاء الوقت. هذا إذا بقي ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة، وإلا .. فكما لو شهدوا بعد الزوال.
قال: (وإن شهدوا بعد الغروب .. لم تقبل الشهادة)؛ لأن شوالا قد دخل وصوم ثلاثين قد تم، فلا فائدة في شهادتهم إلا المنع من صلاة العيد.
هذا بالنسبة إلى الصلاة خاصة، أما الحقوق والأحكام المتعلقة بالهلال كالتعليق
стр. 892
أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالغُرُوبِ .. أَفْطَرْنَا وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءٌ
ــ
والعدوة والإجارة والعتق وغيرها .. فتثبت قطعا.
أما بالنسبة إلى الصلاة .. فلا تثبت وتصلى من الغد أداء بلا خلاف؛ لما روى الترمذي] ٨٠٢ [- بإسناد صحيح- أن النبي ﷺ قال: (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس).
قال الأصحاب: ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا، إنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، وكذلك يوم النحر. ويوم عرفة هو اليوم الذي يظهر للناس؛ لأن العباد إنما كلفوا بالظاهر، لا بما في نفس الأمر.
قال: (أو بين الزوال والغروب .. أفطرنا وفاتت الصلاة)؛ لخروج وقتها بالزوال.
هذا هو المذهب ويقابله قوله: (وقيل في قول: تصلى من الغد أداء) ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالفوات.
والثاني: قولان.
وفي (سنن أبي داوود)] ١١٥٠ [و (ابن حبان)] ٣٤٥٦ [: (أن ركبا جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا .. يغدون إلى مصلاهم).
وحكى قول: أنها لا تفوت ويصلون من الغد أداء لظاهر الحديث.
قال: (ويشرع قضاؤها متى شاء في الأظهر) هذه مكررة تقدمت في قوله: (ولو فات النقل المؤقت .. ندب قضاؤه في الأظهر)؛ والقضاء في باقي اليوم أولى على الأصح مبادرة إلى العبادة وتقريبا لها من وقتها.
والثاني: الأولى التأخير إلى الغد؛ لأن اجتماع الناس فيه أسهل.
قال: (وقيل: في قول: تصلى من الغد أداء)؛ لأن الغلط في الهلال كثير، فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، ويؤيده صحة الوقوف في العاشر غلطا.
وأشار بقوله: (وقيل: في قول) إلى الطريقتين المتقدمتين في قوله: (وفاتت الصلاة)، ولو ذكره عقبه .. كان أولى.
стр. 893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
شهد شاهدان قبل الغروب ولكن عدلا بعده .. فالعبرة بوقت التعديل في الأظهر؛ لأنه وقت جواز الحكم.
وعلى هذا: فيصلون من الغد أداء كما تقدم.
والثاني: أن الاعتبار بوقت الشهادة؛ لأن التعديل مستند إليها.
...
خاتمة
يستحب إحياء ليلتي العيد؛ لقوله ﷺ : (من أحيا ليلتي العيد .. أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب) رواه الدارقطني في (علله) قال: والمحفوظ وقفه على مكحول، ورواه ابن ماجه] ١٧٨٢ [عن أبي أمامة مرفوعا بعنعنة بقية. واختلفوا في معناه.
فقيل: لا يشغف بحب الدنيا؛ لأنه موت قال ﵊: (لا تدخلوا على هؤلاء الموتى، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الأغنياء).
وقيل: يأمن من سوء الخاتمة، قال الله تعالى:﴾ أو من كان ميتا فأحييناه ﴿أي: كافرا فهديناه.
стр. 894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في (الروضة): ويحصل ذلك بمعظم الليل. وعن ابن عباس ﵄: (أنه يحصل بأن يصلي العشاء والصبح في جماعة).
وروى ابن ماجه في (سننه)] ١٣٠٢ [من حديث عياض الأشعري: (أن النبي ﷺ كان يأمر بالتقليس في العيدين) وهو: الضرب بالطبل والدف ونحوهما؛ لأنه من شعار الإسلام.
***
стр. 895
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَ يْنِ
هِيَ سُنَّةٌ،
ــ
باب صلاة الكسوف
(الكسوف والخسوف) قيل: مترادفان، يقال: كسفت الشمس والقمر إذا ذهب ضوءهما، وانكسفا وانخسفا وخسفا.
وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وصححه الجوهري.
فعلى هذا: يكون التبويب لأحدهما، وخص بالشمس؛ لأنها أشهرهما، أو لأن المصنف يرى أنه يطلق عليهما.
وقيل: الكسوف أول ذهاب الضوء، والخسوف آخره، واللفظان مأخوذان من قولهم: فلان كاسف الحال أي: متغيره.
وأصل الباب قبل الإجماع: قوله تعالى:﴾ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ﴿، أي: عند كسوفهما؛ لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما؛ لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضا، فلا معنى لتخصيصهما بالنهي.
قال: (هي سنة) سواء وقع ذلك في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أو غيرها؛ لقوله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك .. فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
ويكره تركها، وإنما لم تجب لقوله ﷺ لما سأله الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).
وفي (الحاوي) في صلاة التطوع وجه: أنها فرض كفاية، وجزم به الخفاف في (الخصال) قبيل (الزكاة).
стр. 896
فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الفَاتِحةَ) وِيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رِكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلَّي ثَانِيَةٌ كَذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ
ــ
والمخاطب بها: المخاطب بالصلوات الخمس.
وتستحب للنساء ذوات الهيئات في بيوتهن، وغير ذوات الهيئات مع الإمام، وإذا صلين في بيوتهن .. لا يستحب لهن الخطبة، فلو ذكرتهن إحداهن .. كان حسنا.
قال: (فيحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ (الفاتحة) ويركع، ثم يرفع ثم يقرأ (الفاتحة) ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) أي: ثم يسلم فهذه ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، ويقرأ (الفاتحة) في كل قيام، ويسجد سجدتين في كل ركعة كغيرها من الصلوات.
وهذه الكيفية رواها البخاري] ١٠٥٢ [ومسلم] ٩٠٧ [من رواية ابن عمر إلا أنهما لم يصرحا بقراءة (الفاتحة) في كل ركعة.
لكن في ذكره النية نوع تكرار؛ لأنه ذكرها في (صفة الصلاة)، ولهذا أهمل ذكرها في (صلاة العيد) و (الاستسقاء).
والذي ذكره المصنف هو الأقل في كيفيتها، ومقتضاه: أنه لا يجوز الاقتصار على ركوع واحد في كل ركعة كصلاة الصبح، وهذا هو الصحيح في (الروضة) و (المهمات).
والذي وقع في (شرح المهذب) من استحباب الركوع الثاني، وأنه لو اقتصر على ركوع واحد كسنة الظهر .. صحت وكان تاركا للأفضل .. خلاف الصحيح.
قال: (ولا يجوز زيادة ركوع ثالث لتمادي الكسوف، ولا نقصه للانجلاء في الأصح) كغيرها من الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها.
والثاني- وبه قال أحمد وابن خزيمة وابن المنذر والخطابي والصبغي-: تجوز الزيادة حتى تنجلي؛ جمعا بين الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ صلى ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وروى: (أربعة) أخرجهما مسلم] ٩٠١/ ٦ [] ٩٠٨ [، وروى: (خمسة) أخرجها أحمد] ٥/ ١٣٤ [وأبو داوود] ١١٧٥ [والحاكم] ١/ ٣٣٣ [.
стр. 897
وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الفَاتِحَةِ): (الْبَقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وفَي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابعِ: مِئةٍ تَقْرِيباً
ــ
وقال الإمام الشافعي ﵁: إذا صح الحديث .. فهو مذهبي، واعتذر جمهور الأصحاب عن ذلك بأن أحاديث الركوعين أشهر وأصح، وهي في (الصحيحين).
قال الشيخ: ولا يصح الاعتذار بذلك إلا إذا كانت الواقعة واحدة واختلف الرواة فيها، أما إذا كانت وقائع فلا تعارض.
والوجهان في النقص للانجلاء بنوهما على الوجهين في الزيادة.
وقول المصنف: (ولا نقصه) أي: ولا نقص الركوع الثاني، ولا يمكن عوده على المذكور في الكلام فإنه الثالث، ولو حذف لفظة (ثالث) .. كان أخصر وأصوب، ثم إن الخلاف لا يختص بزيادة الثالث، بل الرابع والخامس كذلك، أما الزائد على الخامس .. فممنوع جزما؛ لأن المروي في الأحاديث زيادة الرابع والخامس فقط.
قال: (والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد (الفاتحة) (البقرة))؛ لما روى مسلم] ٩٠٧ [: (أن النبي ﷺ قام في الأولى قياما طويلا قدر (سورة البقرة)، وقالت عائشة ﵂: (حرزت قيامه الأول بقدر (سورة البقرة)).
والمراد: إذا كان يحسنها، فإن لم يحسنها .. قرأ قدرها.
قال: (وفي الثاني كمئتي آية منها، وفي الثالث مئة وخمسين، و) في (الرابع مئة تقريبا)؛ لما روى البخاري] ١٠٥٢ [عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ طول الأول على الثاني، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع).
والذي ذكره المصنف هو نص (الأم) و (البويطي)، ونص في موضع آخر منه: أنه يقرأ في الثاني نحو (آل عمران)، وفي الثالث نحو (سورة النساء)، وفي الرابع
стр. 898
وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنْ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيباً،
ــ
نحو (سورة المائدة)، وليس ذلك باختلاف وإنما هو للتقريب.
والمعتبر في الآيات: الوسط، لا الطول كآية الدين.
فائدة:
(سورة البقرة) فساط القرآن وسنامه ولبابه، تعلمها عمر ﵁ بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ثمان سنين.
قال ابن العربي: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر، أخذها بركة، وتركها حسرة، لا تستطيعها البطلة- وهم: السحرة- لمجيئهم بالباطل، إذا قرئت في بيت .. لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام.
قال: (ويسبح في الركوع الأول قدر مئة) آية (من (البقرة)، وفي الثاني) قدر (ثمانين، و) في (الثالث سبعين، والرابع خمسين تقريبا)؛ لما روى مسلم] ٩٠١/ ٣ [عن عائشة: (أن النبي ﷺ قام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر وركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر وركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخيرة مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف).
وإنما كانت تقريبا؛ لعدم ورود تقدير فيه من الشارع.
وقوله: (سبعين) هو بتقديم السين، ووقع في (التنبيه) بتقديم التاء على السين، وقيل: بقدر ثمانين، وقيل: خمس وثمانين، وقيل: ما بين الثمانين إلى التسعين.
والصواب: أنه يقول في الاعتدال عن كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، كما في حديث عائشة المتقدم، وبه صرح في (الشرح) و (الروضة).
стр. 899
وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي (الصَحِيحَيْنِ) وَنَصَّ فِي (الْبُوَيْطِيِّ): أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وقال الماوردي: لا يقول ذلك في الرفع الأول، بل يرفع مكبرا؛ لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في (المنهاج) عنه بالرفع، وفي الثاني بالاعتدال.
قال: (ولا يطول السجدات في الأصح)، كما لا يطول الاعتدال من الركوع الثاني والجلوس بين السجدتين والتشهد، ولو عبر بالأظهر كما في (الروضة) .. كان أحسن.
قال: (قلت: الصحيح: تطويلها ثبت في (الصحيحين)] خ ١٠٥١ - م ٩١٠ [) من حديث ابن عمرو ﵄.
قال: (ونص في (البويطي): أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها والله أعلم) هو كما قال، وبه قال ابن سريج وابن المنذر والخطابي وقال: إنه مذهب الإمام الشافعي ﵁ والبندنيجي والبغوي، ولا يعرف للشافعي نص يخالفه وينبغي القطع به.
و (البويطي): نسبة إلى بويط قرية من صعيد مصر الأدنى، وهو أبو يعقوب، يوسف بن يحيى، وكان من أجل أصحاب الإمام الشافعي ﵁ وخليفته بعده في حلقته، مات في السجن والقيد ببغداد، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقيل: سنة إحدى، وامتحن ليقول بخلق القرآن فثبته الله بالقول الثابت، وكان لسانه لا يزال رطبا بذكر الله .
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر عبارته: أنه لا يطيل الجلوس بين السجدتين، وبه جزم البغوي والغزالي.
стр. 900
وَتُسَنُّ جَمَاعَةٌ. وَيَجْهَرُ بَقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ
ــ
قال المصنف: وصح: (أن النبي ﷺ سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع).
وصرح في (الأذكار) باختبار إطالته، بل في (صحيح مسلم)] ٩٠٤ [من حديث جابر: تطويل الاعتدال الثاني ظاهره: أنه لا فرق بين أن يرضى المأمومون بالتطويل أم لا، وفيه نظر.
ويحتمل أن يحتمل هذا التطويل لندرة هذه الصلاة وهو بعيد، ثم إن التطويل إنما يشرع إذا لم يضق وقت الحاضرة كما سيأتي.
قال: (وتسن جماعة) كما صلاها النبي ﷺ ، وقيل: الجماعة شرط فيها، وقيل: لا تقام إلا جماعة واحدة كالجمعة، وهما شاذان. ويستحب أن ينادى لها: (الصلاة جامعة).
قال: (ويجهر بقراءة كسوف القمر) بالإجماع.
قال: (لا الشمس)؛ لما روى الترمذي] ٥٦٢ [وابن حبان] ٢٨٥١ [والحاكم] ١/ ٣٣٤ [- وقال: على شرط الشيخين- عن سمرة ﵁ أنه قال: (صلى بنا النبي ﷺ في كسوف، فلم نسمع له صوتا).
وقال ابن المنذر: يجهر.
وقال الخطابي: الذي يأتي على مذهب الإمام الشافعي الجهر؛ لما روت عائشة: (أن النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة) متفق عليه] خ ١٠٦٥ - م ٩٠١/ ٥ [.
وأجاب بعضهم- عن حديثها- بأن في بعض طرفه أنها قالت: (حزرت قراءة النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه لم يجهر إلا أنه كان يظهر الآية أحيانا.
стр. 901
ثٌمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانَهِمَا فِي الجُمُعَةِ، وَيَحُثُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ .. أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (ثم يخطب الإمام)؛ لما روى الشيخان] خ ١٠٤٤ - م٩٠١ [عن عائشة: (أنه ﷺ لما فرغ من صلاته .. خطب).
وأشار بقوله: (الإمام) إلى أن المنفرد لا يخطب وهو كذلك.
قال: (خطبتين بأركانهما في الجمعة) قياسا عليها، والخطبتان سنة لا شرط لصحة الصلاة.
والمنصوص: أن الخطبة الواحدة مجزئة في ذلك.
قال: (ويحث على التوبة والخير) وكذلك الصدقة، والإعتاق كما رواه البخاري] ١٠٥٤ [عن أسماء بنت أبي بكر.
قال: (ومن أدرك الإمام في ركوع أول .. أدرك الركعة)؛ لأنه الأصل وما بعده تابع له.
قال: (أو في ثان، أو قيام ثان .. فلا في الأظهر)، كما لو أدرك الاعتدال في سائر الصلوات.
والقول الثاني: أنه يصير بإدراك الركوع الثاني مدركا للقومة التي قبله.
فعلى هذا: إذا أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى .. قام بعد سلام الإمام وقرأ وركع واعتدل وجلس وتشهد وتحلل، ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا أثر في إدراك القيام الذي قبله .. كان السجود الذي بعده محسوبا بطريقة أولى.
وإن كان في الثانية .. فيأتي مع ما ذكرناه بالركعة الثانية كاملة.
هذا هو المقابل لقول المصنف: (الأظهر)، ولا يفهم ذلك من الكتاب. ولا خلاف أنه لا يكون مدركا للركعة بجملتها.
стр. 902
وَتَفُوتُ صَلَاةُ الشَّمْسِ بِالانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةٌ، وَالْقَمَرِ بِالانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، وَلَا بغُرُوبِهِ خَاسِفًا
ــ
قال: (وتفوت صلاة الشمس بالانجلاء)؛ لحصول المقصود؛ لقوله ﷺ : (فإذا رأيتم ذلك) أي: الكسوف (.. فادعوا الله تعالى وصلوا حتى ينكشف ما بكم)، فجعل الكسوف سببها، والتجلي غايتها، وذلك يفيد التأقيت.
والمراد بـ (الانجلاء): أن ينجلي جميع ما انكسف، وبـ (الفوات): امتناع الفعل، لا تتميم الأداء.
وقد أرشد إلى عدم القضاء في (باب صلاة النفل) حيث قيد القضاء بالنفل المؤقت؛ ليخرج ذات السبب.
فلو انجلى بعض المنكسف .. فالوقت باق؛ لأن ما بقى لو انكسف لا غير .. شرعت له الجماعة.
ولو جللتها غمامة وهي كاسفة .. صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف.
قال: (وبغروبها كاسفة)؛ لأن الانتفاع بها يبطل بغروبها؛ لزوال سلطانها.
قال: (والقمر بالانجلاء)؛ لحصول المقصود.
قال: (وطلوع الشمس)؛ لعدم الانتفاع بضوئه.
قال: (لا الفجر في الجديد)؛ لبقاء الظلمة.
والقديم: تفوت بطلوع الفجر؛ لذهاب سلطانه وهو الليل.
قال: (ولا بغروبه خاسفا)؛ لبقاء محل سلطانه وهو الليل.
فإن قيل: القمر لا يخسف إلا في ليال التمام غالبا، فهو يبقى إلى طلوع الفجر .. فجوابه ما سيأتي في اجتماع عيد وكسوف.
وسكوت المصنف عن الخطبة يقتضي: أنه يخطب لخسوفهما وإن غابا وهو كذلك؛ لأن المقصود بالخطبة الوعظ فجاز بعد زوال العارض بخلاف الصلاة، قاله في (شرح مسلم) و (الكفاية).
стр. 903
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آَخَرُ .. قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلاَّ .. فَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمَعِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ .. قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ
ــ
وفي (الصحيح) [خ١٠٤٤ - م٩٠١]: (أن خطبة النبي ﷺ إنما كانت بعد التجلي).
ولا يعمل في الكسوف بقول المنجمين، فلو أخبروا به ثم حصل عارض غيم .. لم يصل له.
قال: (ولو اجتمع كسوف وجمعة أو فرض آخر .. قدم الفرض إن خيف فوته)؛ لأنه أهم، فيخطب للجمعة ثم يصليها، ثم يصلي للكسوف ثم يخطب له.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يخف فوت الفرض (.. فالأظهر: تقديم الكسوف)؛ لأنه يخاف فوته ولا يخاف فوت الفرض.
وعلى هذا: يخفف فيقرأ في كل قيام بـ (الفاتحة) و (سورة الإخلاص) نص عليه.
والقول الثاني: يقدم الفرض؛ لتحتمه.
قال: (ثم يخطب للجمعة متعرضًا للكسوف، ثم يصلي الجمعة)، ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الجمعة والكسوف؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف فإنه يقصدهما جميعًا بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.
قال المصنف: كذا قالوه وفيه نظر؛ لأن السنتين إذا لم تتداخلا .. لا يصح أن ينويهما بصلاة واحدة، ولهذا لو نوى بركعتين صلاة الضحى وقضاء سنة الصبح .. لم تنعقد صلاته، ولو ضم إلى فرض أو نفل تحية المسجد .. لم يضر؛ لأنها تحصل ضمنًا فلا يضر ذكرها.
قال: (ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت الجنازة)؛ لما يخشى من حدوث التغير للميت. هذا إذا حضرت وحضر الولي، فإن لم تحضر بعد، أو
стр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حضرت ولم يحضر الولي .. أفرد الإمام جماعة ينتظرونها واشتغل هو بغيرها.
ولو حضرت جنازة وجمعة ولم يضق الوقت .. قدمت الجنازة، وإن ضاق .. قدمت الجمعة على المذهب.
وقال الشيخ أبو محمد: تقدم الجنازة؛ لأن للجمعة بدلًا.
ورد المصنف عليه بأنها- وإن كان لها بدل- لا يجوز إخراجها عن وقتها عمدًا.
قال الشيخ: وقد أطلق الأصحاب تقديم الجنازة على الجمعة في أول الوقت ولم يبينوا هل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب؟ وتعليلهم يقتضي: الوجوب.
قال: وقد جرت عادة الناس في هذا الزمان بتأخير الجنازة إلى بعد الجمعة، فينبغي التحذير عن ذلك.
وقد حكى لي ابن الرفعة: أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام لما ولي الخطابة بجامع مصر .. كان يصلي على الجنائز قبل الجمعة، ويفتي الحمالين بسقوط الجمعة عنهم ليذهبوا بها.
تتمة:
فهم من كلامه .. أن ما سوى الخسوف والكسوف من الزلازل والصواعق والرياح لا يصلى لها جماعة كما صرح به المتولي وغيره؛ لأن عمر ﵁ ظهرت الزلزلة في زمنه فلم يصل لها.
قال الإمام الشافعي ﵁: وآمر بالصلاة منفردين.
ويستحب أن يدعو ويتضرعوا.
وروى الإمام الشافعي ﵀ [أم ٧/ ١٦٨] عن علي ﵁: أنه صلى في
стр. 905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زلزلة جماعة، ثم قال: إن صح .. قلت به، قال الماوردي: وإلى الآن لم يصح.
* * *
خاتمة
اعترض على الفقهاء في تصوير اجتماع العيد والكسوف؛ لأن الكسوف لا يكون إلا في سرر الشهر.
والجواب: أن الله على كل شيء قدير، وأن ذلك وقع: (يوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ ، فإنه كان يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول) رواه الزبير بن بكار، ويوم قتل الحسين حتى ظهرت الكواكب وكان يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.
وأيضًا ذلك فرض ولا يلزم منه الوقوع، كفرضهم ألف جدة ونحو ذلك، ويجوز أن يقع العبد في التاسع والثامن والعشرين بسبب توارد شهادات كاذبة بنقص رجب وشعبان، وهما كاملان.
* * *
стр. 906
بَابُ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ
هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ،
ــ
باب صلاة الاستسقاء
(الاستسقاء): طلب السقيا من الله عند الحاجة إليها تقول: استعطى واستخرج أي: طلب العطاء والخراج.
وسقى وأسقى بمعنى، قال تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورا﴾، وقال تعالى: ﴿لأسقيناهم ماء غدقا﴾، ويقال: سقى إذا ناوله ماء ليشرب، وأسقى إذا أعد له سقيًا، ويقال: سقيته لنفسه وأسقيته لماشيته وأرضه.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾ الآية، و (استسقى النبي ﷺ ، وكذلك الأئمة من بعده، ومن السنة أحاديث يأتي بعضها في الباب، وله أنواع:
أدناها: مجرد الدعاء.
وأوسطها: الدعاء خلف الصلاة، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك.
وأفضلها: الاستسقاء بركعتين وخطبتين كما سيأتي.
قال: (هي سنة)؛ لما روى الشيخان [خ١٠١٢ - م٨٩٤] عن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁: (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى، واستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين)، زاد البخاري [١٠٢٤]: (جهر فيهما بالقراءة).
وحكى الماوردي وجهًا: أنها فرض كفاية.
ولا فرق في الاستحباب بين أهل القرى والبوادي، ولا بين المقيمين والمسافرين، وإذا نذرت .. وجبت كسائر القرب، وسيأتي في (باب النذر) حكم الإمام وغيره إذا نذره. قال: (عند الحاجة)؛ لأنه المأثور من فعل النبي ﷺ ، ومن
стр. 907
وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِنْ لَمْ يُسْقَوْا
ــ
بعده، وذلك إذا أجدبت العيون أو انقطع الغيث أو عارت العيون المحتاج إليها.
وعارت بالعين المهملة تعير؛ أي: ذهبت في الأرض، قاله الجوهري.
وكذلك لو ملح الماء فامتنع شربه، وقلة الماء في النهر كانقطاع المطر.
قال أصبع: استسقى أهل مصر للنيل خمسة وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن وهب وابن القاسم.
واحترز المصنف عما إذا انقطعت المياه ولم يكن ثم حاجة، فإنها لا تشرع، لكن عبارته تفهم .. أنها لا تشرع للاستزادة وهو وجه، والأصح: مشروعيتها عند ذلك.
وإطلاقه: (الحاجة) يشمل ما إذا احتاجت طائفة من المسلمين، فإنه يستحب لغيرهم أن يصلوا ويستسقوا لهم.
قال: (وتعاد ثانيًا وثالثًا إن لم يسقوا)، وكذلك أكثر من ذلك؛ لقوله ﷺ : (إن الله يحب الملحين في الدعاء) رواه ابن عدي [٧/ ١٦٣] والعقيلي [٤/ ٤٥٢] عن عائشة وضعفاه.
وفي (الصحيحين) [خ٦٣٤٠ - م٢٧٣٥]: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي).
وفيهما [خ٢٤٠ - م١٧٩٤] عن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل .. سأل ثلاثًا)، والذي يستحب إعادته هو الصلاة، وكذا الخطبة صرح به ابن الرفعة وغيره، وأما الصوم .. فنص في القديم و (الأم) على إعادته، ونص في (المختصر) على أنهم يخرجون من الغد، فقال بعضهم: فيه قولان، وقال الجمهور- كما نص المصنف في (شرح المهذب): إنهما محمولان على حالين:
فالأول: محمول على ما إذا شق على الناس الخروج من الغد واقتضى الحال التأخير أيامًا فحينئذ يصومون قبل الخروج.
стр. 908
فَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلاَةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا .. اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَامُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلاً، وَالتَّوْبَةِ وَالتَّقَرُبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ،
ــ
وأما الثاني .. محمول على ما إذا لم يشق على الناس الخروج من الغد.
وتعبير المصنف يوهم تقييد الإعادة بالصلاة فقط مع أنها لا تتقيد بذلك كما صرح به في (شرح المهذب)، وإذا قلنا بالخروج في الغد وفي الذي يليه .. فيكون وجهًا كما جزم به في (الكفاية).
قال: (فإن تأهبوا للصلاة فسقوا قبلها .. اجتمعوا للشكر والدعاء).
قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، وقال ﷺ : (من ألهم الشكر .. لم يحرم المزيد).
والمراد بـ (الشكر): الثناء على الله تعالى والتحميد والتمجيد.
و (الدعاء) أي: اطلب المزيد إذا لم يتضرروا بكثرة المطر.
قال: (ويصلون على الصحيح)، كما يجتمعون للدعاء ونحوه.
والثاني: لا؛ لأنها لم تفعل إلا عند الحاجة، وصححه ابن الصلاح في (مشكله).
وسكت المصنف عن الخطبة، وكلام الرافعي مشعر بأنها تفعل.
قال: (ويأمرهم الإمام بصيام ثلاثة أيام أولًا)؛ لأن ذلك معين على رياضة النفس وخشوع القلب.
وهذا الصوم صرح المصنف في (فتاويه) بوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.
وصرح الرافعي في (باب قتال البغاة) بأن ذلك يتعدى إلى كل ما يأمر به الإمام من الطاعات.
وهذه الأيام الثلاثة: قبل يوم الاستسقاء، ويخرجون في الرابع صيامًا كما سيأتي.
قال: (والتوبة والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر، والخروج من المظالم)؛
стр. 909
وَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا
ــ
لأن ذلك أرجى للإجابة، فقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور.
قال عبد الله بن مسعود: (إذا بخس الناس المكيال .. منعوا القطر من السماء).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ هم: دواب الأرض تعلنهم يقولون: منعنا القطر بخطاياهم.
ويأمرهم بالصلح بين المتشاحنين.
والخروج من المظالم من جملة التوبة، ولكن المصنف ذكرها لعظم شأنها قال الله تعالى: ﴿إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي﴾ الآية، وكان من توبتهم أن ردوا المظالم، فدفع الله عنهم البلاء والعذاب.
قال في (شرح المهذب): (المظالم): حقوق العباد، و (المعاصي): حقوق الله تعالى. وهذا المراد هنا.
قال الإمام الشافعي ﵁: يستحب لكل أن يذكر في نفسه ما فعله من خير فيعرضه على ربه سراً، ثم يسأل الحاجة كما روي في خبر الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فمثل ذلك يستحب في الشدائد، ورفع الحوائج إلى الله تعالى.
قال: (ويخرجون إلى الصحراء)؛ لأن النبي ﷺ خرج إليها في الاستسقاء، ولأن الناس يكثرون فلا يسعهم المسجد.
واستثنى صاحب (الخصال) ما إذا كانوا بمكة أو بيت المقدس لشرف البقعة وسعتها، وما قاله عليه عمل السلف والخلف.
قال: (في الرابع صيامًا)؛ لقوله ﷺ : (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة المظلوم، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي [هب ٣٥٩٥]، وصححه ابن حبان [٣٤٢٨].
ورواه الترمذي [٣٥٩٨] بلفظ: (الإمام العادل، والمظلوم، والصائم حتى يفطر).
стр. 910
فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ،
ــ
وإنما استحب الصوم فيها مع الدعاء، ولم يستحب في يوم عرفة؛ لأن هذه الصلاة في أول النهار، وعرفة في آخره مع تعب الحج والسفر.
ويأمرهم بالصدقة مع ذلك؛ لأنها تطفئ غضب الرب، والدعاء يرد البلاء.
قال: (في ثياب بذلة وتخشع)؛ لما روى ابن عباس ﵄ قال: (خرج النبي ﷺ متواضعًا متبدلًا متخشعًا) رواه أحمد [١/ ٢٦٩] والأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ولا يتزينون ولا يتنظفون إلا بالغسل، والسواك، وقطع الرائحة الكريهة.
ويستحب أيضًا تواضعهم في كلامهم ومشيهم وجلوسهم.
و (البذلة) بكسر الباء وسكون الذال المعجمة: ثياب المهنة التي تلبس في حالة الشغل، وملابسة الخدمة، والتصرف في المنزل.
و (التخشع): التذلل.
وينبغي للخارج أن يخفف غذاءه وشرابه تلك الليلة ما أمكن.
ولو خرجوا حفاة مكشوفة رؤوسهم .. لم يكره كما قاله المتولي.
وينبغي أن لا يركبوا إلا لضعف، واستبعده الشاشي.
قال: (ويخرجون الصبيان والشيوخ) وكذلك العجائز؛ لأن الشيوخ أرق قلبًا، والصبيان لا ذنب لهم، فدعاؤهم أسرع إلى الإجابة.
وفي (البخاري) [٢٨٩٦] من حديث سعد أن النبي ﷺ قال: (وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم).
وفي (سنن البيهقي) [٣/ ٣٤٥]: (مهلًا عن الله، مهلًا؛ فإنه لولا شباب خشع،
стр. 911
وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الأصَحِّ،
ــ
وبهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع .. لصب عليكم العذاب صبًا).
والمراد بـ (الركع): الذين انحنت ظهورهم من الكبر، وقيل: العباد ويؤيده أنه جاء: (وعباد ركع).
و (الشيخ): من جاور الأربعين.
قال في (الأم): وأحب أن تخرج كبار السن، ومن لا هيئة لها منهن.
والخنثى القبيح المنظر يشبه أن يلحق بالعجائز.
قال: (وكذا البهائم في الأصح)؛ لأن الجدب أصابها وضمن الله رزقها، وصحح الحاكم [١/ ٣٢٥] أن النبي ﷺ قال: (خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة).
والنبي المذكور: سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام.
وعلى هذا: توقف معزولة عن الناس.
والثاني: لا يستحب ولا يكره؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولا نهى عنه.
والثالث: يكره؛ لأن فيه إتعابها، وربما شوشت على الناس بأصواتها، وبهذا قال الطبري الشيخ أبو محمد والصميري وأبو علي البندنيجي والمحاملي والدارمي وأبو خلف الطبري وسليم والقاضي أبو الطيب وصاحب (المهذب) وابن الصباغ والمتولي وصاحب (العدة) والروياني والشاشي والجرجاني والخوارزمي والعمراني والشيخ نصر.
والذي صححه المصنف والرافعي خلاف المعروف في المذهب.
والمسألة ذات قولين شهيرين، فالتعبير بـ (الأصح) وهم أيضًا.
стр. 912
وَلاَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ، وَلاَ يَخْتَلِطُونَ بِنَا
ــ
قال: (ولا يمنع أهل الذمة الحضور)؛ لأنهم يشاركون المسلمين في طلب الرزق وفضل الله واسع، وقد يجيبهم استدراجًا.
قال: (ولا يختلطون بنا)؛ لأنهم ملعونون فتنزل اللعنة عليهم وقال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾، وربما كانوا سبب القحط واحتباس الغيث.
وحكى الماوردي والروياني وجهًا: أنهم يمنعون في يومنا وإن امتازوا.
وقال بعض أصحاب مالك: يمنعون من الانفراد بيوم؛ لأنه قد يصادف الإجابة فيفتتن العوام بذلك وهو حسن.
وقال الإمام الشافعي ﵁: لا أكره من إخراج صبيانهم ما أكره من إخراج كبارهم؛ فإن ذنوبهم أخف والعلماء مختلفون في حكمهم إذا ماتوا، ولكن يكره لكفرهم.
فائدة:
قال في (البحر) في (كتاب الصلاة): لا يجوز أن يؤمن على دعاء الكافر؛ لأن دعاءه غير مقبول قال الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلل﴾.
قال ابن عباس: (أصواتهم محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاءهم).
وروى أصحاب (السنن)، والحاكم [١/ ٤٩١] بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة)، والعبادة لا تصح من الكافر.
وقال ﷺ : (ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له من الأجر مثلها) رواه مالك [١/ ٢١٧] والحاكم [١/ ٤٩٣] والترمذي [٣٣٨١] بإسناد صحيح.
стр. 913
وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا). وَلاَ تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ،
ــ
وقال آخرون: وقد يستجاب للكافر كما استجيب لإبليس في الإنظار، وأجابوا- عن الآية- بأن المراد بالدعاء: العبادة.
قال: (وهي ركعتان كالعيد)، فيكبر بعد الاستفتاح وقبل التعوذ في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، ويرفع يديه، ويقف بين كل تكبيرتين، ويجهر بالقراءة، وينادي لها: الصلاة جامعة.
قال: (لكن قيل: يقرأ في الثانية (إنا أرسلنا نوحًا)) أي: وفي الأولى (ق)؛ لأن فيها ذكر الاستسقاء.
والمنصوص: أنه يقرأ كما يقرأ في العيد.
قال: (ولا تختص بوقت العيد في الأصح)؛ لأنها صلاة ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف، فيفعلها متى شاء ليلًا أو نهارًا حتى في وقت الكراهة في الأصح.
والثاني: تختص به؛ لقوله في الحديث السابق: (أنه ﵊ صلى ركعتين كما يصلي العيد).
والثالث: تمتد بعده إلى صلاة العصر. وكلا الوجهين لا دليل له.
قال: (ويخطب كالعيد)؛ لما روى أبو داوود [١١٦٦]- وغيره بإسناد صحيح- عن عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى).
стр. 914
لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ. وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى: (اللَّهُمَّ؛ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مُرِيعًا غَدَقًا، مُجَلِّلاً سَحّاً، طَبَقًا دَائِمًا. الَّهُمَّ؛ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا
ــ
وفي (ابن ماجه) [١٢٦٨]: (فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا).
وقوله: (كالعيد) عام في جميع ما تقدم وفاقًا وخلافًا إلا في ثلاثة أشياء سنذكرها، لكن عبارته تقتضي: أن السنة لا تحصل إلا بخطبتين، وذكر ابن الرفعة: أنه لو اقتصر على خطبة واحدة .. جاز.
قال: (لكن يستغفر الله تعالى بدل التكبير)؛ لأنه أليق بالحال فيقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ فإن الله تعالى وعد بإرسال المطر عند الاستغفار.
وفي وجه: أنه يكبر كالعيد، وهو ظاهر نص (الأم).
ويستحب أن يختم كلامه بالاستغفار، وأن يكثر منه في الخطبة ومن قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ الآية.
وروى أبو داوود [١٥١٣] والحاكم [٤/ ٢٦٢] وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من لزم الاستغفار .. جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب).
قال: (ويدعو في الخطبة الأولى: (اللهم؛ اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا، مريعًا غدقًا، مجللًا سحًا، طبقًا دائمًا، اللهم؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم؛ إنها نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا)) كذا رواه الإمام الشافعي ﵀ [أم ١/ ٢٥١] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يدعو به في الاستسقاء)، وزاد فيه بعد قوله: (من القانطين): (اللهم؛ إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم؛
стр. 915
وَيَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ،
ــ
أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم؛ إنا نستغفرك ...) إلى آخره، وهذه الزيادة في (المحرر) فكان ينبغي للمصنف أن يذكرها.
وزاد في الحديث أيضًا بعد لفظ (الأرض) وقبل قوله (اللهم؛ إنا نستغفرك) زيادة لم يذكرها في (المحرر)، وذكرها الشيخ في (التنبيه) والمصنف في (الروضة) وهي: اللهم؛ ارفع عنا الجهد والجوع والغلاء، واكشف عنا في البلاء ما لا يكشفه غيرك.
وقوله: (اسقنا) يجوز فيه قطع الهمزة ووصلها.
و (الغيث): المطر، و (المغيث): المنقذ من الشدة.
و (المريء) بفتح الميم: المحمود العاقب.
و (الهنيء): الطيب الذي لا ينغصه شيء.
و (المريع) بميم مضمومة: الذي يأتي بالريع وهو: الزيادة والنماء، ويجوز فتح ميمه وكسر رائه.
و (الغدق) بفتح الغين- أي: المعجمة- والدال: الكثير الماء، وقيل: الذي قطره كبار.
و (المجلل) بكسر اللام: الذي يعم البلاد نفعه.
و (السح): الشديد الوقع على الأرض.
و (الطبق) بفتح الطاء والباء: الذي يطبق البلاد كالطبق عليها.
و (السماء) هنا: السحاب.
قال: (ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية) قال في (الدقائق): إنه نحو ثلثها، وفي (الكافي) للزبيري: عند بلوغ نصفها.
ودليل الاستقبال: حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم في أول الباب.
следующие страницы →