Полный текст (5 377 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الأصَحِّ،
ــ
وبهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع .. لصب عليكم العذاب صبًا).
والمراد بـ (الركع): الذين انحنت ظهورهم من الكبر، وقيل: العباد ويؤيده أنه جاء: (وعباد ركع).
و (الشيخ): من جاور الأربعين.
قال في (الأم): وأحب أن تخرج كبار السن، ومن لا هيئة لها منهن.
والخنثى القبيح المنظر يشبه أن يلحق بالعجائز.
قال: (وكذا البهائم في الأصح)؛ لأن الجدب أصابها وضمن الله رزقها، وصحح الحاكم [١/ ٣٢٥] أن النبي ﷺ قال: (خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة).
والنبي المذكور: سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام.
وعلى هذا: توقف معزولة عن الناس.
والثاني: لا يستحب ولا يكره؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولا نهى عنه.
والثالث: يكره؛ لأن فيه إتعابها، وربما شوشت على الناس بأصواتها، وبهذا قال الطبري الشيخ أبو محمد والصميري وأبو علي البندنيجي والمحاملي والدارمي وأبو خلف الطبري وسليم والقاضي أبو الطيب وصاحب (المهذب) وابن الصباغ والمتولي وصاحب (العدة) والروياني والشاشي والجرجاني والخوارزمي والعمراني والشيخ نصر.
والذي صححه المصنف والرافعي خلاف المعروف في المذهب.
والمسألة ذات قولين شهيرين، فالتعبير بـ (الأصح) وهم أيضًا.
стр. 912
وَلاَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ، وَلاَ يَخْتَلِطُونَ بِنَا
ــ
قال: (ولا يمنع أهل الذمة الحضور)؛ لأنهم يشاركون المسلمين في طلب الرزق وفضل الله واسع، وقد يجيبهم استدراجًا.
قال: (ولا يختلطون بنا)؛ لأنهم ملعونون فتنزل اللعنة عليهم وقال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾، وربما كانوا سبب القحط واحتباس الغيث.
وحكى الماوردي والروياني وجهًا: أنهم يمنعون في يومنا وإن امتازوا.
وقال بعض أصحاب مالك: يمنعون من الانفراد بيوم؛ لأنه قد يصادف الإجابة فيفتتن العوام بذلك وهو حسن.
وقال الإمام الشافعي ﵁: لا أكره من إخراج صبيانهم ما أكره من إخراج كبارهم؛ فإن ذنوبهم أخف والعلماء مختلفون في حكمهم إذا ماتوا، ولكن يكره لكفرهم.
فائدة:
قال في (البحر) في (كتاب الصلاة): لا يجوز أن يؤمن على دعاء الكافر؛ لأن دعاءه غير مقبول قال الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلل﴾.
قال ابن عباس: (أصواتهم محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاءهم).
وروى أصحاب (السنن)، والحاكم [١/ ٤٩١] بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة)، والعبادة لا تصح من الكافر.
وقال ﷺ : (ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له من الأجر مثلها) رواه مالك [١/ ٢١٧] والحاكم [١/ ٤٩٣] والترمذي [٣٣٨١] بإسناد صحيح.
стр. 913
وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا). وَلاَ تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ،
ــ
وقال آخرون: وقد يستجاب للكافر كما استجيب لإبليس في الإنظار، وأجابوا- عن الآية- بأن المراد بالدعاء: العبادة.
قال: (وهي ركعتان كالعيد)، فيكبر بعد الاستفتاح وقبل التعوذ في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، ويرفع يديه، ويقف بين كل تكبيرتين، ويجهر بالقراءة، وينادي لها: الصلاة جامعة.
قال: (لكن قيل: يقرأ في الثانية (إنا أرسلنا نوحًا)) أي: وفي الأولى (ق)؛ لأن فيها ذكر الاستسقاء.
والمنصوص: أنه يقرأ كما يقرأ في العيد.
قال: (ولا تختص بوقت العيد في الأصح)؛ لأنها صلاة ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف، فيفعلها متى شاء ليلًا أو نهارًا حتى في وقت الكراهة في الأصح.
والثاني: تختص به؛ لقوله في الحديث السابق: (أنه ﵊ صلى ركعتين كما يصلي العيد).
والثالث: تمتد بعده إلى صلاة العصر. وكلا الوجهين لا دليل له.
قال: (ويخطب كالعيد)؛ لما روى أبو داوود [١١٦٦]- وغيره بإسناد صحيح- عن عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى).
стр. 914
لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ. وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى: (اللَّهُمَّ؛ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مُرِيعًا غَدَقًا، مُجَلِّلاً سَحّاً، طَبَقًا دَائِمًا. الَّهُمَّ؛ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا
ــ
وفي (ابن ماجه) [١٢٦٨]: (فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا).
وقوله: (كالعيد) عام في جميع ما تقدم وفاقًا وخلافًا إلا في ثلاثة أشياء سنذكرها، لكن عبارته تقتضي: أن السنة لا تحصل إلا بخطبتين، وذكر ابن الرفعة: أنه لو اقتصر على خطبة واحدة .. جاز.
قال: (لكن يستغفر الله تعالى بدل التكبير)؛ لأنه أليق بالحال فيقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ فإن الله تعالى وعد بإرسال المطر عند الاستغفار.
وفي وجه: أنه يكبر كالعيد، وهو ظاهر نص (الأم).
ويستحب أن يختم كلامه بالاستغفار، وأن يكثر منه في الخطبة ومن قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ الآية.
وروى أبو داوود [١٥١٣] والحاكم [٤/ ٢٦٢] وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من لزم الاستغفار .. جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب).
قال: (ويدعو في الخطبة الأولى: (اللهم؛ اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا، مريعًا غدقًا، مجللًا سحًا، طبقًا دائمًا، اللهم؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم؛ إنها نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا)) كذا رواه الإمام الشافعي ﵀ [أم ١/ ٢٥١] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يدعو به في الاستسقاء)، وزاد فيه بعد قوله: (من القانطين): (اللهم؛ إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم؛
стр. 915
وَيَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ،
ــ
أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم؛ إنا نستغفرك ...) إلى آخره، وهذه الزيادة في (المحرر) فكان ينبغي للمصنف أن يذكرها.
وزاد في الحديث أيضًا بعد لفظ (الأرض) وقبل قوله (اللهم؛ إنا نستغفرك) زيادة لم يذكرها في (المحرر)، وذكرها الشيخ في (التنبيه) والمصنف في (الروضة) وهي: اللهم؛ ارفع عنا الجهد والجوع والغلاء، واكشف عنا في البلاء ما لا يكشفه غيرك.
وقوله: (اسقنا) يجوز فيه قطع الهمزة ووصلها.
و (الغيث): المطر، و (المغيث): المنقذ من الشدة.
و (المريء) بفتح الميم: المحمود العاقب.
و (الهنيء): الطيب الذي لا ينغصه شيء.
و (المريع) بميم مضمومة: الذي يأتي بالريع وهو: الزيادة والنماء، ويجوز فتح ميمه وكسر رائه.
و (الغدق) بفتح الغين- أي: المعجمة- والدال: الكثير الماء، وقيل: الذي قطره كبار.
و (المجلل) بكسر اللام: الذي يعم البلاد نفعه.
و (السح): الشديد الوقع على الأرض.
و (الطبق) بفتح الطاء والباء: الذي يطبق البلاد كالطبق عليها.
و (السماء) هنا: السحاب.
قال: (ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية) قال في (الدقائق): إنه نحو ثلثها، وفي (الكافي) للزبيري: عند بلوغ نصفها.
ودليل الاستقبال: حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم في أول الباب.
стр. 916
وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرّاً وَجَهْراً، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ
ــ
وعبارته تقتضي: أنه يستقبل القبلة إلى فراغ الخطبة، والمجزوم به في (المحرر): أنه إذا فرغ من الدعاء الآتي .. استقبل الناس، وأتى بباقي الخطبة، وقال: أستغفر الله لي ولكم.
قال: (ويبالغ في الدعاء سرًا وجهرًا)؛ لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾، فإذا أسر .. دعا الناس سرًا، وإذا جهر .. أمنوا، وهكذا السنة في كل دعاء لرفع بلاء.
قال الإمام الشافعي ﵁: وينبغي أن يقول في دعائه في هذه الحالة: اللهم إنك أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة، وأنت لا تخلف الميعاد، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا.
ويستحب رفع اليد في هذا الدعاء؛ لما روى الشيخان [خ٣٥٦٥ - م٨٩٥] عن أنس: (أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء، فإنه كان يرفع يده حتى يبدو بياض إبطيه).
والسنة في هذا الرفع: أن يجعلوا ظهور أكفهم إلى السماء، وهكذا السنة في كل دعاء لرفع البلاء، فإذا سأل الله شيئاً .. عكس.
قال: (ويحول رداءه عند استقباله)؛ لما ثبت في حديث عبد الله بن زيد ﵁ في (الصحيحين) [خ١٠١٢ - م٨٩٤]: (أن النبي ﷺ استقبل القبلة وحول رداءه).
стр. 917
فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ، وَيُنَكِّسُهُ- عَلَى الْجَدِيدِ- فَيَجْعَلُ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ،
ــ
قال السهيلي: وكان طول ردائه أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر.
والحكمة في تحويله: التفاؤل بتحويل الحال من الضيق إلى السعة.
وفي (الدارقطني) [٢/ ٦٦]: (أن النبي ﷺ استسقى وحول رداءه؛ ليتحول القحط)، و (كان ﷺ يحب الفأل الحسن).
وقال المتولي: إنما استحب ذلك؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فيغيروا بواطنهم بالتوبة، وظواهرهم بتحويل الرداء لعل الله تعالى يغير ما بهم.
وقال الماوردي: يستحب أن يكون التحويل قبل الاستغفار.
قال: (فيجعل يمينه يساره وعكسه) كذا رواه أبو داوود [١١٥٦] عن فعل النبي ﷺ بإسناد حسن.
قال: (وينكسه- على الجديد- فيجعل أعلاه أسفله وعكسه)؛ لما روى الحاكم [١/ ٣٢٧] وأبو داوود [١١٥٧] والنسائي [١/ ١٥٧]: (أنه ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه .. قلبها على عاتقه)، فرأى الإمام الشافعي ﵁ إتباعه فيما أراده ﵊ وهم به.
قال الرافعي: ومتى جعل الطرف الأسف الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر .. حصل التحويل والتنكيس جميعًا.
ومحل الخلاف بين القديم والجديد: في الرداء المربع، فإن كان مدورًا .. لم يستحب التنكيس، بل يقتصر على التحويل بالاتفاق.
стр. 918
وَيُحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: وَيُتْرَكُ مُحَوَّلاً حَتَّى يَنْزِعَ الثِّيَابَ، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاِسْتِسْقَاءَ .. فَعَلَهُ النَّاسُ، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ .. جَازَ،
ــ
قال: (ويحول الناس مثله) أي: مثل تحويل الإمام؛ لمشاركتهم له في المعنى، وقد روى أحمد في (مسنده) [٤/ ٤١]: (أن الناس حولوا مع النبي ﷺ .
قال: (قلت: ويترك محولاً حتى ينزع الثياب)؛ لأنه لم ينقل أنه ﷺ غيرها بعد التحويل.
قال: (ولو ترك الإمام الاستسقاء .. فعله الناس) كغيره من السنن، ولأنهم أشد حاجة من الإمام، ولأن الناس قدموا أبا بكر ﵁ حين ذهب النبي ﷺ ليصلح بين بني عمرو بن عوف، و (قدموا عبد الرحمن بن عوف ﵁ في غزوة تبوك حين تأخر النبي ﷺ لحاجة).
قال الإمام الشافعي ﵁: وإذا كان ذلك في المكتوبة .. فغيرها أولى.
والمصنف أطلق المسألة، والذي نص عليه الإمام الشافعي ﵁: أنهم عند وجود الوالي في المصر لا يستحب لهم فعل ذلك؛ لما فيه من خوف الفتنة.
وقد سبق: أنهم في العيد في مثل هذه الحالة يصلون بلا خطبة.
قال: (ولو خطب قبل الصلاة .. جاز) وكان تاركًا للأكمل؛ لأن أكثر العلماء على استحباب التأخير، واستدلوا لجواز التقديم بحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه سلم إلى المصلى فاستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة، ثم صلى) رواه البخاري [١٠١٢] ومسلم [٨٩٤].
وفي (سنن أبي داوود) [١١٦٦]- بإسناد صحيح- عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قدم الخطبة).
стр. 919
وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ، وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ. وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ. وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلاَ يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ
ــ
قال: (ويسن أن يبرز لأول مطر السنة، ويكشف غير عورته ليصيبه)؛ لما روى مسلم [٨٩٨] عن أنس ﵁ قال: أصبنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ ، فحسر ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: (إنه حديث عهد بربه) أي: حديث عهد بتكوينه وإنزاله.
واتفقوا على أن ذلك إنما يكون في أول مطر السنة كما قاله المصنف.
قال: (وأن يغتسل أو يتوضأ في السيل)؛ لما روى الإمام الشافعي ﵁ [أم ١/ ٢٥٣]: أن النبي ﷺ كان إذا سال السيل .. قال: (اخرجوا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا؛ نتطهر منه ونحمد الله عليه).
وتعبير المصنف بـ (أو) موافق لعبارة (الروضة)، وعبر في (شرح المهذب) بـ (الواو) ثم قال: فإن لم يجمعهما .. توضأ.
قال: (ويسبح عند الرعد والبرق)؛ لما روى مالك [٢/ ٩٩٢] عن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع الرعد .. ترك الحديث وقال: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته).
وأما استحباب التسبيح عند البرق .. فذكره الشيخ في (التنبيه)، وتابعه عليه في الكتاب وفي (الروضة)، ولم يذكره في (المهذب) ولا في (شرحه).
قال: (ولا يتبع بصره البرق)؛ لما روى الإمام الشافعي ﵁ [شم ١/ ٨٢] عمن لا يتهم عن عروة بن الزبير قال: (إذا رأى أحدكم البرق .. فلا يشير إليه).
وكان السلف يكرهون ذلك ويقولون عنده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبوح قدوس.
ونقل الإمام الشافعي ﵁ في (الأم) [١/ ٢٥٤] عن الثقة عن مجاهد: أن الرعد ملك، والبرق أجنحته، يسوق السحاب، ثم قال: وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن وهو قوله : ﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته﴾.
стр. 920
وَيَقُولَ عِنْدَ الْمَطَرِ: (اللَّهُمَّ؛ صَيِّباً نَافِعًا)، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَبَعْدَهُ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ). وَيُكْرَهُ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا،
ــ
وروى أنه ﷺ قال: (بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق، وضحكت أحسن الضحك، فالرعد نطقها، والبرق ضحكها).
وأما الصواعق .. فيستعاذ بالله منها؛ لأنها ربما أهلكت.
قال: (ويقول عند المطر: (اللهم؛ صيبًا نافعًا))؛ لما روى البخاري [١٠٣٢] عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال ذلك.
و (صيبًا) بفتح الصاد المهملة، وتشديد الياء المكسورة.
وفي (سنن ابن ماجه) [٣٨٨٩]: (اللهم؛ سيبًا) بالسين، فيستحب الجمع بينهما.
روى الإمام الشافعي ﵁ في (الأم) [١/ ٢٥٤] أن النبي ﷺ قال: (ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء).
قال: (ويدعو بما شاء)؛ لأنه وقت يستجاب فيه الدعاء.
روى البيهقي [٣/ ٣٦٠]: أن النبي ﷺ قال: (تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة).
وقال الإمام الشافعي ﵁ [أم ١/ ٢٥٣]: حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة.
قال: (وبعده: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، ويكره: مطرنا بنوء كذا)؛ لما روى الشيخان [خ٨٤٦ - م٧] عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف .. أقبل على الناس قال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟) قالوا: الله ورسوله
стр. 921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعلم، قال: (قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته .. فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا .. فذلك كافر بي مؤمن: الكوكب) متفق عليه.
وأفاد الحافظ الدمياطي: أن قوله ذلك كان في السنة السادسة من الهجرة، ومحل هذه الكراهة: إن اعتقد أن هذه الأنواء لا فعل لها في المطر، وإنما أجرى الله عادته بإنزاله في هذا الوقت، أما إذا اعتقد أنها فعالة .. فهو كفر.
وفي (الموطأ) [١/ ١٩٢] قال: بلغني أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: (إذا أصبح وقد مطر الناس .. مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ الآية.
و (الأنواء) هي: منازل البروج، وهي ثمانية وعشرون نجمًا يطلع كل ثلاثة عشر يومًا واحد منها، ويغيب مقابلة، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتقاصر عنه على تقدير مستو ولا يتفاوت، ويسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين، أو ليلة إذا نقص الشهر.
وهذه المنازل هي مواقع النجوم، وهي: الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والحرثان، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدم، والفرغ المؤخر- بالغين المعجمة- وبطن الحوت
стр. 922
وَسَبُّ الرِّيحِ،
ــ
وإنما سميت أنواء؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب .. ناء الطالع بالمشرق أي: نهض وطلع.
وكانت العرب تنسب إليها المطر وربما أخلفت كما قال الأول [من البسيط]:
لا تعجبن لخير زل عن يده .... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانًا
قال: (وسب الريح)؛ لأنه خلق من خلق الله تعالى، وجند من أجناده.
وفي (سنن أبي داوود) [٥٠٥٦] و (النسائي) [سي ٩٣١] و (المستدرك) [٤/ ٢٨٥] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها .. فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها).
قوله: (من روح الله) - بفتح الراء- معناه: من رحمة الله بعباده.
وفي (أبي داوود) [٤٨٧٢] و (شعب البيهقي) [٥٢٣٦]- بإسناد جيد- عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا نازعته الريح رداءه فلعنها، فقال ﵊: (لا تلعنها فإنها مأمورة، ومن لعن شيئًا ليس له بأهل .. رجعت اللعنة عليه).
والرياح أربع: التي من تجاه الكعبة: الصبا، ومن ورائها: الدبور، ومن جهة يمينها: الجنوب، ومن جهة شمالها: الشمال بفتح الشين وفيها خمس لغات.
ولكل من هذه الرياح طبع ونفع كفصول السنة، فـ (الصبا): حارة يابسة،
стр. 923
وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ .. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى رَفْعَهُ: (اللَّهُمَّ؛ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا)،
ــ
و (الدبور): رطبة باردة، و (الجنوب): حارة رطبة وهي (الأزيب)، وفي الحديث: (اسمها عند الله: الأزيب، وعندكم الجنوب)، وأهل مكة يستعملون هذا الاسم كثيرًا، و (الشمال): باردة يابسة، وهي: ريح الجنة التي تهب عليهم.
روى مسلم [٢٨٣٣] عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة لسوقًا يؤتى كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا).
وهذه الريح هي المثيرة؛ لأنها تثير في وجوههم نضرة النعيم.
روى الإمام الشافعي ﵁ [أم ١/ ٢٥٣] أن رجلاً شكا للنبي ﷺ الفقر، فقال: (لعلك تسب الريح؟).
وكأن السبب في ذلك: أنها لما كانت سبب المطر والمطر سبب الرزق، فمن سبها .. منع الرزق بذلك.
قال: (ولو تضرروا بكثرة المطر .. فالسنة: أن يسألوا الله تعالى رفعه: (اللهم؛ حوالينا ولا علينا) كما رواه الشيخان [خ٩٣٣ - م٨٩٧] عن أنس ﵁.
وقال السهيلي: لم يقل ﵊ في رفع المطر: اللهم؛ ارفعه عنا، وذلك من حسن الأدب في الدعاء؛ لأنها رحمة الله ونعمته المطلوبة منه، فكيف يطلب رفعها؟ وإنما يسأل كشف البلاء والمزيد من النعماء.
و (الكثرة): ضد القلة، وهي بفتح الكاف وكسرها، حكاهما في (التحرير)، وحكى ابن سيده فيها الضم أيضًا.
стр. 924
وَلاَ يُصَلِّى لِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (ولا يصلى لذلك والله أعلم)؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولم يؤثر فيه غير الدعاء. وذلك يسمى: الاستصحاء.
تتمة:
يستحب الاستسقاء بأهل الفضل؛ لما روى البخاري [١٠١٠] عن عمر ﵁ أنه استسقى عام الرمادة بالعباس ﵁ عم رسول الله ﷺ لما قال له كعب الأحبار: يا أمير المؤمنين؛ إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا .. استسقوا بعصبة الأنبياء، فصعد عمر ﵁ المنبر ومعه العباس فقال: (اللهم؛ إنا توجهنا إليك بعم نبينا وصفوته، فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)، ثم قال: (يا أبا الفضل؛ قم فادع)، فقام العباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اللهم؛ إنك لا تنزل بلاء إلا بذنب، ولا تكشفه إلا بتوبة، وقد توجهوا بي إليك، اللهم؛ فاسقنا الغيث، اللهم؛ شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم؛ إنا شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا، اللهم؛ لا نرجو إلا إياك، اللهم؛ إليك نشكوا جوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف ...) في دعاء كثير فسقوا.
وروى الطبراني [٢٤/ ٢٦٠] وابن سعد [١/ ٩٠]: (أن عبد المطلب استسقى بالنبي ﷺ حين تتابعت عليهم سنون أهلكتهم، فسمعوا قائلًا يقول: يا معشر قريش؛ إن فيكم نبيًا آن أوان خروجه، به يأتيكم الحيا والخصب، فاخرجوا به إلى جبل أبي قبيس، فتقدم عبد المطلب ومعه النبي ﷺ قد أيفع، فرفع يديه يدعو ويطلب الغيث بوجه النبي ﷺ .. فسقوا)، ولذلك يقول فيه عبد المطلب [من الطويل]:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
стр. 925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، وكان أدرك الجاهلية والإسلام وسكن الشام واشتهر بالصلاح، فقال معاوية: (اللهم؛ إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم؛ إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه ورفع الناس أياديهم، فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).
وروى البيهقي في (الشعب) [٦٩٧٥] عن أبي زرعة قال: خرج الضحاك بن قيس يستسقى بالناس فلم يمطروا ولم يروا سحابًا، فقال ليزيد بن الأسود: (قم فاستسق لنا إلى الله تعالى، فقام فعطف رأسه على منكبه وحسر عن ذراعيه وقال: اللهم؛ إن عبادك هؤلاء استسقوا بي إليك، فما دعا إلا ثلاثًا حتى مطروا مطرًا شديدًا، فلما رأى ذلك قال: اللهم؛ إنك شهرتني بهذا فأرحني منه، فما لبث بعد ذلك إلا جمعة حتى مات ﵀ عليه).
* * *
خاتمة
روى البيهقي في (الشعب) [١٠٩٨] عن محمد بن حاتم قال: قلت لأبي بكر الوراق: علمني شيئاً يقربني إلى الله ويقربني من الناس، فقال: أما الذي يقربك إلى الله .. فمسألته، وأما الذي يقربك من الناس .. فترك مسألتهم.
ثم روى [هب ١٠٩٩ و ١١٠٠] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يسأل الله .. يغضب عليه)، ثم أنشد [من الكامل]:
الله يغضب إن تركت سؤاله .... وبني آدم حين يسأل يغضب
* * *
стр. 926
بَابٌ
إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جَاحِدًا وُجُوبَها .. كَفَرَ،
ــ
باب
هذا الباب ذكره المزني والجمهور ههنا، وذكره جماعة قبل (باب الأذان)، وأخره الغزالي عن (الجنائز).
قال: (إن ترك الصلاة) أي: المعهودة، وهي: إحدى الصلوات الخمس (جاحدًا وجوبها .. كفر)؛ لأنه مجموع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فتضمن جحده وتكذيب الله ورسوله وهو كفر، وهذا مجمع عليه إذا كان غير معذور كقديم الإسلام المخالط للمسلمين، فإن كان قريب عهد بالإسلام ونحوه ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك .. فيعرف بالوجوب فإن أصر على الجحد .. كفر.
و (الكفر) أصله: التغطية والستر، يقال لليل: كافر؛ لأنه يستر الأيام بظلمته، وكفر فلان النعمة: إذا سترها ولم يشكرها.
ولا يختص هذا بالصلاة، بل يجري في جحود كل مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فإن جحد مجمعًا عليه ليس معلومًا من الدين بالضرورة كاستحقاق بنت الابن مع البنت السدس .. فليس بكافر بل يعرف الصواب ليعتقده.
ثم إن مجرد الجحد كاف في الحكم بالتكفير، لكنه عبر بالترك؛ لأجل التقسيم.
وأفهم قوله: (كفر) أنه يقتل بكفره؛ لأنه بدل دينه، وفي (البخاري) [٣٠١٧]:
стр. 927
أَوْ كَسَلاً .. قُتِلَ حَدّاً،
ــ
(من بدل دينه .. فاقتلوه)، وكيفية قتله كقتل المرتد.
قال: (أو كسلاً .. قتل)؛ لأن الله تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم﴾، فدل على أن القتل لا يرتفع عنهم إلا بالإيمان والصلاة والزكاة.
وصح أنه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة).
وكان مستند أبي بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة- قياسها على الصلاة، ووافقه الصحابة على ذلك، والصلاة أعظم من الزكاة.
قال: (حداً) المراد: أنه لا يقتل كفرًا؛ لقوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافًا بحقهن .. كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن .. فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة) رواه مالك [١/ ١٢٣] وأبو داوود [٤٢٨] وابن حبان [١٧٣٢]، فلو كفر بذلك .. لاستحال دخول الجنة.
وهذا القتل لا يضاهي الحدود التي وضعت عقوبة على معصية سابقة، بل حملًا على ما توجه عليه من الحق، ولهذا لا خلاف أنه يسقط بالفعل الذي هو توبته، ولا يتخرج على سقوط الحد بالتوبة، بل قتله يسقط إثم الترك فقط.
وقال بعض الأصحاب: يقتل كفرًا؛ لقوله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم [٨٢].
وقال المزني: لا يقتل بل يحبس حتى يصلي محتجاً بأنه: لا يجوز أن يقتل للفائتة التي وقتها موسع، ولا للحاضرة؛ لأن وقتها لم يفت.
стр. 928
وَالصَّحِيحُ: قَتْلُهُ بِصَلاَةٍ فَقَطْ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ. وَيُسْتَتَابُ
ــ
وفي (سنن أبي داوود) [٤٨٩٠]: أن النبي ﷺ أتي برجل خضب يديه ورجليه بالحناء فقال: (ما باله تشبه النساء؟!) فأمر بنفيه إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله؛ ألا تقتله؟ قال: (إني نهيت عن قتل المصلين).
و (النقيع) في هذا الحديث بالنون، وهي: في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلًا من المدينة.
قال: (والصحيح: قتله بصلاة فقط بشرط إخراجها عن وقت الضرورة) وهو: الوقت الذي تجمع تلك الصلاة فيه، فلا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بالمغرب حتى يطلع الفجر؛ لأن الوقت مشترك بين أرباب الأعذار فصار شبهة في تأجير القتل إليه، يقابل الصحيح أربعة أوجه:
أحدها: يقتل إذا ضاق وقت الثانية؛ لأن الواحدة يحتمل تركها لشبهة الجمع.
والثاني: إذا ضاق وقت الرابعة؛ لأن الثلاث أقل الجمع فاغتفرناها لاحتمال عذر بخلاف الأربعة.
والثالثة: إذا ترك أربع صلوات؛ لأنه يجوز أن يكون استند إلى تأويل من ترك النبي ﷺ يوم الخندق أربع صلوات.
والرابع: إذا ترك قدرًا يظهر به اعتياد الترك والتهاون بالذين.
قال: (ويستتاب) أي: تطلب منه التوبة قبل القتل؛ لأنه ليس بأسوأ حالاً من المرتد والمرتد يستتاب.
وأظهر القولين: أنه يكفي استتابته في الحال، والقولان في استحبابها، وقيل: في وجوبها.
ثم إذا ضربنا له المدة فقتله فيها قاتل .. أفتى القفال وصاحب (البيان) بإثمه وعدم تضمينه، كالمرتد.
ونقل في (الكفاية) عن صاحب (البيان) عدم تأثيمه ووهم فيه.
стр. 929
ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ- وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ- وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُطْمَسُ قَبْرُهُ
ــ
وإذا جن أو سكر قبل الصلاة .. لم يقتل في حال جنونه وسكره، ومن قتله حينئذ .. لزمه القصاص.
قال: (ثم تضرب عنقه) أي: إذا لم يتب لتحقق المفسدة الموجبة للقتل، وإنما قتل كذلك؛ لقوله ﷺ : (إذا قتلتم .. فأحسنوا القتلة) [م١٩٥٥].
قال: (وقيل: ينخس بحديدة حتى يصلي أو يموت)؛ لأن المقصود حمله على الصلاة فيعاقب كما يعاقب الممتنع من الحقوق.
وعن ابن سريج: يضرب بالعصا حتى يصلي أو يموت، واختاره الشيخ؛ لقوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس) رواه الشيخان [خ٦٨٧٨ - م١٦٧٦].
وأجيب عن الحديث بأن المراد: لا يقتل صبرًا.
قال: (ويغسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ولا يطمس قبره) كسائر أصحاب الكبائر.
وقيل: لا يفعل به هذه الأشياء؛ إهانة له.
وقال ابن أبي الدم: يدفن في مقبرة مفردة، لا في مقابر المسلمين، ولا في مقابر أهل الذمة.
تتمة:
تارك الوضوء يقتل على الأصح؛ لأنه ممتنع من الصلاة.
وتارك الجمعة إذا قال: أصلي ظهرًا ولا عذر له أفتى الغزالي بعدم قتله، وبه جزم في (الحاوي الصغير).
стр. 930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشاشي: يقتل؛ لأنه لا يتصور قضاؤها، ورجحه في (التحقيق)، لكنه ناقض ذلك في (الروضة) في (باب من تلزمه الجمعة) حيث قال: يلزمه قضاؤها ظهرًا، وليس في (المهمات).
وإذا نذر صلاة مؤقتة .. لم يقتل بتركها؛ لأنه هو الذي أوجبها على نفسه.
وقال الروياني: يحتمل أن يقتل بها إذا جعلناها كالشرعية وهو بعيد.
ويستثنى- من إطلاق المصنف وغيره- فاقد الطهورين، فإنه إذا ترك الصلاة عمدًا .. لا يقتل؛ لاختلاف الناس في ذلك.
* * *
خاتمة
ختم الله لكاتبه بالحسنى
قال الغزالي في بعض كتبه الأصولية: لو زعم زاعم أن بينه وبين الله ﵎ حالة أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر وأكل مال السلطان كما زعمه بعضه الصوفية .. فلا شك في وجوب قتله، وقتل مثله أفضل من قتل مئة كافر؛ لأن ضرره أكثر.
* * *
стр. 931
فهرس الكتاب
كتاب الصلاة
٧
فصل: في شروط وجوب الصلاة
٣٥
فصل: في الأذان والإقامة
٤١
فصل: استقبال القبلة شرط في الصلاة
٦٧
باب صفة الصلاة
٨٤
باب في شروط الصلاة وموانعها
١٨٨
فصل: في مبطلات الصلاة
٢١٦
باب في مقتضى سجود السهو وحكمه ومحله
٢٤٨
باب في سجود التلاوة والشكر
٢٦٩
باب في صلاة النفل
٢٨٥
كتاب صلاة الجماعة
٣٢٣
فصل: في صفات الأئمة
٣٤٥
فصل: في شروط الاقتداء
٣٦٨
فصل: في شروط القدوة
٣٨٦
فصل: في بقية شروط القدوة
٣٩٢
فصل: في قطع القدوة
٣٩٩
باب صلاة المسافر
٤٠٨
فصل: في شروط القصر
٤١٩
فصل: في الجمع بين الصلاتين
٤٣١
باب صلاة الجمعة
٣٤٣
فصل: في الاغتسال المسنونة
٤٨٤
فصل: في بيان ما تدرك به الجمعة
٥٠١
стр. 932
باب صلاة الخوف
٥١٠
فصل: فيما يجوز لبسه وما لا يجوز
٥٢٤
باب صلاة العيدين
٥٣٦
فصل: في التكبير المرسل والمقيد
٥٥٠
باب صلاة الكسوفين
٥٥٨
باب صلاة الاستسقاء
٥٦٩
باب في حكم تارك الصلاة المفروضة
٥٨٩
فهرس الكتاب
٥٩٥
* * *
стр. 933
كِتابُ الْجَنَائِزِ
لِيُكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ
ــ
كتاب الجنائز
مفردها (جنازة) وهي بفتح الجيم: اسم للميت، وبكسرها: اسم للنعش، وقيل: عكسه، وقيل: هما اسم للسرير. ولا يقال للنعش: جِنازة إلا إذا كان عليه ميت مكفن.
قال: (ليكثر ذكر الموت) أي: ندبًا: لأنه أزجر له عن المعاصي، وأدعى إلى فعل الطاعات.
وقال ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات .. الموت)، حسنه الترمذي [٢٣٠٧]، وصححه ابن حبان [٢٩٩٢] والحاكم [٤/ ٣٢١].
وفي بعض طرقه: (فإنه ما كان في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره) أي: كثير من الأمل وقليل من العمل.
و (الهاذم) بالذال المعجمة: القاطع.
وروى البيهقي [هب ١٠٥٥٦] والطبراني عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال: (كفى بالموت واعظًا).
و (الموت): مفارقة الروح الجسد.
قال: (ويستعد بالتوبة) أي: حتمًا: فإن الموت قد يأتيه بغتة.
وفي الحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، هكذا رواه ابن ماجه [٤٢٥٠] بإسناد ضعيف. قال ابن الصلاح: لم أجد له إسنادًا يثبت بمثله.
وروي هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء جُبَيْبُ بن الحارث إلى
стр. 934
وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَالْمَرِيضُ آكَدُ
ــ
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني رجل مقراف للذنوب - أي: كثير المباشرة لها - قال: (فتب إلى الله يا جبيب)، قال: يا رسول الله؛ إني أتوب ثم أعود! قال: (فكلما أذنبت .. فتب) قال: يا رسول الله؛ إذًا تكثر ذنوبي! قال: (عفو الله أكثر من ذنوبك).
و (جُبيب) - بالجيم: تصغير جب - فرد في الأسماء، هكذا ذكره الدارقطني. و (الاستعداد) للشيء: التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه.
قال: (ورد المظالم)؛ لأنه من جملة الاستعداد للموت، ونص عليه وإن كان داخلًا في التوبة كما فعل في (الاستسقاء)، ولو عبر بالخروج .. كان أعم.
قال: (والمريض آكد)؛ لأنه إذا ذكر الموت .. رق قلبه، فرجع عن الظلم والمعاصي وأقبل على الطاعات.
فروع:
يستحب للمريض الصبر والرضا بقضاء الله ؛ فإنما يثاب عليهما لا على المصائب نفسها.
وكره بعض الأصحاب للمريض الأنين والتأوه وكثرة الشكوى؛ لأن ذلك يدل على ضعف اليقين، ويورث شماتة الأعداء. قال، المصنف: وهذا ضعيف أو باطل.
ويكره سب الحمى.
ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلمًا، فإن كان ذميًا .. جاز ولا تستحب إلا لذي قرابة أو جوار ونحوهما.
وينبغي للزائر أن يطيب نفس المريض، ولا يطيل المكث عنده، ويواصل الزيارة للقريب والصديق، ويجعلها للأجنبي غِبَا وأن يكون كما قال الشاعر [من المجتث]:
стр. 935
وَيُضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ لِجَنْبِهِ الًايْمَنِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
ــ
مرضت، لله قوم .... ما فيهم من جفاني
عادوا وعادوا وعادوا .... على اختلاف المعاني
وتستحب العيادة من وجع العين: لأن النبي ﷺ عاد زيد بن أرقم من رمد، رواه أبو داوود [٣٠٩٤] والحاكم [١/ ٣٤٢] والبيهقي [٣/ ٣٨١] بإسناد صحيح.
وقال ابن الصلاح في (رحلته): لا تسن عيادة الأرمد. وهذا الحديث حجة عليه.
وروى الطبراني في (معجمه الكبير): أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل، والضرس.
قال البيهقي في (الشعب) [٩١٩٣]: الصحيح وقفه على يحيي بن أبي كثير، قال: وأما ما رواه جابر: أن النبي ﷺ قال: (لا غم إلا غم الدَّين، ولا وجع إلا وجع العين) .. فحديث منكر.
وفي (الرحلة) - أيضًا - عن أبي عبد الله الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا.
وفي (الإحياء): إنما يعاد المريض بعد ثلاثة أيام، ويدل له ما رواه ابن ماجه [١٤٣٧] عن أنس قال: (كان النبي ﷺ لا يعود المريض إلا بعد ثلاثة أيام).
قال: (ويضجع المحتضر لجنبه الأيمن إلى القبلة على الصحيح) كما في اللحد، هذا هو المنصوص، وصححه الأكثرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
و (المحتضر): من حضره الموت ولم يمت، وهذه التسمية مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ و (حضرة الموت): غاية قربه.
стр. 936
فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانٍ وَنَحْوِهِ .. أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ
ــ
قال: (فإن تعذر لضيق مكان ونحوه .. ألقي على قفاه ووجهة واخمصاه إلى القبلة)؛ لأن الممكن. وينبغي - على هذا- أن يرفع رأسه قليلًا حتى يكون مستقبل القبلة بوجهه.
والثاني: يضجع على قفاه مع عدم التعذر، وبه قطع الإمام ووالده، وعلية عمل الناس.
ودليل التوجه إلى القبلة في الجملة: ما رواه أبو داوود: أن ألنبي ﷺ حين قدم المدينة - سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفي في صفر وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى بأن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ : (أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده (ثم ذهب فصلى عليه وقال: (اللهم؛ اغفر له وارحمه، وأدخله جنتك وقد فعلت (قال الحاكم [١/ ٣٥٣]: حديث صحيح لا أعلم في توجيه المحتضر غيره.
وقال ابن أبي الصيف: هذا الاستقبال مستحب، وفي اللحد واجب.
و (الأخمصان): باطن القدمين المنخفض من أسفلهما.
وفي (دلائل النبوة) للبيهقي: (أن النبي ﷺ كان يطأ بقدمه كلها ليس لقدميه أخمص). وكذا قال عطاء، لكن وصفة ربيبة هند بن أبي هالة بأنه خمصان الأخمصين، يعني: أنهما مرتفعان عن الأرض.
قال: (ويلقن الشهادة) وهي: كلمة لا إله إلا الله؛ لقوله ﷺ : (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله) رواه مسلم [٩١٦]. زاد ابن أبي الدنيا: (فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته .. إلا كانت زاده إلى الجنة).
وروي أبو داوود، [٣١٠٧] عن معاذ: أن النبي ﷺ قال: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله .. دخل الجنة).
стр. 937
بِلاَ إِلْحَاحِ،
ــ
ونقل في (الروضة) عن الجمهور الاقتصار على: لا إله إلا الله.
وقال القاضي أبو الطيب وجماعة من الأصحاب: يلقنه الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن المقصود ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا، وهو لا يسمى مسلمًا إلا بهما. والأولى أصح.
أما إذا كان المحتضر كافرًا .. فينبغي الجزم بتلقيه الشهادتين: لأنه لا يصير مسلمًا إلا بهما.
وينبغي أن يكون الملقن غير وارث، حتى لا يتهمه باستعجال موته، فإن لم يكن عنده إلا الورثة .. لقنه أبرّهم به وأحبّهم إليه.
قال: (بلا إلحاح)؛ لئلا يتضجر فيقع فيما لا ينبغي. والأولى أن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، بل يقول بحضرته حتى يسمع ليتفطن فيقول، إلا أن يكون كافرًا فيقول له: (قل) كما قال ﷺ لعمه أبي طالب وللغلام اليهودي.
وقال الماوردي: التلقين يكون قبل التوجه للقبلة.
وقال في (الإقليد): إذ أمكن الجمع .. فعلا معًا، وإلا .. بدأ بالتلقين: لكونه أهم.
فإذا قالها مرة .. لا تكرر عليه ما لم يتكلم. ولا يكلم بعدما لتكون آخر كلامه، فإن تكلم بعدها .. أعيد التلقين لتكون أخر كلامه.
وما أحسن ما اتفق لأبي زرعة الرازي لما حضرته الوفاة .. كان عنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم فاستحيا أن يلقناه، فتذاكرا حديث التلقين فأرتج عليهما، فبدأ أبو
стр. 938
وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ (يس)،
ــ
زرعة وهو في النزع فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله)، ثم خرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول: (دخل الجنة).
قال: (ويقرأ عنده (يس)؛ لما روى أبو داوود [٣١١٢] والنسائي [سي ١٠٧٥] وابن حبان [٣٠٠٢] عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: (اقرؤوا على موتا كم (يس).
قال ابن الرفعة: ويستحب أن يقرأ عند المريض مطلقًا؛ ففي (رباعيات أبي بكر الشافعي): أن النبي ﷺ قال: (ما من مريض يقرأ عنده (يس) إلا مات ريانًا، وأدخل قبره ريانًا، وحشر يوم القيامة ريانًا).
وروى الآجري في (النصيحة) عن أم الدرداء: أن النبي ﷺ قال: (ما من ميت يقرأ عنده (يس) إلا هون الله عليه).
وروى الحارث بن أبي أسامة [بغية ٤٦٨]: أن النبي ﷺ قال: (من قرأها وهو خائف .. أمن، أو جائع .. شبع، أو عطشان .. سقي، أو عار .. كسي، أو مريض .. شفي ... (حتى ذكر خلالًا كثيرة.
واستحب أبو الشعثاء التابعي الكبير قراءة (سورة الرعد)، وكأن ذلك - والله أعلم - لقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
فرعان:
أحدهما: قال الجيلي: يستحب تجريع المحتضر ماء؛ فإن العطش يغلب من شدة النزع، فيخاف منه إزلال الشيطان؛ إذ ورد أنه يأتي بماء زلال يقول له: قل: لا إله غيري حتى أسقيك. نسأل الله تعالى الثبات عند الممات بمحمد وآله ﷺ .
الثاني: في (الرونق) و (اللباب): لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو
стр. 939
وَلْيُحْسِنْ ظَنَّه بِرَبِّهِ
ــ
في النزع، وكأن السبب في ذلك ما تقدم في أول (باب الغسل): أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب.
قال: (وليحس ظنه بربه ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى.
وروي مسلم [٢٨٧٧] عن جابر: أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى (ومعناه: يموت وهو ظان أنه يرحمه. وقال الخطابي: معناه: حسنوا أعمالكم ليحسن ظنكم بربكم؛ فمن حسن عمل .. حسن ظنه، من ساء عمله .. ساء ظنه.
أما في حال الصحة .. فأصح الوجهين: أن يكون رجاؤه وخوفه سواء؛ لأن الغالب في القرآن ذكر الترغيب والترهيب مقترنين.
والثاني: يكون خوفه أرجح.
فائدة:
حكي الغزالي عن ابن سريج: أنه رأى في مرض موته في النوع كأن القيامة قد قامت والله تعالى يقول: أين العلماء؟ فجاءوا فقال: ما عملتم فيما علمتم؟ قالوا: قصرنا وأسأنا، قال: فأعاد السؤال، فقالوا كذلك، قال:. فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي شرك وقد وعدت أن تفغر ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم، ثم مات بعد ثلاث ليال رحمة الله تعالى.
стр. 940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فروع:
يستحب لمن حضره أن يحسن ظنه، ويقرأ عنده آيات الرجاء، وحكايات الصالحين عند الموت.
ويستحب طلب الموت في بلد شريف.
ويستحب طلب الدعاء من المريض.
وأن لا يجزع من الموت، ولا بأس بالجزع من الذنوب.
وأن يكون شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه، وليحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.
فائدة:
الظن في الشرع ينقسم إلى: واجب ومندوب وحرام ومباح.
فالواجب: حسن الظن بالله .
والحرام: سوء الطن به ، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾، وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين.
وعلى هذا يحمل قوله ﵊: (إياكم والظن؛ فإن الطن أكذب الحديث) أي: الظن بالمسلم من غير سبب.
والمندوب: حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين.
والجائز: كقول الصديق لعائشة ﵄: (إنما هما أخواك وأختاك)، فاستجاز الظن لما وقع في قلبه أن ذا بطن امرأته أنثى.
ومن هذا القسم: الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الرِّيَب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم ظن السوء به؛ لأنه قد دل على نفسه، فمن ستر على نفسه .. لم
стр. 941
وَإِذَا مَاتَ .. غُمِّضَ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، وَسُتِرَ جَمَيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفيفٍ، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ،
ــ
يظن به إلا خيرًا، ومن دخل مداخل السوء .. اتهم، ومن هتك نفسه .. ظننا به السوء.
ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين: ما يحصل بظن الشاهدين في التقويم، وأروش الجنايات، والبينات عند الحكام، وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع ويجب العمل به قطعًا.
قال: (وإذا مات .. غُمِّض)؛ لأن ألنبي ﷺ أغمض أبا سلمة لما مات وقال: (إن الروح إذا قبض .. تبعة البصر (رواه مسلم [٩٢٠]، ولأنه إذا لم يغمض .. قبح منظره، وقيل: إن العين أول شيء يسرع إليه الفساد.
ويحسن أن يقال عنا تغميضه: باسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ .
قال: (وشد لحياه بعصابة) المراد: عصابة عريضة تأخذ جميع لحييه، وتربط فوق رأسه، لئلا يبقي فمه منفتحًا فتدخل فيه الهوام.
قال: (ولينت مفاصله)؛ تسهيلًا لغسله، فيرد ساعده إلى عضده ثم يمدها، ويرد ساقه إلى فخذه، وفخذية إلى بطنه، ويلين أصابعه أيضًا، فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيه بعض حرارة، فإذا لينت المفاصل في تلك الحالة .. لانت، وإلا .. لم يمكن تليينها بعد ذلك.
قال: (وستر جميع بدنه بثوب خفيف)؛ لئلا يسرع فساده.
وفي (الصحيحين) [خ١٢٤٢ - م٩٤٢] عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سجي بثوب حبرة حين مات).
وينبغي أن يجعل أطراف الثوب تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف، أما المحرم .. فيستر منه ما يجب تكفينه.
قال: (ووضع على بطه شيء ثقيل)؛ لئلا ينتفخ.
ويصان المصحف وكتب الحديث والعلم عن ذلك؛ ففي (سنن البيهقي) [٣/ ٣٨٥]
стр. 942
وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحَتَضرٍ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، وَيُبَادَرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ
ــ
أن مولى لأنس مات فقال أنس: (ضعوا على بطنه حديدة؛ لئلا ينتفخ) ولهذا ينبغي أن يكون حديدًا كمرآة أو سكين، فإن لم يكن .. فقطعة طين رطب.
قال: (ووضع على سرير ونحوه)؛ لئلا تصيبه نداوة الأرض فتغيره، ولا يوضع على فراش؛ لأنه أسرع إلى انتفاخه.
قال: (ونزعت ثيابه) أي: التي مات فيها؛ فإنها تسرع إليه الفساد. وقيدها في (الوسيط) بالثقيلة المُدْفِئة.
قال: (ووجه للقبلة كمحتضر) كما تقدم.
قال: (ويتولى ذلك أرفق محارمه) أي: جميع ما تقدم؛ احترامًا للميت، فيتولاها الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة، فإن تولاها محرم أو أجنبي .. جاز.
قال: (ويبادر بغسله إذا تيقن موته)؛ لما روى أبو داوود [٣١٥١] أن النبي ﷺ عاد طلحة بن البراء، فلما انصرف قال: (إني أرى قد حدث فيه الموت، فإذا مات .. فآذنوني حتى أصلي عليه، وعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله).
فروي أنه توفي ليلًا فقال: (ادفنوني وألحقوني بربي ، ولا تدعوا رسول الله ﷺ ليلًا فإني أتخوف عليه اليهود، فلما أخبر به النبي ﷺ بعد دفنه .. أتى إلى قبره فصف الناس وصلى عليه، ثم رفع يديه وقال: (اللهم؛ ألق طلحة وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك)، ومعناه: ألقه لقاء متحابين مظهرين لما في أنفسهما من رضا ومحبة.
وتحقق الموت يكون بالعلامات، وهي: أن تسترخي قدماه، أو يميل أنفه، أو ينخسف صدغاه، أو تميل جلدة وجهه، أو تتقلص أنثياه.
فإن شك بأن لا تكون به علة واحتمل طروء سكتة عليه .. فيؤخر إلى حصول اليقين بتغير الرائحة وغيره.
стр. 943
وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ .. فُرُوضُ كِفَايَةٍ. وَأَقَلُّ الْغُسْلِ: تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، وَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
غريبة:
حكي ابن عساكر: أن يعقوب الماجشون جد عبد الملك صاحب مالك مات ووضع على السرير واجتمع الناس للصلاة عليه، فوجد الغاسل عِرقًا تحت وجله يتحرك! فقال: أرى أن يؤخر غسله إلى غد، فلما أصبحوا واجتمع الناس للصلاة عليه .. وجده الغاسل كذلك فصرف عنه الناس، ثم كذلك في اليوم الثالث، ثم إنه استوي جالسًا وقال: اسقوني سويقًا فسقوه، وسألوه عن حاله فقال: عرج بروحي إلى السماء الدنيا ففتح لها الباب، ثم كذلك إلى السماء السابقة فقيل للملك الذي عرج بي: من معك؟ قال: الماجشون، فقال: إنه بقي من عمره كذا كذا شهرا وكزا كذا يومًا وكذا كذا ساعة، قال: ثم هبط بي فرأيت النبي ﷺ وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه فقلت للملك الذي معي: إنه لقريب المنزلة من رسول الله ﷺ ! فقال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق.
قال: (وغسل وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. فروض كفاية) بالإجماع.
قال: (وأقل الغسل: تعميم بدنه) كما في غسل الحي من الجنابة والحيض، سواء كان عليه غسل جنابة أو حيض أم لا.
قال: (بعد إزالة النجس) كذا قاله في (الروضة) أيضا.
وكان ينبغي للمصنف أن يستدركه؛ فإن الصحيح عنده: أن الغسلة الواحدة تكفي للحدث والخبث كما تقدم في (باب الغسل)، إلا أن يقول المصنف هنا: إن صورة المسألة في نجاسة لا يصل الماء إلى العضو إلا بعد إزالتها، فيستقيم الكلام.
قال: (ولا تجب نية الغاسل في الأصح)؛ لأن المقصود منه النظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، ولأن الميت ليس من أهل النية.
والثاني: تجب؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النية كغسل الجنابة.
стр. 944
فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كَافِرِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ غَسْل الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَكْمَلُ: وَضْعُهُ بِمَوْضِعِ خَالٍ مَسْتُورٍ عَلَى لَوْحٍ، وَيُغَسَّلُ فِي قِميصٍ
ــ
وكيفية النية: أن ينوي بقلبه - عند صب الماء القراح - الغسل الواجب أو غسل الميت.
وبني المتولي الوجهين على الخلاف في نجاسته بالموت؛ إن قلنا: لا ينجس .. اشترطت، وإلا .. فلا.
قال: (فيكفي غرقه أو غسل كافر)؛ بناء على عدم وجوبها.
قال: (قلت: الصحيح المنصوص: وجوب غسل الغريق والله أعلم)؛ لأنا مأمورون بغسله ولم يغسل، ولو ماتت كافرة .. جاز لزوجها المسلم غسلها.
قال: (والأكمل: وضعة بموضع خال) لا يدخله إلا الغاسل ومعينه أو الولي؛ لأن الحي يحرص على ذلك، ولأنه قد يكون فيه ما لا يحب أن يطلع عليه غيره.
والأفضل أن يكون تحت سقف؛ لأنه أستر نص عليه.
وقيل: تحت السماء لتنزل عليه الرحمة.
قال: (مستور) أي: لا يكشفه أحد من كوَّة ولا جدار لما ذكرناه.
قال: (على لوح)، لئلا يصيبه الرشاش، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء، ولأن النبي ﷺ غسل على سرير، وبقي إلى أن غسل عليه يحيى بن معين وحمل عليه لما مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين.
قال: (ويغسل في قميص)؛ لما روى بريدة ﵁ قال: (لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم مناد داخل البيت: لا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصه) رواه ابن ماجه [١٤٦٦] والحاكم [١/ ٣٥٤] وأبو داوود بمعناه [٣١٣٣].
وقال المزني: إن ذلك خاص بالنبي ﷺ : لجلالته وعظيم قدره.
стр. 945
بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَاءِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا ليَخْرُجَ مَا فِيهِ،
ــ
وليكن القميص باليًا، ويدخل يده فيغسله من داخل القميص، وإلا .. فتق رؤوس التخاريص ثم يدخل يده في موضع الفتق، كذا قاله في (البحر).
فإن لم يكن قميص .. ستر منه ما بين سرته وركبته، وسيأتي حكم نظر الغاسل في زيادة المصنف في أخر الباب.
قال: (بماء بارد)؛ لأنه يشد البدن والمسخن يرخيه، اللهم إلا أن يحتاج إلى المسخن لوسخ، أو خوف الغاسل من البرد فيغسله بالمسخن تسخينًا لطيفًا.
وقال أبو حنيفة: المسخن أولى مطلقًا.
ويقال: إن الحافظ أبا الفرج بن الجوزي أوصى أن يسخن ماء غله ببراية أقلامه التي كتب بها العلم.
سوروى البخاري في (الأدب) [٦٥٢] والطبراني [٢٥/ ١٨٢] والنسائي [٤/ ٢٩] عن أبي الحسن مولى أم قيس بنت محصن الأسدية ﵂ أنها قالت: توفي ابني فجزعت عليه فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد تقتله! فانطلق عكاشة إلى النبي ﷺ فأخبره بقولها، فتبسم ﷺ وقال: (طال عمرها)، قال: فلا أعلم امرأة عمرت ما عمرت.
قال: (ويجلسه الغاسل على المغتسل مائلًا إلى ورائه)؛ ليسهل خروج ما في بطنه.
قال: (ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه)؛ لئلا يتمايل رأسه. و (القفا) مقصور، وجوز الفراء مده، وهو: مؤخر العنق.
قال: (ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى، ويمر يساره على بطنه إمرارًا بليغًا ليخرج ما فيه). وهذا أول ما يفعله الغاسل إذا وضعة على المغتسل، ويكثر في هذه الحالة من البخور وصب الماء لئلا تفوح الرائحة.
стр. 946
ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَي وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذَىً، وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَاسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ
ــ
قال: (ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوأتيه)، كما يستنجي الحي بعد التغوط والبول.
وفي (النهاية) و (الوسيط): يغسل كل سوءة بخرقة، وهو أبلغ في النظافة.
قال: (ثم يلف أخري) أي: بعد إلقاء الأولى وغسل يده بماء وأشنان إن تلوثت.
قال: (ويدخل إصبعه فمه ويمرها على أسنانه) كما يستاك الحي، والظاهر: أن ذلك يكون يبده اليسرى وقد صرح به في (الكافي)، وقد تقدم: أن الأصح حذف الميم من الفم.
قال: (ويزيل ما في منخريه من أذى) ويكون ذلك بطرف إصبعه الخنصر.
قال: (ويوضئه كالحي) - أي: ثلاثًا ثلاثًا - ويراعي المضمضة والاستنشاق؛ لقوله ﷺ لأم عطية: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)، والمضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء، فيدخل إصبعه في فيه ويمرها على أسنانه بشيء من الماء، وكذلك يدخل طرف إصبعه في منخريه بشيء؛ ليزيل ما فيهما قبل الوضوء، والظاهر: أن إدخال الإصبع في الفم والأنف غير المضمضة والاستنشاق.
قال: (ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه)؛ لقوله ﷺ لأم عطية: (اغسلنها بماء وسدر) رواه الشيخان [خ ١٢٥٣ - م٩٣٩].
стр. 947
وَيُسَرِّحُهُمَا بِمِشْطِ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقِ، وَيَرُدُ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ. وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأيْمَنَ ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَر كَذَلِكَ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ
ــ
والسدر أولى من الخطمي؛ لأنه أمسك للبدن.
قال في (الدقائق): وتعبيره ب (ثم) لينبه على استحباب الترتيب، وهو مراد (المحرر) بقوله: (ولحيته).
قال: (ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق)؛ ليقل الانتتاف. وقال أبو حنيفة وسائر الفقهاء: لا يسرح.
و (المشط) فيه لغات: ضم الميم مع إسكان الشين، ومع ضمها أيضًا، وكسر الميم مع إسكان الشين.
قال: (ويرد المنتتف إليه) المراد: أنه يضعه معه في الكفن. وفي (الكفاية) عن القاضي: أنه لا يرده.
قال: (ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر) من صفحة العنق إلى القدم.
قال: (ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك).
أما البداءة بالأيمن .. فلحديث أم عطية أنها لما غسلت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لها: (ابدأن بميامنها).
وأما الشق الذي يلي الوجه .. فلشرفه.
قال: (فهذه غسلة) ليس المراد: أنها الغسلة الواجبة، بل المراد: أنها غسلة واحدة مما يراد للتنظيف والإنقاء؛ وإنما قلنا ذلك؛ لذكره السدر فيها، وسيأتي: أنه يمنع من الاعتداد بها.
стр. 948
وَتُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ ثُمَّ يُصَبَّ مَاءٌ قَرَاحٌ مِنْ فَرْقِةِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلُ كَافُورٍ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ .. وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ،
ــ
قال: (وتستحب ثانية وثالثة) كغسل الجنابة، فإن لم ينق .. زاد.
ويستحب الإيتار؛ لحديث أم عطية: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك).
قال الماوردي: والثلاث أدنى الكمال، والخمس أوسط، والسبع أكثره، والزيادة سرف.
قال: (وأن يستعان في الأولى يسدر أو خطمي)؛ للحديث.
قال: (ثم يصب ماء قَراح) أي: خالص، وهو يفتح القاف.
قال: (من فرقة إلى قدمه بعد زوال السدر) فهذه أول الثلاث، ويندب بعدها ثانية وثالثة.
قال: (وأن يجعل في كل غسلة قليل كافور)؛ لأن الجسد يتصلب به، وتنفر الهوام من رائحته، وهو في الأخيرة آكد؛ لقوله ﷺ : (واجعلن في الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافور). ويستثنى من ذلك المحرم كما سيأتي في بابه. واحترز ب (القليل) عن الكثير؛ فإنه إذا تفاحش .. سلب الطهورية، أما الصلب .. فلا يسلب؛ لأن الغالب أنه إنما يغير بالمجاورة لا بالمخالطة.
واذا كمل غسلة .. استحب تنشيفه بلا خلاف، بخلاف طهارة الحي، ويستحب أن تلين مفاصله.
قال: (ولو خرج بعده نجس .. وجب إزالته فقط)؛ لأن الفرض قد سقط بما وجد، والتنظيف يحصل بإزالة ما حدث سواء كان من المخرج المعتاد أو غيره.
стр. 949
وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الوُضُوءِ. وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ،
ــ
وقوله: (بعده) أي: بعد الغسل، هذا إذا لم يدرج في الكفن، فإن كفن .. لم يجب غسل النجاسة أيضًا.
قال: (وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج)؟ لأنه ينقض الطهر وطهر الميت غسل جميعه.
قال: (وقيل:) مع (الوضوء) كالحي إذا خرج منه شيء بعد الوضوء، وألزم قائله النقض بوقوع كف الميت على ذكره فالتزمه.
فلو خرج من غيره .. لم يجب إلا إزالته قطعًا.
فرع:
يستحب أن يغطى وجه الميت بخرقة من أول ما يوضع على المغتسل، نقله المزني عن الإمام الشافعي ﵁، واستحب هو إعادة الوضوء في كل غسلة.
ويندب أن يضفر شعر المرأة وأن يجعل ثلاثة قرون كما في الحديث.
قال: (ويغسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة) هذا هو الأصل، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وقد يغسل الرجل المرأة وعكسه كما سيأتي.
قال: (ويغسل أمته) بالقياس على الزوجة خلافًا لأبي حنيفة، والمراد: الأمة التي ليست معتدة ولا مزوجة ولا مستبرأة.
واحترز عن المبعضة فلا يغسلها ولا تغسله؛ لأنها ليست أمته.
ولا يجوز للأمة تغسيل سيدها، لأن القنة تنتقل للورثة، والمدبرة وأم الولد تعتقان بالموت، بخلاف ملك النكاح فإن حقوقه لا تنقطع بدليل التوارث، ولأجل الإشارة إلى هذا لم يقل الصنف: وهي سيِّدهَا كما فعل في الزوجين.
قال: (وزوجته)؛ لقوله ﷺ لعاثشة: (ما ضرك لو مت قبلي،
стр. 950
وَهِيَ زَوْجَهَا، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلاَمَسَّ
ــ
فقمت عليك فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك (رواه ابن ماجه [١٤٦٥] وصححه ابن حبان [٦٥٨٦]. و (غسل علي فاطمة ﵄.
ولا يمنع ذلك تزويج أختها وأربع سواها على الأصح.
لكن يستثنى من ذلك الرجعية، فحكمها في ذلك كالأجنبية؛ لأنها كانت محرمة في الحياة فاستصحب ذلك بعد الموت.
ولو كان له أكثر من زوجة وتنازعن في غسله .. أقرع بينهن.
قال: (وهي زوجها)؛ لقول عائشة ﵂: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت .. ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) رواه أبو داوود [٣١٣٣] والحاكم [٣/ ٥٩] وقال: على شرط مسلم.
وأوصى أبو بكر ﵁: أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته، وقالت عائشة وفي الله عنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (رحم الله رجلًا غسلته امرأته وكفن في أخلاقه)، قالت: ففعل ذلك بأبي بكر ﵁ رواهما البيهقي [٣/ ٣٩٧].
وإذا جوزناه للمرأة .. فيجوز أبدًا، وقيل: ما لم تتزوج، وقيل: ما لم تنقض عدتها بأن تضع حملًا عقب موته.
ولا يفترق الحال بين المسلمة والكافرة كما سبق.
قال: (ويلفان خرقة) أي: السيد وأحد الزوجين؛ حفظًا للطهارة.
قال: (ولا مس) عبارة (المحرر): وإذا غسل أحدهما. الآخر .. فينبغي أن يلف خرقة على يده ولا يمسه، وهي أوضح من عبارة المصنف.
فإن لم يلف .. قال القاضي ومتابعوه: يصح الغسل بلا خلاف. ولا يخرج على الخلاف في انتقاض طهر الملموس؛ لأن الشرع أذن فيه للحاجة، وأما الغاسل .. فالأصح فيه: الانتقاض.
следующие страницы →