Полный текст (5 377 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَي وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذَىً، وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَاسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ
ــ
قال: (ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوأتيه)، كما يستنجي الحي بعد التغوط والبول.
وفي (النهاية) و (الوسيط): يغسل كل سوءة بخرقة، وهو أبلغ في النظافة.
قال: (ثم يلف أخري) أي: بعد إلقاء الأولى وغسل يده بماء وأشنان إن تلوثت.
قال: (ويدخل إصبعه فمه ويمرها على أسنانه) كما يستاك الحي، والظاهر: أن ذلك يكون يبده اليسرى وقد صرح به في (الكافي)، وقد تقدم: أن الأصح حذف الميم من الفم.
قال: (ويزيل ما في منخريه من أذى) ويكون ذلك بطرف إصبعه الخنصر.
قال: (ويوضئه كالحي) - أي: ثلاثًا ثلاثًا - ويراعي المضمضة والاستنشاق؛ لقوله ﷺ لأم عطية: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)، والمضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء، فيدخل إصبعه في فيه ويمرها على أسنانه بشيء من الماء، وكذلك يدخل طرف إصبعه في منخريه بشيء؛ ليزيل ما فيهما قبل الوضوء، والظاهر: أن إدخال الإصبع في الفم والأنف غير المضمضة والاستنشاق.
قال: (ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه)؛ لقوله ﷺ لأم عطية: (اغسلنها بماء وسدر) رواه الشيخان [خ ١٢٥٣ - م٩٣٩].
стр. 947
وَيُسَرِّحُهُمَا بِمِشْطِ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقِ، وَيَرُدُ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ. وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأيْمَنَ ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَر كَذَلِكَ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ
ــ
والسدر أولى من الخطمي؛ لأنه أمسك للبدن.
قال في (الدقائق): وتعبيره ب (ثم) لينبه على استحباب الترتيب، وهو مراد (المحرر) بقوله: (ولحيته).
قال: (ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق)؛ ليقل الانتتاف. وقال أبو حنيفة وسائر الفقهاء: لا يسرح.
و (المشط) فيه لغات: ضم الميم مع إسكان الشين، ومع ضمها أيضًا، وكسر الميم مع إسكان الشين.
قال: (ويرد المنتتف إليه) المراد: أنه يضعه معه في الكفن. وفي (الكفاية) عن القاضي: أنه لا يرده.
قال: (ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر) من صفحة العنق إلى القدم.
قال: (ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك).
أما البداءة بالأيمن .. فلحديث أم عطية أنها لما غسلت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لها: (ابدأن بميامنها).
وأما الشق الذي يلي الوجه .. فلشرفه.
قال: (فهذه غسلة) ليس المراد: أنها الغسلة الواجبة، بل المراد: أنها غسلة واحدة مما يراد للتنظيف والإنقاء؛ وإنما قلنا ذلك؛ لذكره السدر فيها، وسيأتي: أنه يمنع من الاعتداد بها.
стр. 948
وَتُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ ثُمَّ يُصَبَّ مَاءٌ قَرَاحٌ مِنْ فَرْقِةِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلُ كَافُورٍ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ .. وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ،
ــ
قال: (وتستحب ثانية وثالثة) كغسل الجنابة، فإن لم ينق .. زاد.
ويستحب الإيتار؛ لحديث أم عطية: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك).
قال الماوردي: والثلاث أدنى الكمال، والخمس أوسط، والسبع أكثره، والزيادة سرف.
قال: (وأن يستعان في الأولى يسدر أو خطمي)؛ للحديث.
قال: (ثم يصب ماء قَراح) أي: خالص، وهو يفتح القاف.
قال: (من فرقة إلى قدمه بعد زوال السدر) فهذه أول الثلاث، ويندب بعدها ثانية وثالثة.
قال: (وأن يجعل في كل غسلة قليل كافور)؛ لأن الجسد يتصلب به، وتنفر الهوام من رائحته، وهو في الأخيرة آكد؛ لقوله ﷺ : (واجعلن في الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافور). ويستثنى من ذلك المحرم كما سيأتي في بابه. واحترز ب (القليل) عن الكثير؛ فإنه إذا تفاحش .. سلب الطهورية، أما الصلب .. فلا يسلب؛ لأن الغالب أنه إنما يغير بالمجاورة لا بالمخالطة.
واذا كمل غسلة .. استحب تنشيفه بلا خلاف، بخلاف طهارة الحي، ويستحب أن تلين مفاصله.
قال: (ولو خرج بعده نجس .. وجب إزالته فقط)؛ لأن الفرض قد سقط بما وجد، والتنظيف يحصل بإزالة ما حدث سواء كان من المخرج المعتاد أو غيره.
стр. 949
وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الوُضُوءِ. وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ،
ــ
وقوله: (بعده) أي: بعد الغسل، هذا إذا لم يدرج في الكفن، فإن كفن .. لم يجب غسل النجاسة أيضًا.
قال: (وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج)؟ لأنه ينقض الطهر وطهر الميت غسل جميعه.
قال: (وقيل:) مع (الوضوء) كالحي إذا خرج منه شيء بعد الوضوء، وألزم قائله النقض بوقوع كف الميت على ذكره فالتزمه.
فلو خرج من غيره .. لم يجب إلا إزالته قطعًا.
فرع:
يستحب أن يغطى وجه الميت بخرقة من أول ما يوضع على المغتسل، نقله المزني عن الإمام الشافعي ﵁، واستحب هو إعادة الوضوء في كل غسلة.
ويندب أن يضفر شعر المرأة وأن يجعل ثلاثة قرون كما في الحديث.
قال: (ويغسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة) هذا هو الأصل، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وقد يغسل الرجل المرأة وعكسه كما سيأتي.
قال: (ويغسل أمته) بالقياس على الزوجة خلافًا لأبي حنيفة، والمراد: الأمة التي ليست معتدة ولا مزوجة ولا مستبرأة.
واحترز عن المبعضة فلا يغسلها ولا تغسله؛ لأنها ليست أمته.
ولا يجوز للأمة تغسيل سيدها، لأن القنة تنتقل للورثة، والمدبرة وأم الولد تعتقان بالموت، بخلاف ملك النكاح فإن حقوقه لا تنقطع بدليل التوارث، ولأجل الإشارة إلى هذا لم يقل الصنف: وهي سيِّدهَا كما فعل في الزوجين.
قال: (وزوجته)؛ لقوله ﷺ لعاثشة: (ما ضرك لو مت قبلي،
стр. 950
وَهِيَ زَوْجَهَا، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلاَمَسَّ
ــ
فقمت عليك فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك (رواه ابن ماجه [١٤٦٥] وصححه ابن حبان [٦٥٨٦]. و (غسل علي فاطمة ﵄.
ولا يمنع ذلك تزويج أختها وأربع سواها على الأصح.
لكن يستثنى من ذلك الرجعية، فحكمها في ذلك كالأجنبية؛ لأنها كانت محرمة في الحياة فاستصحب ذلك بعد الموت.
ولو كان له أكثر من زوجة وتنازعن في غسله .. أقرع بينهن.
قال: (وهي زوجها)؛ لقول عائشة ﵂: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت .. ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) رواه أبو داوود [٣١٣٣] والحاكم [٣/ ٥٩] وقال: على شرط مسلم.
وأوصى أبو بكر ﵁: أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته، وقالت عائشة وفي الله عنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (رحم الله رجلًا غسلته امرأته وكفن في أخلاقه)، قالت: ففعل ذلك بأبي بكر ﵁ رواهما البيهقي [٣/ ٣٩٧].
وإذا جوزناه للمرأة .. فيجوز أبدًا، وقيل: ما لم تتزوج، وقيل: ما لم تنقض عدتها بأن تضع حملًا عقب موته.
ولا يفترق الحال بين المسلمة والكافرة كما سبق.
قال: (ويلفان خرقة) أي: السيد وأحد الزوجين؛ حفظًا للطهارة.
قال: (ولا مس) عبارة (المحرر): وإذا غسل أحدهما. الآخر .. فينبغي أن يلف خرقة على يده ولا يمسه، وهي أوضح من عبارة المصنف.
فإن لم يلف .. قال القاضي ومتابعوه: يصح الغسل بلا خلاف. ولا يخرج على الخلاف في انتقاض طهر الملموس؛ لأن الشرع أذن فيه للحاجة، وأما الغاسل .. فالأصح فيه: الانتقاض.
стр. 951
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ .. يُمِّمَ فِي الأَصَحِّ. وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ: أَوْلاَهُمْ بِالصَّلاَةِ،
ــ
قال: (فإن لم يحضر إلا أجنبي أو أجنبية .. يمم في الأصح)؟ إلحاقًا لفقد الغاسل بفقد آلة الغسل، ولأنه تعذر غسله شرعًا.
والثاني: يغسل في ثيابه، ويلف الغاسل على يده خرقة، ويغض طرفة ما أمكنه، فإن اضطر إلى النظر .. نظر قدر الضرورة، وصححه الإمام والماوردي وآخرون.
والثالث: يدفن بلا غسل ولا تيمم.
فروع:
الأول: إذا يمم الميت لعدم الماء، ثم وجد قبل الدفن .. وجب غسله وإعادة الصلاة عليه، أو بعده .. لم ينبش.
الثاني: الصبي والصبية إذا لم يبلغا حدًا يشتهيان .. يجوز للرجال والنساء جميعًا غسلهما، فإن بلغا ذلك .. فكالبالغين،
الثالث: الخنثى المشكل مقتضى كلام (الروضة) هنا: أن لا يغسل، وصرحا في (النكاح) فيه بالاحتياط، فيجعل في حق الرجال امرأة وفي حق النساء رجلًا، وصحح في (شرح المهذب): أنه يغسله الرجال والنساء، وهذا هو المذكور في (الحاوي الصغير).
وقال في (الشرح الصغير) أيضا: الأظهر أنه يجوز للرجال والنساء غسله؛ استصحابًا لما كان في الصغر، وصححه في (الكبير).
وفي وجه ضعيف: يشتري من تركته أمة تغسله، فإن لم تكن له تركة .. فمن بيت المال.
قال: (وأولى الرجال به: أولاهم بالصلاة) عليه؛ لأن النبي ﷺ غسله عمه العباس ومعه ابنة الفضل وابن أخيه علي ﵃، وسيأتي بيان ذلك.
стр. 952
وَبِهَا: قَرَابَاتُهَا، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصَحِّ، وَأَوْلاَهُنَّ: ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلاَتِهِمْ. قُلْتُ: .. إِلاَّ أَبْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وهل تقدم زوجته على رجال العصبات؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا، بل يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأقارب، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم.
والثاني: تقدم الزوجة عليهم.
والثالث: يقدم الرجال الأقارب، ثم هي، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء المحارم.
قال: (وبها: قراباتها)؛ لوفور شفقتهن.
وكان الصواب أن يقول: ذوو قراباتها: فإن الجوهري قال: تقول ذو قرابتي، ولا تقول هم قرابتي، ولا هم قراباتي، والعامة تقول ذلك، وعبارة (المحرر) سالمة من ذلك؛ فإنه قال: وأما المرأة .. فأولى النساء بغسلها نساء القرابة.
قال: (ويقدمن على زوج في الأصح)؛ لأنهن أليق بها.
والثاني: أن الزوج يقدم عليهن؛ لأنه يطلع على ما لا يطلعن عليه.
قال: (وأولاهن: ذات محرمية) - وهي: كل امرأة لو كانت رجلًا .. لم يحل له نكاحها بسبب القرابة - لأنهن أكثر شفقة. فإن استوت اثنتان في المحرمية .. فالتي في محل العصوبة أولى كالعمة مع الخالة. واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب.
قال: (ثم الأجنبية)؛ لأنهن أوسع في النظر إليها من الرجال.
لكن يرد عليه ذات الولاء؛ فإنها تقدم على الأجانب على النص، إلا أن يقال: إنها من الأجنبيات؛ فإنه جعل الأجنبيات قسيم القرابة.
قال: (ثم رجال القرابة كترتيب صلاتهم) أي: من الأبوين أو أحدهما؛ لأنهم أشفق عليها، ويطلعون غالبًا على ما لا يطلع عليه غيرهم.
قال: (قلت: إلا ابن العم ونحوه فكالأجنبي والله أعلم) المراد: كل قريب ليس بمحرم .. فلا حق له في الغسل.
стр. 953
وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ. وَلاَ يُقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلاَ يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفُرُهُ،
ــ
قال: (ويقدم عليهم الزوج في الأصح) أي: على رجال القرابة؛ لأن الجميع ذكور وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه.
والثاني: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النكاح قد انتهى بالموت وسبب المحرمية باق.
تنبيه:
جميع ما ذكرناه من التقدم مشروط بالإسلام، وأن لا يكون قاتلًا.
ويستثنى من إطلاقه الوالي؛ فإنه يقدم على الأجانب كما صرح به الجرجاني وغيره.
والمقدم في الغسل لو فوضه إلى غيره .. جاز شرط اتحاد الجنس، فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء وبالعكس.
قال: (ولا يقرب المحرم طيبًا، ولا يؤخذ شعره وظفره)؛ لما روى الشيخان [خ ١٢٦٥ - م١٢٠٦] عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عيه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فانكسرت عنقه! فقال رسول الله ﷺ : (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا).
قال ابن قتيبة في (المعارف) في ترجمة عمر: الرجل المذكور واقد بن عبد الله. واستفيد من التعليل المذكور في الحديث: أن الحج لا يبطل بالموت، بخلاف الصلاة فإنها تبطل بالاتفاق، وفي الصوم وجهان.
واستفيد منه: تحريم ستر وجه المحرمة، ورأس الرجل وإلباسه المخيط وغير ذلك من آثار الإحرام.
ولا بأس بالبخور عند غسله - كما يجلس المحرم عد العطار - فإن طيبه إنسان أو ألبسه مخيطًا .. عصى ولا فدية، كما لو قطع عضوا من ميت، وفي وجه غريب: أنها تجب.
стр. 954
وَتُطَيَّبُ الْمُعْتدَّةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفُرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وِشِارِبِهِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: كَرَاهَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (وتطيب المعتدة في الأصح) وكذلك تكفن في الحرير، والمراد: المعتدة المُحِدَّة؛ لأن التحريم في الحياة إنما كان للتفجع على الزوج، ولميلها إلى الأزواج أو ميلهم إليها، وقد زال بالموت.
والثاني: أنه لا يجوز؛ استصحابًا للتحريم كالمحرمة.
قال: (والجديد: أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه) كما يتنظف الحي بهما؛ لأن ذلك من كمال الطهارة، وروي أنه ﷺ قال: (افعلوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم)، وكل هذه تفعل قبل الغسل.
والقديم - وهو منصوص (الأم) و (المختصر) -: لا يفعل ذلك؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيء، وقد نهى عن محدثات الأمور، فلذلك اختاره المصنف فقال:
(قلت: الأظهر: كراهته والله أعلم)؟ لأن أجزاء الميت محترمة. أما شعر الرأس .. فلا يحلق بحال؛ لأنه إنما يخلق لزينة أو نسك.
قلت: إلا أن يكون حاجًا بقي عليه الحلق ومات .. فيظهر: أن يخلق رأسه تكميلًا للنسك، ويحتمل أن لا يفعل ليأتي يوم القيامة محرمًا.
وإذا قلنا بالجديد .. تخير الغاسل في شعر الإبطين والعانة بين الحلق والإزالة بالنُّورة، وقيل: تتعين النورة في العانة؛ لئلا ينظر إلى العورة، والمذهب: التخيير، لكن لا يمس ولا ينظر من العورة إلا قدر الضرورة.
والذي يؤخذ من هذه الأجزاء يستحب أن يصر في كفنه، وقيل: لا يدفن معه بل يواري في الأرض في غير القبر.
стр. 955
فَصْلٌ:
يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ،
ــ
تتمة:
من مات غير مختون .. قطع الجمهور بأنه لا يختن، وقيل: قولان كالشعر والظفر، وقيل: يختن البالغ دون الصبي.
وأجمعوا على أنه: لا تقطع يده المستحقة القطع في سرقة أو قصاص.
قال: (فصل:
يكفن بما له لبسه حيًا) فيحرم تكفين الرجل والخنثى في الحرير والمزعفر، وكذا المصغر في الأصح، ويكره ذلك للمرأة كما سيأتي في آخر الباب.
وتكفن المرأة في الحرير على الصحيح، لكن يكره؛ لأنه سرف وغير لائق بالحال، ومال ابن الصلاح إلى تحريمه بناء على تحريم افتراشها إياه، وأما الصبي .. فتكفينه فيه مبنيُّ على جواز إلباسه.
قال: (وأقله: ثوب) أي: ساتر للعورة؛ لأن هذا القدر يجب ستره في الحياة، فيجب بعد الموت؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، وفي (الصحيحين) [خ ١٢٧٦ - م٩٤٠]: (أن النبي ﷺ كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة غطى بها رأسه فبدت رجلاه)، ولو كان الاستيعاب واجبًا .. لوجب تكميله على المسلمين.
وحكي الماوردي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: فإن، غطي من الميت قدر عورته فقط .. سقط الفرض، ولكن أخل بحق الميت.
وعلى هذا .. يختلف الثوب باختلاف الميت ذكورة وأنوثة؛ لاختلاف عورتهما.
وهل يختلف بالنسبة إلى الحرة والأمة؟ قال ابن الرفعة: الظاهر: أنه لا فرق؛ لأن الرق يزول بالموت.
وقيل: أقله ثوب يستر جميع البدن؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا - وعلى هذا .. يستثنى رأس المحرم ووجه المحرمة - وهذا الذي في (الحاوي الصغير)، وأطلق في
стр. 956
وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ
ــ
(المناسك) تصحيحه، وعبارة (المحرر) تحتمل الأمرين؛ فإنه قال: أقل الكفن ثوب واحد، ولم يصحح في (الشرح) شيئًا، وصحح المصنف في زوائد (الروضة) الأول. وقال في (الشرح الصغير): إنه أوفق لظاهر النص.
وهذا الخلاف ينبني على خلاف غريب حكاه شارح (التعجيز): أن الشخص هل يصير كله عورة بموته أو لا؟
والتعبير ب (الثوب) يشعر بأنه لا يكفي التطيين على خلاف ما صححوه في ستر عورة المصلي وهو متجه؛ لأن فيه إزراء بالميت. ويتجه: وجوب الإذخر ونحوه كالحشيش قبل التطيين.
وقيل: الواجب ثلاثة أثواب حكاه في (شرح المهذب).
قال: (ولا تنفذ وصيته بإسقاطه) أي: إسقاط الثوب الواحد؛ لأنه حق لله تعالى مستحق بالموت، بخلاف الثاني والثالث فإنهما حقه فله تركهما، كما أوصى أبو بكر ﵁ أن يكفن في قميصه الخلق فنفذت وصيته.
ومقتضى هذا التعليل - وهو القياس -: أن الذي لا تنفذ الوصية بإسقاطه إنما هو المقدار الواجب، حتى إذا قلنا بالصحيح - وهو: أن الواجب ساتر العورة فقط - نفذنا الوصية بإسقاط الزائد، وهذا هو المذكور في (الروضة)؛ فإنه عبر بقوله: الثوب الواجب بالجيم والباء.
ووقع في (شرح المهذب): أنه إذا أوصى بساتر العورة .. لا تنفذ وصيته، وكأنه اغتر بجواب الإمام والغزالي، وهما إنما أجابا به؛ لأن الواجب عندهما هو هذا المقدار خاصة.
غريبة:
أوصى أهبان بن صيفي الغفاري ﵁ لما حضرته الوفاة أن يكفن في ثوبين، قالت ابنته: فزدناه ثالثًا قميصًا فدفناه فيه، فأصبح ذلك القميص على
стр. 957
وَالأَفْضَلُ لِلرَجُلِ: ثَلاَثَةٌ، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ،
ــ
المشجب موضوعًا. قال أبو عمر: روى هذا الحديث جماعة ثقاة من البصريين وغيرهم.
قال: (والأفضل للرجل: ثلاثة)؛ لأن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، رواه الشيخان [خ ١٢٦٤ - م ٩٤١].
و (سَحُول): بلد باليمن، ويجوز في سينها الفتح والضم.
ولا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، وسيأتي في آخر الباب في زيادة المصنف.
فروع:
إذا كفن من بيت المال .. فالأصح: أنه يكفن في ثوب واحد، وإذا كفن من الموقوف على التكفين .. أفتى ابن الصلاح بأنه: لا يزاد على ثوب واحد.
ولو لم يوص وقال بعض الورثة: نكفنه بثوب وقال بعضهم: بثلاثة، أو اتفقوا على ثوب، أو كان فيهم من شملة الحجر .. كفن في ثلاثة في المسائل الثلاث.
ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: ثوب .. فثوب على الأصح.
والمحرم كغيره في استحباب الثلاث، وقال ابن سراقة: لا يزاد المحرم على ثوبيه اللذين مات فيهما.
قال: (ويجوز رابع وخامس)؛ لأن ابن عمر ﵄ كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص وعمامة، وثلاث لفائف، رواه البيهقي [٣/ ٤٠٢].
стр. 958
وَلَهَا: خَمْسَةٌ. وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلاَثَةٍ .. فَهِيَ لَفَائِفُ. وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ .. زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ. وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ .. فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ
ــ
ولا كراهة في الخمسة، أما ما زاد عليها .. فمكروه للرجال والنساء. قال المصنف: (ولو قيل بتحريمه .. لم يبعد؛ لأنه إضاعة مال إلا أنه لم يقل به أحد) اه
وقد جزم بتحريمه ابن يونس في (شرح التنبيه).
قال: (ولها: خمسة) أثواب؛ رعاية لزيادة الستر، ولأن أم عطية لما غسلت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ كان جالسًا على الباب فناولها إزارا ودرعا وخمارًا وملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر، رواه أبو داوود [٣١٤٩]. وكذلك حكم الخنثى.
قال: (ومن كفن منهما بثلاثة .. فهي لفائف)؛ تأسيًا بكفن رسول الله ﷺ . وتكون الثلاث سوابغ للمرأة، وفي الرجل وجهان:
أصحهما: كذلك.
والثاني: أن الأسفل من سرته إلى ركبته، والثاني من عنقه إلى كعبه، والثالث سابغ لجميع بدنه.
وقيل: يجعل الثاني من صدره إلى ساقه.
قال: (وان كفن في خمسة .. زيد قميص وعمامة تحتهن) كما فعل ابن عمر (وإن كفنت في خمسة .. فإزار، وخمار، وقميص) وهو: الدرع (ولفافتان) كما فعل النبي ﷺ بأم كلثوم.
قال: (وفي قول: ثلاث لفائف وإزار وخمار)؛ لأن الخمسة فيها كالثلاثة في الرجل.
стр. 959
وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ. وَمَحَلُّهُ: أَصْلُ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (ويسن الأبيض)؛ لقول النبي ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم (رواه أبو داوود [٤٠٥٨] والترمذي [٩٩٤] والحاكم [٤/ ١٨٥] وابن حبان [٥٤٢٣].
قال: (ومحله: أصل التركة) بالإجماع، ولأنه ﷺ كفن المحرم في ثوبيه، ومصعب بن عمير في نمرته. ولم يسأل عن الدين، فدل على أنه لا فرق، اللهم إلا أن يتعلق بعين التركة حق .. فإنه يقدم كما سيأتي في أول (الفرائض)، وإلا أن تكون امرأة لها زوج كما سيأتي.
فلو قال بعض الورثة: أكفنه من مالي، وقال البعض: من التركة .. كفن من التركة دفعًا للمنة.
قال: (فإن لم يكن) أي: تركة (.. فعلى من عليه نفقته من قريب) أصلًا كأن أو فرعًا.
ومقتضى هذه العبارة: أن الولد الكبير الفقير لا يجب تكفينه كما لا تجب نفقته على الصحيح عند المصنف.
والمذهب: وجوبه؛ لأن نفقته تجب إذا كان عاجزًا والميت عاجز.
قال: (وسيد)؛ لما ذكرناه. وتدخل أم الولد، والمكاتب لانفساخ كتابته.
قال: (وكذا الزوج في الأصح)؛ لأنها في نفقته في الحياة فأشبهت القريب والسيد.
والثاني: لا؛ لأنها إنما وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع وبالموت يزول ذلك فيجب في مالها، وليست كالمريضة المدنفة؛ فإنها محل لاستمتاعه، وإلى هذا ذهب ابن أبي هريرة، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، ونسبه الشيخ أبو محمد إلى الأكثرين، وصححه الجرجاني والروياني والفارقي وابن أبي عصرون وابن
стр. 960
وَتُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا، وَكَذَا الثَّالِثَةُ، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ
ــ
الصلاح، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي مالك وأصحابه.
وحكم سائر مؤن التجهيز حكم الكفن.
وعبارة الكتاب و (المحرر) توهم: أنه إنما تجب على الزوج إذا لم يكن تركة، وليس مرادهما ذلك.
وفهم الشيخ جمال الدين عن المصنف خلاف ذلك فقال: الصواب: أنه يجب على الزوج تكفين الزوجة؛ لأنها في نفقته حال الحياة، فإن لم يكن للزوج مال .. ففي مالها، وما وقع في (المحرر) و (المنهاج) و (الشرح الصغير): (أنه في مالها، فإن لم يكن فعلى الزوج .. فخلاف الصواب) اه
وظاهر عبارة الكتاب: أنه لا فرق بين الحرة والأمة، وينبغي أن يكون على السيد إلا أن يكون قد سلمها ليلًا ونهارًا .. فتكون على الوجهين في كفن الحرة.
ولو طلقها ثلاثًا وهي حامل .. لزمه تكفينها على الأصح.
وإذا أوجبنا تكفين الزوجة .. أوجبنا تكفين خادمها.
فلو حذف المصنف لفظة (كذا) .. كان أخصر وأعم.
ولو امتنع الموسر أو فان غائبًا، فجهزت من مالها أو غيره،. رجع عليه إن صرف بإذن حاكم يراه، وإلا .. فلا رجوع على الأشبه.
قال: (وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها، والثانية فوقها، وكذا الثالثة) كما يظهر الحي أحسن ثيابه.
قال: (ويذر على كل واحدة حَنوط)؛ لئلا يسرع بلاؤها من بلل يصيبها.
قال الماوردي: وهذا من مفردات الإمام الشافعي ﵁.
و (الحَنوط) بفتح الحاء وبضم النون: يشمل الكافور والذريرة والصندل، ولا يقال لغير طيب الميت.
стр. 961
وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ، وَتُلَفُّت عَلَيْهَ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ .. نُزِعَ الشِّدَادُ.
ــ
قال: (ويوضع الميت فوقها مستلقيًا وعليه حنوط وكافور)؛ لدفع الهوام عنه. وقوله: (وكافور) لا حاجة إليه؛ لأنه يدخل فيه كما نبه عليه في (نكت التنبيه).
قال: (وتشد ألياه)؛ إحكامًا لمنع الخارج، ذلك بأن يأخذ قدرًا من القطن ويجعل عليه حنوط ويدس بينهما حتى يصل إلى الحلقة، ولا يدخله في باطنة - وقيل: لا بأس به ثم تشد أليتيه بخرقة تستوعب عانته.
قال: (ويجعل على منافذ بدنه قطن) كالعينين والأذنين والفم والفرج والجراحات النافذة خشية أن يخرج منها شيء، ويجعل على مواضع السجود أيضًا؛ إكرامًا لها.
قال: (وتلف عليه اللفائف وتشد)؛ لئلا تنتشر بحركته.
قال: (فإذا وضع في قبره .. نزع الشداد)؛ لأنه يستر بالقبر.
فروع:
يستحب أن تبخر الأكفان بالعود إذا لم يكن الميت محرمًا، وقال الإمام والغزالي: إنه أولى من تطييبها بالمسك، وخالفهما ابن الصلاح؛ لأنه أطيب الطيب، وأوصى علي ﵁: (أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله ﷺ ، وأفتى أيضا: بعدم جواز كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له
стр. 962
وَلاَ يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلاَ يُسْتَرُ رَاسُهُ وَلاَ وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ
ــ
عن صديد الموتى، وفيمن عنده قماش يكريه لتجهيز الموتى من ألوان الحرير وغيرها بأنه لا يجوز كراء ما يقصد به الزينة، ولا بأس بما المقصود به ستر الميت .. وصيانته.
وكره الغزالي التجارة في أكفان الموتى وحنوطهم وما يتعلق بذلك.
قال: (ولا يلبس المحرم الذكر مخيطًا، ولا يستر رأسه ولا وجه المحرمة)؛ إبقاء لأثر الإحرام، وكذلك لا يعقد عليه ثوب إلا الإزار، وما روي في (الصحيحين) [خ١٢٦٥ - م ١٢٠٦] من قوله ﵊: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهة (.. فهو مؤول على أن النهي عن تغطية الوجه ليس لكونه وجهًا إنما هو صيانة للرأس؛ فإن وجهة إذا ستر .. لم يؤمن أن يصل إلى الرأس.
فروع:
إذا مات الخنثى محرمًا .. قال البغوي: لا يخمر رأسه ولا وجهه. قال المصنف: إن أراد أنه مستحب .. فحسن، أو واجب .. فمشكل، وينبغي أن يكفي كشف أحدهما.
ولو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع واحد وهو غير محتاج إليه .. لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر، وقال البغوي: فإن لم يكن له مال .. لزمه بذله بلا عوض.
ولو مات له أقارب دفعة واحدة بهدم أو غيره .. قدم في التكفين وغيره من يخاف عليه الفساد، فإن استووا .. قدم الأب ثم الأم ثم الأقرب فالأقرب، فإن كانا أخوين .. قدم أسنهما، فإن كانا زوجين .. أقرع بينهما.
ولو أوصى أن يكنن في ثوب معين .. ففي إلزام الورثة بتكفينه فيه وجهان مبنيان على الوجهين فيما إذا أوصى بقضاء دينه من هذا المال هل يتعين؟
стр. 963
وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يَضَعَ الخشبتين الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقَه ِوَرَاسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلاَنِ،
ــ
قال: (وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح) كما فعل بعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة ﵃.
وروى البيهقي في (المعرفة) [٧٤٧٠]: (أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين).
والثاني: التربيع أفضل؛ لأنه أصون للميت، بل حكى في (النهاية) عن الشيخ أبي علي وجوبه؛ لأن ما دونه إزراء بالميت.
والثالث: هما سواء لحصول المقصود بكل كيفية.
كل هذا إذا أريد الاقتصار على إحدى الكيفيتين، والأفضل: الجمع بينهما بأن تحمل تارة كذا وتارة كذا.
هذا بالنسبة إلى الجنازة، أما كل واحد في حق نفسه .. فينبغي إذا جمع أن يضع ياسرة السرير المقدمة على عاتقة الأيمن ثم ياسرته المؤخرة، ثم يدور أمامها حتى لا يمشي خلفها فيضع يامنة السرير المقدمة على عاتقة الأيسر ثم يامنته المؤخرة، فيكون قد حملها على التربيع، ثم يدخل رأسه بين العمودين فيكون قد جمع بين الكيفيتين.
قال: (وهو) أي: الحمل بين العمودين (أن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان)؛ لأن المؤخرتين لو حملهما رجل .. لا يكاد يرى ما بين يديه. فيكون مجموع الحاملين ثلاثة.
قال ابن الصلاح: أما حملها على رأس اثنين فشيء لا يعرف، وبقيت نحوًا من ثلاثين سنة لم أجد ذلك منقولًا عن أحد من الأئمة إلى أن رأيته في (الإستذكار) للدارمي وهو غريب جدًا.
و (العاتق): ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر على المشهور.
стр. 964
وَالتَّرْبِيعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلاَنِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ. وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، ......
ــ
قال: (والتربيع: أن يتقدم رجلان ويتأخر آخران) فيكون الحاملون أربعة، ولهذا سميت الكيفية بالتربيع. فإذا عجز أربعة عنها .. حملها ستة أو ثمانية، وما زاد على الأربعة .. يحمل من جوانب السرير أو تزاد أعمدة معترضة تحت الجنازة كما فعل بعبد الله بن عمر ﵄؛ فإنه كان بدينًا.
وأما الصغير .. فإذا حملة واحد جاز؛ إذ لا إزراء فيه.
فرع:
قال الإمام الشافعي ﵁: ليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، فعله رسول الله ﷺ ثم الصحابة ثم التابعون.
قال: (والمشي أمامها بقربها أفضل)؛ لما روى أبو داوود [٣١٧١] وغيره - بإسناد صحيح- عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
ومن جهة المعنى: أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم. وأفضل حملتها المتقدم، وكذلك أفضل المشاة. وقال أبو حنيفة: خلفها أفضل.
وعندنا: لا فرق بين الراكب والماشي، ووهم الرافعي في (شرح المسند) حيث قال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بالاتفاق. وهو متابع الخطابي في ذلك؛ فإنه قال: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب يكون خلفها.
والركوب في الذهاب مكروه؛ لما تقدم من: (أنه ﷺ لم يركب في عيد ولا جنازة)، اللهم إلا أن يكون لعجز أو بعد الموضع .. فلا يكره، وروى الترمذي [١٠١٢] أنه ﷺ رأى ناسا ركبانًا في جنازة فقال: (ألا تستحيون؟! إن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب).
стр. 965
وَيُسْرَعُ بِهَا إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ
ــ
والركوب في الرجوع منها يأتي في آخر الباب. وجميع ما سبق مخصوص بالرجال، أما النساء .. فيكره لهن إتباع الجنائز على الأصح، وقيل: يحرم.
وحد القرب: أن يكون بحيث لو التفت رآها، فإن بعد عنها وكان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة .. حصلت له فضيلة الجماعة، وإلا .. فلا.
فرع:
لا ينقطع طلب المشي في الجنازة بالصلاة؛ لقوله ﷺ : (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها .. رجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن .. فإنه يرجع بقيراط (رواه الشيخان [خ ٤٧ - م٩٤٥].
والانصراف عن الميت إن كان عقب الصلاة .. فقيه قيراط، وإن كان بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقدر إهالة التراب .. ففي حصول القيراطين وجهان: اختار الإمام الحصول، والماوردي والمصنف عدمه؛ لظاهر الحديث.
وأما بعد الفراغ من الدفن .. فله القيراطان بلا خلاف. فإن وقف بعد ذلك على الميت واستغفر الله ودعا له .. فهو آكمل.
قال: (ويسرع بها)؛ لقوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة ...) والمراد: أن يكون ذلك فوق المشي المعتاد ودون الخبب بحيث لا يشق على من يتبعها.
قال: (إن لم يخف تغيره) بسبب الإسراع بانفجار وغيره، فإن خيف ذلك .. فالتأني أولى، وإن خيف من التأني التغير .. أسرع بها فوق الخبب.
стр. 966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مهمة:
قال الصيمري وغيره: لا يستحب للإنسان أن يعد لنفسه كفنًا في حياته؛ لئلا يحاسب عليه.
قال الروياني: وعندي أن ذلك مستحب؛ لمعرفة خلوه عن الشبهة.
قال المصنف: والذي قاله الصيمري صحيح، إلا أن يكون من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء والعباد ونحو ذلك .. فإن ادخاره حسن، وقد صح عن بعض الصحابة فعله.
والذي قاله مردود؛ فإن أمواله كلها يحاسب عليها.
وأشار بقوله: (وقد صح عن بعض الصحابة) إلى ما رواه البخاري [١٢٧٧] عن سهل بن سعد ﵁: (أن النبي ﷺ كانت عليه شملة، فطلبها منه رجل فأعطاه إياها، فأعدها ذلك لنفسه كفنًا).
وروي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة .. دعا بخَلَقِ جبة من صوف فقال: (كفنوني فيها؛ فإني كنت لقي المشركين فيها يوم بدر وهي علي، وإنما كنت أخبئها لهذا).
ولما حضرت معاوية الوفاة .. قال لابنه يزيد: (يا بني؛ إني صحبت رسول الله ﷺ ، فخرج يومًا لحاجته فاتبعته بإداوة فكساني أحد ثوبيه الذي كان على جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﷺ من أظفاره وشعره فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت .. فاجعلوا ذلك القميص مما يلي جلدي، واجعلوا الشعر والأظفار في فمي وعل عيني ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء .. فذاك، وإلا .. فإن الله غفور رحيم).
стр. 967
فَصْلٌ:
لِصَلاَتِهِ أَرْكِانٌ: أَحَدْهَا: النِّيَّةُ، وَوَقْتُهَا كَغَيْرِهَا، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ،
ــ
تتمة:
إذا مر عليه بجنازة .. فالمنصوص وقول الأكثرين: أنه لا يستحب له القيام لها بل قالوا: يكره.
قال في زوائد (الروضة): وانفرد المتولي باستحبابه، واختار في (شرح المهذب) مقالة المتولي.
قال: (فصل:
لصلاته أركان) أي: لصلاة الميت المسلم غير الشهيد.
قال الفاكهاني في (شرح الرسالة): من خصائص هذه الأمة الصلاة على الميت والإيصاء بالثلث، ويدل له من السنة ما رواه ابن ماجه [٢٧١٠] عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ اثنتان لم تكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذت بكَظَمِك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك).
(الكظم) بالتحريك: مجامع النفس، والجمع أكظام.
قال: (أحدها: النية)؛ للحديث المشهور، وفي كونها من الأركان أو الشروط الخلاف المتقدم في الصلاة.
قال: (ووقتها كغيرها) فتكون مقارنة للتكبير كما تقدم، وكيفيتها: أن ينوي مع التكبير الصلاة على هذا الميت، أو هؤلاء الأموات سواء عرف عددهم أم لا.
قال: (وتكفي نية الفرض) كما يكفي ذلك في الظهر ونحوها من غير تقييد بفرض العين.
стр. 968
وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ. وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ .. بَطَلَتْ. وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى .. نَوَاهُمْ. الثَّانِي: أَرْبَعُ تُكْبِيرَاتٍ،
ــ
قال: (وقيل: تشترط نية فرض كفاية)؛ لتتميز عن فرض العين.
وعلم من كلامه: أن نية الفرضية لا بد منها، وهو موافق لما صححوه في الصلوات الخمس. وفي الإضافة إلى الله تعالى الوجهان السابقان.
قال: (ولا يجب تعيين الميت) أي: باسمه كزيد أو عمرو؛ لأنه قد لا يعلمه.
وأما التعيين الذي يميزه عن غيره بقوله: هذا، أو الحاضر، أو من يصلي عليه الإمام .. فلا بد منه.
قال: (فإن عين وأخطأ .. بطلت) صلاته؛ لأن الذي نواه لم يقع. وخصصه المصنف بما إذا لم يشر إليه، قال: فإن أشار إليه .. صح في الأصح.
قال: (وإن حضر موتى .. نواهم) بصلاة واحدة عرف عددهم أم لا؛ لأنه قد لا تتأتى له معرفتهم.
فلو صلى على البعض ولم يعينه ثم صلى على البعض الآخر من غير تعيين .. لم يصح.
قال الروياني: ولو صلى عليهم على أنهم عشرة فبانوا أحد عشر .. أعاد الصلاة على جميعهم.
قال: ويحتمل أن يعيدها على الحادي عشر وإن لم يعينه فيقول: نويت الصلاة على من لم أصل عليه أولًا.
قال: ولو صلى على ميت وحي دفعة واحدة، فإن علم حياته .. لم تصح صلاته، وإن ظن موته .. صحت في حق الميت دون الحي، كما لو صلى الظهر قبل الزوال.
ويجب على المقتدي نية الاقتداء، ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم كما سيأتي في آخر الباب.
قال: (الثاني: أربع تكبيرات) أي: منها تكبيرة الإحرام؛ لأن آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ : (أنه كبر على سهيل بن بيضاء أربعًا) متفق عليه.
стр. 969
فَإِنْ خَمَّسَ .. لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ
ــ
وفي (المستدرك) [١/ ٣٨٦] عن ابن عباس ﵄: (آخر ما كبر النبي ﷺ على الجنازة أربعًا، وكبر عمر على أبي بكر ﵄ أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي ﵃ أربعًا، وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعًا، وكبرت الملائكة على أدم ﵇ أربعًا) كذا رواه الحافظ أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
قال القاضي عياض: (كان النبي ﷺ يكبر أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعًا، وثبت على ذلك حتى توفي ﷺ إلى رحمة الله).
قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع.
قال في (شرح المهذب): وهي أركان بلا خلاف. وكأنه لم ير ما في (اللباب) و (الرونق) أن الفرض تكبيرة الإحرام، والثلاث سنة.
وفي (طبقات الممصنف): أن البيهقي قال: التكبيرة الأولى وقراءة الفاتحة واجبتان، وأما التكبيرات الثلاث والدعاء للميت: فهل هو واجب؟ يحتمل وجهين. وفي (معتمد البدنيجي) و (الإستذكار) للدارمي وغيرهما عن ابن عباس وأنس ﵃ وجابر بن زيد وابن سيرين: أن التكبيرات ثلاث لا غير، وكذلك قال ابن سريج وجهل الرابعة سنة.
قال: (فإن خمس .. لم تبطل في الأصح)؛ لثبوت الزيادة عن النبي ﷺ في (صحيح مسلم) [٩٥٦] من رواية زيد بن أرقم، إلا أن الأربع الأولى استقر الأمر عليها.
والوجه الثاني: أنها تبطل كما لو زاد ركعة.
هذا إذا تعمد، فإن كان ساهيًا .. لم تبطل ولا مدخل للسجود هنا.
стр. 970
وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ .. لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصَحِّ، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلَّمَ مَعَهُ. الثَّالِثُ: السَّلاَمُ كَغَيْرِهَا. الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ
ــ
وقيل: تستحب الخامسة.
قال: (ولو خمس إمامه .. لم يتابعه في الأصح)؛ لأن هذه الزيادة ليست مسنونة للأمام.
والثاني: يتابعه لتأكد المتابعة.
وكان ينبغي التعبير بالأظهر كما في (الروضة)، أو المذهب كما في (شرح المهذب).
قال: (بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه) هذا تفريع على المذهب وهو: أن الخامسة غير مشروعة ولا مبطلة، فإن جعلناها مبطلة أو اعتقده المأموم .. تعينت المفارقة.
ثم إذا لم يتابعه فقيل: يسلم في الحال، والأصح: يتنظره. وهذا بخلاف ما إذا قام الإمام إلى خامسة لا يجوز انتظاره؛ لأذ المتابعة في الأفعال واجبة ولا يمكن في الخامسة فتعينت المفارقة، والأذكار التي ليست محسوبة للإمام لا تلزم المتابعة فيها.
قال: (الثالث: السلام)؛ لأنها صلاة وفي الحديث: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم).
قال: (كغيرها) أي: في عدده وكيفيته ونية الخروج وغير ذلك، وأشار بذلك أيضًا إلى التعليل.
وفي قول،: يقتصر من تسليمة وإن قلنا في غيرها تسليمتان.
والأصح: أنه يقول: ورحمة الله، والواجب منه: ما يجب في غيرها، وقيل: يكفي السلام عليك.
قال: (الرابع: قراءة الفاتحة) خلافًا للأمة الثلاثة.
стр. 971
بَعْدَ الأُولُى، قُلْتُ: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الأُولَى، َوَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
لنا: ما روى البخاري [١٣٣٥] أن ابن عباس ﵄ صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: (فعلته؛ لتعلموا أنها سنة)، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع، ولعموم قوله ﷺ : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب (رواه الدارقطني [١/ ٣٢١] وقال: إسناده صحيح.
قال: (بعد الأولى)؛ لما روى الحاكم [١/ ٣٥٨] عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعًا، يقرأ فاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى).
قال: (قلت: تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى والله أعلم)؛ لأنه لا يظهر بذلك خلل في الصلاة، وهذا يحكى عن النص. والمراد: أنه لو أخر قراءتها إلى الثانية .. جاز.
ومقتضى كلام المصنف: أنه لو أخر قراءتها إلى الثالثة أو الرابعة .. جاز أيضًا، وصرح في (شرح المهذب) بجواز أن يجمع في التكبيرة الثانية بين القراءة والصلاة على النبي ﷺ ، وفي الثالثة بين القراءة والدعاء للميت، ويجوز إخلاء التكبيرة الأولى عن القراءة.
ونقل ابن الرفعة تعيين القراءة في الأولى عن جماعة، وبه جزم المصنف في (التبيان)، وحديث أبي أمامة الآتي يدل له لا جرم.
قال الشيخ: المدرك في هذا الباب الاتباع، فينبغي أن تتعين القراءة في الأولى كما تتعين التكبيرات الأربع، إلا أن يأتي دليل بجوازها في غير الأولى.
أما قراءة السورة .. فلا تستحب في الأصح، بل نقل الإمام فيه الإجماع.
وقيل: تستحب سورة قصيرة؛ لحديث فيه صحيح في (مسند أبي يعلى الموصلي) [٢٦٦١].
стр. 972
الْخَامِسُ: الصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ َبْعَد الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآلِ لاَ تَجِبُ
ــ
قال: (الخامس: الصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لأن الحاكم [١/ ٣٥٩] روى: أنه من السنة، وقال: على شرط الشيخين، ولأنه أرجى لإجابة الدعاء.
وقال محمد بن نصر: إنها سنة فيها وأقلها: اللهم؛ صل على محمد.
قال: (بعد الثانية)؛ لما روي عن أبي أمامة (بن) سهل بن حنيف أنه قال: (من السنة في صلاة الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن مخافتة، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ويسلم) رواه عبد الرزاق [٦٤٢٨] والنسائي (بإسناد صحيح، وأبي أمامة أدرك النبي ﷺ .
قال: (والصيح: أن الصلاة على الآل لا تجب) كغيرها وأولى؛ لبنائها على التخفيف.
والثاني: تجب.
وجزمه بالوجهين مخالف لتردده في (الروضة) تبعًا ل (الشرح): فإنه قال: فيه قولان أو وجهان، بل قال في (شرح المهذب): قطع الجمهور بعدم الوجوب. ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة [على النبي ﷺ على الأصح: تقريبًا للإجابة.
وهل يستحب الحمد قبل الصلاة [على النبي ﷺ ]؟ فيه وجهان:
أرجحهما في (الروضة): نعم.
والثاني: لا، وهو مقتضى كلام الأكثرين.
قال في (الروضة): ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكنه الأولى. ومراده: ما يقوله بعد الثانية من حمد الله والصلاة على النبي ﷺ والدعاء
стр. 973
السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ. السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التّكْبيرَاتِ وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ،
ــ
للمؤمنين وذلك واضح، ولم يرد الأركان الثلاثة: القراءة والصلاة والدعاء للميت كما توهمه بعضهم.
قال: (السادس: الدعاء للميت) أي: بما يقع عليه الاسم: لأنه المقصود الأعظم منها وما قبله مقدمات له.
وروي أبو داوود [٣١٩١] وابن ماجه [١٤٩٧] وابن حبان [٣٠٧٦] أن النبي ﷺ قال: (إذا صليتم على الميت .. فأخلصوا له الدعاء).
ولا بد من تخصيص الميت، وقيل: يكفي إرسال الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ويندرج الميت فيهم.
قال: (بعد الثالثة)؛ لخبر أبي أمامة. ولا يختلف الأصحاب أنه لا يجزاء في غيرها، قال في (شرح المهذب): وليس لتخصيص ذلك إلا مجرد الإتباع. وهو مشكل بجواز قراءة الفاتحة في غير الأولى.
قال: (السابع: القيام على المذهب إن قدر)؛ لأنها صلاة مفروضة فوجب القيام
فيها كغيرها من الصلوات المفروضات.
وقيل: يجوز القعود مع القدرة كالنوافل؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان.
والثالث: إن تعينت .. وجب القيام، وإلا .. فلا.
قال: (ويسن رفع يديه في التكبيرات) أي: حذو المنكبين، كذا رواه ابن عباس عن النبي ﷺ ، وكان أنس وابن عمر يفعلانه، كذا رواه البيهقي عنهما [٤/ ٤٤] ولأنها تكبيرات تفعل حال الاستقرار فأشبهت تكبيرة الإحرام. وأجمعوا على الرفع في الأولى. ويندب أن يجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره.
قال (وإسرار القراءة)؛ لما تقدم في حديث أبي أمامة.
وعبارته قد تفهم الجهر فيما عدا القراءة، وهو في التكبيرات والسلام صحيح،
стр. 974
وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا. وَالأَصَحُّ: نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الاِفْتِتَاحِ. وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: (اللَّهُمَّ؛ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ ...) إِلَى آخِرِهِ،
ــ
وأما في الصلاة على النبي ﷺ والدعاء .. فيندب الإسرار بهما اتفاقًا. قاله في (شرح المهذب).
قال: (وقيل: يجهر ليلًا)؛ لأنها صلاة ليلية، وتفعل في النهار سرًا، فكانت في الليل جهرًا، كصلاة الكسوف، قاله الداركي وصححه القاضي وجماعة، وجوابه إطلاق الحديث المتقدم.
قال: (والأصح: ندب التعوذ دون الافتتاح) أما التعوذ .. فللقراءة ولقصره، وأما ترك دعاء الافتتاح .. فلأنها مبنية على الاختصار.
وقيل: لا يندبان؛ لطلب التخفيف.
وقيل: يندبان كالتأمين.
ومقتضى هذا التعليل: أنه إذا صلى على غائب أو على ميت بعدما دفن .. يستحب أن يأتي بدعاء الافتتاح لفقد المعنى الذي لأجله ترك.
قال: (ويقول في الثالثة: (اللهم؛ هذا عبدك وابن عبديك ... (إلى آخره) ذكره في (المحرر) بطولة وهو: اللهم؛ هذا عبدك وابن عبديك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم؛ إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم؛ إن كان محسنًا .. فزد في إحسانه، وان كان مسيئًا .. فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين.
وهذا الدعاء التقطه الإمام الشافعي ﵁ من مجموع أحاديث وذكره في (المختصر).
و (رَوح الدنيا) يفتح الراء: الفضاء والسعة.
وقوله: (نزل بك ...) أي: وضيف عندك، وضيف الكريم لا يضام، وأنت
стр. 975
وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرَنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ؛ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا .. فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا .. فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ)،
ــ
خير من نزل الأضياف عنده.
فإن كان الميت امرأة .. قال: إن هذه أمتك وبنت عبديك، ويأتي بضمائر المؤنثة إلى أخره.
قال المصنف: ولو ذكرها على إرادة الشخص .. لم يضر،
قلت: إلا في قوله: (وأنت خير منزول به) فإنه يذكر الضمير ويفرده مطلقًا، سواء كان الميت ذكرًا أو أنثى، مثَّنىً أو مجموعًا؛ لأنه عائد على الله تعالى فيذكره في كل الأحوال، وكثيرًا ما يغلط في ذلك.
أما إذا لم يعرف أن الميت ذكر أو أنثى .. فينبغي أن يأتي يلفظ يتناول النوعين، ويأتي بالضمائر مذكرة باعتبار لفظ (من)، أو إرادة الشخص أو الميت، أو يأتي يلفظ الجنازة ويؤنث باعتبارها.
قال: (ويقدم عليه) أي: استحبابًا اللهم؛ اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم؟ من أحييته امنا .. فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا .. فتوفه على الإيمان رواه أحمد [٢/ ٣٦٨] وأبي داوود [٣١٩٣] والترمذي [١٠٢٤] وابن ماجه [١٤٩٨] وابن حبان [٣٠٧٠] والحاكم [١/ ٣٥٨] بإسناد صحيح من طريق أبي هريرة ﵁.
وأصح حديث في الباب ما رواه مسلم [٩٦٣] عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: (اللهم؛ اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار (قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله ﷺ .
стр. 976
وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: (اللَّهُمَّ؛ أجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا، وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينّهُمَا، وَأَفْرِغِ الصِّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا)، وَفِي الرَّابِعَةِ: (اللَّهُمَّ؛ لاَ َتحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) ......
ــ
قال: (ويقول في الطفل مع هذا الثاني: (اللهم؛ اجعله فرطًا لأبويه وسلفًا وذخرًا، وعظة واعتبارًا وشفيعًا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، رويت بعض هذه الألفاظ عن الحسن أنه كان يقولها.
و (الطفل والطفلة): الصغيران ما لم يبلغا، وجمعه أطفال، ويطلق على الواحد والجمع تقول: جارية طفل، وجاريتان طفل، وجوار طفل، وغلام طفل، وغلامان طفل، وغلمان طفل.
و (الفوط): السابق المهياء في دار القرار، وفي الحديث: (أنا فرطكم على الحوض).
قال الجوهري: يقال: احتسب فلان ابنًا له أو أمة له: إذا مات وهو كبير، فإن مات صغيرًا .. قيل: افترطه.
هذا في الأبوين الحيين المسلمين، فلو كانا ميتين، أو كان أحدهما مسلما فقط، أو كانا كافرين بأن تبع السابي أو جده أو صححنا إسلامه استقلالًا .. لم يدع لأبويه.
قال: (وفي الرابعة) أي: ندبًا ((اللهّم؛ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله كذا روي عن السلف، ويستحب تطويل الدعاء عقبها.
وفي وجه: لا يستحب في الرابعة دعاء، فقد كان محمد بن يحيي يترك فيها الدعاء، كما حكاه عنه والد الرافعي.
وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وهذا حسن لكنه ليس عن الإمام الشافعي ﵁.
стр. 977
ولَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلاَ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَي .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ أُخْرَي قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي (الْفَاتِحَةَ) .. كَبِّرْ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ كَبِّرْ وَهُوَ فِي (الْفَاتِحَةَ) .. تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ .. تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ
ــ
وقوله (تحرمنا) بفتح التاء وضمها - كما ضبطه المصنف بخطه - أي: لا تحرمنا أجر الصلاة عليه.
وقوله: (ولا تفتنا بعده) أي: بالمعاصي.
و (الفتنة): الامتحان والاختبار تقول: فتنت الذهب: إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
قال: (ولو تخلف المقتدي بلا عذر فلم يكبر حتى كبر إمامه أخري .. بطلت صلاته)، لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالتكبيرات، فالتخلف بتكبيرة يشبه التخلف بركعة، ولم يبين الشيخان العذر.
والظاهر: أن النسيان عذر، وعدم سماع التكبير عذر، وهل الجهل عذر؟ فيه نظر. قال: (ويكبر المسبوق ويقرأ (الفاتحة (وإن كان الإمام في غيرها)؛ لأن ما أدركه المسبوق أول صلاته، فيراعي ترتيب نفسه في القراءة والدعاء.
قال: (فلو كبر الإمام أخرى قبل شروعه في (الفاتحة) .. كبر معه وسقطت القراءة) كما لو ركع الإمام في سائر الصلوات عقب إحرام المسبوق .. فإنه يركع معه وتسقط القراءة عنه.
قال: (وإن كبر وهو في (الفاتحة) .. تركها وتابعه في الأصح) الوجهان كالوجهين في سائر الصلوات إذا ركع الإمام في أثناء (الفاتحة)، وقد تقدم بيانه.
قال: (وإذا سلم الإمام .. تدارك المسبوق باقي التكبيرات)؛ لقوله ﷺ : (وما فاتكم .. فأتموا).
стр. 978
بِأَذْكَارِهَا، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تُشْتَرَطُ الأَذْكَارُ. وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ
ــ
وخالفت تكبيرات العيد حيث لا يأتي بما فاته منها؛ فإن التكبيرات هنا بمنزلة أفعال الصلاة فلا يمكن الإخلال بها، وفي العيد سنة فسقطت بفوات محلها.
قال: (بأذكارها) أي: حتمًا في محتومها؛ لقوله ﷺ : (صل ما سبقك، واقض ما فاتك)، ولأن الحاجة إلى الأذكار تقتضي الإتيان بها كما جازت الصلاة على الغائب.
قال: (وفي قول: لا تشترط الأذكار)؛ لأن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام فليس الوقت وقت تطويل.
والخلاف قولان لا وجهان، ومحلهما: إذا رفعت الجنازة، فإن تيقن بقاءها أو كانت على غائب .. فيأتي بالأذكار قطعًا صرح به المحب الطبري، ولذلك قال الأصحاب: يستحب إبقاء الجنازة حتى يتم المقتدون.
ولا يضر رفعها قبله، لأنه: (يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء).
وحكي الروياني عن والده وجهين في جواز الصلاة على الجنازة وهي محمولة قبل أن توضع.
قال: (وتشترط شروط الصلاة) من ستر وطهارة واستقبال؛ لأنها صلاة شرعية فعموم الأدلة يشملها.
وقال أبو حنيفة: تصح بالتيمم مع وجود الماء إذا خاف فوتها لو اشتغل بالوضوء، وهو قول جماعة من السلف ورواية عن أحمد.
وقال محمد بن جرير الطبري - تبعا للشعبي والشيعة -: تصح من غير طهارة مع إمكان الوضوء والتيمم؛ لأنها دعاء.
قال الماوردي: وهو قول خارق للإجماع لا يلتفت إليه، ووهم ابن العربي في (شرح الترمذي) فنقل ذلك عن ابن جرير والشافعي؛ فتصحف عليه الشعبي بالشافعي.
стр. 979
لاَ الْجَمَاعَةِ، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلاَثَةٌ، َوِقيلَ: أَرْبَعَةٌ
ــ
ويشترط فيها أيضًا ما سيأتي في آخر الباب من تقديم الغسل، وعدم التقدم على الجنازة الحاضرة.
قال: (لا الجماعة) فليست شرطًا فيها كسائر الصلوات، وهذا لا خلاف فيه. وقد روى البيهقي [٤/ ٣٠] عن أبن عباس ﵄ قال: (لما صلي على رسول الله ﷺ .. أدخل الرجال فصلوا عليه إرسالًا لم يؤمهم أحد).
قال الشافعي: وذلك لعظم رسول الله ﷺ ، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه.
قال: (ويسقط فرضها بواحد)؛ لحصول الفرض به، ومن هنا يعلم أنها فرض كفاية وهو إجماع، ويستحب الإكثار من عدد المصلين.
قال: (وقيل: يجب اثنان)؛ لحصول الاجتماع بهما، وهو بناء على أن ذلك أقل الجمع.
قال: (وقيل: ثلاثة)؛ لقوله ﷺ في الذي مات وعلية دين: (صلوا على صاحبكم)، وهذا خطاب للجمع والثلاثة أقله.
والمصنف حكاه هنا وجهًا تبعا ً ل (المحرر)، وحكاه في (الروضة) قولًا وهو منصوص (الأم)، والذي صححه قول أيضا، والثالث والرابع وجهان، ففي المسألة قولان ووجهان.
قال: (وقيل: أربعة) كعدد الحامل لها، ورد بأن الحمل بين العمودين يحصل بثلاثة.
ولو زاد المصلون على ذلك .. فصلاة الجميع تقع فرضًا؛ لأن بعضهم ليس أولى من بعض.
стр. 980
وَلاَ تَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ فِي الأَصَحِّ. وَيُصَلَّي عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ
ــ
قال الإمام: ويحتمل أن يقال: هو كمسح المتوضئ جميع رأسه دفعة واحدة، وقد تقدم ما فيه.
قال: (ولا تسقط بالنساء وهناك رجال في الأصح)، وكذا لو كان هناك رجل واحد أو صبي على الأصح؛ لأن فيه استهانة بالميت، ولأن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم إلى العبادة أكمل.
والثاني: تسقط؛ لصحة صلاتهن وجماعتهن.
فروع:
إذا لم يحضر إلا النساء .. توجه الفرض إليهن ويصلين للضرورة منفردات. قال المصنف: وينبغي أن تسن لهن الجماعة كما في غيرها.
وقال في (العدة): يستحب لهن أن يصلين على المرأة جماعة.
وصرح المصنف بأن صلاتهن مع الرجال نافلة؛ لأنهن لم يدخلن في الفرض إذا حضر الرجال.
والخنثى كالمرأة على الأصح.
والأصح: سقوط الفرض بصلاة الصبيان المميزين، بخلاف رد السلام.
ووقع في (مناسك) المصنف تصحيح مقابله وهو سبق قلم.
وصلاة الزائد على ما يسقط به الفرض في وقوعه فرضًا أو نفلًا وجهان كما لو مسح المتوضئ رأسه دفعة واحدة وقد تقدم.
قال: (ويصلى على الغائب عن البلد) خلافا لأبي حنيفة ومالك.
لنا: (أن النبي ﷺ أخبر الناس وهو بالمدينة بصوت النجاشي في
стр. 981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليوم الذي مات فيه، ثم خرج بهم إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعة) رواه الشيخان [خ ١٣١٨ – م ٩٥١]، وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع، وفي حديث ضعيف: (أن النبي ﷺ صلى على معاوية بن معاوية بتبوك).
ولا فرق بين أن يكون البلد بعيدًا أو قريبًا، في جهة القبلة أو غيرها, لكن المصلي يستقبل القبلة، وسواء صلي عليه أم لا.
وقال الخطابي: لا يصلي عليه إلا أنا كان في موضع لم يصل عليه فيه كما وقع للنجاشي.
واحترز بـ (الغائب عن البلد) عن الحاضر معه فيه؛ فإنه لا يصلي عليه في الأصح كبرت البلد أم صغرت؛ لأن ذهابه إليه متيسر.
وهل تشرع للمحبوس بالبلد الصلاة على من مات بها؟ فيه نظر، وإطلاقهم صريح في المنع من ذلك.
والظاهر: الجواز، وبه صرح ابن أبي الدم؟ لأنهم قد عللوا المنع كما تقدم بتيسر الذهاب إليه.
وفي معناه: إذا قتل إنسان ببلد وأخفي قبره عن الناس.
غريبة:
قال أبو الحسين بن القطان: إن صلاة الغائب وإن جازت لا تسقط الفرض. ومراده: أنها لا تسقط الفرض عن أهل بلد الميت؛ لأن فرض الكفاية تعلق بهم.
فرع:
يجوز أن يصلي على الأموات الذين ماتوا في يومه أو سنته وغسلوا في أقطار الأرض ولا يعرف عينهم؛ لأن الصلاة على الغائب جائزة وتعيينهم غير شرط.
стр. 982
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ, وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، وَالأَصَحُّ: تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ
ــ
قال: (ويجب تقديمها على الدفن)؛ لأنه المأثور عن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده.
فلو دفن من غير صلاة .. أثم الدافنون وكل من توجه عليه فرض الصلاة من أهل تلك الناحية بلا خلاف, لكن لا ينبش القبر بل يصلى عليه كما سيأتي. ويسقط الفرض بالصلاة على القبر.
وعن الشيخ أبي إسحاق المروزي: لا يسقط وهو غلط. قال: (وتصح بعده)؛ لأن مسكينة يقال لها: أم محجن ماتت ليلًا فدفنوها وكرهوا أن يوقظوا النبي ﷺ , فصلى النبي ﷺ على قبرها من الغد, رواه النسائي [٤/ ٤٠] وغيره بإسناد صحيح، وفي (الصحيحين) [خ ٤٥٨ – م ٩٥٦]: (أن النبي ﷺ صلى على قبر امرأة أو رجل كان يَقُمُّ المسجد)، و (أنه صلى على قبر منبوذ) [خ ٨٥٧ – م ٩٥٤].
قال: (والأصح: تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت)؛ لأنه يؤدي فرضًا خوطب به, وأما غيره .. فمتطوع وهذه الصلاة لا يتطوع بها.
والثاني: أنه يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه يوم موته، وصححه في (الشرح الصغير).
فعلى الوجهين: من لم يولد عند الموت أو لم يكن مميزًا .. لم يصل، ومن كان مميزًا صلى على الثاني دون الأول، ومن كان حينئذ كافرا أو حائضًا .. يصلي إذا أسلم أو طهر قاله الإمام والغزالي.
قال في (شرح المهذب): وهو مخالف لظاهر كلام الأصحاب, قال: وقد صرح المتولي بأن الكافر لا يصلي.
стр. 983
وَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَالٍ
ــ
والثالث: أنه يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام دون ما بعدها، وبه قال أبو حنيفة. والرابع - وبه قال أحمد -: يجوز إلى شهر؛ لأن النبي ﷺ صلى على البراء بن معرور بعد شهر، وصلى ابن عمر على أخيه بعد شهر، وصلت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن بعد شهر, ولا يعرف لهما مخالف.
والخامس: ما بقي منه شيء في القبر, فإن انمحقت أجزاؤه .. لم يصل عليه. وإن شك في الانمحاق .. فالأصل البقاء.
والسادس: يصلى عليه أبدًا, لأن المقصود من الصلاة الدعاء وهو مطلوب في كل وقت.
وفي (الصحيحين) [خ ٤٠٤٢ – م ٢٢٩٦]: (أنه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين). قال ابن الرفعة: والظاهر: أنها الصلاة الشرعية لا اللغوية؛ لأن أبا داوود [٣٢١٥] روى: (أنه ﷺ صلى عليهم صلاته على الميت)، وسيأتي في غسل الشهيد والصلاة عليه بيان هذا الحديث والجواب عنه.
قال: (ولا يصلى على قبر رسول الله ﷺ بحال)، وكذا قبر غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لما روى البخاري [١٣٣٠] ومسلم [٥٢٩]: أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال أبو الوليد النيسابوري وجماعة: تجوز فرادى لا جماعة، وكان يقول: أنا أصلي على قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين، وقطع بهذا الوجه القاضي أبو الطيب والمحاملي ورجحه الشيخ أبو حامد.
تتمة:
اختلفوا في تعليل النهي عن الصلاة على قبره ﷺ :
стр. 984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقيل: خشية الفتنة. فعلى هذا: يمتنع اليوم وفي زمن الصحابة.
وقيل: حكمه حكم غيره. فعلى هذا: يمتنع اليوم على الوجه الأول والثاني والثالث والرابع, ولا يمتنع على السادس وهو قول أبي الوليد النيسابوري ومن وافقه، وأما على الخامس .. فـ (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) كما رواه النسائي في (كتاب الجمعة) [٣/ ٩١]، فينبغي أن يجوز إذا قلنا: حكمه حكم غيره، لكن الأصحاب قالوا: لا يجوز، واستدل له الرافعي ومن تبعه بقوله ﷺ : (أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث)، وهو باطل لا أصل له.
لكن روى البيهقي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، لكنهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور.
ولما كان ﷺ لا يصلى على قبره .. تأخر لذلك دفنه إلى أثناء ليلة الأربعاء؛ لأنه ﵊ لما مات .. صلوا عليه أفنادًا. قال في (الفائق): أي: جماعات بعد جماعات.
قيل: حصر المصلون فإذا هم ثلاثون ألفًا، ومن الملائكة ستون ألفًا؛ لأن مع كل واحد ملكين.
لكن وقع في (الإحياء) في (الباب الثالث في أعمال الباطن في القراءة): (أن النبي ﷺ مات عن عشرين ألفًا من الصحابة، لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين منهم)، ولعله أراد: عشرين ألفًا في المدينة، وإلا .. فقد روى أبو زرعة الرازي: (أنه ﷺ مات عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم صحبه وروى عنه وسمع منه.
стр. 985
فَرْعٌ:
الْجَدِيدُ: أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي،
ــ
قال: (فرع:
الجديد: أن الولي أولى بإمامتها من الوالي)؛ لأن معظم الغرض هنا الدعاء للميت، ومن اختص بمزيد شفقة .. كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة.
وفي القديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الولي كسائر الصلوات، وهو قول الأئمة الثلاثة وابن المنذر وأكثر العلماء.
واستدل له البيهقي [٤/ ٢٩] بأن الحسن لما مات .. قال الحسين لسعيد بن العاصي وهو يطعن في عنقه: (تقدم، فلولا أنها السنة .. ما قدمتك).
ومحل الخلاف: إذا لم يخف الفتنة من الوالي، فإن خيف ذلك .. قدم قطعًا. ولو وصى أن يصلي عليه أجنبي .. فطريقان:
أظهرهما: القطع بتقديم القريب.
والثانية: وجهان -كالوجهين فيمن أوصى أجنبيًا على أولاده والجد حي - ثانيهما: تقديم الموصى له - وبه أفتى محمد بن يحيى في جواب مسائل سأله عنها والد الرافعي - لأنه قدم لنفسه شفيعًا كتفريق الثلث.
وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة وابن سيرين وأحمد, واحتج له بوصية أبي بكر لعمر ﵄، وعمر لصهيب ﵄، وعائشة لأبي هريرة ﵄.
وأجاب الأصحاب بأن أولياءهم أجازوا ذلك.
وقال مالك: إن كان الموصى له ممن يرجى دعاؤه أكثر من القريب .. قدمت الوصية.
وإذا أوصى أن يدفن في المقبرة الفلانية .. أفتى القفال بأنه كما لو أوصى أن يصلي
следующие страницы →