← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل في السهو أي في بيان أحكام السهو. قوله: (يجب للسهو لا للعمد سجدتان) قيل: إنهما سنة، وما قاله المصنف أصح، لأنه شرع لجبر النقصان، فصار كالدماء في الحج. قوله: (متى ترك واجباً) مثل ما إذا ترك الفاتحة أو أكثرها في الأوليتين، أو ضم السورة، أو التشهد كله أو بعضه في القعدة الأخيرة، أو ترك القعدة الأولى ونحوها. قوله: (أو أخره) أي أو أخر واجباً: مثل ما إذا أخر الفاتحة عن السورة ونحوها. قوله: (أو أخر ركناً) مثل ما إذا ترك السجدة الصلبية سهواً، فتذكرها في الركعة الثانية فسجدها، أو أخر القيام إلى الثالثة بالزيادة على قدر التشهد. قوله: (أو زاد في صلاته فعلاً من جنسها) مثل ما إذا ركع ركوعين، أو سجد ثلاث سجدات، قيد بقوله: (من جنسها) لأنه إذا زاد فعلاً من غير جنس الصلاة: تبطل صلاته. وذكر المصنف أسباب سجود السهو أربعة: ترك الواجب وتأخيره، وتأخير الركن، والزيادة. ويجب بتغير الواجب أيضاً، مثل: أن يجهر فيما يخافت، أو يخافت فيما يجهر. وبتقديم الركن: مثل أن يركع قبل أن يقرأ،

стр. 177

أو يسجد قبل أن يركع. ومحلها بعد السلام عندنا، وقبله عند الشافعي. ولنا قوله ﵇: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد السلام" رواه أبو داود. قوله: (ويجب على المأموم بسهو الإمام) تبعاً له في الوجوب والأداء، ولو تركه الإمام وافقه المأموم، ولا يسجد تبعاً له. قوله: (وسهو المأموم لا يوجب السجود) لأنه إن سجد هو: خالف إمامه، وإن سجد الإمام: يؤدي إلى قلب الموضوع. قوله: (ومن سها عن القعدة الأولى) أي تركها ساهياً (فإن تذكر وهو إلى القعود أقرب: قعد) لأن القريب من الشيء يأخذ حكمه، ولا شيء عليه لحصول الجبر بالرجوع (وإن كان إلى القيام أقرب: لم يعد ويسجد للسهو) لتركه الواجب. قوله: (ومن سها عن القعدة الأخيرة) أي تركها ساهياً ٠وقام إلى الخامسة، عاد إليها) أي إلى القعدة الأخيرة (ما لم يسجد للركعة الخامسة، ويسجد للسهو لتأخيره الركن، وإن سجد للخامسة صار فرضه نفلاً، ويضم إليه ركعة سادسة) لأن التنفل بالخمس غير مشروع، وهذا عندهما، وعند محمد: بطل أصل الصلاة، فلا يضم ركعة أخرى. قوله: (وإن لم يضم: صح) أي وإن لم يضم إليها ركعة سادسة، صح نفله، لأن ضم السادسة ندب، لأنه مظنون، وصلاته غير مظنونة، خلافاً لزفر، لأن الشروع ملزم. قلنا: نعم إن شرع ملزماً، أما لو شرع مسقطاً فلا، إذ الضمان بالإلزام أو بالالتزام.

стр. 178

قوله: (ولو قعد في الرابعة) أي على آخر الركعة الرابعة من الصلاة الرباعية (ثم قام إلى الخامسة ولم يسلم) يظن أنها القعدة الأولى (عاد ما لم يسجد للخامسة، ويسجد للسهو) لأنه أخر الواجب، وهو إصابة لفظ السلام. قوله: (وإن سجد للخامسة) أي للركعة الخامسة (زاد سادسة) أي ركعة سادسة، فيتم فرضه لوجود أركانه، ويصير الزائد وهو الركعتان: نفلاً. قوله: (غير نائب عن سنة الظهر) يعني هذه الزيادة وهي الركعتان إذا كانت في آخر الظهر مثلاً، لا تنوب عن الركعتين التي بعد الظهر، وقيل: تنوبان، والأول أصح، لأن المواظبة عليه بتحريمة مبتدأة مقصودة، ولم يوجد. قوله: (ويسجد للسهو) يعني في هذه الصورة، جبراً للنقصان المتمكن في الفعل بالدخول فيه. قوله: (ومن سلم يريد الخروج من صلاته وعليه سهو، لم يخرج منها) أي من الصلاة (ويسجد للسهو، وبطلت نية القطع) لأن نيته تغيير الشروع، فيلغو. وأما إذا سلم من غير إرادة القطع، فكذلك: لا يخرج من الصلاة عند محمد وزفر، وعندهما: يخرج عن حرمة الصلاة خروجاً موقوفاً، فإن سجد: عاد إليها، وإن لم يسجد: لم يعد. وفائدة الاختلاف: فيما إذا اقتدى به غيره بعد السلام قبل سجود السهو: يصح عند محمد مطلقاً، وعندهما: إن عاد إلى سجود السهو: يصح، وإلا فلا. وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة: فعنده: ينتقض، وعندهما: لا. قوله: (ومن شك: أصلي ثلاثاً أو أربعاً وذلك) أي الشك (أول ما عرض عليه: استأنف الصلاة بالسلام) لقوله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة" رواه خواهر زادة في مبسوطه. قلت: المراد في قوله: (أول ما عرض عليه) أن السهو ليس بعادة له، لأنه لم يسه في عمره قط، وإنما قال (استأنف الصلاة بالسلام) لأن السلام عرف محللاً، قال ﵇: "وتحليلها التسليم".

стр. 179

قوله: (وهو) أي السلام (أولى من الكلام) لما قلنا. قوله: (وإن كان الشك يعرض له كثيراً: يعمل بأكبر رأيه) أي بغالب رأيه، لأن غلبة الظن دليل شرعي عند الحاجة (وإن لم يكن له رأي: أخذ بالأقل) لقوله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين" رواه أبو داود. صورته: إذا وقع الشك بين ركعة وركعتين: فإنه يبنى على ركعة، وإن وقع في الركعتين والثلاث. يبنى على الركعتين، وإن وقع في الثلاث والأربع: بنى على الثلاث، ويتم صلاته على ذلك، وعليه أن يتشهد عقيب الركعة التي يقع الشك أنها آخر صلاته احتياطاً، ثم يقوم ويضيف إليها ركعة أخرى ويتشهد ويسجد للسهو.

стр. 180

فصل في سجود التلاوة المناسبة بين الفصلين ظاهرة: من حيث أنه يطلق على هذا سجدة التلاوة، وعلى ذلك: سجدة السهو. قوله: (وهي) أي سجدة التلاوة (أربع عشر سجدة) وهي: في آخر الأعراف، وفي الرعد والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق. قوله: (منها: الأولى في الحج) إنما أفرد هذا بالذكر لبيان الاختلاف فيه، فعند الشافعي: في الحج سجدتان، وليس في ص سجدة، فتكون السجدة عنده: أربعة عشر أيضاً. وقال مالك: لا سجود في المفصل: في سورة النجم والانشقاق والعلق، وبه قال الشافعي في القديم. والأصح ما قلناه، لما روي عن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثالث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان" رواه أبو داود وابن ماجة. إلا أنا نقول: السجدة الثانية في الحج هي سجدة صلاة.

стр. 181

وعن ابن عباس أن النبي ﷺ : "سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخدري: "قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه" رواه أبو داود. قوله: (وتجب على التالي والسامع) وقال الشافعي: تسن ولا تجب، ولنا: أن آيات السجدة كلها تدل على الوجوب، لأنها ثلاثة أقسام: قسم: أمر صريح، وهو للوجوب. وقسم: فيه ذكر فعل الأنبياء ﵇، والاقتداء بهم واجب. وقسم: فيه ذكر استنكاف الكفار، ومخالفتهم واجبة، ولهذا ذم الله تعالى من لم يسجد عند القراءة. قوله: (ووجوبها) أي وجوب سجدة التلاوة (على التراخي) حتى لا يأثم بالتأخير، لأن الأمر غير مؤقت، وقيل: على الفور. قوله: (ولا تجب على من لا تجب عليه الصلاة ولا قضاؤها) أي لا تجب سجدة التلاوة أداء وقضاء على من لا تجب عليه الصلاة، كالحائض، والنفساء، والصبي، والمجنون، والكافر، لأنهم ليسوا بأهل التلاوة، فلا تجب عليهم. قوله: (وتجب على سامعها منهم) أي من هؤلاء المذكورين، لتحقق السبب، وقيل: لا تجب بقراءة المجنون والصغير الذي لا يعقل. قوله: (ولو سمعها من الطوطي والنائم، قيل: لا تجب، وقيل: تجب) والأصح أنه لا يجب إذا سمعها من الطوطي، وكذا لا تجب إذا سمعها من المغمى عليه في رواية.

стр. 182

قوله: (وتجب على التالي الأصم) لوجود التلاوة منه. قوله: (وإن قرأها المأموم خلف الإمام لم يسجدها هو) أي المأموم (ولا الإمام في الصلاة وبعدها) أما المأموم فلأنه إذا سجد: فإن تابعه الإمام: يؤدي إلى قلب الموضوع، وإن لم يتابعه: كان المأموم مخالفاً لإمامه. وأما الإمام: فلأنه إذا سجد يكون قلب الموضوع أيضاً. وقوله: (في الصلاة وبعدها) قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما عند محمد: يسجدونها بعد الفراغ من الصلاة، لوجود سبب الوجوب وهو السماع والتلاوة، وبه قال الشافعي. ولهما: أن المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه، وتصرف المحجور عليه لا حكم له، فلا يسجدونها مطلقاً. قوله: (والسجدة الصلاتية لا تقضى خارج الصلاة) لأنها صلاتية، ولها مزية الصلاة، فتكون أقوى من غير الصلاتية، والكامل لا يتأدى بالناقص. قوله: (ومن قرأ آية السجدة ولم يسجدها حتى صلى في مجلسه) يعني في المجلس الذي تلاها فيه (وأعادها) أي أعاد تلك السجدة بعينها (وسجد لها: سقطتا) أي الأولى والثانية جميعاً (للتداخل، وجعلت الصلاتية مستتبعة للأولى) هذا جواب عامة الكتب. وفي نوادر أبي سليمان: تلزمه سجدة أخرى، إذا فرغ من الصلاة، سجد للتلاوة الأولى.

стр. 183

قوله: (ولو كان سجد للأولى) أي للتلاوة الأولى (قبل الصلاة، ثم أعادها في الصلاة: سجد لها أيضاً فيها) لعدم التداخل. قوله: (ومتى اتحد المجلس والآية: تداخلت) لأن لاتحاد المجلس أثراً في جمع المتفرقات، حتى لو تلاها فيه وسجد، ثم ذهب وجاء إليه فتلاها ثانية: سجد لها أخرى. والمجلس المتحد: كالمسجد، والجامع، والبيت، والسفينة سائرة كانت أو واقفة، والحوض، والغدير، والنهر الواسع، والدابة السائرة وراكبها في الصلاة، والمختلف: كالدابة السائرة وراكبها ليس في الصلاة، والماشي في الصحراء، والسابح في البحر، والنهر العظيم، والمتنقل من غصن إلى غصن. قوله: (ولا يختلف المجلس بمجرد القيام بل بالانتقال) حتى إذا قرأها وهو قاعد ثم قام فقرأها: لا تجب عليه إلا سجدة واحدة، ولا يختلف بخطوة أو خطوتين، بل بثلاث خطوات فصاعداً، ولا بلقمة بل بلقمتين، ولا بشربة بل بشربتين، ولا بكلمة بل بكلام كثير. قوله: (والسفينة الجارية: كالبيت) لأن جريانها غير مضاف إليه، قال الله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. ولهذا لا يقدر على إيقافها متى شاء، بخلاف الدابة: فإن قوائمها كرجليه، لقدرته عليها وقفاً وتسييراً. قوله: (ولو كررها) أي التلاوة (على دابة وهي تسير، فإن كان في الصلاة: اتحدت) أي السجدة، لأن حرمة الصلاة تجعل الأمكنة كمكان واحد (وإن لم يكن في الصلاة: تعددت) لما قلنا. قوله: (وإن تلاها على الدابة: أجزأته بإيماء) لأنه أداها كما وجبت. ولو تلاها عند طلوع الشمس فلم يسجد لها، حتى كان وقت الزوال فسجد: أجزأه، خلافاً لزفر، وكذلك لو تلاها راكباً، ولم يسجد لها حتى نزل ثم ركب فسجد: أجزأه، خلافاً لزفر، ولو تلاها على الأرض ثم ركب وأومأ: لم يجز، خلافاً للشافعي.

стр. 184

قوله: (وهي) أي سجدة التلاوة (كسجدة الصلاة بغير تشهد وسلام) لأنه المأمور به من غير زيادة، وعند الشافعي: يتشهد ويسلم. ثم اختلف أصحابنا: في أنه ماذا يقول في السجود؟ فقيل: يقرأ فيها: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وقيل: يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ وقيل: يقول: "سبحان ربي الأعلى" قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل في السجدة مراراً: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" رواه أبو داود.

стр. 185

فصل في الميت لما بين حالة الإنسان في حياته، أخذ في بيان حالته في مماته، وحالته لا تخلو عنهما. قوله: (بوجه المحتضر) أي الذي احتضر للموت (إلى القبلة على شقه الأيمن) أي جانبه الأيمن، اعتباراً بحالة الوضع في القبر، واختار المتأخرون: الاستلقاء، لأنه أيسر لخروج الروح. قوله: (ويذكر عنده الشهادة) وهي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لقوله ﵇: "لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله" رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. والمراد به من قرب إلى الموت، حتى لا يلقن بعد الدفن كما هو مذهب الشافعي. قوله: (ولا يؤمر بها) أي بالشهادة، احترازاً عن أن يقول: لا أقول. قوله: (فإذا مات: غسل وكفن وصلي عليه) أما الغسل: فلأن الملائكة ﵇ غسلوا آدم ﵇ وقالوا لولده: "هذه سنة موتاكم".

стр. 186

وغُسِّل النبي ﷺ حين مات، وفعله المسلمون بعده. وأما التكفين: فلما روت عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كُفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية" رواه البخاري ومسلم. وأما الصلاة عليه: فما روي عن أبي مسعود عن النبي ﷺ قال: "للمسلم على المسلم أربع خلال: تشميته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويشهده إذا مات، ويعوده إذا مرض" رواه ابن ماجة. تفريع: كيفية الغسل: أن يوضع الميت على سرير مجمر وتراً. أما السرير: فلينصب ماء الغسل منه، وأما التجمير: فللتعظيم، وأما الإيتار: فلقوله ﵇: "إن الله وتر يحب الوتر" رواه أبو داود.

стр. 187

ويغلى الماء بسدر لزيادة التنظيف، وإن لم يوجد: فالقراح، ويعرى غير عورته، وقال الشافعي: يغسل في ثيابه. ولا يمضمض ولا يستنشق، وقال الشافعي: يستحب ذلك. وكذلك لا يسرح رأسه ولحيته، ولا يقص شاربه وظفره، خلافاً للشافعي. ولا يختن. ثم ينشف بخرقة، ثم يلف في الكفن، ويجعل على رأسه ولحيته حنوط- لأن التطييب سنة- والحنوط: عطر مركب من أنواع الطيب، وعلى مساجده: كافور، وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان. وكيفية التكفين: أن يُكفن الرجل في ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة، يبسط اللفافة ثم الإزار فوقها، ثم يقمص ويوضع على الأرض، والقميص من المنكب إلى القدم والإزار واللفافة، وقال الشافعي: كلها لفائف ولا قميص فيها. هذا الكفن السنة، لما روينا، وكفن الكفاية: أن يقتصر على الإزار واللفافة، وكفن الضرورة: ما يوجد. وأما كفن السنة في حق المرأة: فهو خمسة أثواب: إزار ولفافة ودرع وخمار

стр. 188

وخرقة تربط بها ثدياها فوق الأكفان عند الصدر تحت اللفافة، وكفن الكفاية: ثوبان وخمار. والمراهق كالبالغ، وغير المراهق يكفن في خرقتين: إزار ورداء، وإن كفن في ثوب واحد: أجزأه. وكيفية الصلاة: أربع تكبيرات من غير رفع اليد في غير الأولى، خلافاً للشافعي، يحمد الله في الأولى، ويصلي على النبي في الثانية، ويدعو له وللميت وللمسلمين في الثالثة، ويسلم في الرابعة. وأولى الناس بالصلاة: السلطان إن حضر، وإلا فنائبه، وإلا فإمام المصر، وإلا فالقاضي، وإلا فصاحب الشرط، وإلا فخليفة الوالي، وإلا فخليفة القاضي، وإلا فإمام الحي، وإلا فالأقرب من ذوي قرابته على ترتيب العصبات: البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة، وعند الشافعي: الولي يقدم على الوالي. قوله: (وإن لم يصل عليه: صلي على قبره، ما لم يغلب على الظن تفسخه) إقامة للواجب بقدر الإمكان. والمعتبر في التفسخ: غالب الظن، فإن كان غالب الظن أنه يفسخ: لا يصلى عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ: يصلى عليه، وإذا شك: لا يصلى عليه، وهذا الاعتبار هو الصحيح. قوله: (ومن استهل) الاستهلال من الصبي: ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك يد ورجل، وأن يطرف بعينه. قوله: (غسل وصُلي عليه) لقوله ﵇: "إذا استهل الصبي صُلي عليه وورث" رواه ابن ماجة.

стр. 189

قوله: (وإن لم يستهل: غسل ولف في خرقة ولم يصل عليه) قيل: لا يغسل، لأنه في حكم الجزء، والمختار: أنه يغسل، لأنه نفس من وجه، وجزء من وجه، فيغسل اعتباراً بالنفوس، ولف في خرقة تكريماً لبني آدم، ولا يصلى عليه لما روينا. قوله: (ولا يصلى على باغ وقاطع الطريق) اقتداء بفعل علي ﵁ في ترك الصلاة على البغاة، وقطاع الطرق في معناهم، وقال الشافعي: يصلى عليهم. وكذلك لا يصلى على قاتل نفسه في رواية عن أبي يوسف، لما روي عن جابر بن سمرة قال: "أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه" رواه مسلم. قوله: (والمشي خلف الجنازة أفضل) لقوله ﵇: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها" رواه ابن ماجة. وقال الشافعي: المشي أمامها أفضل.

стр. 190

قوله: (ويطيل الصمت) يعني عند المشي مع الجنازة، لأن هذه الحالة حالة الاعتبار. قوله: (ويكره رفع الصوت بالذكر) يعني مع الجنازة، لأنه بدعة محدثة بعد النبي ﷺ . قوله: (فإذا وصلوا إلى قبره كره الجلوس قبل وضعه) أي وضع الميت عن رقاب الناس، لإمكان الحاجة إلى التعاون في الوضع. قوله: (ويحفر القبر لحداً) لقوله ﵇: "اللحد لنا والشق لغيرنا" رواه أبو داود وابن ماجة. وقال ﵇: "احفروا ووسعوا وأحسنوا" رواه ابن ماجة. واختلفوا في عمقه: قيل: قدر نصف القامة، وقيل: إلى الصدر، وإن زادوا فحسن. قوله: (ويدخل الميت فيه من جهة القبلة) لأنه ﵇ أخذ أبا دجانة من قبل القبلة. وعند الشافعي: يسبل، وهو أن توضع الجنازة على آخر القبر حتى يكون رأسه بإزاء موضع قدمه من القبر، ثم يسل من جنازته إلى قبره.

стр. 191

قوله: (ويضجع على شقه الأيمن موجهاً إليها) أي إلى القبلة، هكذا جرت السنة. قوله: (ويكره البناء على القبر) لأن القبر للبلى لا للبناء، ولما روي عنه ﵇ أنه: "نهى عن تجصيص القبور" رواه ابن ماجة. قوله: (ولا يدفن في قبر أكثر من واحد) لعدم ورود الأثر بذلك (إلا للضرورة) لأنها مستثناة. قوله: (واتخاذ التابوت للمرأة حسن) لأنها أستر لها، ولا يتخذ للرجال، إلا أن تكون الأرض رخوة. قوله: (والشهيد) لما بين أحكام الموتى، أخذ في بيان الشهداء. (والشهيد: كل مسلم قتله كافر أو مسلم ظلماً قتلاً لم يجب به مال) قيد بقوله: (ظلماً) لأنه إذا قتله مسلم حقاً، مثل ما إذا قتل رجماً أو قوداً: لا يكون شهيداً. والشرط فيه: أن يكون القاتل معلوماً، فوجب عليه القصاص، مثل من قتله قطاع الطريق، أو البغاة، أو قتل دون نفسه أو أهله أو ماله، أو قتل مدافعاً عن مسلم أو ذمي. أما إذا لم يكن القاتل معلوماً، فوجد القتيل في محلة تجب فيه الدية والقسامة: فلا

стр. 192

يكون شهيداً. وقيد بقوله: (لم يجب به مال) لأنه إذا وجب به مال: لا يكون شهيداً. إلا في قتل الوالد ولده عمداً، فإن القصاص فيه ساقط لحرمة الأبوة، ويجب المال، والولد شهيد. قوله: (فلا يغسل دمه ولا ينزع عنه ثيابه) لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم" رواه أبو داود. قوله: (وينزع كل ما عليه من غير جنس الكفن) كالفرو والحشو والقلنسوة والخف والسلاح، لأنها ليست من جنس الكفن. قوله: (ويكمل كفنه) يعني إن كان ما عليه أقل من الكفن الشرعي، وينقص أيضاً إن كان زيادة على سنة الكفن. قوله: (ثم يصلى عليه) لما روي عن عقبة بن عامر قال: "صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين" رواه البخاري. وقال الشافعي: لا يصلى عليه. فإن قلت: الشهيد وصف بأنه حي بالنص، والصلاة شرعت على الميت لا على الحي؟ قلت: الشهيد حي في أحكام الآخرة، فأما في أحكام الدنيا: فهو ميت، حتى يقسم ميراثه، وتتزوج امرأته، والصلاة عليه من أحكام الدنيا.

стр. 193

فإن قلت: ما شرعت إلا بعد الغسل، فسقوطه دليل على سقوطها. قلت: غسله ليطهره، والشهادة طهرته، فأغنت عن الغسل، كسائر الموتى بعد ما غسلوا. قوله: (وكل جريح أكل أو شرب) إلى آخره، بيان الارتثاث الذي يخرج به الميت عن حكم الشهادة: وهو أن يأكل طعاماً أو يشرب ماءً أو دواءً، أو ينام أو يعالج بدواء أوي ضمه سقف، بأن نقل إلى تحت بيت أو خيمة، أو ينقل من المعركة حياً، أو يمر عليه وقت صلاة وهو حي يعقل، أو يوصي بأمر دنياوي: فهذه الأشياء تسقط الشهادة، فيغسل، لأنه نال بها مرافق الحياة، فخف أثر الظلم، فلم يكن في معنى شهداء أحد. وقيد بقوله: (لا لخوف وطء الخيل) لأنه إذا نقل من المعركة حياً لأجل خوف أن تطأه الخيل، لا يخرج عن كونه شهيداً، فلا يغسل، قالوا: لأنه ما نال به مرافق الحياة. قلت: فيه نظر، لأنا لا نسلم أن الحمل من المصرع ليس بنيل راحة. قوله: (أو مر عليه وقت صلاة وهي حي يعقل) قول أبي يوسف، وعنه: إن عاش بعد الجرح أكثر اليوم أو أكثر الليلة: يغسل، إقامة للأكثر مقام الكل. قوله: (أو أوصى بأمر دنياوي) احتراز عما إذا أوصى بأمر أخراوي، فإنه لا يخرجه عن الشهادة، فلا يغسل. ثم المرتث إذا غسل: فله ثواب الشهيد، كالغريق والحريق والمبطون والغريب، فإنهم يغسلون، وهم شهداء على لسان رسول الله ﷺ . والله أعلم بالصواب.

стр. 194

كتاب الزكاة وجه المقارنة بالصلاة قد مر في أول الكتاب. وهي لغة: عبارة عن النماء، يقال: زكا الزرع: إذا نما، وقيل: عن الطهارة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي تطهر. وشرعاً: "إعطاء شقص من النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي ولا مولاه، بطريق التمليك، بشرط قطع المنفعة له من كل وجه لله تعالى". قوله: (الزكاة تجب على كل حر بالغ عاقل مسلم). أقول: معنى يجب: يفترض، لأن الوجوب مستعمل بمعنى الفرض توسعاً، واحترز بقوله: (حر) عن الرقيق، ومعتق البعض، وبقوله: (بالغ عاقل) عن الصبي والمجنون. وقال الشافعي: يجب عليهما، لعموم النصوص. قلنا: الأهلية معدومة فيهما، فصارت كالصلاة. وبقوله: (مسلم) احترز عن الكافر، لعدم أهليته لأداء العبادات. قوله: (ملك نصاباً) صفة لقوله: (حر بالغ) لأنه بملك النصاب يصير غنياً، والزكاة إنما تجب على الغني. قوله: (ملكاً تاماً) احتراز عن الملك الناقص، حيث لا يجب فيه الزكاة، كالبيع قبل القبض: لا زكاة فيه، وكالدية على العاقلة، والمهر إذا كان ديناً، وبدل الصلح عن دم العمد، وبدل الخلع.

стр. 195

قوله: (رقبة ويداً) أي من حيث الرقبة، ومن حيث اليد، وبه احترز عن المكاتب، فإنه وإن كان مالكاً لما في يده من حيث اليد، لكنه غير مالك من حيث الرقبة. قوله: (وتم عليه) أي على النصاب (حول) لقوله ﵇: "ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول" رواه أبو داود. قوله: (وجوباً) مفعول لقوله: (يجب). قوله: (على الفور) وهو قول الكرخي وعامة أهل الحديث، وقيل: على التراخي، لأن جميع العمر وقت للأداء. وفائدته: أنه هل يأثم بالتأخير؟ وهل ترد شهادته أم لا؟ قوله: (وكل دين لآدمي يمنع بقدره) أي يمنع الزكاة بقدر الدين، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، مثلاً: إذا كان له أربع مائة، وعليه دين مائتا درهم: فإنه يمنع زكاة المائتين، ولو كان له مائتان أو ثلثمائة: لا زكاة عليه أصلاً على هذا. وقال الشافعي: ديون العباد لا تمنع الزكاة، كفرض الحج. قلنا: إنه مشغول بحاجته، بخلاف الحج، لأنه لا مطالب له من العباد. وإنما أطلق بقوله: (كل دين لآدمي) ليتناول جميع أنواع الديون مثل: دين استهلاك، ومهر ولو مؤجلاً، وعشر، وخراج، ونفقة قريب وزوجة قضيت بها، وإذا لم

стр. 196

يقض بها: لا يمنع، وكذلك دين الزكاة منع عندنا، خلافاً لزفر، وأما ديون النذور والكفارات: لا تمنع، لأنه ليس لها مطالب من جهة العباد. قوله: (ومن مات وعليه زكاة أو صدقة فطر أو صوم نذر أو كفارة: سقطت) لأنها حق الله تعالى، ولا يؤخذ من تركته إلا إذا أوصى، فيؤخذ من الثلث، لأن تصرفه من الثلث لا غير. وقال الشافعي: يؤخذ من تركته، أوصى بها أو لم يوص. قوله: (ولا زكاة في غير الفضة والذهب والسوائم إلا بنية التجارة) وذلك كالعروض والأمتعة والسلع ونحوها، ولا زكاة فيها إلا بنية التجارة، لأنها مبادلة المال بالمال، والنية للتمييز والإخلاص، فلابد منها، بخلاف النقدين والسوائم. قوله: (ولا زكاة في مال الضمار، وهو) أي الضمار (ما لا يقدر عليه بنفسه ولا بنائبه) مثل المال الضائع والساقط في البحر، والمدفون في المفازة، والعبد الآبق، والمغصوب، والدين المجحود، إذا لم يكن عليهما بينة، والمودع عند من لا يعرفه، والذي أخذه السلطان مصادرة. وقال زفر: يجب في الضمار: الزكاة، لإطلاق النصوص. ولنا: قول علي ﵁: "لا زكاة في المال الضمار" موقوفاً ومرفوعاً. وفي المدفون في الأرض والكرم: اختلاف المشايخ. قوله: (ولا تصح) أي الزكاة (إلا بنية مقارنة للأداء أو لعزلها) لأن النية لابد منها لأداء العبادات، فالزكاة تؤدى متفرقاً، فربما يحرج في النية عند أداء كل دفعة، فاكتفى بها عند العزل تسهيلاً وتيسيراً.

стр. 197

قوله: (إلا إذا تصدق بكل النصاب فإنه لا يحتاج حينئذ إلى النية) لأن الزكاة جزء من المال، وكان متعيناً فيه، فلم يحتج إلى التعيين. وعند زفر والشافعي: لا تسقط. قوله: (نصاب الفضة: مائتا درهم) لما فرغ عن بيان من تجب عليه الزكاة ومن لا تجب، شرع في بيان نصب الأموال الزكوية، وقدم زكاة النقدين: لأغلبهما، وقدم الفضة على الذهب: لكثرتها بالنسبة إلى الذهب. قوله: (وزن سبعة) أي العشرة من الدراهم تكون وزن سبعة مثاقيل في الزكاة، ونصاب السرقة وتقدير الديات والمهر. وأصله: أن الدراهم كانت مختلفة في زمن عمر ﵁، وكانت على ثلاثة أصناف: صنف منها: كل عشرة: عشرة مثاقيل، كل درهم: عشرون قيراطاً، وصنف منها كل عشرة: ست مثاقيل، كل درهم: اثني عشر قيراطاً، وهو ثلاثة أخماس مثقال، وصنف منها: كل عشرة: خمسة مثاقيل، كل درهم: نصف مثقال، وهو عشرة قراريط. وكان المثقال نوعاً واحداً، وهو عشرون قيراطاً، وكان عمر ﵁ يطالب الناس في استيفاء الخراج بأكبر الدراهم، ويشق عليهم ذلك، فالتمسوا منه التخفيف، فشاور عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فاجتمع رأيهم على أن يأخذ عمر من كل نوع ثلثه، فأخذ، فصار الدرهم بوزن أربعة عشر قيراطاً، فاستقر الأمر عليه في ديوان عمر ﵁. وهذا لأن ثلث العشرين قيراطاً: ستة وثلثان، وثلث الاثني عشر: أربعة، وثلث العشرة: ثلاثة وثلث، فالمجموع: أربعة عشر قيراطاً، فيكون عشر دراهم مثل وزن سبعة مثاقيل، لأن سبعة مثاقيل: مائة وأربعون قيراطاً، فكذا عشرة دراهم: مائة وأربعون قيراطاً. وذكر في الغاية: أن دراهم مصر: أربعة وستون حبة، وهو أكبر من درهم الزكاة، فالنصاب: مائة وثمانون درهماً وحبتان.

стр. 198

قوله: (أغلبها فضة) اعتباراً للغالب، حتى لو كان الغش غالباً على الفضة: يكون في حكم العروض، ولم يعتبر القليل: للضرورة، لأن الفضة لا تنطبع إلا بقليل غش. قوله: (وفيه خمسة دراهم) أي وفي مائتي درهم: خمسة دراهم لقوله ﵇: "هاتوا ربع العشور، من كل أربعين درهماً: درهم، وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم، فإذا كانت مائتي درهم: ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك" رواه أبو داود. قوله: (ثم في كل أربعين درهماً: درهم، والناقص عفو) يعني إذا زاد على المائتين شيء: لا شيء فيه عند أبي حنيفة حتى يبلغ أربعين درهماً، فإذا بلغ أربعين درهماً: ففيه درهم، وتكون الجملة ستة دراهم: خمسة من المائتين، ودرهم في الأربعين، ولا شيء فيما دون الأربعين. وقالا: ما زاد على المائتين فبحسابه، حتى إذا زادت عشرة على المائتين مثلاً: يعطي خمسة دراهم وربع درهم، وإذا زادت خمسة عشر: يعطي خمسة دراهم وربع درهم وثمن درهم، وإذا زادت عشرين: يعطي خمسة دراهم ونصف درهم، وعلى هذا لما مر من قوله ﷺ : "فما زاد فعلى حساب ذلك". وله: قوله ﵇: "لا تأخذوا من الكسور شيئاً" رواه أبو بكر الرازي في شرح مختصر الطحاوي.

стр. 199

قوله: (ونصاب الذهب: عشرون مثقالاً) لما روت عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً: نصف دينار، ومن الأربعين: ديناراً" رواه ابن ماجة. والمثقال: ستة دوانق، وهو عشرون، قيراطاً، كل قيراط: خمس شعيرات. قوله: (أغلبها ذهب) اعتباراً للغالب، وقد مر. قوله: (وفيه) أي في عشرين مثقالاً (نصف مثقال) لما رويناه. قوله: (ثم في كل أربعة مثاقيل: قيراطان) يعني إذا زاد على عشرين مثقالاً: لا شيء فيه عند أبي حنيفة على أن يبلغ أربعة مثاقيل، فإذا بلغ: ذلك ففيه قيراطان، والقيراطان من أربعة مثاقيل: ربع العشر، لأن عدد المثاقيل وهي أربعة، إذا ضرب في عدد قراريط المثقال وهو عشرون: يكون ثمانين، وعشر ثمانين: ثمانية، وربع الثمانية: اثنان، فيكون القيراطان: ربع عشر أربعة مثاقيل. فافهم. وقالا: ما زاد فبحسابه، وقد مر. قوله: (والتبر والحلي والآنية: نصاب) يعني في وجوب الزكاة. التبر: القطعة المأخوذة من المعدن. وقال الشافعي: لا زكاة في حلي النساء، وخاتم الفضة للرجال.

стр. 200

ولنا: ما روي عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز" رواه أبو داود. والوضح: الحلي، وجمعه أوضاح. وما رواه الشافعي من حديث جابر: أنه ﵇ قال: "ليس في الحلي زكاة" فلا أصل له، رواه البيهقي. قوله: (وما غلبه منهما) أي من الذهب والفضة (غش: فهو كعروض التجارة) فلا يزكى إلا بنية التجارة، ويقوم عند الزكاة إلى أن يخلص منه نصاب، فحينئذ لا يشترط فيهما نية التجارة ولا القيمة. قوله: (ونصاب العروض: أن يبلغ قيمتها نصاباً، لأنه الأنفع للفقراء) وذلك لرعاية حق الفقراء. وعن أبي يوسف: أن يقوم بما اشتري إذا كان الثمن من النقود، وإن اشتراها بغير النقود: يقومها بالغالب من النقود. وعن محمد: أنها تقوم بالنقد الغالب على كل حال، ويقوم بالمصر الذي هو فيه، وإن كان في مفازة: يقوم في المصر الذي يليه. قوله: (وكمال النصاب في طرفي الحول كاف) صورته: إذا كان النصاب كاملاً في ابتداء الحول وانتهائه، فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة، لأن ما بين ذلك ليس بوقت الوجوب، ولا بوقت الانعقاد، فلم يعتبر كمال النصاب فيه، خلافاً لزفر. قوله: (ويضم الذهب والفضة والعروض بعضها إلى بعض بالقيمة) أما نفس الضم:

стр. 201

فليس فيه خلاف عندنا، ولكن الخلاف في كيفية الضم، فعند أبي حنيفة: يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة، وعندهما: بالأجزاء، حتى إذا كان النصف من أحدهما، والنصف من الآخر، أو الثلث من أحدهما، والثلثان من الآخر، أو الربع من أحدهما، وثلاثة الأرباع من الآخر: يضم بالاتفاق. أما إذا كان من أحدهما النصف، ومن الآخر ربع تساوي قيمته النصف من الآخر: يضم عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، فيؤدي الزكاة من أي النوعين شاء، أو يؤدي من الدراهم حصتها، ومن الدنانير حصتها. وأما العروض: فعند أبي حنيفة: إن شاء قوم العروض، فيضم قيمتها إلى الذهب والفضة، وإن شاء قوم الذهب والفضة، فيضم القيمة إلى قيمة العروض، وعندهما: لا يضم الذهب والفضة بالقيمة، ولكن يقوم العروض فيضم باعتبار الأجزاء. قوله: (ويضم ما دون الأربعين) أي من الدراهم (إلى ما دون أربعة مثاقيل من الدنانير) صورته: إذا كان الفاضل على المائتين مثلاً: ثلاثين، وعلى عشرين مثقالاً: ثلاثة مثاقيل، يضم أحدهما إلى الآخر على الخلاف المذكور، فافهم. قوله: (ونصاب الإبل في كل خمس شاة) إلى قوله: (إلى مائة وعشرين) لما روى البخاري في صحيحه مسنداً إلى ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنساً حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها: من الغنم، في كل خمس: شاة، إذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين: ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين: ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين: ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة

стр. 202

وستين إلى خمس وسبعين: ففيها جذعة، فإذا بلغت يعني ستاً وسبعين إلى تسعين: ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة: ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة: ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". قوله: (ثم يبدأ كما مر إلى خمس وعشرين) اعلم أنه لا خلاف بين الفقهاء إلى مائة وعشرين، ولكن اختلفوا في الزيادة عليها، فقال أصحابنا: يستأنف الفريضة، فيكون في خمس: شاة مع الحقتين، وفي العشر: شاتان، هكذا إلى مائة وخمس وأربعين: ففيها حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين: ففيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الفريضة هكذا، في كل خمس شاة، فإذا بلغت مائة وخمسة وسبعين: ففيها ثلاث حقاق وبنت مخاض، إلى مائة وستة وثمانين: ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، إلى مائة وستة وتسعين: فيجب فيها أربع حقاق، إلى مائتين، ثم يستأنف الفريضة أبداً مثل ما استؤنفت من مائة وخمسين إلى مائتين. وقال الشافعي: إذا زادت على مائة وعشرين واحدة: ففيها ثلاث بنات لبون، وإذا صارت مائة وثلاثين: ففيها حقة وبنتا لبون، ثم يدور الحساب على الأربعينات والخمسينيات، فيجب في كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة، كما يدور في البقر على الثلاثينات والأربعينات. ولنا: كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم فكان فيه: "إذا بلغت إحدى وتسعين: ففيها حقتان، إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من ذلك، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون، فما فضل فإنه يعاد إلى أول فرائض الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين: ففيه الغنم، في كل خمس ذود: شاة" رواه أبو داود والطحاوي، وقال

стр. 203

أبو الفرج: قال أحمد بن حنبل: حديث ابن حزم في الصدقات صحيح. وما تمسك به الشافعي: بما روي في البخاري: "فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة" فجوابه: أنا نعمل به أيضاً، ألا ترى أن في تسعين ومائة: يجب ثلاث حقاق وبنت لبون، وكذا في المائتين: أربع حقاق عندنا؟ فيحمل حديث الخصم عليه، لأن ظاهره يدل على زيادة فيها: أربعون، وفيها خمسون، ولكن تخلل الغنم بحديث عمروا بن حزم. قوله: (والبخت والعراب سواء) لأن اسم الإبل يتناولهما. والبخت: جمع بختي، وهو منسوب إلى بخت نصر، والعراب: جمع عربي، والأناسي: عرب. قوله: (ونصاب البقر ثلاثون، وفيه: تبيع إلى أربعين، ثم مسنة) لما روي عن معاذ ابن جبل: "أنه ﵇ بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة: تبيعاً أو تبيعة ومن كل أربعين: مسنة" رواه الترمذي. قوله: (وما زاد بحسابه) أي وما زاد على الأربعين: يعتبر بحسابه، مثلاً: في الواحدة الزائدة: ربع عشر مسنة، أو ثلثي عشر التبيع، وفي التثنتين: نصف عشر مسنة،

стр. 204

أو ثلثي عشر تبيع، وفي الثلاثة: ثلاثة أرباع عشر مسنة، أو عشر تبيع، وهذا عند أبي حنيفة في رواية الأصل، وفي رواية الحسن: أنه لا يجب في الزيادة شيء إلى أن يبلغ خمسين، ثم فيها: مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع. وقالا: لا شيء في الزيادة حتى يبلغ ستين، وهو رواية عن أبي حنيفة. قوله: (ثم تبيعان) أي في ستين: تبيعان (إلى سبعين ففيها: مسنة وتبيع، إلى ثمانين ففيها: مسنتان، إلى تسعين ففيها: ثلاثة أتبعة، إلى مائة ففيها: تبيعان ومسنة). قوله: (وهكذا أبداً) أي وهكذا يتغير الفرض من التبيع إلى المسنة، ومن المسنة إلى التبيع، فليتدبر، فإنه ظاهر على الفطن الذكي. قوله: (والجواميس والبقر سواء) لأنها نوع منه، فتتناولهما النصوص الواردة باسم البقر. بخلاف ما إذا حلف لا يأكل لحم البقر، حيث لا يحنث بأكل الجاموس، لأن مبنى الأيمان على العرف، وفي العادة أوهام الناس لا يسبق إليه. قوله: (ونصاب الغنم أربعون) إلى آخره، ملا روى البخاري في صحيحه: في كتاب أبي بكر لأنس: "وفي صدقة الغنم في سائمتها: إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة: شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين: شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة: ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة: ففي كل مائة: شاة". قوله: (والضأن والمعز سواء) لأن النص ورد باسم الشاة والغنم، وهو شامل لها، فكانا جنساً واحداً، فيكمل نصاب أحدهما بالآخر. قوله: (ويؤخذ الثني منهما) أي من الضأن والمعز، وهو ما تمت له سنة (ولا يؤخذ الجذع) وهو ما أتى عليه أكثرها. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجوز الجذع من الضأن، وهو قولهما وقول الشافعي. قوله: (وما ينتج بين ظبي وشاة، أو بقرة وحشية أو أهلية: يعتبر أمه) حتى إذا نزى

стр. 205

ظبي على شاة، أو بقرة وحشية على أهلية، فولدت شاة وبقرة: تلحق بأمها، حتى يجوز التضحية بها، ويكمل بها النصاب ونحوهما، وبالعكس: لا. قوله: (ونصاب الخيل اثنان: ذكراً وأنثى) هذا التقدير على قول أبي حنيفة، وقيل: ثلاثة، وعن الطحاوي: خمس، والأصح: أن لا تقدير، لعدم النقل به. قوله: (وفيه ديناران) أي أن الواجب في نصاب الخيل وهو اثنان: ذكر وأنثى: ديناران، يعطي عن كل فرس: ديناراً، أو يقومها، ويعطي عن كل مائتي درهم: خمس دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة في الخيل أصلاً إذا لم تكن للتجارة، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على المسلم صدقة في عبيده ولا في فرسه" رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وغيرهم. ولأبي حنيفة: ما روى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: "في كل فرس سائمة: دينار، وليس في الرابطة شيء" رواه الدارقطني وأبو بكر الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي. والجواب عما روى البخاري: أن المراد من الفرس: فرس الغازي. قوله: (ولا يجب شيء في ذكور أو إناث محضة) فالمشهور عن أبي حنيفة: أنه لا يجب فيها شيء، وروي عنه: أنه يجب فيها أيضاً وإن كانت إناثاً محضة، فلذلك فيه روايتان. وإن كانت علوفة أو سائمة للحمل والركوب والجهاد: فلا يجب الزكاة فيها. وإن كانت للتجارة: يجب فيها الزكاة، وسواء كانت تعلف في المصر أو تسام في البراري، كذا في التحفة. قوله: (ولا في البغال) أي ولا تجب الزكاة أيضاً في البغال والحمير بالإجماع، لقوله ﵇: "ليس في الجبهة ولا في الكسعة ولا في النخعة: صدقة".

стр. 206

الجبهة: الخيل، والكسعة: الحمير، والنخعة: البقر العوامل. قوله: (ولا في الصغار الأتبعاء للكبيرة) صورته: إذا اشترى أربعين من الحملان، أو ثلاثين من العجاجيل، أو خمسة وعشرين من الفصلان، فهل ينعقد الحول عليها؟ فعندهما: لا ينعقد، وعند أبي يوسف: ينعقد، حتى لو حال الحول من حين ملكه: يجب فيها الزكاة. وأما إذا كانت كبيرة معها: ينعقد عليها الحول بالاتفاق، فتجب الزكاة عند تمام حولان الحول، ثم إذا أخذ الساعي منها: يأخذ الصغير عندنا، وقال زفر: يأخذ منها ما يأخذ في المسان. قوله: (وليس في العلوفة ولا في الحوامل والعوامل السائمة: زكاة) العلوفة بفتح العين: ما يعلف من الغنم وغيرها، الواحد والجمع سواء، والحوامل جمع حاملة، والعوامل جمع عاملة. وقال مالك: يجب فيها الزكاة. ولنا: ما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس في العوامل صدقة" قال أبو الحسن القطان: إسناده صحيح. وعن جابر أنه ﵇ قال: "ليس في المثيرة صدقة" رواه الدارقطني.

стр. 207

قوله: (والسائمة: الراعية أكثر الحول لا للركوب والعمل) هذا تفسير السائمة، وهي من سامت الماشية سوماً: أي رعت. قيد بقوله: (الراعية أكثر الحول) لأنه لو علفها نصف حول: لا تكون سائمة حتى لا يجب فيها الزكاة. وقيد بقوله: (لا للركوب والعمل) لأنه إذا كانت للركوب أو العمل: لا زكاة فيها. قوله: (وبنت مخاض: ما دخل في السنة الثانية) أي بنت مخاض: ما تمت له سنة ودخل في السنة الثانية، وإنما سميت بها: لأن أمها حملت بعدها وهي ماخض، يقال: مخضت الحامل مخضاً: أي أخذها وجع الولادة. قوله: (وبنت لبون: في الثالثة) أي بنت لبون: ما تمت له سنتان، ودخل في السنة الثالثة، سميت بها: لأن أمها حملت قبلها وولدت وهي ذات لبن. قوله: (والحقة: في الرابعة) أي الحقة: ما تمت له ثلاث سنين ودخل في السنة الرابعة، سميت بها: لأنها استحقت أن يحمل عليها. قوله: (والجذعة: في الخامسة) أي الجذعة: ما تمت له أربع سنين ودخل في السنة الخامسة، سميت بها: لأنها أطاقت الجذع، يقال جذع الدابة: أي حبسها على غير علف. قوله: (والتبيع: في الثانية) أي التبيع: ما تمت له سنة ودخل في السنة الثانية، سمي بذلك: لأنه يتبع أمه. قوله: (والمسنة: في الثالثة) أيا لمسنة: ما تمت لها سنتان ودخلت في السنة الثالثة. قوله: (وثني الغنم: ما بلغ سنة، وجذعها: ما بلغ أكثرها) أي جذع الغنم: ما بلغ أكثر السنة. والجذع من البقر: ابن سنة، والثني: ابن سنتين، والجذع من الإبل: ابن أربع سنين، والثني: ابن خمسة. قوله: (ومن وجب عليه السن) أي ذات سن (وصاحبه لا يملكه: أعطى أعلى منه وأخذ الزائد برضا الساعي) يعني: لا يجبر الساعي على القبول، لأن فيه شراء الزيادة، ولا إجبار فيه.

стр. 208

قوله: (أو أعطى أسفل منه مع الزائد مطلقاً) يعني سواء رضي الساعي أو لم يرض، حتى إذا لم يرض: يجبر على القبول. قوله: (ويجوز دفع القيمة في الزكاة والفطر والكفارة والعشر والخراج والنذر) وقال الشافعي: لا يجوز قياساً على الهدي والأضحية. ولنا: ما روى البخاري من حديث ثمامة: أن أنساً حدثه: أن أبا بكر كتب له الفريضة التي أمر الله ورسوله: "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة: فإنها تقبل منه الحقة .. " الحديث. قوله: (والواجب أخذ الوسط من النصاب) حتى لو وجب عليه بنت لبون مثلاً: لا يؤخذ منه خيار بنت لبون في ماله، ولا أردأ بنت لبون فيه، وإنما يؤخذ بنت لبون وسط، وكذا غيرها، لقوله ﵇: "إياكم وكرائم أموالهم" رواه الجماعة. قوله: (ومطلق المستفاد يضم في الحول) اعلم أن الفائدة على ضربين: ما يكون من جنس الأصل، وما يكون من غير جنس الأصل، والثاني لا يضم إلى الأصل بالاتفاق، بل يستأنف له حول آخر، كما إذا كانت له إبل، فاستفاد بقراً أو غنماً في أثناء الحول. والأول لا يخلو: إما أن يكون حاصلاً بسبب الأصل: كالأولاد والأرباح: وذاك

стр. 209

يضم بالإجماع. وإن كان حاصلاً بسبب مقصود في نفسه كالموروث والمشتري والموهوب: يضم عندنا. خلافاً للشافعي. والمراد من الضم: أن تجب الزكاة في الفائدة عند تمام الحول على الأصل. قوله: (وغيرهما) أي غير الربح والولد (يضم إلى أقرب جنسه حولاً) صورته: إذا كان له نصاب من الفضة، ونصاب آخر من عروض التجارة، ثم وهب له دراهم: يضم الدراهم إلى الفضة إن كان نصاب الفضة أقرب إلى تمام الحول، ويضم إلى نصاب العروض إن كان أقرب إلى الحول. قوله: (والزكاة واجبة في النصاب دون العفو) هذا عندهما، وعند محمد وزفر: يجب فيما. قوله: (فلا يسقط شيء بهلاك العفو) فائدة الخلاف المذكور، فلهذا أتى بالفاء، ي لا يسقط شيء من الزكاة إذا بقي النصاب وهلك العفو، صورته: إذا كان له تسع من الإبل مثلاً، فحال عليها الحول، فهلك منها أربعة التي هي عفو: تسقط أربعة أتساع شاة عند محمد، ولو كان له مائة وعشرون شاة، فحال عليها الحول، فهلك منها ثمانون: سقط عند محمد ثلثا شاة وبقي الثلث. وعندهما: لا يسقط شيء من الفصلين جميعاً. قوله: (ولو هلك النصاب بعد وجوب الزكاة: سقطت) وقال الشافعي: إذا هلكت الأموال الباطنة بعد الوجوب وبعد التمكن من الأداء: لا يسقط. ولنا: أن المال محل الزكاة، فيفوت بفوات المحل. قوله: (ولو هلك بعضه) أي بعض النصاب (سقط بقدره) مثل ما إذا هلك مائة، وبقي مائة: يجب عليه زكاة المائة، وعلى هذا قوله: (ولو أهلك المالك: ضمن التعدي).

стр. 210

قوله: (ولو هلك بعد طلب الساعي فقولان: في قول مشايخ ما وراء النهر: لا يضمن) وهو اختيار أبي طاهر الدباس وأبي سهل الزجاجي، وهو الصحيح (وفي قول العراقيين: يضمن) وهو اختيار الكرخي. قوله: (ويصح التعجيل لسنتين، أو لنصب أيضاً بعد ما ملك النصاب) وقال مالك: لا يصح. ولنا: أنه ﵇:"استسلف من عباس زكاة عامين" رواه الشيخ أبو الحسين القدوري. وروي أن العباس: "سأل رسول الله صلى الله عليه سولم في تعجيل صدقته قبل أن تحل،

стр. 211

فرخص له في ذلك" رواه ابن ماجة. ومعنى قوله: (أو لنصب) أن يكون عنده نصاب، فيقدم زكاة نصب كثيرة ليست في ملكه بعدك فإنه يجوز، خلافاً لزفر. قوله: (المعدن والركاز) أي هذا بيان أحكام المعدن والركاز. والمعدن: اسم لمال خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقها. والكنز: اسم لمال دفنه بنو آدم. والركاز: اسم لهما جميعاً، فقد يذكر ويراد به المعدن، وقد يذكر ويراد به الكنز. قوله: (ومن وجد معدناً من جوهر ذائب) كالذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحوها (في أرض مباحة: ففيه الخمس) وقال الشافعي: لا شيء فيه، لأنه مباح سبقت يده إليه، إلا إذا كان ذهباً أو فضة: فإنه يجب فيه الزكاة إذا بلغ نصاباً، من غير اشتراط الحول. ولنا: قوله ﵇: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" رواه البخاري وغيره. وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس"، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقت" رواه البيهقي. قوله: (والباقي له) أي أربعة أخماسه للواجد.

стр. 212

قوله: (ولو وجد) أي ولو وجد المعدن (في داره: فلا شيء فيه). هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: فيه أيضاً، لإطلاق الحديث، وله: أنه مالك الدار بجميع أجزائها، والمعدن من أجزائها، ولا مؤنة في سائر أجزائها، فكذا في هذا الجزء. قوله: (بخلاف الكنز) يعني إذا وجد كنزاً في داره ففيه الخمس بالاتفاق، لأنه ليس من أجزاء الأرض، لأنه ليس بمركب فيها. قوله: (ولو وجد في أرضه) أي ولو وجد المعدن في أرضه (فروايتان) عن أبي حنيفة، على رواية الأصل: لا شيء فيه، وعلى رواية الجامع الصغير: فيه الخمس. قوله: (ومن وجد كنزاً: ففيه الخمس) هذا بالاتفاق، لقوله ﵇: "وفي الركاز الخمس". قوله: (ولو كان متاعاً) أي ولو كان الكنز متاعاً من الأثاث والسلاح وأثاث المنازل ونحوها. قوله: (والباقي لقطة في الضرب الإسلامي) يعني إذا وجد كنزاً وعليه علامة الإسلام، كما إذا كانت عليه كلمة الشهادة: يؤخذ الخمس، والباقي حكمه حكم اللقطة في التعريف والتصدق على نفسه إن كان فقيراً، وإلا على غيره إن كان غنياً. قوله: (وفي الجاهلية: هو للواجد إن كانت الأرض مباحة) يعني إذا كانت العلامة عليه جاهلية، كما إذا كان نقشها صليباً: ففيه الخمس بلا خلاف، لأنه دفين الكفار، وحكمه: حكم الغنيمة، وأربعة أخماسه للواجد إذا كانت الأرض مباحة: مثل المفاوز والجبال، سواء كان الواجد حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، لأنهم من أهل الغنيمة. قوله: (وإن لم يكن) أي وإن لم تكن الأرض مباحة: مثل ما إذا كانت مملوكة (ففيه الخمس أيضاً، وأربعة أخماسه لمالكها أول الفتح). وهو الذي يسمى: المختط له، وهو الذي خصه الإمام بتمليك هذه البقعة حين فتح أهل الإسلام تلك البلدة، أو لورثته إن عرفوا، والمصنف ترك هذا.

стр. 213

وإن جهل مالكها أول الفتح وورثته: فلأقصى مالك الأرض يعرف في الإسلام أو ورثته، وإن لم يعرفوا: فلبيت المال. قوله: (فإن خفي الضرب) بأن اشتبه عليهم (يجعل جاهلياً في ظاهر المذهب) لأنه الأصل، وقيل: يجعل إسلامياً في زماننا، لتقادم العهد. قوله: (ولا شيء في الفيروزج) أي لا خمس، وهو حجر مضيء يوجد في الجبال، لقوله ﵇: "لا خمس في الحجر". وكذا لا يجب في الياقوت واللؤلؤ والعنبر والزمرد، وجميع الجواهر والفصوص من الحجارة. وعند أبي يوسف: يخمس العنبر واللؤلؤ، وكل حلية تستخرج من البحر. قوله: (وفي الزئبق: الخمس) خلافاً لأبي يوسف، فهو جعله: كالقير والنفط، وهما: كالرصاص. قوله: (زكاة النبات) أي هذا بيان أحكام زكاة النبات، وهي العشر. قوله: (يجب عشر كل نابت بماء السماء أو سيحاً) المراد من ماء السماء: المطر، ومن السيح: الماء الجاري، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وانتصاب (سيحاً) بنزع الخافض، تقديره: أو بسيح. قوله: (إلا الحطب والقصب والحشيش) يعني لا شيء فيها، لأن سبب العشر الأرض النامية، وهذه الأشياء إذا غلبت على الأرض أفسدتها، ولا يحصل بها النماء.

стр. 214

قال في خلاصة الفتاوى: "لا عشر في الطرفاء، وشجر القطن، والباذنجان، ولا عشر في الأدوية: كالهليلج، ولا في الكندر، والصمغ". قوله: (من غير شرط نصاب أو حول أو عول أو بلوغ) هذا يتعلق بقوله: (يجب عشر كل ناب) وهذا عند أبي حنيفة، والخلاف ها هنا في موضعين: في اشتراط النصاب، وفي اشتراط البقاء، فعند أبي حنيفة: لا يشترط واحد منهما، وعندهما: كلاهما شرط. لهما في الأول: قوله ﵇: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" رواه مسلم. وقوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" رواه أبو داود. وله: قوله ﵇: "فيما سقت السماء والغيم: العشر، وفيما سقي بالسانية: نصف العشر" رواه مسلم وغيره. وقوله ﵇: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف الشعر" رواه الجماعة غير مسلم. كل ذلك بلا فصل بين القليل والكثير، وتأويل ما روياه: زكاة التجارة.

стр. 215

ولهما في الثاني: قوله ﵇: "ليس في الخضروات صدقة" والزكاة ليست بمرادة، فتعين العشر. وله: ما روينا، ولأن السبب هي الأرض النامية، وقد يستنمى بما لا يبقى، فيجب العشر كالخراج، وما روياه: ليس بثابت. قوله: (وإن جعل أرضه محطبة أو مقصبة أو محشيشاً: وجب فيه العشر) لأنه حينئذ يقصد بها الاستغلال. قوله: (وما سقي بغرب أو دالية: ففيه نصف العشر) لما روينا. والغرب: الدلو العظيمة، والدالية: الدولاب وهي الناعورة. قوله: (وإن سقي سيحاً وبدالية: حكم بأكثر الحول) يعني إذا سقيت الأرض بالماء الجاري والدالية جميعاً: حكم بأكثر الحول، فإن كان السقي بالسيح في أكثر الحول: ففيها العشر كاملاً، وإن كان بالدالية: ففيها نصف العشر. قوله: (وفي العسل: العشر) هذا إذا أخذ من الأرض العشرية، وإن أخذ من أرض الخراج فلا شيء فيه. قوله: (ولو وجد في الجبل) واصلاً بما قبله، أي لو وجد العسل في الجبل: ففيه العشر، كالثمر الموجود فيه، لأنه مال. وعن أبي يوسف والحسن: إذا وجد في الجبال والمفاوز وعلى الأشجار والكهوف: فلا شيء فيه، وهو بمنزلة الثمار تكون في الجبال والأودية، ولا خراج فيها ولا عشر. ثم إذا وجب العشر: فعند أبي حنيفة: يجب في قليله وكثيره، وعند أبي يوسف: إذا بلغ قيمة خمسة أوسق: ففيه العشر، وعنه: لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، كل قربة خمسون مناً، وعنه: لا شيء فيه حتى يبلغ خمسة أمناء، وعند محمد: إذا بلغ
следующие страницы →