← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فرخص له في ذلك" رواه ابن ماجة. ومعنى قوله: (أو لنصب) أن يكون عنده نصاب، فيقدم زكاة نصب كثيرة ليست في ملكه بعدك فإنه يجوز، خلافاً لزفر. قوله: (المعدن والركاز) أي هذا بيان أحكام المعدن والركاز. والمعدن: اسم لمال خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقها. والكنز: اسم لمال دفنه بنو آدم. والركاز: اسم لهما جميعاً، فقد يذكر ويراد به المعدن، وقد يذكر ويراد به الكنز. قوله: (ومن وجد معدناً من جوهر ذائب) كالذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحوها (في أرض مباحة: ففيه الخمس) وقال الشافعي: لا شيء فيه، لأنه مباح سبقت يده إليه، إلا إذا كان ذهباً أو فضة: فإنه يجب فيه الزكاة إذا بلغ نصاباً، من غير اشتراط الحول. ولنا: قوله ﵇: "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" رواه البخاري وغيره. وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس"، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقت" رواه البيهقي. قوله: (والباقي له) أي أربعة أخماسه للواجد.

стр. 212

قوله: (ولو وجد) أي ولو وجد المعدن (في داره: فلا شيء فيه). هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: فيه أيضاً، لإطلاق الحديث، وله: أنه مالك الدار بجميع أجزائها، والمعدن من أجزائها، ولا مؤنة في سائر أجزائها، فكذا في هذا الجزء. قوله: (بخلاف الكنز) يعني إذا وجد كنزاً في داره ففيه الخمس بالاتفاق، لأنه ليس من أجزاء الأرض، لأنه ليس بمركب فيها. قوله: (ولو وجد في أرضه) أي ولو وجد المعدن في أرضه (فروايتان) عن أبي حنيفة، على رواية الأصل: لا شيء فيه، وعلى رواية الجامع الصغير: فيه الخمس. قوله: (ومن وجد كنزاً: ففيه الخمس) هذا بالاتفاق، لقوله ﵇: "وفي الركاز الخمس". قوله: (ولو كان متاعاً) أي ولو كان الكنز متاعاً من الأثاث والسلاح وأثاث المنازل ونحوها. قوله: (والباقي لقطة في الضرب الإسلامي) يعني إذا وجد كنزاً وعليه علامة الإسلام، كما إذا كانت عليه كلمة الشهادة: يؤخذ الخمس، والباقي حكمه حكم اللقطة في التعريف والتصدق على نفسه إن كان فقيراً، وإلا على غيره إن كان غنياً. قوله: (وفي الجاهلية: هو للواجد إن كانت الأرض مباحة) يعني إذا كانت العلامة عليه جاهلية، كما إذا كان نقشها صليباً: ففيه الخمس بلا خلاف، لأنه دفين الكفار، وحكمه: حكم الغنيمة، وأربعة أخماسه للواجد إذا كانت الأرض مباحة: مثل المفاوز والجبال، سواء كان الواجد حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، لأنهم من أهل الغنيمة. قوله: (وإن لم يكن) أي وإن لم تكن الأرض مباحة: مثل ما إذا كانت مملوكة (ففيه الخمس أيضاً، وأربعة أخماسه لمالكها أول الفتح). وهو الذي يسمى: المختط له، وهو الذي خصه الإمام بتمليك هذه البقعة حين فتح أهل الإسلام تلك البلدة، أو لورثته إن عرفوا، والمصنف ترك هذا.

стр. 213

وإن جهل مالكها أول الفتح وورثته: فلأقصى مالك الأرض يعرف في الإسلام أو ورثته، وإن لم يعرفوا: فلبيت المال. قوله: (فإن خفي الضرب) بأن اشتبه عليهم (يجعل جاهلياً في ظاهر المذهب) لأنه الأصل، وقيل: يجعل إسلامياً في زماننا، لتقادم العهد. قوله: (ولا شيء في الفيروزج) أي لا خمس، وهو حجر مضيء يوجد في الجبال، لقوله ﵇: "لا خمس في الحجر". وكذا لا يجب في الياقوت واللؤلؤ والعنبر والزمرد، وجميع الجواهر والفصوص من الحجارة. وعند أبي يوسف: يخمس العنبر واللؤلؤ، وكل حلية تستخرج من البحر. قوله: (وفي الزئبق: الخمس) خلافاً لأبي يوسف، فهو جعله: كالقير والنفط، وهما: كالرصاص. قوله: (زكاة النبات) أي هذا بيان أحكام زكاة النبات، وهي العشر. قوله: (يجب عشر كل نابت بماء السماء أو سيحاً) المراد من ماء السماء: المطر، ومن السيح: الماء الجاري، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وانتصاب (سيحاً) بنزع الخافض، تقديره: أو بسيح. قوله: (إلا الحطب والقصب والحشيش) يعني لا شيء فيها، لأن سبب العشر الأرض النامية، وهذه الأشياء إذا غلبت على الأرض أفسدتها، ولا يحصل بها النماء.

стр. 214

قال في خلاصة الفتاوى: "لا عشر في الطرفاء، وشجر القطن، والباذنجان، ولا عشر في الأدوية: كالهليلج، ولا في الكندر، والصمغ". قوله: (من غير شرط نصاب أو حول أو عول أو بلوغ) هذا يتعلق بقوله: (يجب عشر كل ناب) وهذا عند أبي حنيفة، والخلاف ها هنا في موضعين: في اشتراط النصاب، وفي اشتراط البقاء، فعند أبي حنيفة: لا يشترط واحد منهما، وعندهما: كلاهما شرط. لهما في الأول: قوله ﵇: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" رواه مسلم. وقوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" رواه أبو داود. وله: قوله ﵇: "فيما سقت السماء والغيم: العشر، وفيما سقي بالسانية: نصف العشر" رواه مسلم وغيره. وقوله ﵇: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف الشعر" رواه الجماعة غير مسلم. كل ذلك بلا فصل بين القليل والكثير، وتأويل ما روياه: زكاة التجارة.

стр. 215

ولهما في الثاني: قوله ﵇: "ليس في الخضروات صدقة" والزكاة ليست بمرادة، فتعين العشر. وله: ما روينا، ولأن السبب هي الأرض النامية، وقد يستنمى بما لا يبقى، فيجب العشر كالخراج، وما روياه: ليس بثابت. قوله: (وإن جعل أرضه محطبة أو مقصبة أو محشيشاً: وجب فيه العشر) لأنه حينئذ يقصد بها الاستغلال. قوله: (وما سقي بغرب أو دالية: ففيه نصف العشر) لما روينا. والغرب: الدلو العظيمة، والدالية: الدولاب وهي الناعورة. قوله: (وإن سقي سيحاً وبدالية: حكم بأكثر الحول) يعني إذا سقيت الأرض بالماء الجاري والدالية جميعاً: حكم بأكثر الحول، فإن كان السقي بالسيح في أكثر الحول: ففيها العشر كاملاً، وإن كان بالدالية: ففيها نصف العشر. قوله: (وفي العسل: العشر) هذا إذا أخذ من الأرض العشرية، وإن أخذ من أرض الخراج فلا شيء فيه. قوله: (ولو وجد في الجبل) واصلاً بما قبله، أي لو وجد العسل في الجبل: ففيه العشر، كالثمر الموجود فيه، لأنه مال. وعن أبي يوسف والحسن: إذا وجد في الجبال والمفاوز وعلى الأشجار والكهوف: فلا شيء فيه، وهو بمنزلة الثمار تكون في الجبال والأودية، ولا خراج فيها ولا عشر. ثم إذا وجب العشر: فعند أبي حنيفة: يجب في قليله وكثيره، وعند أبي يوسف: إذا بلغ قيمة خمسة أوسق: ففيه العشر، وعنه: لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، كل قربة خمسون مناً، وعنه: لا شيء فيه حتى يبلغ خمسة أمناء، وعند محمد: إذا بلغ

стр. 216

خمسة أفراق، والفرق: ستة وثلاثون رطلاً بالعراقي: ففيه العشر. قوله: (ولا يطرح أجر العمال ونفقة البقر قبل العشر) لإطلاق ما تلونا وما روينا، وكذلك في كري الأنهار وأجرة الحافظ ونحوهما. قوله: (ولا شيء في القير والنفط) هذا إذا كان في أرض عشر، ولو كانت في أرض خراج: يجب الخراج، لأنهما ليسا من الأموال، وإنما هما عين فوارة كعين الماء، غير أنه إن كان حريمه يصلح للزراعة: يجب فيها الخراج، وإلا فلا خراج فيه أيضاً. والقير: الزفت، ويقال: القار. والنفط بفتح النون: دهن يكون على وجه الماء. قوله: (مصارف الزكاة والعشر) مبتدأ، وقوله: (سبعة) خبره، ويجوز أن يكون التقدير: هذا بيان مصارف الزكاة، بأن يكون المبتدأ محذوفاً، وقوله: (سبعة) أي هي سبعة، على حذف المبتدأ أيضاً. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهم ثمانية أصناف، وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم، لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم، وهو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته، إذ لا نسخ بعده ﵇. قوله: (الفقير) أي المصرف الأول: الفقير: وهو من له أدنى شيء. قوله: (والمسكين) أي المصرف الثاني: المسكين وهو من لا شيء له، وقيل: بالعكس، أي قيل: المسكين من له أدنى شيء، والفقير من لا شيء له، وهو قول الشافعي أيضاً. قوله: (والعامل) أي المصرف الثالث: العامل: يدفع إليه إن عمل بقدر عمله، فيعطيه ما يكفيه وأعوانه غير مقدر، بشرط أن يكون غير هاشمي، فإن الهاشمي لا يحل له عندنا، خلافاً للشافعي، وأما إذا كان غنياً: فلا يضر، وتحل له العمالة بالإجماع.

стр. 217

قوله: (والمكاتب) أي المصرف الرابع: المكاتب: يعان في حل رقبته. وعند مالك: يبتاع رقبته فيعتق، فيكون الولاء على مذهبه: لجماعة المسلمين دون المعتق. قوله: (والمديون) أي المصرف الخامس: المديون: يدفع إليه إذا لم يملك نصاباً فاضلاً عن دينه. قوله: (والغازي المنقطع) أي المصرف السادس: الغازي المنقطع، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فقال أبو يوسف: المراد منه الغازي المنقطع، لما روى البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: "إن خالداً احتبس أدرعه

стр. 218

في سبيل الله"، ولا شك أن الدرع للحرب لا للحج. وقال محمد: الحاج المنقطع، لما روى البخاري أيضاً عن أبي لاس الخزاعي أنه قال: "حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج". فعلم بذلك أن سبيل الله: منقطع الحاج، لأنه ﵇ صرف الصدقة إليه. قوله: (ومن ماله بعيد عنه) أي المصرف السابع: ابن السبيل: وهو من ماله بعيد عنه فيدفع إليه الزكاة لأنه فقير في الحال، وإن كان غنياً، بالنظر إلى حيث ماله. قوله: (وللمالك أن يعم المصارف وأن يخص بعضها) وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وجماعة أخر، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف ذلك، فكان إجماعاً. وعند الشافعي: لا يجوز، إلا إذا دفع إلى ثمانية أصناف، من كل صنف ثلاثة أنفس، إلا العامل. قوله: (ولا يدفع إلى غني وإن كان نصابه غير تام) لقوله ﵇: "لا تحل الصدقة

стр. 219

لغني" رواه أبو داوود والنسائي والترمذي. وقال مالك والشافعي: يجوز دفعها إلى غني الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان، ولم يكن يأخذ من الفيء. قوله: (ولا إلى ذمي) أي ولا يدفع الزكاة إلى ذمي أيضاً، لما روي من حديث معاذ أنه ﵇ قال: "أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم" متفق عليه. وقال زفر: يجوز. قوله: (بخلاف غير الزكاة) يعني غير الزكاة مثل: صدقة الفطر والكفارات والصدقة المنذورة، فيجوز دفعها إليه عندهما، خلافاً لأبي يوسف والشافعي. وأما التطوع: فدفعه إليه جائز اتفاقاً. قوله: (ولا يبنى منها) أي من الزكاة (مسجد) لأن التمليك شرط فيها، فلم يوجد، وكذا لا يبنى منها القناطر والسقايات وإصلاح الطرقات وكري الأنهار والحج والجهاد، وكل ما لا تمليك فيه. قوله: (ولا يكفن بها) أي بالزكاة (ميت) لانعدام التمليك. قوله: (ولا يقضى دينه) أي دين الميت، لانعدام التمليك أيضاً. قوله: (ولا يعتق بها عبد) يعني لا يجوز أن يشتري بها عبد فيعتق. خلافاً لمالك، وقد مر.

стр. 220

قوله: (ولا يدفعها المزكي إلى أصوله) وهم الآباء والأجداد والأمهات والجدات من قبل الأب والأم وإن علوا (وفروعه) وهم الأولاد وأولاد الأولاد وإن سفلوا، لعدم تحقيق التمليك على الكمال. قوله: (وزوجته) أي ولا يدفعها أيضاً إلى زوجته، لعدم كمال التمليك، ولوجود الاشتراك في المنافع بينهما. قوله: (وزوجها) أي ولا تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها أيضاً، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز، لقوله ﵇: "لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة" رواه البخاري والطحاوي في شرح الآثار، وذلك حين سئل النبي ﷺ عن جواز إنفاق زينب على زوجها عبد الله وأيتام لها في حجرها. وله: أن المنافع متصلة، فلا يتحقق التمليك على الكمال. والجواب عن الحديث: أن زينب كانت صناع اليدين، ولم يكن لها مال يجب عليها فيه زكاة، فكانت صدقتها على عبد الله نافلة لا فريضة. قوله: (ومكاتبه) أي ولا يدفعها المزكي إلى مكاتبه ومدبره وأم ولده وعبده الذي أعتق بعضه، لعدم الإخراج الصحيح، لأن كسب المملوك لسيده، فصار كأنه دفع إلى نفسه.

стр. 221

وإذا دفع إلى مكاتب غيره: يجوز، وإن كان مولاه غنياً. قوله: (ولا إلى مملوك غني) لأن المملوك واقع للمولى، فلم يجز (ولا إلى ولده الصغير) لأنه يعد غنياً بيسار أبيه. قوله: (بخلاف امرأته) يعني إذا دفع إلى امرأة الغني يجوز، لأنها لا تعد غنية بيسار الزوج، وبقدر النفقة لا تصير موسرة، وكذلك يجوز دفعها إلى البنت الكبيرة الفقيرة لغني. قوله: (ولا إلى هاشمي) أي ولا يدفع أيضاً إلى هاشمي، لقوله ﵇: "نحن أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" رواه البخاري. وقوله ﵇: "إنما هذه الصدقات هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" رواه مسلم. والهاشمي: آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل الحارث بن عبد المطلب. ذكرهم القدوري هكذا. وفائدة تخصيصهم بالذكر: جواز الدفع إلى بعض بني هاشم وهم بنو أبي لهب. وقال أبو نصر البغدادي: وما عدا المذكورين: لا تحرم عليهم الزكاة. قوله: (ومولاه) أي ولا يدفع أيضاً إلى مولى الهاشمي، لقوله ﵇: "إن الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم" رواه الجماعة وصححه الترمذي.

стр. 222

قوله: (ولو ظنه مصرفاً) يعني دفع إلى رجل يظنه فقيراً (فأخطأ) بأن بان أنه غني أو هاشمي أو كافر، أو دفع في ليلة مظلمة فبان أنه أبوه أو ابنه (سقطت عنه الزكاة) ولا إعادة عليه عندهما، خلافاً لأبي يوسف، لأن خطأه ظهر بيقين. ولهما: ما روي عن معن بن يزيد قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن" رواه البخاري. قوله: (إلا في مكاتبه) يعني لا تسقط في هذه الصورة، لأنه لم يوجد الإخراج عن ملكه، وكذلك إذا ظهر عبده أو مدبره أو أم ولده. قوله: (ولو أعطاه شاكاً: لم تسقط) يعني إذا دفع الزكاة إليه وهو شاك، ولم يتحر ولم يظهر أنه مصرف: لا يسقط، إلا إذا ظهر صوابه يقيناً، أو بأكبر رأيه، فحينئذ يجوز. وكذا إذا تحرى ووقع أكبر رأيه ليس بمصرف، فدفع مع ذلك: لا يجزئه، إلا إذا ظهر أنه فقير أو أجنبي بيقين أو بدليل غالب. قوله: (ويكره نقلها) أي نقل الزكاة (إلى بلد آخر) لأن فيه ترك رعاية حق الجوار (إلا إذا نقل إلى قريبه، أو قوم هم حوج من أهل بلده) لأن فيه صلة القريب، وزيادة دفع الحاجة. والحوج بضم الحاء وسكون الواو: جمع أحوج. قوله: (صدقة الفطر) أي هذا في بيان أحكام صدقة الفطر، أو تكون: صدقة الفطر مبتدأ، وقوله: (تجب) خبره.

стр. 223

الأصل في وجوبها: ما قال ابن عباس ﵁: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهوراً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" رواه أبو داود. قوله: (على كل مسلم مالك نصاباً فاضلاً عن حاجته الأصلية) أما اشتراط الإسلام: فلوقوع القربة، وأما اشتراط ملك النصاب: فلقوله ﵇: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول" رواه البخاري. وهو أن يكون مالكاً لمقدار النصاب، فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده. وقال الشافعي: تجب على كل من يملك زيادة على قوت يومه لنفسه وعياله. قوله: (وإن كان) أي النصاب (غير تام) يعني لا يشترط أن يكون النصاب نامياً لوجوب صدقة الفطر، لأنها تجب بالقدرة الممكنة دون الميسرة، بخلاف الزكاة. قوله: (عنه) أي عن نفسه (وعن ولده الصغير الذي لا شيء له، وعن عبيده للخدمة) لأن السبب رأس يمونه ويلي عليه، لما روي أنه ﵇: "أمر بصدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد بمن يمونون" رواه الدارقطني. وهؤلاء المذكورون بهذه الصفة على الكمال. قيد بقوله: (الذي لا شيء له) لأنه إذا كان له مال: تجب من ماله عندهما، خلافاً لمحمد.

стр. 224

وقيد بقوله: (عبيده للخدمة) لأنه إذا كان للتجارة: لا يجب عليه عنه شيء. قوله: (ولو أنه كافر) أي ولو أن العبد كافر، لإطلاق ما روينا. قوله: (بخلاف ولده الكبير) أي لا يجب عليه عن ولده الكبير، لأنه لا يمونه ولا يلي عليه، فانعدم السبب. قوله: (ولا عن زوجته أيضاً) لأنه لا يلي عليها ولا يمونها إلا لضرورة مصالح النكاح، ولهذا لا يجب عليه [غير] الرواتب نحو الأدوية. قوله: (ولو أدى عنهما) أي ولو أدى الوالد عن ولده الكبير، أو الزوج عن زوجته (على وجه التبرع وهما لم يعلما ذلك: أجزأهما استحساناً) لأنه مأذون فيه عادة. قوله: (ولا يجب عن مكاتبه) لعدم الولاية عليه، وكذا، المستسعى، ذكره صاحب التحفة. قوله: (بخلاف مدبره وأم ولده) يعني يجب على المولى أن يخرج صدقة الفطر عن مدبره وأم ولده لأنه يلي عليهما. قوله: (ولا عن عبد) أي ولا يجب عن عبد أو عبيد بين موليين، لوجود الولاية والمؤنة في حق كل منهما. وقال أبو يوسف ومحمد: يجب على كل واحد منهما ما يخصه من الرءوس دون الأشقاص، ففي الثلاثة: يجب لأجل العبدين، وفي الخمسة: يجب لأجل الأربعة. قوله: (وهي) أي صدقة الفطر (نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير) وقال

стр. 225

الشافعي: من كل نوع صاع، لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب" رواه البخاري. ولنا: ما روي أنه ﵇ "قام خطيباً، فأمر بصدقة الفطر: صاع تمر أو صاع شعير عن كل رأس، أو صاع بر أو قمح بين اثنين، عن الصغير والكبير والحر والعبد" رواه أبو داود. وروي: أن رسول الله ﷺ خطب قبل يوم العيد بيومين فقال: "إن صدقة الفطر مد من بر على كل إنسان، أو صاع مما سواه من الطعام" رواه الدارقطني. والجواب عن حديث أبي سعيد: أنه ليس بحجة علينا، لأنه أخبر بفعل نفسه حيث قال: كنا نخرج، وفعل النبي ﷺ ليس بموجب، ففعل الصحابة أولى بأن لا يكون موجباً. والعجب من الشافعي أنه لا يرى تقليد الصحابي واجباً، فكيف قلد أبا سعيد في هذه المسألة؟ قوله: (أو دقيقه) أي دقيق البر (أو سويقه أو دقيق الشعير وسويقه) كلها جائز عندنا، خلافاً للشافعي. ولنا ما روى سفيان بإسناده إلى أبي سعيد قال: "كنا نخرج على عهد

стр. 226

رسول الله ﷺ صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب أو صاعاً من دقيق" رواه أبو داود. قوله: (وفي الزبيب روايتان) في رواية مشهورة عن أبي حنيفة: يجب نصف صاع، لأن نصف صاع لما وجب من التمر: ففي الزبيب أولى، لأنه أعلى قيمة منه، وفي رواية: يجب صاع، كما هو قولهما. قوله: (والدقيق أفضل من البر) وهو اختيار الفقيه أبي جعفر، ذكره في الهداية. قوله: (والدارهم أفضل منهما) أي من الدقيق والبر، وهو رواية عن أبي يوسف. قوله: (وقيل: البر أفضل منهما) أي من الدارهم والدقيق، لأنه أبعد عن الخلاف، وهو رواية أبي بكر الأعمش. قوله: (والصاع: ثمانية أرطال بالعراقي) وهذا عندهما: وعند أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل، وهو مذهب أهل الحجاز، وقيل: لا خلاف بينهم في الصاع، وإنما أبو يوسف لما حرر صاع أهل المدينة: وجده خمسة أرطال وثلث رطل برطل أهل المدينة، وهو أكبر من رطل أهل بغداد، لأنه ثلاثون أستاراً، والرطل البغدادي: عشرون أستاراً، فإذا قابلت ثمانية أرطال بالبغدادي بخمسة أرطال وثلث بالمدني: تجدهما سواء. قوله: (ووقتها) أي وقت صدقة الفطر (فجر يوم الفطر) وبه أخذ الشافعي في القديم.

стр. 227

وقال في الجديد: وقتها: غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. ولنا: ما روى ابن عمر ﵁ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" رواه أبو داود. والفطر من رمضان: بطلوع الفجر من يوم الفطر. وإذا ثبت أن وقت الوجوب يدخل بطلوع الفجر، فمن مات قبل ذلك: سقطت فطرته، لأنه يدرك وقت الوجوب. ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر: لم تجب فطرته، لأنه لم يكن وقت الوجوب من أهل الفطرة. قوله: (ويستحب دفعها قبل الخروج إلى صلاة العيد) لما روى ابن عمر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" رواه أبو داود. قوله: (ويصح تعجيلها مطلقاً) أي سواء عجل قبل الفطر في رمضان، أو قبل رمضان، لوجود أداء المسبب بعد وجود السبب، كالتعجيل في الزكاة. وعند خلف بن أيوب: يجوز تعجيلها بعد دخول رمضان لا قبله وقيل: يجوز

стр. 228

تعجيلها في النصف الأخير من رمضان، وقيل: في العشر الأخير. وعند الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها أصلاً، والأصح ما ذكره المصنف. قوله: (ولا تسقط بالتأخير) لأنه يقدر على مثلها من عنده قربة، بخلاف الأضحية: حيث تسقط إذا فاتت عن وقتها، لأنه لا يقدر على الإتيان بمثلها، لأنها لم تشرع قربة في سائر الأيام. وقال الحسن بن زياد: تسقط صدقة الفطر بالتأخير كالأضحية والله أعلم.

стр. 229

كتاب الصوم ذكر الصوم عقيب الزكاة، وإن كان الوجه تقدم الحج عليه من حيث أن له مناسبة بالزكاة في المال، لأن الحج عبادة مركبة من البدني والمالي، والصوم عبادة بدنية لا تعلق لها بالمال أصلاً، والمفرد قبل المركب. وهو لغة: إمساك مطلقاً. وشرعاً: إمساك مخصوص في وقت مخصوص من شخص مخصوص بنية. قوله: (يصح صوم رمضان من الصحيح المقيم بمطلق النية) مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم، ونية النفل مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم نفلاً، ونية واجب آخر مثل ما إذا كان عليه رمضان آخر ونواه في هذا الرمضان، ففي جميع ذلك يصح نيته عن رمضان، لأنه متعين ولا يحتاج إلى التعيين. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتعيين عن فرض الوقت. وإنما قيد بقوله: (من الصحيح المقيم) لأن المريض إذا نوى واجباً آخر: فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية: يقع عما نوى، وفي رواية وهي قولهما: يقع عن رمضان، وهي الأصح. وكذلك المسافر إذا نوى واجباً: يقع عما نوى عند أبي حنيفة، وعندهما: عن فرض الوقت، ولو نوى النفل: ففيه روايتان. قوله: (والنذر المعين) مثل ما إذا نذر العشر الأول من رجب مثلاً: يصح بمطلق

стр. 230

النية، مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم، وبنية النفل مثل ما إذا قال: نويت أن أصوم نفلاً. قوله: (لا بنية واجب آخر) أي لا يصح أداء النذر المعين بنية واجب آخر. والفرق بينه وبين صوم رمضان: حيث يصح صوم رمضان بكل ما نوى، ولا يصح النذر المعين بنية واجب آخر، لأن التعيين في رمضان من جهة الشارع، وليس له إبطال هذا، وفي النذر: التعيين من جهة الناذر، وله إبطال هذا فيما له هو النفل، لا فيما عليه: وهو الواجب الآخر، فافهم. قوله: (وكلاهما) أي صوم رمضان، والنذر المعين (يصح بنية من الليل والنهار قبل الضحوة الكبرى) وقال الشافعي: الصوم الواجب لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل" رواه أبو داود والترمذي وحسنه. ولنا ما روى محمد في كتاب الاستحسان: "أن أعرابياً شهد بهلال رمضان بعد الصبح، فقبل رسول الله ﷺ شهادته وأمر الناس بالصوم". ولأن النية لما جاءت في الليل وهو ليس بوقت للصوم، فلأن تجوز في النهار وهو وقت الصوم أولى. والحديث محمول على نفي الكمال، كقوله ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".

стр. 231

قوله: (لا بعدها) أي لا يصح كلاهما بنية من النهار بعد الضحوة الكبرى، كالنفل: فإنه يجوز بنية من النهار قبل الضحوة الكبرى، وهي ما قبل نصف النهار. وذكر القدوري: ما بينه وبين الزوال، وما ذكره المصنف هو الأصح، لأن النية إنما تصح إذا وقعت في الليل أو في أكثر النهار، والنية الواقعة قبل نصف النهار تكون واقعة في أكثر النهار، بخلاف ما قال القدوري، حيث لا تقع النية في أكثر النهار لا محالة، لأن نصف اليوم من طلوع الفجر الصادق إلى الضحوة الكبرى، لا وقت الزوال. قوله: (والأفضل التبييت) أي النية من الليل، ليكون أبعد من الخلاف. قوله: (ولو نوى المريض والمسافر برمضان واجباً آخر: صح) هذا عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، وقد مر. قوله: (والنذر المطلق) مثل ما إذا نذر عشرة أيام مثلاً من غير تعيين الأيام (والكفارة، وقضاء رمضان، ونحوها: لا يصح بنية في النهار) إذ ليس لها وقت متعين، فلم يتعين لها إلا بنية من الليل. قوله: (ويستحب طلب الهلال ليلة ثلاثين من شعبان ورمضان) لقوله ﵇: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" رواه البخاري. ومعنى فاقدروا له: أي قدروا عدده باستيفاء عدد الثلاثين. قوله: (فإن لم تروا: فلا صوم ولا فطر) أي فإن لم تروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان: لا تصوموا، وإن لم تروه ليلة ثلاثين من رمضان: لا تفطروا، لما روينا. قوله: (ويكره صوم يوم الشك) ووقوع الشك: بأن يغم عليهم هلال رمضان أو

стр. 232

هلال شعبان، وإنما يكره لقوله ﵇: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" رواه أبو داود والنسائي. قوله: (إلا أن يكون ورداً له) أي إلا أن يوافق يوم الشك يوم ورده الذي كان من عادته أن يصوم فيه، فحينئذ لا يكون مكروهاً لقوله ﵇: "لا تقدموا صوم رمضان بيوم أو يومين غلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك الصوم" رواه أبو داود. فعلم بهذا أن المراد من قوله ﵇: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال ... " الحديث. غير التطوع، حتى لا يزاد على صوم رمضان كما زاد أهل الكتاب على صومهم. وقال الشافعي: يكره التطوع، لقوله ﵇: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه أبو داود. ولنا: ما روينا، وما رواه: غير محفوظ، قاله أحمد. قوله: (ومن رأى الهلال) أي هلال رمضان (وحده فردت شهادته: صام)

стр. 233

لقوله ﵇: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" رواه البخاري. قوله: (فإن أفطر بعد الرد) أي بعد أن رد القاضي شهادته (لزمه القضاء لا غير) أي لا الكفارة، لأن تفرده بالرؤية يوهم الغلط فيه، فتقع الشبهة، والكفارة تندرئ بالشبهات. قوله: (وكذا لو أفطر قبله) أي وكذا لا تجب الكفارة لو أفطر قبل رد القاضي شهادته عند البعض، وقيل: يجب، والأول أصح، لما بينا من ثبوت الشبهة. قوله: (ولو صام ثلاثين يوماً لم يفطر وحده) لأن وجوب الصوم عليه في الابتداء كان للاحتياط، وهنا الاحتياط في تأخير الإفطار، لأنه يحتمل أن الهلال اشتبه عليه، ومع هذا لو أفطر: لا كفارة عليه للحقيقة التي عنده. قوله: (ويقبل في هلال رمضان في الغيم شهادة واحد عدل) لأنه أمر ديني، فيقبل فيه خبر الواحد، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، أو أمة، أو محدوداً في قذف. وعن أبي حنيفة: أنه لا يقبل شهادة المحدود في القذف: لأنه شهادة من وجه، والأول أصح، لأنه من باب الإخبار. قوله: (فإذا صاموا ثلاثين يوماً ولم يروا هلال شوال: ففي الفطر خلاف) ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة: لا يفطرون احتياطاً، وفي رواية عن محمد: يفطرون. قوله: (بخلاف شهادة اثنين) يعني بخلاف ما إذا صام الناس بشهادة اثنين، ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال (حيث يفطرون بلا خلاف). قوله: (وفي الصحو) يعني وفيما إذا لم يكن بالسماء علة من سحاب أو دخان (لابد من أهل محلة) لأن التفرد في مثل هذه الحالة يوهم الغلط، فوجب التوقف في خبره، حتى يكون جمعاً كثيراً يقع بهم العلم، أو خمسين رجلاً مثل القسامة. قوله: (وفي هلال شوال في الغيم لابد من رجلين) أي لابد أن يشهد رجلا، أو رجل وامرأتان، عدولاً أحراراً غير محدودين، كما في سائر الأحكام، لأن فيه منفعة العباد وهي الإفطار، فأشبهت الشهادة على حقوق الناس.

стр. 234

قوله: (كالأضحى) يعني كما أن هلال الأضحى لابد له من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأن فيه منفعة العباد أيضاً من نحو التوسع بلحوم الأضاحي، والإحلال في الحج. وعن أبي حنيفة: أن هلال الأضحى كهلال رمضان، ذكره في الخلاصة عن النوادر. قوله: (ولا يلزم أحد المصرين برؤية الآخر) أي لا يلزم الصوم ولا الإفطار أحد المصرين برؤية أهل المصر الآخر، لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم، إلا إذا اتحدت المطالع فحينئذ يلزم أحد المصرين برؤية الآخر، حتى إذا صام أهل أحدهما ثلاثين يوماً، وأهل الآخر تسعة وعشرين يوماً: يجب عليهم قضاء يوم. قوله: (ولو أكملوا شعبان ثم صاموا رمضان فكان ثمانية وعشرين، فإن كانوا عدوا شعبان من رؤية هلاله: قضوا يوماً) لأنهم لما عدوا أيام شعبان من رؤية الهلال، وظهر رمضان ثمانية وعشرين يوماً: علم أنهم أكلوا يوماً من رمضان، فيقضون يوماً (وأما إذا لم يعدوا أيام شعبان من رؤية الهلال: قضوا يومين) لاحتمال أن يكون رمضان كاملاً، فيكون أكلهم يومين، فيصومون يومين. قوله: (ولو رأي الهلال قبل الزوال: فهو من الليلة الماضية) يعني إذا رأو الهلال يوم الشك، فإن كانوا رأوه قبل الزوال: يكون من الليلة الماضية، ويكون ذلك اليوم من شهر رمضان، وإن كانوا رأوه بعد الزوال: فهو لليلة المستقبلة. فهذا التفصيل رواية عن أبي يوسف. وفي ظاهر الرواية: هو لليلة المستقبلة، سواء كان قبل الزوال أو بعده، حتى لا يكون ذلك اليوم من شهر رمضان. وإذا رأوا هلال الفطر قبل الزوال، قال أبو يوسف: أفطروا، وإن رأوه بعده: لم يفطروا. وقال قاضي خان: إن أفطروا لا كفارة عليهم، لأنهم أفطروا بتأويل، وقال ﵇: "أفطروا لرؤيته".

стр. 235

وعندهما: لا يعتبر رؤيته بالنهار، ووقته العشية، ولا يعتبر قبله ولا بعده. قوله: (ووقت الصوم: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس) لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قوله: (والصوم: هو الكف عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية) هذا حد الصوم شرعاً، قلت: هذا الحد غير مانع، لأنه لا يخرج الحائض والنفساء والكافر، ولو قال: مع النية من أهله: لخرج هؤلاء، قيد به الشيخ حافظ الدين النسفي في مختصره.

стр. 236

فصل هذا الفصل في بيان ما يفسد الصوم وما لا يفسد وما يوجب القضاء وما لا يوجب قوله: (ومن أكل أو شرب أو جامع ناسياً لم يفطر) لقوله ﵇: "إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" رواه البخاري. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد بالحديث: الإمساك، تشبهاً بالحائض إذا طهرت؟ قلت: أمره بإتمام صومه وبالإمساك تشبهاً: لا يتم صومه، والمأمور به هو الإتمام للصوم، والذي يؤيد هذا المعنى: ما روي أنه ﵇ قال: "إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله إليه فلا قضاء عليه" رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. وإذا ثبت في الأكل والشرب ثبت أيضاً في الجماع دلالة، لأنه في معناه. قوله: (بخلاف المكره والمخطئ) يعني إذا أكل أو شرب أو جامع مكرهاً أو مخطئاً: أفطر، خلافاً للشافعي، لأن المفطر وصل إلى جوفه، فيفسد صومه، وهو القياس بالناسي، إلا أنا تركناه بما رويناه. والفرق بين صورة الخطأ والنسيان: أن الخاطئ ذاكر للصوم لكنه غير قاصد للشرب، والناسي قاصد للشرب لكنه ليس بذاكر للصوم، وهما على طرفي نقيض. قوله: (ولو أنزل باحتلام أو فكر أو نظر أو أصبح جنباً من جماع أو ادهن أو قبل: لم يفطر) أما الإنزال بالاحتلام: فلا يفطر، لقوله ﵇: "لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم" رواه أبو داود.

стр. 237

وأما الإنزال بالفكر أو النظر: فكذلك لا يفطر لعدم المباشرة. وأما إذا أصبح جنباً من جماع: فلأن الطهارة عن الجنابة ليست بشرط لصحة الصوم. وأما الادهان: فلأنه غير مناف، والداخل من المسام لا من المسالك لا ينافيه، كما لو اغتسل بالماء البارد ووجد برده في كبده. وأما التقبيل: فلما روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇: "رخص في القبلة للصائم، والحجامة" رواه الدارقطني. وعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه" رواه البخاري وأبو داود. قوله: (ولو أنزل بقبلة أو لمس: لزمه القضاء لا غير) يعني لا الكفارة لقصور الجناية. قوله: (وتباح القبلة للصائم إن أمن على نفسه) أي إن أمن من الإنزال والجماع، لما روينا (ويكره إن لم يأمن) والشافعي أباحها في الحالتين. والمس والمباشرة: كالقبلة، لما روى أبو هريرة أنه ﵇: "سأله رجل عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب" رواه أبو داود بإسناد جيد.

стр. 238

قوله: (ولو دخل حلقه ذباب أو غبار أو دخان وهو ذاكر لصومه: لم يفطر) لأنه لا يستطيع الامتناع عنه. قوله: (بخلاف المطر والثلج) يعني إذا دخل حلقه مطر أو ثلج: يفطر، لإمكان الامتناع عنه، بأن آواه خيمة أو سقف. قوله: (ولو تنخع وابتلع ما تنخع) وهو النخامة، وهي ما تنزل من الخيشوم (أو ابتلع ريقه المغلوب بالدم: لم يفطر) لتعذر الاحتراز عنه، وقيل في الثانية: يفطر. قوله: (وإن ابتلع ما بين أسنانه من عشائه دون حمصة: لم يفطر) لعدم إمكان الاحتراز عنه، والعشاء بفتح العين: العشوة. قوله: (إلا إذا أخرجه بيده ثم أكله: يفطر) لإمكان لاحتراز عنه. قوله: (وبقدر الحمصة يفطر) يعني إذا ابتلع ما بين أسنانه من عشائه بقدر الحمصة: يفطر ولا كفارة عليه. وعند زفر: يفطر في قدر الحمصة وما دونها، وعليه الكفارة أيضاً في قدر الحمصة. قوله: (وإن ابتلع سمسمة لزمته الكفارة) وقيل: لا تجب الكفارة لأنه ناقص، وعليه فخر الإسلام البزدوي. وقال الصدر الشهيد: المختار أنه يجب الكفارة، لأنها من جنس ما يتغذى بها. قوله: (وإن مضغها) أي وإن مضغ السمسمة (لم يفطر) لأنها تتلاشى بالمضغ، إلا إذا وجد طعمها في حلقه فحينئذ يفطر. قوله: (ولو أكل عجيناً أو دقيقاً أو ابتلع حصاة أو نحوها) مثل النواة والحديد والرصاص وغير ذلك (لزمه القضاء) لوجود صورة الفطر (ولا كفارة عليه) لقصور الجناية، إلا عند محمد: تجب الكفارة في الدقيق والعجين، وعلى هذا الخلاف: الأرز. ولو أكل ملحاً: لا كفارة عليه، وقيل: يجب إذا اعتاد أكل ذلك وحده، ولو ابتلع جوزة رطبة أو لوزة رطبة أو بطيخة صغيرة: فعليه القضاء لا الكفارة. قوله: (ولو أكل مسكاً أو كافوراً أو زعفراناً أو تراباً مشوباً أو ورق شجر يعتاد

стр. 239

أكله: لزمته الكفارة) أما المسك والكافور والزعفران: فلأنها مما يؤكل عادة ويتداوى بها، فكملت الجناية، فيجب الكفارة، وأما التراب: فإنها توجب الكفارة إذا كان مشوباً: أي مختلطاً بشيء، حتى إذا أكل تراباً خالصاً: لا تجب عليه الكفارة، لأنه مما لا يتغذى به ولا يتداوى به عادة، وكذلك لا تجب الكفارة في الطين، إلا في الطين الأرمني لأنه يتداوى به. وأما ورق الشجر: فكذلك إنما يوجب الكفارة إذا كان مما يعتاد أكله، لكمال الجناية، وأما إذا كان مما لا يعتاد أكله: لا تجب الكفارة. وعلى هذا التفصيل النباتات كلها. قوله: (ولو مضغ لقمة ناسياً فذكرها فابتلعها: وجبت الكفارة) وقيل: يجب القضاء دون الكفارة، والأول أظهر. قوله: (ولو أخرجها) أي ولو أخرج تلك اللقمة الممضوغة من فيه (ثم ابتلعها: لم تجب الكفارة) وقيل: تجب الكفارة، والأول أصح، قاله أبو الليث، لأن بعد إخراجها تعافها النفس، وما دامت في فيه يتلذذ بها، وقيل: إن كانت سخنة بعد: فعليه الكفارة. قوله: (ولو أفطر عمداً ثم مرض، أو أفطرت عمداً ثم حاضت) لم تجب الكفارة عليهما، لأنه ظهر بالمرض والحيض أن الفطر في ذلك اليوم مباح لهما، فلا تجب الكفارة. قوله: (ولو سافر طائعاً: وجبت) يعني إذا أفطر عمداً ثم سافر طائعاً باختياره: وجبت الكفارة، لأن بإفطاره عمداً وجبت عليه الكفارة، ثم لم يظهر ما يرفعها، بخلاف الصورة الأولى. وأما لو سافر مكرهاً: فقد ذكر في خلاصة الفتاوى: أنه لا يسقط عنه الكفارة في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: تسقط، وعندهما: لا تسقط. قوله: (وللمريض الفطر يوم نوبة حماه، وللمرأة أيضاً يوم عادة حيضها، بناءً على العادة) لأن الظاهر أن الحمى تأتيه يوم النوبة، والحيض يأتيها يوم العادة. قوله: (فإن أفطرا) أي إن أفطر المريض يوم نوبة حماه، أو أفطرت المرأة يوم عادة حيضها (اعتماداً على مجيء الحمى والحيض، ولم يأت الحمى والحيض: وجبت عليهما الكفارة) لكمال الجناية، وعدم ظهور ما يبيح الإفطار.

стр. 240

قوله: (فإن غلبة القيء: لم يفطر مطلقاً) يعني سواء قاء كثيراً أو قليلاً، لقوله ﵇: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض" رواه أبو داود وغيره، وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات. قوله: (وإن تعمد) أي وإن تعمد القيء ملأ فيه (أفطر، وعليه القضاء لا الكفارة) لما روينا. هذا في الطعام والماء والمرة، وأما إذا قاء بلغماً: فهو لا يفطر عندها، خلافاً لأبي يوسف. وإن قاء مراراً في مجلس واحد ملأ فيه: لزمه القضاء، وإن كان في مجالس، أو غدوة، ثم نصف النهار، ثم عشية: لا يلزمه القضاء. ذكره في خزانة الأكمل. قوله: (ومن أكل غداء، أو شرب دواء، أو جامع عامداً في أحد السبيلين: لزمته الكفارة) وعند الشافعي: لا تجب الكفارة إلا بالجماع، وتجب على الزوج دون المرأة. ولنا: قوله ﵇: "من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر" رواه الدارقطني بمعناه. وما روي عن أبي هريرة: "أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره ﵇ أن يعتق رقبة" رواه مسلم وأبو داود.

стр. 241

ولفظ "أفطر" فيهما: يتناول المأكول وغيره، وكلمة "من" تطلق على الذكر والأنثى، والإنزال في الجماع ليس بشرط، لأنه شبع، والتقاء الختانين كاف، وعن أبي حنيفة: أن الجماع في الدبر لا يوجب الكفارة، والأصح: أنه تجب، كما في القبل. قوله: (ولا كفارة بالجماع فيما دون الفرج) كالتبطين والتفخيذ (ولو أنزل) لعدم الجماع صورة (وعليه القضاء) لوجود معنى. قوله: (ولا كفارة على المرأة لو كانت نائمة أو مجنونة) يعني إذا جومعت المرأة وهي نائمة أو مجنونة أو مكرهة، فعليها القضاء لا الكفارة، لعدم الجناية، لأنها تكون بالقصد، ولا قصد. وقال زفر والشافعي: لا يجب القضاء ولا الكفارة. وعلى هذا الخلاف: إذا صب الماء في حلق النائم. وتأويل المجنونة: أن تفيق فلا يستوعب جنونها الشهر، فصار كالنوم والإغماء. قوله: (ولا كفارة في إفساد صوم غير رمضان أداء) لأنها وردت في هتك حرمة رمضان، إذ لا يجوز إخلاؤه عن الصوم، بخلاف غيره من الزمان. قيد بقوله: (أداء) لأنه إذا لم تجب الكفارة في إفساد صوم غير رمضان من حيث الأداء، فبالأولى أن لا تجب في الإفساد من حيث القضاء. قوله: (ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنيه دواء أو ادهن أو داوى جائفة أو آمة بدواء رطب: لزمه القضاء) لأن الفطر مما دخل، وقد وجد (لا غير) يعني لا تجب الكفارة. لعدم صورة الفطر، وهو الأكل والشرب من المنفذ المعهود وهو الفم. الاحتقان: وضع الحقنة في الدبر، والاستعاط: صب السعوط في الأنف. قال في الأجناس: الحقنة توجب الفطر، ولا يقع به الرضاع، والجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف، والآمة: الشجة التي تبلغ أم الرأس.

стр. 242

قيد بقوله: (رطب) لأن المفطر: هو الرطب عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، واليابس: ليس بمفطر اتفاقاً، ولكن أكثر المشايخ: على أن العبرة للوصول، حتى إذا علم أن اليابس وصل إلى جوفه: فسد الصوم، وإن علم أن الرطب لم يصل: لا يفسد. قوله: (فإن أقطر في أذنه ماء أو في ذكره دهناً: لم يفطر). أما إذا أقطر في أذنه ماء: فإنه لا يفطر لعدم الوصول، بخلاف ما إذا أقطر دهناً: فإنه يصل بقوة التشرب، وأما إذا أقطر في ذكره دهناً: فإنه لا يفطر أيضاً عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يفطر، ومحمد مضطر بين قوليهما. وهذا الاختلاف مبني على أنه: هل بين المثانة والجوف منفذ أم لا؟ واختلفوا في الإقطار في قبلها: والصحيح الفجر. قوله: (ومن ذاق شيئاً ومجه: لم يفطر) لانعدام الفطر صورة ومعنى. قوله: (ويكره للصائم الذوق) لأنه تعريض لإفساد صومه. قوله: (إلا حالة الشرى) يعني إذا ذاق الصائم الطعام حاله الشرى: لا يكره للضرورة، وقيل: المرأة إذا كان زوجها سيء الخلق: لا بأس أن تذوق المرق بلسانها. قوله: (ويكره للمرأة مضغ الطعم لولدها بغير ضرورة) لما قلنا أنه تعريض لإفساد الصوم، بخلاف ما إذا كان ضرورة، بأن لم تجد المرأة من يمضغ لصبيها الطعام من حائض أو نفساء أو غيرهما ممن لا يصوم، ولم تجد طبيخاً ولا لبناً حليباً، ألا يُرى أنه يجوز لها الإفطار إذا خافت على الولد؟ فالمضغ أولى. قوله: (ومضغ العلك مكروه للصائم) لأنه يتهم به الإفطار، لأن من رآه من بعيد يظنه آكلاً. قوله: (وقيل: يفسد) أي مضغ العلك مفسد للصوم (إن كان متفتتاً) لأنه إن كان متفتتاً: يصل منه شيء إلى جوفه، وكذلك إذا كان أسود وإن كان ملتئماً. قوله: (ولا يكره) أي مضغ العلك (للمرأة المفطرة) لأنه يقوم مقام السواك في حقهن، لأن أسنانهن ضعيفة لا تحتمل السواك، وهي تبقي الأسنان، وتشد اللثة كالسواك.

стр. 243

قوله: (وفي الرجل خلاف) أي وفي مضغ العلك للرجل خلاف (فقيل: يكره إذا لم يكن من علة) لما فيه من التشبيه بالنساء، والعلة مثل ما إذا كان في فمه بخر (وقيل: لا يكره). قوله: (ويباح للصائم الكحل) لما روي أنه ﵇: "كان يكتحل بالإثمد وهو صائم" رواه الجصاص في شرحه لمختصر الطحاوي. وعن عائشة ﵂: "أنه ﵇ اكتحل وهو صائم" رواه الدارقطني. قوله: (ولو وجد طعمه في حلقه) واصل بما قبله، لأنه وصل من المسام فلا يعتد به، خلافاً لمالك. قوله: (ودهن الشارب) أي يباح للصائم دهن الشارب أيضاً، لأنه ليس فيه شيء ينافي الصوم، بخلاف المحرم. والدهن بفتح الدال: مصدر، والمعنى هنا على هذا، وبالضم: اسم.

стр. 244

قوله: (إذا قصد بهما) أي بالكحل ودهن الشارب (غير زينة) بأن كان قصده التداوي. قوله: (وكذا المفطر) أي وكذا يباح الكحل ودهن الشارب للمفطر أيضاً، إذا قصد بهما غير زينة، وكذلك يباح له دهن شعر الوجه، وبذلك جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ، وانه يعمل عمل الخضاب، ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بالقدر المسنون وهي القبضة. والأصل: فيه ما روي أن عبد الله بن عمر ﵁: "كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف" رواه أبو داود. قوله: (ولا يكره للصائم سواك رطب أو يابس) لما روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعده ولا أحصي" رواه الترمذي وأبو داود.

стр. 245

وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" رواه البخاري. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه البخاري. فدل إطلاق الأحاديث: على جواز الاستياك مطلقاً، لأنه لم يخص الصائم من غيره، ولا الغداة من العشي، ولا غير المبلول. وقال الشافعي: يكره آخر النهار، وقال أبو يوسف: يكره إذا كان مبلولاً. قوله: (ولا الفصد ولا الحجامة) أي ولا يكره للصائم الفصد ولا الحجامة، لما روي أنه ﵇: "احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" رواه البخاري وغيره. وما روى الترمذي من قوله ﵇: "أفطر الحاجم والمحجوم". وإليه ذهب أحمد: فمنسوخ بما روينا.

стр. 246

فصل هذا الفصل في بيان العوارض قوله: (المريض إذا خاف شدة مرضه أو تأخر برئه: أفطر) لأن ذلك قد يفضي إلى الهلاك، فيجب الاحتراز عنه، وطريق معرفته: الاجتهاد، فإذا غلب على ظنه: أفطر، وكذا إذا أخبره طبيب حاذق عدل. والصحيح الذي يخشى أن يمرض بالصوم: فهو كالمريض، وكذا الأمة التي تخدم إذا خافت الضعف: جاز أن تفطر ثم تقضي. قوله: (والمسافر أفطر مطلقاً) أي خاف المرض أو لم يخف، لأن عين السفر مشقة، وصومه أفضل عندنا إن لم تنله مشقة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ولما روي عن أبي الدرداء قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد، حتى أن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" رواه البخاري ومسلم وأبو داود. فعلم: أن الصوم أفضل، لأنه اختيار رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي: الفطر أفضل.

стр. 247

قوله: (وإن مات في المرض والسفر) أي وإن مات المريض في مرضه، والمسافر في سفره (لا قضاء عليهما) لأنهما لم يدركا عدة أيام أخر. قوله: (وإن صح المريض أو أقام المسافر، ثم ماتا: وجب الإيصاء بقدر ما أدركا) هذا فائدة لزوم القضاء، بقدر صحة المريض وإقامة المسافر، وإذا أوصى: يؤدي الوصي من ثلث ماله لكل يوم مسكيناً بقدر ما يجب في صدقة الفطر، وإن لم يوص وتبرع الورثة: جاز، وإن لم يتبرعوا: لا يلزمهم الأداء، بل سقط في حكم الدنيا. قوله: (وقضاء رمضان: إن شاء فرقه وإن شاء تابعه) لإطلاق النص، ولكن التتابع أفضل للمسارعة في إسقاط الواجب. قوله: (ولا فدية بتأخيره عن رمضان ثان) يعني إذا أخر من عليه قضاء رمضان عن رمضان ثان: لا يجب عليه الفدية، لأن الله تعالى أوجب القضاء خاصة لا الفدية، فلا يجوز زيادة الفدية. وقال الشافعي: عليه الفدية. قوله: (وللحامل والمرضع الإفطار خوفاً على ولدهما وأنفسهما) دفعاً للحرج. الحامل: هي التي في بطنها ولد. المرضع: هي التي لها لبن ترضع الولد. قوله: (ولا فدية عليهما) أي على الحامل والمرضع، لأن الفدية بخلاف القياس في الشيخ فلا يلحق به خلافه. وقال الشافعي: إذا خافت المرضع على الولد فأفطرت، فعليها الفدية. قوله: (والشيخ العاجز عن الصوم يفطر، دفعاً للحرج ويفدي) لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي لا يطيقونه.

стр. 248

قوله: (فإن قدر على الصوم بعد الفدية: قضى) لأن شرط كون الفدية خلفاً عن الصوم في حقه: دوام العجز، فلما قدر على الصوم: انتفى شرط الخلفية، ومثل هذا لم يفعل في التيمم، لئلا يلزم الحرج بتضاعف الصلوات. قوله: (ومن أوصى بقضاء رمضان: أطعم عنه وليه) كما مر من قوله: عن كل يوم: نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، وعند الشافعي: لكل يوم مد. قوله: (وإن لم يوص: لا يجب) أي لا يجب على الولي الإطعام، ومع هذا لو أطعم: جاز إن شاء الله تعالى. وعند الشافعي: يلزم عليه أوصى أو لم يوص. وعلى هذا الخلاف: الزكاة وصدقة الفطر. قوله: (والصلاة كالصوم) هذا استحسان، والقياس: أن لا تجوز الفدية عن الصلاة، لأن ما ثبت بخلاف القياس: فغيره لا يقاس عليه. وجه الاستحسان: أن كلاً منهما عبادة بدنية لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، والباقي يعرف في الأصول. قوله: (وكل صلاة كصوم يوم) في أن يؤدي عن كل صلاة مثل ما يؤدي عن كل يوم، وهذا هو الصحيح. وعن محمد بن مقاتل: تجب لصلوات يوم: نصف صاع. قوله: (ولا يصوم عنه وليه ولا يصلي) يعني إذا مات إنسان وعليه صوم أو صلاة:

стр. 249

ليس على وليه أن يصوم ويصلي عنه، خلافاً للشافعي. له: ما روي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" رواه البخاري وأبو داود. ولنا: قوله ﵇: "لا يصوم أحدكم عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد ولكن يطعم عنه" رواه النسائي. وعن ابن عباس وابن عمر ﵄: أنه ﵇ قال: "من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" رواه ابن ماجة. قال القرطبي: إسناده حسن.

стр. 250

والجواب عن حديث البخاري: أن المراد منه: الطعام الذي يقوم مقام الصوم مجازاً، بدليل ما روينا. قوله: (ومن أسلم، أو بلغ، أو طهرت الحائض، أو أفاق، أو قدم من سفر، أو بريء من مرض، أو أفطر خطأ أو عمداً: أمسك بقية يومه) تشبهاً للصائمين. واختلفوا في هذا الإمساك: فقيل: مستحب، وقيل: واجب، وليس على الكافر الذي أسلم، والصبي الذي بلغ: قضاء ذلك اليوم، خلافاً لزفر في الكافر الذي أسلم. قوله: (بخلاف الحائض والنفساء في حال الصوم) يعني الطاهرة إذا حاضت في أثناء الصوم: لا يلزمها إمساك بقية صموها، لتحقق المانع من التشبه. قوله: (ولو أكل: فلا قضاء عليه) أي لو أكل الكافر الذي أسلم، أو الصبي الذي بلغ، في ذلك اليوم الذي أسلم وبلغ فيه: فلا قضاء عليهما، لانعدام الأهلية من الأول، بخلاف الصلاة، لأن سبب الوجوب: الجزء المتصل بالأداء، وقد وجدت الأهلية عند ذلك الجزء، فافهم. قوله: (ومن سافر بعد الفجر ونوى الفطر، ثم قدم، أو صح) أي المريض (من مرضه قبل الزوال: لزمه الصوم) لزوال المانع، ولو أفطر: فلا كفارة عليه للشبهة. قيد بقوله: (قبل الزوال) لأنه إذا قدم أوصح بعد الزوال: لا يجوز نيته للصوم على ما عرف، فافهم.
следующие страницы →