Полный текст (463 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فصل
هذا الفصل في بيان العوارض
قوله: (المريض إذا خاف شدة مرضه أو تأخر برئه: أفطر) لأن ذلك قد يفضي إلى الهلاك، فيجب الاحتراز عنه، وطريق معرفته: الاجتهاد، فإذا غلب على ظنه: أفطر، وكذا إذا أخبره طبيب حاذق عدل.
والصحيح الذي يخشى أن يمرض بالصوم: فهو كالمريض، وكذا الأمة التي تخدم إذا خافت الضعف: جاز أن تفطر ثم تقضي.
قوله: (والمسافر أفطر مطلقاً) أي خاف المرض أو لم يخف، لأن عين السفر مشقة، وصومه أفضل عندنا إن لم تنله مشقة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ولما روي عن أبي الدرداء قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد، حتى أن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
فعلم: أن الصوم أفضل، لأنه اختيار رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي: الفطر أفضل.
стр. 247
قوله: (وإن مات في المرض والسفر) أي وإن مات المريض في مرضه، والمسافر في سفره (لا قضاء عليهما) لأنهما لم يدركا عدة أيام أخر.
قوله: (وإن صح المريض أو أقام المسافر، ثم ماتا: وجب الإيصاء بقدر ما أدركا) هذا فائدة لزوم القضاء، بقدر صحة المريض وإقامة المسافر، وإذا أوصى: يؤدي الوصي من ثلث ماله لكل يوم مسكيناً بقدر ما يجب في صدقة الفطر، وإن لم يوص وتبرع الورثة: جاز، وإن لم يتبرعوا: لا يلزمهم الأداء، بل سقط في حكم الدنيا.
قوله: (وقضاء رمضان: إن شاء فرقه وإن شاء تابعه) لإطلاق النص، ولكن التتابع أفضل للمسارعة في إسقاط الواجب.
قوله: (ولا فدية بتأخيره عن رمضان ثان) يعني إذا أخر من عليه قضاء رمضان عن رمضان ثان: لا يجب عليه الفدية، لأن الله تعالى أوجب القضاء خاصة لا الفدية، فلا يجوز زيادة الفدية.
وقال الشافعي: عليه الفدية.
قوله: (وللحامل والمرضع الإفطار خوفاً على ولدهما وأنفسهما) دفعاً للحرج.
الحامل: هي التي في بطنها ولد.
المرضع: هي التي لها لبن ترضع الولد.
قوله: (ولا فدية عليهما) أي على الحامل والمرضع، لأن الفدية بخلاف القياس في الشيخ فلا يلحق به خلافه.
وقال الشافعي: إذا خافت المرضع على الولد فأفطرت، فعليها الفدية.
قوله: (والشيخ العاجز عن الصوم يفطر، دفعاً للحرج ويفدي) لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي لا يطيقونه.
стр. 248
قوله: (فإن قدر على الصوم بعد الفدية: قضى) لأن شرط كون الفدية خلفاً عن الصوم في حقه: دوام العجز، فلما قدر على الصوم: انتفى شرط الخلفية، ومثل هذا لم يفعل في التيمم، لئلا يلزم الحرج بتضاعف الصلوات.
قوله: (ومن أوصى بقضاء رمضان: أطعم عنه وليه) كما مر من قوله: عن كل يوم: نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، وعند الشافعي: لكل يوم مد.
قوله: (وإن لم يوص: لا يجب) أي لا يجب على الولي الإطعام، ومع هذا لو أطعم: جاز إن شاء الله تعالى.
وعند الشافعي: يلزم عليه أوصى أو لم يوص. وعلى هذا الخلاف: الزكاة وصدقة الفطر.
قوله: (والصلاة كالصوم) هذا استحسان، والقياس: أن لا تجوز الفدية عن الصلاة، لأن ما ثبت بخلاف القياس: فغيره لا يقاس عليه.
وجه الاستحسان: أن كلاً منهما عبادة بدنية لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، والباقي يعرف في الأصول.
قوله: (وكل صلاة كصوم يوم) في أن يؤدي عن كل صلاة مثل ما يؤدي عن كل يوم، وهذا هو الصحيح.
وعن محمد بن مقاتل: تجب لصلوات يوم: نصف صاع.
قوله: (ولا يصوم عنه وليه ولا يصلي) يعني إذا مات إنسان وعليه صوم أو صلاة:
стр. 249
ليس على وليه أن يصوم ويصلي عنه، خلافاً للشافعي.
له: ما روي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" رواه البخاري وأبو داود.
ولنا: قوله ﵇: "لا يصوم أحدكم عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد ولكن يطعم عنه" رواه النسائي. وعن ابن عباس وابن عمر ﵄: أنه ﵇ قال: "من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" رواه ابن ماجة.
قال القرطبي: إسناده حسن.
стр. 250
والجواب عن حديث البخاري: أن المراد منه: الطعام الذي يقوم مقام الصوم مجازاً، بدليل ما روينا.
قوله: (ومن أسلم، أو بلغ، أو طهرت الحائض، أو أفاق، أو قدم من سفر، أو بريء من مرض، أو أفطر خطأ أو عمداً: أمسك بقية يومه) تشبهاً للصائمين.
واختلفوا في هذا الإمساك: فقيل: مستحب، وقيل: واجب، وليس على الكافر الذي أسلم، والصبي الذي بلغ: قضاء ذلك اليوم، خلافاً لزفر في الكافر الذي أسلم.
قوله: (بخلاف الحائض والنفساء في حال الصوم) يعني الطاهرة إذا حاضت في أثناء الصوم: لا يلزمها إمساك بقية صموها، لتحقق المانع من التشبه.
قوله: (ولو أكل: فلا قضاء عليه) أي لو أكل الكافر الذي أسلم، أو الصبي الذي بلغ، في ذلك اليوم الذي أسلم وبلغ فيه: فلا قضاء عليهما، لانعدام الأهلية من الأول، بخلاف الصلاة، لأن سبب الوجوب: الجزء المتصل بالأداء، وقد وجدت الأهلية عند ذلك الجزء، فافهم.
قوله: (ومن سافر بعد الفجر ونوى الفطر، ثم قدم، أو صح) أي المريض (من مرضه قبل الزوال: لزمه الصوم) لزوال المانع، ولو أفطر: فلا كفارة عليه للشبهة.
قيد بقوله: (قبل الزوال) لأنه إذا قدم أوصح بعد الزوال: لا يجوز نيته للصوم على ما عرف، فافهم.
стр. 251
قوله: (وإذا علم المسافر أنه يدخل في يومه مصره أو موضع إقامته: كره له الفطر) لما أنه أعرض عن الصوم، وأما إذا علم أن دخول المصر لا يتفق له حتى تغيب الشمس: فلا بأس بأن يفطر، لأنه مسافر فيه.
قوله: (ومن أغمى عليه أو جن في رمضان: قضى ما بعد يوم الإغماء والجنون خاصة) يعني لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء والجنون، لأن صومه في ذلك اليوم صحيح، بناءً على وجود النية منه ظاهراً، وقضى ما بعد ذلك لعدم النية فيه.
قوله: (والجنون المستوعب يسقط القضاء) دفعاً للحرج، خلافاً لمالك.
قوله: (بخلاف الإغماء) أي الإغماء إذا استوعب الشهر لا يسقط القضاء، لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجا، وكذلك الجنون غير المستوعب لا يسقط القضاء، لعدم الحرج.
قوله: (ومن لم ينو في رمضان صوماً ولا فطراً: لزمه القضاء) لأن المستحق عليه الإمساك بجهة العبادة، فلا يكون ذلك إلا بالنية.
وقال زفر: لا يجب عليه القضاء.
قوله: (ومن أصبح غير ناو للصوم، ونوى قبل الزوال، فأكل: لا كفارة عليه للشبهة) هذا عند أبي حنيفة، وقالا: إن كان ذلك قبل الزوال: فعليه القضاء والكفارة، وإن كان بعده: فعليه القضاء لا الكفارة، وقال زفر: عليه الكفارة في الصورتين.
قوله: (والحائض والنفساء تفطر وتقضي، بخلاف الصلاة) يعني لا يقضيان الصلاة، لما في قضائها من حرج، بخلاف قضاء الصوم.
قوله: (ومن ظن بقاء الليل فتسحر، أو غروب الشمس فأفطر، وبان خطأه) بأن ظهر أن الفجر طالع، والشمس لم تغرب (لزمه القضاء) لأنه مضمون عليه بالمثل، ولزمه التشبه موافقة للصائمين.
стр. 252
قوله: (لا غير) يعني لا تجب الكفارة لقصور الجناية لعدم القصد.
وذكر في المستصفى: أن المراد من الظن: غلبة الظن، حتى لو كان شاكاً تجب الكفارة.
قوله: (ولو شك في طلوع الفجر) بأنه طلع أو لا (فالأفضل له أن لا يفطر) تحرزاً عن المحرم (ولو أفطر لا قضاء عليه) لأن الأصل هو الليل، فلا يخرج بالشك، إلا إذا تبين أنه أكل بعدما طلع الفجر: فحينئذ يجب عليه القضاء لا غير.
قوله: (ولو شك في غروب الشمس) بأنها غربت أولاً (يجب أن لا يفطر) تحرزاً عن إفساد الصوم (ولو أفطر: لزمه القضاء، وفي الكفارة: روايتان) وإن تبين أنه أكل قبل الغروب: يجب عليه الكفارة.
قوله: (والسحور مستحب، وقيل: سنة) لقوله ﵇: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"، ويروى: "السحور" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة.
وقال ﵇: "تسحروا فإن في السحور بركة" رواه البخاري ومسلم.
والسحور بفتح السين: اسم ما يؤكل وقت السحر.
قوله: (وكذا تأخره) أي كذا يستحب تأخير السحور، لما روى أبو ذر: أنه ﵇ كان يقول: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر" رواه أحمد.
قوله: (ويستحب تعجيل الإفطار) لما روينا، ولما روي عن سهل بن سعد أن
стр. 253
النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه.
وعن أنس أنه ﵇: "كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
قوله: (ومن أكل ناسياً فظن أنه أفطر، أو علم أنه لم يفطر فأكل عمداً: لزمه القضاء لا غير) يعني لا الكفارة، لتحقق الشبهة (ولو احتجم: فظن أنه يفطره، فأكل متعمداً: فعليه القضاء والكفارة).
قوله: (ويحرم صوم يوم العيدين) لما روي أنه ﵇: "نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى" رواه مالك في الموطأ وأبو داود في السنن.
قوله: (وأيام التشريق) أي يحرم صوم أيام التشريق أيضاً، وهي ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، لورود النهي فيها.
قوله: (ولا يكره صوم الستة من شوال موصولاً برمضان) لقوله ﵇: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" رواه أبو داود وابن ماجة. وفي روايته: "كان كصوم الدهر".
стр. 254
قوله: (ويكره صوم الوصال) وهو أن يصوم أياماً لا يفطر بينها، لما روي عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : نهى عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى" رواه أبو داود.
قوله: (فإن صام في الأيام الخمسة المحرمة) وهي: يوما العيدين، وأيام التشريق: (فقولان في كراهة الوصال) في قول: يكره، وفي قول: لا يكره، للفاصل الذي يخرجه من الوصل المنهي.
قوله: (ويكره صوم الصمت، وهو أن لا يتكلم في الصوم) لأن صوم الصمت من فعل المجوس لعنهم الله.
وقال الإمام حميد الدين الضرير: إنما يكره الصمت إذا اعتقد قربة، أما إذا لم يعتقد قربة: فلا يكره، لقوله ﵇: "من صمت نجا".
قوله: (ويكره صوم السبت أو عاشوراء وحده) لما في ذلك من التشبه باليهود.
قوله: (ويستحب يوم الخميس) أي صوم يوم الخميس، لأن النبي ﵇ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك فقال: "إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس" رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال: "إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيها لكل مسلم إلا مهتجرين يقول: دعهما يصطلحا" رواه ابن ماجة.
стр. 255
قوله: (والجمعة) أي يستحب صوم يوم الجمعة، قال في الإيضاح: لا بأس بصوم يوم الجمعة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: قد جاء حديث في كراهته، غلا أن يصوم قبله يوماً أو بعده يوماً، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده" رواه مسلم وأبو داود.
قوله: (وأيام البيض) أي يستحب صوم أيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، سميت بيضاً: لأن لياليها مقمرة من أول الليل إلى آخره، ولما روي عن ابن ملحان القيسي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: "هي كهيئة الدهر" رواه أبو داود وابن ماجة.
قوله: (ويوم عرفة) أي يستحب صوم يوم عرفة، لقوله ﵇: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" رواه مسلم.
قوله: (لغير الحاج) قيد به: لأن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، لما روي أنه ﵇: "نهى عن صوم يوم عرفة" رواه أبو داود وابن ماجة.
стр. 256
قوله: (ولا تصوم المرأة تطوعاً بغير إذن زوجها) لقوله ﵇: "لا تصوم امرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان" رواه أبو داود.
قوله: (إلا أن يكون صائماً) أي إلا أن يكون الزوج صائماً أو مريضاً، فحينئذ تتطوع المرأة بغير إذنه، لأن النهي لحاجة الزوج، ولا حاجة في تلك الصورتين.
قوله: (ولا العبد) أي ولا يصوم العبد أيضاً تطوعاً بغير إذن مولاه (وإن كان صومه لا يضر مولاه) يعني لعدم ضعفه بسبب الصوم، وكذلك المدبر وأم الولد: لا يصومان بغير إذن مولاهما، وإن كان صومهما لا يضره.
قوله: (وكفارة صوم رمضان عتق رقبة ... إلى آخره) لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن جلوس مع النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت، فقال: "مالك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ ". قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ " قال: لا، فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه التمر، والعرق: المكتل، قال: "أين السائل؟ " قال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لا بيتها- يريد الحرتين- أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعم أهلك" رواه البخاري وأبو داود.
قوله: (كما مر) أي في صدقة الفطر، وهو أن يطعم لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر.
قوله: (ولو أفطر مراراً في رمضان: بأن جامع أياماً، أو أكل أياماً، أو شرب أياماً: كفته كفارة واحدة) عندنا لاتحاد الجنس.
وكذلك الحكم إذا أفطر مراراً في رمضانين أو ثلاثة.
قوله: (إلا إذا تخللت الكفارة) بأن أفطر في رمضان يوماً، ثم كفر عنه، ثم أفطر
стр. 257
يوماً آخر: يلزمه كفارة أخرى في ظاهر الرواية لأن التداخل قبل أداء الأول لا بعده، كما في الحدود، فإنه إذا زنى فحد ثم زنى: يحد ثانياً.
قوله: (ويباح الفطر في التطوع بعذر، بعد الضيافة وغيرها) قيل: يباح الفطر من غير عذر، وهي رواية عن أبي يوسف، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا، قال: "إني إذا صائم"، ثم أتى يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي إلينا حيس فقال: "أرنيه فلقد أصبحت صائماً"، فأكل" رواه مسلم، وزاد النسائي: "ولكن أصوم يوماً مكانه". وصحح هذه الرواية أبو محمد عبد الحق.
وقيل: لا يباح الفطر إلا من عذر، وهو قول الكرخي وأبي بكر، لما روي أنه ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليصل" رواه أبو داود. وقال هشام: والصلاة: الدعاء.
стр. 258
قال القرطبي: ثبت هذا عنه ﵇، ولو كان الفطر جائزاً: كان الأفضل الفطر، لإجابة الدعوة التي هي السنة.
واختلفوا في الضيافة: هل تكون عذراً؟ قيل: لا تكون عذراً، لما روينا، وقيل: تكون عذراً قبل الزوال، وبعد الزوال لا تكون عذراً إلا إذا كان من الأبوين، وكذا إذا حلف عليه بالطلاق: يفطر قبل الزوال، ولا يفطر بعده، ثم إذا أفطر: عليه أن يقضي، خلافاً للشافعي. لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعاماً، فأفطرنا عليه، فدخل علينا رسول الله ﷺ فبدرتني حفصة وكانت ابنة أبيها، فسألته عن ذلك فقال ﵇: "اقضيا يوماً مكانه" ذكره في الموطأ والنسائي والترمذي. وهو قول أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس، وغيرهم ﵃.
قوله: (ولو شرع في صوم أو صلاة ظنها عليه) أي ظن أن في ذمته صوماً أو صلاة (ثم علم بعد الشروع أنها ليست عليه: فالأفضل الإتمام) صوناً للمشروع عن البطلان (ولو أفسد: فلا قضاء عليه) لأن ذلك مظنون فلا يجب. والله أعلم.
стр. 259
كتاب الحج
تأخير الحج عما قبله: لكونه مركباً، وما قبله مفرد، والمفرد قبل المركب، وتقديمه على ما بعده: لكونه من الأركان الخمسة للإسلام.
والحج لغة: القصد، وشرعاً: زيارة مكان مخصوص في زمان مخصوص بفعل مخصوص.
قوله: (هو فرض على الفور) أي الحج فرض على الفور، لا على التراخي، لأنه يختص بوقت خاص، والموت في سنة واحدة غير نادر، فيتضيق احتياطاً، ولقوله ﵇: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه بمرض المريض، وتضل الضالة وتعرض الحاجة" رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي. وهذا قول أبي يوسف. وقال محمد والشافعي: هو على التراخي، لأنه وظيفة العمر.
قوله: (مرة في العمر) لما روى ابن عباس: أن الأقرع بن حابس سأل
стр. 260
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: "بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع" رواه أبو داود وابن ماجة.
قوله: (على كل مكلف) يتعلق بقوله: (فرض) على كل مكلف أي حر عاقل بالغ، حتى لا يجب على العبد والمجنون والصبي.
قوله: (صحيح) احتراز عن المريض، والمقعد، والمفلوج، ومقطوع الرجلين، والزمن الذي لا يستطيع الثبوت على الراحلة بنفسه، لكن يجب عليهم في مالهم إذا كان لهم مال مقدار ما يحج به غيرهم، فيحجون عنهم، فتجزي عن حجة الإسلام، هذا إذا مات المريض قبل زوال العلة، أما إذا برأ وقدر على الحج: كان عليه حجة الإسلام، ويكون ما حج عنه تطوعاً.
قوله: (بصير) احترازاً عن الأعمى، فإنه لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة، وإن وجد زاداً وراحلة وقائداً، وعندهما: يجب.
قوله: (قادر على زاد وراحلة) لأنه ﵇ فسر الاستطاعة به.
قوله: (غير عقبة) صفة لقوله: (راحلة) قيد بها لأنها إذا كانت عقبة: لا يجب عليه الحج.
والعقبة: أن يكتري رجلان بعيراً واحداً يتعاقبان في الركوب، يركب كل واحد منهما مرحلة ويمشي مرحلة.
قوله: (ونفقة ذهابه ورجوعه) أي قادراً على نفقة ذهابه إلى مكة ورجوعه منها.
قوله: (فاضلاً) أي حال كون الزاد والراحلة ونفقة الذهاب والرجوع فاضلاً (عما لابد منه لعياله إلى وقت رجوعه) ويعتبر في نفقته ونفقة عياله: الوسط، من غير تبذير
стр. 261
ولا تقتير، ولا يترك نفقة لما بعد غيابه في ظاهر الرواية، وقيل: يترك نفقة يوم، وعن أبي يوسف: نفقة شهر.
قوله: (بشرط أمن الطريق) لأن الحج لا يتأتى بدونه، فأشبه الزاد والراحلة، ثم قيل: هو شرط الوجوب، وقيل: شرط الأداء، والخلاف يظهر في وجوب الإيصال، فافهم.
قوله: (فإن بذل له ذلك: لم يجب) يعني إذا أعطي له الزاد والراحلة بطريق الإباحة: لا يلزمه الحج، سواء كان ممن لا تلحقه المنة: كالوالدين والمولودين، أو ممن يلحقه كالأجانب.
قوله: (ولو حج فقير: وقع فرضاً) يعني إذا استغنى بعده: لا يجب عليه حجة أخرى، لحصول المقصود.
قوله: (والمحرم أو الزوج شرط في المرأة إذا كان سفراً) وهو مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً لقوله ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو محرم منها" رواه مسلم وأبو داود.
وهذا حجة على الشافعي، حيث يجوز لها الخروج مع النساء الأمينات.
قوله: (ونفقة المحرم عليها) أي على المرأة، لأنها لا تتمكن من الحج إلا بالمحرم، كما لا تتمكن إلا بالزاد والراحلة.
قوله: (والمحرم: العبد، والذمي إذا كان مأموناً: كالحر المسلم) لأن الذمي يحفظ محارمه وإن كن مسلمات، حتى إذا كان مجوسياً: لا يجوز.
стр. 262
قوله: (ولا عبرة بصبي أو مجنون) لأن وجودهما كالعدم، وكذلك لا عبرة بالفاسق لأنه غير مأمون.
قوله: (وللزوم منعها) أي منع زوجته مع المحرم (عن النفل) أي عن الحج النفل، وعن الحج المنذور، لأن في الخروج تفويت حقه، والنفل ليس من أركان الإسلام، والنفل إن كان واجباً في حقها ففي حقه نفل.
قوله: (لا عن الفرض) أي لا يمنعها عن الحج الفرض، لأنه من أركان الإسلام، فلا يجوز منعه كما في صلاة الفرض، وقال الشافعي: له أن يمنعها في الفرض أيضاً.
قوله: (ووقته) أي وقت الحج (شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة) كذا روي عن العبادلة الثلاثة، وعبد الله بن الزبير.
قوله: (ويكره تقديم الإحرام على شوال) لئلا يقع في المحظورات بطول الزمان.
стр. 263
قوله: (والإحرام: شرط أيضاً) أي كاشتراط الزاد والراحلة، وأمن الطريق، والنفقة، ونحوها، لما مر.
وعلامة كونه شرطاً: أن يستدام إلى أن يحلق ويجامع، كل ركن من أركان الحج، وأداء الأفعال متأخر عنه.
قوله: (وأركان الحج: الوقوف بعرفة) لقوله ﵇: "الحج عرفة فمن أدركها فقد أدرك الحج".
قوله: (وطواف الزيارة) لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] المراد من هذا الطواف: طواف الزيارة والله أعلم.
قوله: (وواجباته) أي واجبات الحج (الوقوف بمزدلفة) وقال الشافعي: إنه ركن.
стр. 264
ولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أنا ممن قدم النبي ﵇ ليلة المزدلفة في ضعفة من أهله" رواه الجماعة.
فعلم أنه ليس بركن، ولو كان ركناً لم يجز تركه للضعفاء، كالوقوف بعرفات.
قوله: (والسعي بين الصفا والمروة) وقال مالك والشافعي: هو ركن أيضاً.
ولنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. رفع الجناح والتخيير ينافي الفرضية.
قوله: (ورمي الجمار) أي جمار أربعة أيام، وهي سبعون حصاة: سبعة في يوم العيد، وثلاثة وستون في ثلاثة أيام بعد العيد، كل يوم: أحد وعشرون، عند كل ميل: سبعة.
قوله: (والحلق والتقصير) لما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "أتى منى، فأتى
стр. 265
الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، وقال للحلاق: "خذ"، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس" رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
والتقصير: أن يأخذ الرجل أو المرأة من رءوس شعر ربع الرأس مقدار الأنملة.
قوله: (وطواف الصدر) وقال مالك والشافعي: هو سنة.
ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" رواه مسلم وأحمد.
قوله: (وركعتا الطواف) وقال الشافعي: هو سنة.
ولنا: أنه ﵇ "لما انتهى إلى مقام إبراهيم ﵇ قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا" رواه أحمد ومسلم.
стр. 266
قوله: (وسننه) أي سنن الحج (طواف القدوم) وقال مالك: هو واجب، قوله ﵇: "من أى البيت فليحيه بالطواف" قلنا: سماه تحية، فلا يفيد الوجوب.
قوله: (والرمل فيه) أي في الطواف، لفعله ﵇.
قوله: (والهرولة في السعي بين الميلين الأخضرين) أحدهما في ركن الجدار، والآخر متصل بدار ابن عباس، لما روي أنه ﵇: "نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة" رواه أبو داود.
قوله: (والعمرة سنة مؤكدة) وقيل: واجبة، وقيل: فرض كفاية، وقال الشافعي في القديم: هي تطوع، وفي الجديد: هي فريضة. ولنا: ما روي: أنه أتى أعرابي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال ﵇: "لا وأن تعتمر خير لك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 267
قوله: (وركنها) أي ركن العمرة (الطواف، وشرطها: الإحرام، وواجباتها: السعي والحلق أو التقصير) وعليه إجماع الأمة.
قوله: (وميقات الإحرام ... إلى آخره) لحديث ابن عباس أنه ﵇: وقت لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، وقال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" رواه البخاري ومسلم.
قوله: (ما يحاذي واحداً منها) أي من هذه المواضع، لما روينا.
قوله: (والإحرام من وطنه أفضل إن وثق من نفسه باجتناب محظوراته) أي باجتناب محرمات الإحرام لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قيل: الإتمام بأن يحرم بهما من دويرة أهله، وقال ﵇: "من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجرة غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه أحمد وأبو داود بنحوه وابن ماجة، وذكر فيه العمرة دون الحجة.
стр. 268
قوله: (ولا يجوز لهؤلاء) أي لأهل المدينة والشام والعراق ونحوهم (إذا قصدوا دخول مكة لحج أو لغيره) مثل التجارة أو زيارة أحد (تأخير الإحرام عنها) أي عن هذه المواقيت، لقوله ﵇: "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام".
قوله: (ولأهل هذه المواضع) أي ولأصحاب هذه المواقيت (ومن دونهم: ميقاتهم الحل الذي بينهم وبين الحرم) لأن خارج الحرم كله كمكان واحد في حقهم، والحرم في حقهم كالميقات في حق الآفاقي، فلا يدخلون إلا محرمين.
قوله: (وللمكي ميقاته للحج: الحرم، وللعمرة: الحل) بالإجماع.
стр. 269
فصل
هذا الفصل في بيان كيفية الإحرام
قوله: (إذا أراد الإحرام: قص شاربه، وقلم أظفاره، وحلق عانته) وهذا مستحب، كما استحب استعمال الطيب، وكذلك ينتف إبطه ويسرح رأسه.
قوله: (ثم توضأ واغتسل، وهو أفضل) أي الغسل أفضل، لما روى زيد بن ثابت: "أنه ﵇ اغتسل لإحرامه" رواه الدارقطني والترمذي وقال: حديث حسن.
والمراد بهذا الغسل: تحصيل النظافة وإزالة الرائحة، لا الطهارة، حتى يؤمر به الحائض والنفساء، لما روي عن ابن عباس أنه قال ﵇: "إن النفساء والحائض تغتسل، وتحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت" رواه أبو داود والترمذي.
قوله: (ولبس إزاراً ورداء) لأنه ﵇ "لبسهما هو وأصحابه" رواه مسلم.
قوله: (جديدين) لأن الجديد أفضل، ولأنه أنظف، ولأنه لم تركبه النجاسة.
قوله: (أبيضين) لقوله ﵇: "خير ثيابكم البيض فالبسوا" رواه ابن ماجة.
قوله: (وهو أفضل) أي الجديد الأبيض: أفضل من العتيق، ومن غير الأبيض، لما ذكرنا.
قوله: (ويطيب) لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله لإحرامه قبل
стр. 270
أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت" رواه مالك في الموطأ، والبخاري وأبو داود.
قوله: (وادهن) لما روي عن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم رأي وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك" رواه مسلم.
قوله: (وإن وجد) قيد للطيب والدهن جميعاً.
قوله: (وصلى ركعتين) يعني بعد اللبس والتطيب، لأنه ﵇ "صلى ركعتين" رواه مسلم والبخاري.
قوله: (ويسأل الله التيسير) لأنه الميسر لكل عسير.
قوله: (ثم لبى ناوياً نسكه) أي حال كونه ناوياً بالتلبية حجه، لما روي عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل" رواه أبو داود. قيد بقوله: (ناوياً) لأن النية شرط لجميع العبادات.
قوله: (رافعاً صوته) لقوله ﵇: "جاءني جبريل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج" رواه ابن ماجة.
стр. 271
قوله: (والتلبية معروفة وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) كذا حكى ابن عمر تلبية النبي ﷺ ، متفق عليه.
واختلفوا في الداعي، فقيل: هو الله تعالى، وقيل: هو رسول الله ﷺ ، والأظهر: أنه الخليل ﵇.
ومعناها: أقيم في طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان ولب به: إذا أقام ولزمه ولم يفارقه.
قوله: (وهي) أي التلبية (مرة: شرط) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عباس: فرض الحج: الإهلال، وقال ابن عمر: التلبية، ولأن الحج يشتمل على أركان، فوجب أن يشترط في تحريمه ذكر يراد به التعظيم كالصلاة.
وعن أبي يوسف: يصير شارعاً بالنية وحدها من غير تلبية، وبه قال الشافعي. قوله: (والزيادة سنة) أي الزيادة على مرة: سنة، لأنها ذكر وتعظيم.
стр. 272
ويصلي على النبي ﷺ بعد التلبية، لما روي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: "كان يستحب للرجال الصلاة على النبي ﷺ بعد التلبية" رواه أبي داود والدارقطني.
وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا فرغ من التلبية: سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار" رواه الدارقطني.
قوله: (ويتقي المحرم) أي يجتنب المحرم (الرفث والفسوق والجدال) لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. الرفث: الجماع، وقيل الفحش في الكلام، والفسوق: الخروج عن حدود الشريعة، وقيل: التساب والتنابز بالألقاب، والجدال: المراء مع الرفقاء والخدم والمكارين.
قوله: (وقتل صيد البر) أي ويتقي قتل صيد البر، والدلالة، والإشارة، لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ولحديث أبي قتادة: أنه ﵇ قال حين سألوه عن لحم حمار وحش اصطاده أبو قتادة قال: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ "
стр. 273
قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه" رواه البخاري ومسلم. علق حله على عدم الإشارة والأمر، والإشارة: أن يشير إلى صيد باليد، والدلالة: أن يقول: إن في مكان كذا صيد.
فالإشارة تكون في الحضور، والدلالة تكون في الغيبة.
قوله: (ويباح له كل صيد البحر) مثل السمك وأنواعه، لأن المنهي عنه صيد البر.
قوله: (ويترك لبس المخيط) لأنه ممنوع منه (وكذلك يترك لبس العمامة والقلنسوة والخفين التامين) قيد بالتامين: لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين يجوز، لما روي عن ابن عمر أنه قال: سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلا أن لا يجد النعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: (وتغطية الرأس والوجه) لقوله ﵇ في المحرم الذي خر من بعيره: "لا تخمروا وجهه ولا رأسه" رواه مسلم وغيره.
قوله: (والدهن) أي يترك المحرم الدهن والتطيب، لقوله ﵇: "الحاج: الشعث التفل" رواه أبو ذر الهروي وغيره.
стр. 274
وقال الشافعي: يجوز له الخضاب بالحنا، لأنه ليس بطيب.
ولنا: أنه ﵇ نهى المعتدة عن الكحل والخضاب بالحناء وقال: "الحناء طيب" رواه النسائي.
قوله: (وحلق الشعر وقصه) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والقص في معنى الحلق، وأما قص الظفر: فلأن فيه إزالة الشعث.
قوله: (ولبس المصبوغ) أي يترك لبس المصبوغ، لما روينا من حديث البخاري: (إلا مغسولاً لا بنفض) أي لا يفوح، وقيل: لا يتناثر، لأن النهي عن الطيب لا اللون.
قوله: (ولا يغسل شعره بخطمي) لأن فيه إزالة الشعث.
قوله: (ولا يحك رأسه إلا برفق إن كان عليه شعر) لأن الحك بغير رفق يزيل الشعث (وإن لم يكن عليه شعر: لا يحك).
قوله: (وله) أي للمحرم (أن يغتسل ويدخل الحمام) لأنه ﵇ "اغتسل وهو محرم" رواه مسلم.
وحكى أبو أيوب الأنصاري اغتسال رسول الله ﷺ ، متفق عليه.
стр. 275
قوله: (ويستظل) بالنصب، عطف على قوله: (أن يغتسل) أي وللمحرم أن يستظل بنبت أو خيمة أو محمل، لحديث أم الحصين قالت: "حججت مع رسول الله ﷺ فرأيت أسامة وبلالاً، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﵇، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: (ويشد الهميان) أي وله أن يشد الهميان في وسطه، لأنه ليس بلبس مخيط ولا في معناه، كوذا شد المنطقة، والسيف، والسلاح، والتختم بالخاتم.
قوله: (ويكثر التلبية بصوت رفيع بعد الصلاة) لما روي عن أبي بكر الصديق أنه ﵇: "سئل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج" رواه الترمذي، العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إسالة الدم.
قوله: (وكلما علا شرفاً) أي موضعاً عالياً (أو هبط وادياً) أي نزل مكاناً سافلاً (أو لقي ركباً) لما روي أنه ﵇ "كان يلبي إذا لقي ركباً، أو صعد أكمة، أو هبط وادياً، وفي إدبار المكنوبة وآخر الليل" ذكره في الإمام.
стр. 276
قوله: (وبالأسحار) أي وفي وقت الأسحار، وفي غير الأسحار أيضاً، لكن تخصيص الأسحار: لأنها وقت يستجاب فيه الدعاء.
قوله: (فإذا دخل مكة) اعلم أنه إذا دخل مكة: يستحب له أن يدخل من الثنية العليا وهي ثنية كدا من أعلى مكة على درب المعلى وطريق الأبطح، ويخرج من الثنية السفلى وهي ثنية كدا من أسفل مكة على درب اليمن، لما روي أنه ﵇ "كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى" رواه الجماعة إلا الترمذي.
ولا يضره: دخلها ليلاً أو نهاراً، لأنه ﵇ "دخلها ليلاً ونهاراً" رواه النسائي.
ويقول عند دخوله الحرم: "اللهم إن هذا أمنك وحرمك الذي من دخله كان آمناً، فحرم لحمي ودمي وعظمي وبشري على النار، اللهم آمني من عذابك يوم تبعث عبادك، فإنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، وأسألك أن تصلي على سيدنا محمد وعلى آله".
ويقول عند دخوله مكة: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها وأعذني من الشيطان الرجيم".
قوله: (طاف للقدوم سبعة أشواط) لما روى عروة عن عائشة ﵂: "أن أول شيء
стр. 277
بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت" الحديث، رواه البخاري ومسلم.
ويكون ملبياً في دخوله، ويدخل من باب بني شيبة، ويقدم رجله اليمنى في دخوله ويقول: "بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها، اللهم إني أسألك في مقامي هذا أن تصلي على محمد عبدك ورسولك وأن ترحمني وتقيل عثرتي وتغفر ذنبي وتضع عني وزري"، فإذا وقع بصره على البيت: كبر وهلل ثلاثاً ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد بيتك هذا تعظيماً وتشريفاً ومهابة، وزاد من شرفه وعظمه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً".
قوله: (وراء الحطيم، لأن الحطيم من البيت) لما روي عن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن الحجر من البيت هو؟ قال: "نعم" الحديث متفق عليه.
سمي حطيماً: لأنه حطم من البيت أي: كسر، وسمي حجراً: لأنه حجر من البيت: أي منع منه، وهو محوط ممدود على صورة نصف دائرة، خارج عن جدار البيت من جهة الشام تحت الميزاب، وليس كله من البيت، بل مقدار ستة أذرع منه من البيت، لحديث عائشة ﵂ "أنه ﵇ قال: ستة أذرع من الحجر من البيت، وما زاد ليس من البيت" رواه مسلم.
قوله: (يرمل في الثلاثة الأول منها) لما روى عن جابر: أنه ﵇ "لما قدم مكة أتى
стр. 278
الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً" رواه مسلم والنسائي.
وإذا حاذى الملتزم في أول طوافه، وهو بين الباب والحجر الأسود قال: "اللهم إن لك علي حقوقاً فتصدق بها علي"، وإذا حاذى الباب يقول: "اللهم هذا البيت بيتك وهذا الحرم حرمك وهذا الأمن أمنك وهذا مقام العايذ بك من النار فأعذني منها"،
وإذا حاذى المقام على يمينه يقول: "اللهم إن هذا مقام إبراهيم العايذ اللايذ بك من النار، حرم لحومنا وبشرتنا على النار"، وإذا أتى الركن العراقي يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشرك، والشك، والنفاق، والشقاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد"، وإذا أتى ميزاب الرحمة يقول: "اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك، واسقني بكأس محمد ﵇ شربة لا نظمأ بعدها أبداً"، وإذا أتى الركن الشامي يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور"، وإذا أتى الركن اليماني يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة".
قوله: (ثم يصلي ركعتين في المقام) وهذه الصلاة واجبة عندنا، خلافاً للشافعي، وقد مر في عد الواجبات.
ومن جملة سنن الطواف: أن يستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، لما روي أنه ﵇ "طاف على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر" رواه أحمد والبخاري.
ويستحب أن يستلم الركن اليماني، لما روي عن ابن عمر أنه قال: "ما تركت استلام هذين الركنين: الركن اليماني والحجر الأسود منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما" رواه مسلم وأبو داود.
стр. 279
ولا يقبله، وعند محمد: هو سنة، فيقبله مثل الحجر الأسود، لما روي عن ابن عباس:
"أنه ﵇ كان يقبل الركن اليماني ويضع يده عليه" رواه الدارقطني.
وعن ابن عباس: "أنه ﵇: إذا استلم الركن اليماني قبله" رواه البخاري في تاريخه.
قوله: (ثم سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط) لما روي عن أبي هريرة: "أنه ﵇ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى رأى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله تعالى ويدعو ما شاء أن يدعو" رواه مسلم وأبو داود.
وروى جابر: "أنه ﵇ بدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، ووحد الله تعالى وكبره وقال: "لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا" رواه مسلم وغيره.
стр. 280
قوله: (يهرول فيما بين الميلين الأخضرين) والهرولة: المشي بالسرعة، لما روى جابر "أنه ﵇ نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه: رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى" رواه أبو داود.
قوله: (ثم يقيم بمكة حراماً) لأنه محرم بالحج، فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله.
قوله: (يطوف ما شاء) لأنه يشبه الصلاة (ولا يرمل ولا يسعى) لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة واحدة، والتنفل به غير مشروع، والرمل لم يشرع إلا مرة واحدة في طواف بعده سعي، ويختم كل طواف بركعتين على ما شاء.
قوله: (ثم يخرج غداة التروية إلى منى) ملا روى جابر "أنه ﵇ توجه قبل صلاة الظهر يوم التروية إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح" رواه مسلم وغيره، ويستحب أن ينزل عند مسجد الخيف.
قوله: (ثم يتوجه إلى عرفات) لما روى ابن عمر "أنه ﵇ غدا من منى حين طلع الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة ... " الحديث. رواه أحمد وأبو داود.
قوله: (فإذا زالت الشمس) أي شمس يوم عرفة (صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين) لما روى جابر في حجة النبي ﷺ "ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً" رواه مسلم.
قوله: (ولا يجمع المنفرد) هذا عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، والأصل في
стр. 281
ذلك: أن الجمع بين الظهر والعصر إنما يجوز بشرط الإمام والإحرام عند أبي حنيفة، حتى لو صلاهما، أو صلى أحدهما منفرداً أو غير محرم: لم يجز له الجمع.
والمراد بالإحرام: إحرام الحج، ثم قيل: لابد من الإحرام قبل الزوال ليجوز الجمع، وإن لم يكن محرماً قبل الزوال وأحرم بعده: لم يجز له الجمع، والصحيح أنه يكتفي بالتقديم على الصلاتين.
ومن شرط الجمع: أن تكون صلاة الظهر صحيحة، حتى لو تبين فسادها بعدما صلاهما: أعاد الظهر والعصر جميعاً.
وقال زفر: يراعي هذه الشرائط في العصر خاصة، وعندهما: لا يشترط الإمام في حق العصر، حتى يجوز للمنفرد أن يجمع، وعلى هذا الخلاف جواز الجمع للإمام وحده، فعنده: لا يجوز، خلافاً لهما، ولو نفروا عنه بعد الشروع: جاز له الجمع، واختلفوا فيما إذا نفروا عنه قبل الشروع على قوله، والمراد بالإمام: هو الإمام الأعظم أو نائبه، ولو مات الإمام وهو الخليفة: جمع نائبه أو صاحب شرطته، فافهم.
قوله: (ثم يقف الإمام بعرفة راكباً بقرب الجبل) وهو الذي عند الصخرات السود الكبار، وهو الجبل الذي بوسط عرفات، يقال له: إلال على وزن هلال، والجبل يسمى: جبل الرحمة، والموقف الأعظم، وذلك لما روي أنه ﵇ "ركب القصواء، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس" رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
قوله: (وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) لقوله ﵇: "عرفات كلها موقف
стр. 282
وارتفعوا عن بطن عرنة" رواه البخاري.
ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويلبي ويصلي ويدعو الله لحاجته، لقوله ﵇: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير" رواه مالك والترمذي وأحمد وغيرهم.
وكان ﵇ يجتهد في الدعاء في هذا الموقف، حتى روي أنه ﵇: "دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة، فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم، ثم أعاد الدعاء بالمزدلفة فأجيب حتى الدماء والمظالم" خرجه ابن ماجة.
قوله: (فإذا غربت الشمس أفاض) أي الإمام (إلى مزدلفة) لحديث علي ﵁ "أنه ﵇ دفع حين غابت الشمس" رواه أبو داود وغيره.
قوله: (ووقف بقرب قزح) والمراد من هذا الوقوف: النزول، لأن الوقوف لا يكون إلا بعد صلاة الفجر بغلس، وإنما ينزل هنا: لأنه الموقف، لما روي أنه ﵇ "لما أصبح وقف على قزح" رواه أبو داود.
стр. 283
وقال في الصحاح: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال في الكشاف: المشعر الحرام: قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
قوله: (ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر) لقوله ﵇: "والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" رواه البخاري.
قوله: (ويصلي بالناس المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان وإقامة واحدة) وقال زفر: بأذان وإقامتين، واختاره الطحاوي.
ولنا: حديث ابن عمر "أنه ﵇ أذن للمغرب بجمع، فأقام ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى" قال ابن حزم: رواه مسلم.
قوله: (ومن صلى المغرب في الطريق) أي في طريق مزدلفة (أعاد) وكذا لو صلاها
стр. 284
في عرفات، وقال أبو يوسف: يجوز، لأنه صلاها في وقتها المعهود، ولهما: حديث أسامة بن زيد "أن رسول الله ﷺ دفع من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسول الله قال: "الصلاة أمامك"، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ فأسبغ الوضوء ... " الحديث. رواه البخاري ومسلم.
قوله: (ويبيت بها) أي بالمزدلفة (ويصلي بهم الفجر بغلس) لما روي "أنه ﵇ صلاها يومئذ بغلس" متفق عليه.
قوله: (ثم يقف بالمشعر الحرام) وهو قزح، لما مر.
قوله: (ويدعو) لما روي "أنه ﵇ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده" رواه مسلم.
قوله: (فإذا أسفر جداً) أي إذا أسفر الصبح إسفاراً كاملاً (أفاض إلى منى فرمى جمرة العقبة من بطن الوادي سبع حصيات) لما روي أنه ﵇ "لم يزل واقفاً حتى أسفل جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها- حصى الخذف- رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر" رواه مسلم.
стр. 285
ولو دفع بليل لعذر به من ضعف أو علة: جاز ولا شيء عليه، لما روى ابن عمر أنه ﵇ "أذن لضعفة الناس أن يدفعوا بالليل" رواه أحمد.
قوله: (مثل حصى الخذف) بالخاء المعجمة، وهو الرمي برءوس الأصابع، يقال: الحذف بالعصا، والخذف بالحصى، الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالخاء المعجمة.
وكيفية الرمي: أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة، ومقدار الرمي: أن يكون بين الرامي وبينه: خمسة أذرع.
قوله: (يكبر مع كل حصاة) لما روينا، ولو سبح مكان التكبير: أجزأه، لحصول التعظيم بالذكر.
قوله: (ولا يقف عندها) أي عند جمرة العقبة، لما روي عن ابن عمر "أنه كان يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله" رواه البخاري.
قوله: (ويقطع التلبية مع أول حصاة) لما روي عن ابن عباس "أن أسامة كان رديف النبي صلى الله عليه وسلمن من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزل النبي ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: (ولو رمى السبع جملة) أي ولو رمى سبع حصيات جملة دفعة واحدة (فهي واحدة) لأن المنصوص عليه تفريق الأفعال.
следующие страницы →