← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ذلك: أن الجمع بين الظهر والعصر إنما يجوز بشرط الإمام والإحرام عند أبي حنيفة، حتى لو صلاهما، أو صلى أحدهما منفرداً أو غير محرم: لم يجز له الجمع. والمراد بالإحرام: إحرام الحج، ثم قيل: لابد من الإحرام قبل الزوال ليجوز الجمع، وإن لم يكن محرماً قبل الزوال وأحرم بعده: لم يجز له الجمع، والصحيح أنه يكتفي بالتقديم على الصلاتين. ومن شرط الجمع: أن تكون صلاة الظهر صحيحة، حتى لو تبين فسادها بعدما صلاهما: أعاد الظهر والعصر جميعاً. وقال زفر: يراعي هذه الشرائط في العصر خاصة، وعندهما: لا يشترط الإمام في حق العصر، حتى يجوز للمنفرد أن يجمع، وعلى هذا الخلاف جواز الجمع للإمام وحده، فعنده: لا يجوز، خلافاً لهما، ولو نفروا عنه بعد الشروع: جاز له الجمع، واختلفوا فيما إذا نفروا عنه قبل الشروع على قوله، والمراد بالإمام: هو الإمام الأعظم أو نائبه، ولو مات الإمام وهو الخليفة: جمع نائبه أو صاحب شرطته، فافهم. قوله: (ثم يقف الإمام بعرفة راكباً بقرب الجبل) وهو الذي عند الصخرات السود الكبار، وهو الجبل الذي بوسط عرفات، يقال له: إلال على وزن هلال، والجبل يسمى: جبل الرحمة، والموقف الأعظم، وذلك لما روي أنه ﵇ "ركب القصواء، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس" رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. قوله: (وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) لقوله ﵇: "عرفات كلها موقف

стр. 282

وارتفعوا عن بطن عرنة" رواه البخاري. ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويلبي ويصلي ويدعو الله لحاجته، لقوله ﵇: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير" رواه مالك والترمذي وأحمد وغيرهم. وكان ﵇ يجتهد في الدعاء في هذا الموقف، حتى روي أنه ﵇: "دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة، فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم، ثم أعاد الدعاء بالمزدلفة فأجيب حتى الدماء والمظالم" خرجه ابن ماجة. قوله: (فإذا غربت الشمس أفاض) أي الإمام (إلى مزدلفة) لحديث علي ﵁ "أنه ﵇ دفع حين غابت الشمس" رواه أبو داود وغيره. قوله: (ووقف بقرب قزح) والمراد من هذا الوقوف: النزول، لأن الوقوف لا يكون إلا بعد صلاة الفجر بغلس، وإنما ينزل هنا: لأنه الموقف، لما روي أنه ﵇ "لما أصبح وقف على قزح" رواه أبو داود.

стр. 283

وقال في الصحاح: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال في الكشاف: المشعر الحرام: قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. قوله: (ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر) لقوله ﵇: "والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" رواه البخاري. قوله: (ويصلي بالناس المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان وإقامة واحدة) وقال زفر: بأذان وإقامتين، واختاره الطحاوي. ولنا: حديث ابن عمر "أنه ﵇ أذن للمغرب بجمع، فأقام ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى" قال ابن حزم: رواه مسلم. قوله: (ومن صلى المغرب في الطريق) أي في طريق مزدلفة (أعاد) وكذا لو صلاها

стр. 284

في عرفات، وقال أبو يوسف: يجوز، لأنه صلاها في وقتها المعهود، ولهما: حديث أسامة بن زيد "أن رسول الله ﷺ دفع من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسول الله قال: "الصلاة أمامك"، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ فأسبغ الوضوء ... " الحديث. رواه البخاري ومسلم. قوله: (ويبيت بها) أي بالمزدلفة (ويصلي بهم الفجر بغلس) لما روي "أنه ﵇ صلاها يومئذ بغلس" متفق عليه. قوله: (ثم يقف بالمشعر الحرام) وهو قزح، لما مر. قوله: (ويدعو) لما روي "أنه ﵇ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده" رواه مسلم. قوله: (فإذا أسفر جداً) أي إذا أسفر الصبح إسفاراً كاملاً (أفاض إلى منى فرمى جمرة العقبة من بطن الوادي سبع حصيات) لما روي أنه ﵇ "لم يزل واقفاً حتى أسفل جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها- حصى الخذف- رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر" رواه مسلم.

стр. 285

ولو دفع بليل لعذر به من ضعف أو علة: جاز ولا شيء عليه، لما روى ابن عمر أنه ﵇ "أذن لضعفة الناس أن يدفعوا بالليل" رواه أحمد. قوله: (مثل حصى الخذف) بالخاء المعجمة، وهو الرمي برءوس الأصابع، يقال: الحذف بالعصا، والخذف بالحصى، الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالخاء المعجمة. وكيفية الرمي: أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة، ومقدار الرمي: أن يكون بين الرامي وبينه: خمسة أذرع. قوله: (يكبر مع كل حصاة) لما روينا، ولو سبح مكان التكبير: أجزأه، لحصول التعظيم بالذكر. قوله: (ولا يقف عندها) أي عند جمرة العقبة، لما روي عن ابن عمر "أنه كان يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله" رواه البخاري. قوله: (ويقطع التلبية مع أول حصاة) لما روي عن ابن عباس "أن أسامة كان رديف النبي صلى الله عليه وسلمن من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزل النبي ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: (ولو رمى السبع جملة) أي ولو رمى سبع حصيات جملة دفعة واحدة (فهي واحدة) لأن المنصوص عليه تفريق الأفعال.

стр. 286

قوله: (ويجوز الرمي بجنس الأرض) كالحجر، والمدر، والطين، والمغرة والنورة، والزرنيخ، والملح الجبلي، والكحل، والقبضة من تراب، (والأحجار النفيسة) كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، والبلخش، والفيروزج، والبلور، والعقيق. قوله: (لا بالذهب) أي لا يجوز بالذهب والفضة، وكذلك الخشب والعنبر واللؤلؤ والجواهر، لأنها ليست من جنس الأرض، أو لأنه نثار وليس برمي. قوله: (ثم يذبح إن شاء) وهذا الذبح ليس بواجب على المفرد، أشار إليه بقوله: (إن شاء) ويجب على القارن والمتمتع. قوله: (ثم يحلق ربع رأسه) لما روي عن أنس "أنه ﵇، أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، وقال للحلاق: "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس" رواه مسلم وأبو داود وأحمد. قوله: (وهو) أي الحلق (أفضل من التقصير) لما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﵇ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله: والمقصرين، قال: "وللمقصرين" متفق عليه. قوله: (ويحل له كل شيء إلا النساء) لحديث عائشة أنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.

стр. 287

وعنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وحل لكم الثياب والطيب" رواه الدارقطني. قوله: (ثم يطوف طواف الزيارة) لما روي في حديث جابر "أنه ﵇ أفاض إلى البيت يوم النحر فصلى بمكة بعدما طاف بالبيت" رواه مسلم. قوله: (ووقته) أي وقت طواف الزيارة (أيام النحر وهي ثلاثة أيام) لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح والأكل منه بقوله: ﴿فَكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ فكان وقتهما واحداً، وأولها أفضلها كما في النحر. قوله: (ويحل له النساء) يعني بعدما طاف طواف الزيارة: يحل له النساء أيضاً، لإجماع الأمة على ذلك. قوله: (ثم يعود إلى منى) لما روي "أنه ﵇ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" متفق عليه. قوله: (ويرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم التالي). اعلم: أنه يرمي الجمار الثلاث في ثاني النحر بعد الزوال، بادياً لما يلي المسجد، ثم بما يليها، ثم بجمرة العقبة، ووقف عند كل رمي بعده رمي، ثم غداً كذلك، ثم بعد كذلك إن مكث، لما روت عائشة أنها قالت: "أفاض النبي ﷺ من يومه حتى صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، ثم يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها" رواه أبو داود.

стр. 288

فإن لم يمكث في اليوم الرابع: يسقط عنه الرمي، لأنه مخير فيه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والأفضل أن يرمي، موافقة للنبي ﵇. قوله: (فإذا أراد الرجوع إلى بلده طاف طواف الصدر) يعني إذا فرغ من رمي الجمار وأراد أن يرجع إلى بلده، نزل بالمحصب، وهو الأبطح، وتسمى الحصباء، والبطحاء، والخيف، وهو ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة، والجبل يقابله مصعداً في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى، مرتفعاً عن بطن الوادي، وليست المقبرة من المحصب، لقوله ﷺ : "نحن نازلون عند الخيف، خيف بني كنانة .... " الحديث. رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي. ثم يطوف طواف الصدر لما روي "أنه ﵇ صلى لظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت فطاف به" رواه البخاري. قوله: (ومن وقف بعرفة لحظة) أي ساعة (ما بين الزوال يوم عرفة وفجر يوم النحر: أجزأه) لقوله ﵇: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم

стр. 289

حجه" روى بمعناه أبو داود وغيره وصححه الترمذي. قوله: (ولو كان نائماً) أي ولو كان الحاج حال الوقوف نائماً (أو مغمى عليه أو جاهلاً بها) أي بعرفة، لأن الأحاديث مطلقة تعرف في موضعها. قوله: (والمرأة في أفعال الحج كالرجل) لأن أوامر الشرع عامة جميع المكلفين ما لم يقم دليل الخصوص. قوله: (إلا في كشف الرأس) يعني إلا أنها لا تكشف رأسها، ولكن تكشف وجهها، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه" رواه أبو داود وغيره.

стр. 290

وقوله: (ولبس المخيط) يعني إلا أن لها لبس المخيط، لأنه ﵇ "أباح السراويل والقميص للنساء المحرمات" رواه أبو داود. ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمل ولا تهرول: للفتنة، ولا تحلق، ولكن تقصر، لما روى ابن عباس أنه ﵇ قال: "ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير" رواه أبو داود وأحمد وغيرهما. والخنثى المشكل في جميع ما ذكرنا كالمرأة. قوله: (فإنها تخالفه) أي فإن المرأة تخالف الرجل في جميع ما ذكرناه.

стр. 291

فصل هذا الفصل في بيان أحكام القران والتمتع وهو مصدر: من قرنت إذا جمعت. قوله: (القران أفضل من التمتع والإفراد) وقال الشافعي ومالك: الإفراد أفضل، وقال أحمد: التمتع أفضل. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإتمامهما: أن يحرم بهما من دويرة أهله، كذا فسرته الصحابة، وهو القران. وحديث أنس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجاً " رواه البخاري ومسلم. وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجاً" متفق عليه. وعن علي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "كيف أهللت؟ " قلت: أهللت بإهلالك، فقال: "إني سقت الهدي وقرنت" رواه أبو داود والنسائي.

стр. 292

قوله: (وصفته) أي صفة القران (أن يهل) أي يحرم (بالحج والعمرة معاً من الميقات ويقول: اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني) لما تلونا وروينا. قوله: (فإذا دخل مكة ابتدأ بالعمرة ثم بالحج) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية، فيقدم العمرة ضرورة، حتى يكون انتهاء العمرة بالحج، والآية وإن نزلت في التمتع: فالقران بمعناه، من حيث أن كلاً منهما ترفق بأداء النسكين في سفرة واحدة. قوله: (فإذا رمى الجمرة) أي جمرة العقبة (يوم النحر: أراق دماً) أي ذبح شاة أو بدنة أو سبعها لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والقران بمعنى التمتع، وكان ﵇ قارناً وذبح الهدايا. وقال جابر: "حججنا مع رسول الله ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة" رواه البخاري ومسلم. قوله: (إن قدر) أي إن قدر على إراقة الدم (وإلا صام ثلاثة أيام آخرها: يوم عرفة، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قوله: (والتمتع أفضل من الإفراد) هذا في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل. قوله: (وصفته) أي صفة التمتع (أن يهل بالعمرة من الميقات، فيطوف لها ويسعى،

стр. 293

ويحلق أو يقصر، وقد حل منها، ثم يحرم بالحج يوم التروية من الحرم، ويفعل ما يفعله الحاج المنفرد، ويقطع التلبية بأول الطواف) لما روي أنه ﵇ "كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر" رواه أبو داود. قوله: (وعليه) أي على المتمتع (دم أو بدله) وهو أن يصوم ثلاثة أيام، آخرها يوم عرفة، وسبعة أيام إذا رجع، كما مر في القارن.

стр. 294

فصل هذا الفصل في أحكام الجنايات قوله: (إذا طيب المحرم عضواً: لزمه دم) أي شاة، وذلك مثل الرأس والفخذ والساق، لأن الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق، وذلك في العضو الكامل، وكذا إذا أكل طيباً كثيراً عند أبي حنيفة، وقالا: صدقة. قوله: (وإن كان أقل) أي من العضو (لزمه الصدقة لقصور الجناية). [والمراد من الصدقة في هذا الباب جميعه: نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير، إلا ما يجب بقتل جرادة أو قمل، أو بإزالة شعرات قليلة من رأسه أو عضو آخر من أعضائه. قوله: (وإن خضب رأسه بالحناء: لزمه دم) لأن الحناء طيب، لقوله ﵇: "الحناء طيب" رواه البيهقي. قوله: (وإن لبد) أي وإن لبد (رأسه بالحناء: لزمه دمان، دم للتطيب ودم لتغطية الرأس) فظهر من هذا أن المراد من قوله: (خضب رأسه) هو أن يكون الحناء مائعاً. قوله: (وإن ادهن بزيت) إلى قوله: (لزمه دم) أما إذا ادهن بزيت: فلأنه أصل الطيب، فيجب دم، هذا عند أبي حنيفة، وقالا: صدقة، وهذا الخلاف في الزيت البحت، والخل البحت: أي الخالص الذي لا يخالطه طيب. أما المطيب بالبنفسج والزنبق والبان وما أشبه ذلك: يجب فيه الدم بالإجماع، وهذا إذا استعمله على وجه التطيب، أما لو داوى به جرحه أو شقوق رجليه: فلا شيء عليه بالإجماع. وأما إذا لبس مخيطاً يوماً: فعند الشافعي: يجب الدم بنفس اللبس. ولنا: أن

стр. 295

الارتفاق الكامل به لا يحصل إلا بالدوام، لأن المقصود منه: دفع الحر والبرد، واليوم يشتمل عليهما، فقدرناه به، وكذلك الكلام في تغطية الرأس يوماً. وأما إذا حلق ربع رأسه أو ربع لحيته: فلأن الربع يقوم مقام الكل، وأما إذا حلق كل رقبته: فلأنها عضو كامل يكمل الارتفاق بحلقه، وكذلك الإبطان أو أحدهما. قوله: (وإن كان أقل) يعني إذا لبس أو غطى رأسه أقل من يوم، أو حلق أقل من ربع رأسه أو لحيته، أو حلق بعض رقبته أو بعض إبطه (لزمه صدقة لقصور الجناية). قوله: (وإن قص من شاربه شيئاً: فعليه حكومة عدل) وتفسيره: أنه ينظر أن هذا المأخوذ: كم يكون من ربع اللحية؟ فيجب عليه بحسابه من الطعام، حتى إذا أخذ منه نصف ثمن اللحية: يجب عليه ربع الدم. قوله: (وإن حلق موضع المحاجم، أو قص أظفاره في مجلس أو ربعها: لزمه دم). أما إذا حلق موضع الحجامة: فعليه دم عند أبي حنيفة، لأنه حلق موجود لأمر مقصود وهو الحجامة، وقالا: عليه صدقة، والمحاجم جمع محجمة بكسر الميم وفتح الجيم: وهي قارورة الحجام، وأما المحجم، بفتح الميم والجيم: فهو اسم مكان، من الحجم، وجمعه محاجم أيضاً، والمراد ها هنا: الأول، ولا يلزم الخلل، على ما لا يخفى على الفطن والفهم. وأما إذا قص أظافره في مجلس: فلأن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام، وقد ارتكبه، فيجب عليه الدم، وأما إذا قص أربع أظافر فكذلك يجب دم، لأن الربع يقوم مقام الكل. قوله: (وإن قص الكل) أي وإن قص جميع أظافره (في أربع مجالس: لزمه أربعة دماء) لاختلاف المجلس، فصار كاللبس المتفرق والتطيب المتفرق.

стр. 296

قوله: (وإن قص أقل من خمسة مجتمعة أو خمسة متفرقة: لزمه لكل ظفر صدقة) أما إذا قص أقل من خمسة مجتمعة: فلأنه لم يحصل له الارتفاق الكامل ولا الزينة، فلا يجب الدم. وقال محمد: يجب عليه بحساب ذلك من الدم، وقال زفر والشافعي: إن قص ثلاثة: فعليه دم. وأما إذا قص أقل من خمسة متفرقة من يديه ورجليه: فكذلك صدقة عندهما، وقال محمد: دم. ولا شيء بأخذ ظفر منكسر. قوله: (وإن تطيب أو لبس أو حلق بعذر: تخير بين دم، وثلاثة أصوع من بر، يطعمها لستة مساكين، وصوم ثلاثة أيام) لما روي عن كعب بن عجرة أنه قال: "كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ " قلت: لا، فنزلت الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين: نصف صاع لكل مسكين" متفق عليه. وفسر النسك ﵇: بالشاة، فيما رواه أبو داود. وكلمة (أو) للتخيير، والصوم يجزئه في أي مكان شاء، وكذا الصدقة عندنا، وأما النسك: فيختص بالحرم بالاتفاق.

стр. 297

قوله: (وإن قبل أو لمس بشهوة: لزمه دم) لأن فيه الاستمتاع بالنساء، وهو منهي عنه، فإذا أقدم عليه: فقد ارتكب المحرم، فيجب دم. قوله: (وإن جامع قبل الوقوف بعرفة: فسد حجة بالإجماع) وعليه شاة عندنا، وعند الشافعي: بدنة، اعتباراً بما لو جامع بعد الوقوف. ولنا: أن الجناية قبل الوقوف أكمل، لوجودها في مطلق الإحرام، فيكون جزاؤه أغلظ، وروي أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان فسألا رسول الله ﷺ فقال لهما: "اقضيا نسككما وأهديا هدياً" الحديث رواه البيهقي، والهدي يتناول الشاة. قوله: (ويتمه) أي يتم ذلك الحج الفاسد (ويقضيه من عام قابل) لما روي عن ابن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا: "يريقان دماً، ويمضيان في حجهما، وعليهما الحج من قابل". قوله: (ولا يفارق امرأته في القضاء) لأن الافتراق ليس بنسك في الأداء فكذا في القضاء، لأن القضاء يحكي الأداء. وقال زفر ومالك والشافعي: يفترقان فيه، فعند مالك: عند الخروج من المنزل، وعند الشافعي: عند المكان الذي جامعها فيه، وعند زفر: عند الإحرام. قوله: (وإن جامع بعد الوقوف: لم يفسد حجه) خلافاً للشافعي، لقوله ﵇:

стр. 298

"من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، فبعد التمام لا يلحقه الفساد. قوله: (ومن طاف طواف القدوم أو الصدر محدثاً: فعليه صدقة) لأنه دخله نقص بترك الطهارة، فيجبر بالصدقة. قوله: (وإن طاف جنباً) أي وإن طاف طواف القدوم أو الصدر جنباً (فعليه شاة) لأنه نقص كثير. قوله: (ومن طاف للزيارة محدثاً: فعليه شاة) لأن النقص الحاصل بالحدث يسير، فوجب جبره بالشاة، فصار كترك شوط منه. قوله: (وإن طاف جنباً) أي وإن طاف طواف الزيارة جنباً (فعليه بدنة) كذا روي عن ابن عباس، ولأن الجناية أغلظ. قوله: (ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها) مثل شوطين أو شوط (فعليه شاة) لأن النقصان يسير فيجبر بالدم. قوله: (وإن ترك أربعة) أي وإن ترك أربعة أشواط من طواف الزيارة (فهو محرم أبداً في حق النساء حتى يطوفه) لأن للأكثر حكم الكل، فصار كأنه لم يطف. قوله: (ومن ترك من طواف الصدر ثلاثة أشواط: فعليه صدقة). وهي نصف صاع من بر لكل شوط، ولا يجب فيه دم، بخلاف طواف الزيارة. قوله: (وإن ترك أربعة) أي أربعة أشواط من طواف الصدر (فعليه دم) لأن طواف الصدر واجب، فتركه يوجب الدم، فكذا أكثره.

стр. 299

قوله: (ومن ترك السعي) أي السعي بين الصفا والمروة (وأفاض من عرفة قبل الإمام، أو ترك الوقوف بمزدلفة، أو ترك رمي كل الجمار، أو ترك رمي وظيفة يوم، أو ترك أكثرها) بأن ترك الجمرة الأولى والثانية، أو الثانية والثالثة، أو الأولى والثالثة (لزمه دم) لأن في ذلك ترك الواجب فيجبر بالدم. قوله: (فإن كان أقل) أي فإن كان تركه من الرمي أقل (من وظيفة يوم) بأن ترك الجمرة الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة (لزمه صدقة) لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير. قوله: (ومن أخر الحلق أو طواف الزيارة عن وقته وهو أيام النحر: لزمه دم) هذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا شيء عليه فيهما. وعلى هذا: الخلاف في تأخير الرمي، وفي تقديم نسك على نسك، كالحلق قبل الرمي، ونحر القارن قبل الرمي، والحلق قبل الذبح. قوله: (وكذا الحلق في وقته خارج الحرم) المراد منه: أن يحلق في غير الحرم، في أيام النحر، وأما إذا خرجت أيام النحر فحلق في غير الحرم: فعليه دمان عند أبي حنيفة، وقال محمد: دم واحد في الحج والعمرة، وقال زفر: إن حلق للحج في أيام النحر فلا شيء عليه، وإن حلق بعده فعليه دم.

стр. 300

فصل هذا الفصل في بيان الجنايات على الصيد قوله: (محرم قتل صيداً) الصيد: هو الحيوان الممتنع المتوحش بأصل الخلقة، وهو بري: إذا كان توالده وتناسله في البر، وبحري: إذا كان في الماء، ويحرم الأول على المحرم، دون الثاني لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. قوله: (أو قتل سبعاً) أي أو قتل سبعاً (غير صائل) أي حامل، قيد به: لأنه إذا قتله لصولته أو حملته: لا يجب عليه شيء، خلافاً لزفر. قوله: (عمداً أو سهواً) أي سواء قتله بطريق العمد والقصد أو السهو (وسواء كان في ذلك عايداً أو بادياً) المراد بالبادي: الذي قتل الصيد مرة، ومن العايد: الذي قتل مرة بعد مرة، لأن الموجب للضمان لا يختلف باختلاف هذه الأحوال. قوله: (أو دل عليه) أي على صيد (من قتله) بأن قال: إن في مكان كذا صيداً، فقتله المدلول: يجب على الدال الجزاء، سواء كان المدلول محرماً أو حلالاً، وذلك لارتكابه محظور إحرامه، وقال الشافعي: لا شيء عليه. قوله: (فعليه) أي فعلى المحرم المذكور (قيمة الصيد الذي قتله). قوله: (بقول عدلين) حال من قيمته، أي عليه قيمة الصيد حال كونهما مقومة بقول عدلين، وهو أن يقوماه في مقتله أو أقرب موضع منه، ثم يخير فيها: بين الهدي إن بلغت قيمته هدياً، والطعام يتصدق به، على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر وشعير، والصيام يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهذا عندهما، وقال محمد والشافعي: يجب النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع: شاة، وفي

стр. 301

الأرنب: عناق، وفي اليربوع: جفرة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقر الوحش: بقرة، وفيما لا نظير له كالعصفور ونحوه: تجب القيمة. قوله: (ولو عيب الصيد) بأن جرحه أو قطع عضوه أو نتف شعره (ضمن النقصان) اعتباراً للجزء بالكل في حقوق العباد، وكذلك لو قلع سنه أو ضرب عينه فابيضت. قوله: (ولو أزال امتناعه ضمن كل القيمة) لأنه فوت عليه الأمن بنقص آلة الامتناع، فيغرم قيمته، وزوال الامتناع أعم من أن يكون بقطع القوائم ونتف الريش. قوله: (ولو كسر بيض صيد ضمنه) أي ضمن قيمة البيض لأنه أصل للصيد. قوله: (وضمن فرخه الميت إن خرج منه) أي من البيض، لأن البيض معد ليخرج منه فرخ، والتمسك بالأصل واجب حتى يظهر خلافه، وكسر البيض قبل وقته سبب لموت الفرخ، والظاهر أنه مات به فيجب، وكذا لو ضرب بطن ظبية فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت: يجب عليه قيمتهما، لأن الضرب سبب صالح لموتهما، بخلاف من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت: حيث يجب ضمان الأم ولا يجب ضمان الولد، غير الغرة في الحرة. وفي الأمة: يجب قيمة الأم ونصف عشر قيمة الولد لو كان ذكراً، وعشر قيمته لو كان أنثى، لأن الجنين جزء من وجه، ونفس من وجه، فجزاء الصيد مبني على الاحتياط، فرجحنا فيه جانب النفس، فأوجبنا فيه ضمانهما، بخلاف حقوق العباد، فافهم. قوله: (ولا شيء عليه) أي على المحرم (في قتل الغراب المؤذي) المراد منه: الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف أو يخلط، وأما العقعق: فلا يحل قتله للمحرم،

стр. 302

والأصل فيه: أنه ﵇ "أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" متفق عليه. والمراد من الكلب العقور: الذئب، فعلى هذا: الكلب غير العقور لا يحل قتله، وعن أبي حنيفة: أن الكلب العقور وغير العقور والمستأنس منه والمستوحش: سواء. وأما النمل والبراغيث والقراد والبق والذباب: فلأنها ليست بصيود، وإنما هن من الحشرات، وكذلك السلحفا والخنفسا، والمراد من النمل: السوداء والصفراء التي تؤذي بالعض، وما لا يؤذي: لا يحل قتلها، ولكن لا يضمن، لأنها ليست بصيد. وفي المحيط: وليس في القنافذ والوزغ والزنبور والحلمة وصباح الليل والصرصر وأم حنين وابن عرس: شيء، لأنها من هوام الأرض، وليست بصيود. قوله: (ومن قتل قملة أو جرادة: تصدق بكف من الطعام أو بالتمرة) لما روي: "أن أهل حمص أصابوا جراداً كثيراً في إحرامهم فجعلوا يتصدقون مكان كل جرادة بدرهم، فقال عمر ﵁: أرى دراهمكم كثيرة يا أهل حمص، تمرة خير من جرادة". والتصدق بكف من الطعام: في الجراد، وفيما إذا قتل قملة أو قملتين، وأما إذا قتل كثيراً: أطعم نصف صاع من بر. قوله: (ويجب الجزاء بأكل الصيد مضطراً) أي في حالة الاضطرار، لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وجه التمسك: أن الحلق محظور الإحرام، وقد أذن له الشارع فيه حالة الضرورة مقيداً بالكفارة، وكذا قتل الصيد محظور الإحرام: يستباح لأجل الضرورة مقيداً بالكفارة. قوله: (ويحل للمحرم ذبح غير الصيد) مثل الشاة والبقرة والبعير والدجاجة والبط الأهلي، لإجماع الأمة عليه.

стр. 303

قوله: (والحمام المسرول والظبي المستأنس: صيد) لأنهما صيد بأصل الخلقة، والاستئناس عارض، فلا يبطل الحكم الأصلي، بخلاف البعير الناد، حيث لا يكون صيداً في حق المحرم، ولكن يأخذ حكم الصيد في حق الذكاة. قوله: (ويحل للمحرم لحم صيد اصطاده حلال، وذبحه بلا واسطة محرم) يعني إن لم يدل عليه ولم يأمره بصيده، وذلك: لأن أبا قتادة لم يصد الحمار الوحشي لنفسه خاصة، بل صاده لنفسه ولأصحابه وهم محرمون، فأباحه لهم رسول الله ﷺ ولم يحرمه عليهم بإرادته أنه لهم، هكذا قاله الطحاوي. قوله: (وفي صيد المحرم إذا ذبحه الحلال: قيمته يتصدق بها لا غير) يعني لا يجزئه الصوم، لقوله ﵇: "إن الله حرم مكة لا يخلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها"، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال ﵇: "إلا الإذخر" متفق عليه. وإنما لم يجزه الصوم: لأنه غرامة وليس بكفارة، فأشبه غرامات الأموال. قوله: (وكذا في حشيشه) أي وكذا تجب القيمة في حشيش الحرم (وشجره غير المملوك، والمنبت عادة وغير المنبت عادة ما لم يجف) لما روينا، أما التقييد بغير المملوك: فلأنه إذا كان في ملك إنسان: فعلى قاطعه قيمتان: قيمة حقاً للشرع، وقيمة لمالكه، وأما التقييد بغير المنبت عادة: فلأنه إذا كان منبتاً عادة مثل الحنطة والبقول والرياحين: فالضمان عليه لحق صاحبه لا لحق الحرم. وأما الذي هو ليس بمنبت عادة كأم غيلان: فلا يخلو: إما أنبته منبت، أو نبت بنفسه، والنابت بنفسه لا يخلو أيضاً: إما أن نبت في ملك أحد، أو في غير ملك أحد. أما الذي أنبته منبت: فلا ضمان فيه لحق الحرم، حيث ملكه بالإنبات فصار مما ينبته الناس عادة، وأما الذي نبت بنفسه وكان في ملك أحد: فعلى القاطع فيه ضمانان: ضمان لحق الحرم وضمان لحق صاحبه.

стр. 304

وأما الذي نبت بنفسه ولم يكن في ملك أحد: فعليه فيه ضمان واحد لحق الحرم، وأما التقييد بعدم الجفاف: فلأنه إذا قطع شجرة يابسة أو حشيشاً يابساً: لا شيء عليه، لأنه حطب. قوله: (ولا يرعى حشيش الحرم) لما رويناه، وجوز أبو يوسف رعيه لمكان الحرج. قوله: (ولا يقطع منه) أي من حشيش الحرم (غير الإذخر) لما روينا. قوله: (ويحل قلع الكمأة) أي من الحرم، لأنها ليست من نبات الأرض، وإنما هي مودعة فيها، ولأنها لا تنمو ولا تبقى، فأشبهت اليابس من النباتات. قوله: (وما يوجب على المفرد دماً، يوجب على القارن دمين: دماً لحجته ودماً لعمرته) وقال الشافعي: دم واحد، وهذه قاعدة مطردة إلا في مسألة واحدة، وهي مجاوزة القارن الميقات: فإن عليه دماً واحداً فيه، وقال زفر: عليه دمان. قوله: (ولو قتل محرمان صيداً: فعلى كل واحد منهما جزاء) أي جزاء كامل، لأن كلاً منهما جان. وقال الشافعي: جزاء واحد. قوله: (ولو قتل حلالان صيد المحرم: فعليهما جزاء واحد) لأن الواجب فيه بدل المحل لا جزاء الفعل، وهو واحد. قوله: (وبيع المحرم الصيد وشراءه: باطل) لأن بيعه حياً: تعرض للصيد، وبيعه بعد قتله: بيع ميتة، بخلاف ما إذا باع لبن الصيد، أو بيضه، أو الجراد، أو شجر الحرم، لأن هذه الأشياء لا يشترط فيها الذكاة، والله أعلم.

стр. 305

فصل هذا الفصل مشتمل على أحكام المحصر والعمرة والحج عن الغير والهدي قوله: (محرم منعه عدو أو مرض: جاز له التحلل ببعث شاة تذبح في يوم يعلمه ليتحلل بعد الذبح) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فيعم الإحصار بالعدو والمرض، لا كما قاله الشافعي: أن الإحصار بالعدو فقط. قوله: (ويتوقت دم الإحصار بالحرم) حتى لا يجوز ذبحه في غيره، ولا يتوقت بيوم النحر: حتى جاز ذبحه في أي وقت شاء وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: يتوقت بالزمان وهو أيام النحر، وبالمكان هو الحرم، وهذا الخلاف في المحصر بالحج، وأما دم المحصر بالعمرة: فلا يتعين بالزمان بالإجماع. قوله: (بخلاف دم المتعة والقران) حيث يختصان بالحرم ويوم النحر، لأنه دم نسك كالأضحية. قوله: (والمحصر بالحج إذا تحلل: فعليه حجة وعمرة) كذا روي عن ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵁، وقال الشافعي: يلزمه حجة لا غير. قوله: (وعلى المحصر بالعمرة: القضاء) يعني إذا تحلل المحصر بالعمرة: وجب عليه

стр. 306

القضاء لا غير، والإحصار عنها يتحقق عندنا، وقال مالك والشافعي: لا يتحقق. قوله: (وعلى القارن: حجة وعمرتان) لأنه صح شروعه في الحج والعمرة، فيلزمه بالتحلل قضاؤها وقضاء عمرة أخرى، إذا لم يقض الحج في تلك السنة. قوله: (ولو زال الإحصار قبل الذبح، فإن قدر على إدراك الحج والهدي: لزمه التوجه لأداء الحج) وليس له أن يتحلل بالهدي، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، ويصنع بالهدي ما شاء. قوله: (وإلا: لا) يعني وإن لم يقدر على إدراك الهدي والحج: لا يجب عليه التوجه، (وإن توجه ليتحلل بأفعال العمرة: جاز) لأن فيه فائدة: وهي سقوط العمرة عنه في القضاء. قوله: (ومن قدر على الوقوف) أي بعرفة (أو الطواف) أي طواف الزيارة (أو منع بعد الوقوف بعرفة: فليس بمحصر) أما إذا قدر على الوقوف: فلأنه أمن من الفوات، وأما إذا قدر على الطواف: فلأن فائت الحج يتحلل به، والدم بدل عنه في التحلل، فلا حاجة إلى الهدي، وأما إذا منع بعد الوقوف: فلأنه لا يتصور الفوات بعده، فأمن منه. قوله: (ومن فاته الوقوف) أي بعرفة (حتى طلع من الفجر يوم النحر: فقد فاته الحج) لأنه لا يمكن تدارك الوقوف بعده لذهاب وقته، فيتحلل بعمرة ويقضي الحج من قابل، ولا دم عليه. قوله: (والعمرة لا تفوت: لأنها غير موقتة) وعليه الإجماع. قوله: (وهي) أي العمرة (جائزة في كل وقت، إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق) لما روي عن ابن عباس: "لا تعتمر في خمسة أيام واعتمر فيما قبلها وبعدها".

стр. 307

قوله: (وهي) أي العمرة (سنة) وهذا مكرر لا طائل تحته، لأنه ذكرها مرة في أول الحج. قوله: (وتجوز النيابة في نفل الحج) اعلم أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة، صلاة كان أو صوماً، أو حجاً، أو صدقة، أو قراءة القرآن والأذكار، إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، يصل ذلك إلى الميت وينفعه. وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصل إليه ولا ينفعه. وقال الشافعي ومالك: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية: كالحج، ولا يجوز في غيره من الطاعات: كالصلاة والصوم وقراءة القرآن، وغيره. ولنا: ما روي "أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له النبي ﷺ : "إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك" رواه الدارقطني.

стр. 308

وعن علي ﵁: أن النبي ﵇ قال: "من مر على المقابر وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات" رواه الدارقطني. وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا على موتاكم سورة يس" رواه أبو داود. وعنه ﵇ "أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته" متفق عليه، أي جعل ثوابه لأمته.

стр. 309

قوله: (مطلقاً) يعني سواء أكان له عجز دائم إلى الموت أو لم يكن، وذلك لأن باب النفل أوسع. قوله: (وفي فرضه) أي تجوز النيابة في فرض الحج عند العجز الدائم إلى الموت، لأنه فرض العمر، فيعتبر عجز مستوعب لبقية العمر، ليقع به اليأس عن الأداء بالبدن، حتى لو حج عن نفسه وهو مريض: يكون مراعى، فإن مات به: أجزأه، وإن تعافى: بطل، كذا لو أحج عن نفسه وهو محبوس. ثم الصحيح من المذهب فيمن حج عن غيره: أن أصل الحج يقع عن المحجوج عنه، لقوله ﵇ لرجل: "حج عن أبيك واعتمر" رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 310

قوله: (ودم القران على المأمور) لأنه واجب شكراً لما وفقه الله بين الحج بين النسكين، والمأمور هو المختص بهذه النعمة. قوله: (ودم الإحصار على الآمر) لأنه هو الذي أدخله في هذه العهدة فيجب عليه تخليصه. قوله: (والهدي: من الإبل والبقر والغنم) وهو مجمع عليه. والهدي: ما يهدى من النعم إلى الحرم. قوله: (والعيب مانع كالأضحية) أي كما يمنع في الأضحية، والذي يمنع فيهما: هو العوراء، والعرجاء: التي لا تمشي إلى المنسك، والعجفاء: التي لا تبقى، ومقطوعة الأذن والذنب، ولا يمنع الجماء والخصي والثولاء والجرباء. قوله: (ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. ولا يجوز الأكل من هدي الجنايات، لأنها دماء كفارة. قوله: (ويتوقت دم المتعة والقران خاصة بيوم النحر) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩]، وقضاء التفث والطواف يختص في الحرم بأيام النحر، فكذا الذبح، ليكون الكلام مسروداً على نسق واحد. ويختص جميع دم يجب على الحاج: بالحرم، لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 311

قوله: (ويجوز التصدق بها) أي بالدماء (على ساكني الحرم وغيرهم من الفقراء) لأنه سد خلة المحتاج، ولا فرق بينهم وبين غيرهم، وقال الشافعي: لا يجوز التصدق على غيرهم، والله أعلم بالصواب.

стр. 312

كتاب الجهاد أقول: لما فرغ عن بيان الحج، شرع في بيان الجهاد، على التناسب الذي في خطبة الكتاب، ويسمى هذا كتاب السير أيضاً، وهو مصدر: جاهد. قوله: (هو) أي الجهاد (فرض كفاية وإن لم يبدأ الكفار بالقتال) لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. فإذا حصل من البعض: سقط عن الباقين، كصلاة الجنازة، ودفن الميت، ورد السلام، وكانت الصحابة يغزو بعضهم ويقعد البعض، ولو كان فرض عين لما قعدوا. قوله: (ولا جهاد على امرأة، وعبد، وأعمى، ومقعد، وأقطع) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، نزلت في أصحاب الأعذار حين اهتموا بالخروج مع النبي ﷺ لما نزلت آية التخلف. قوله: (إلا إذا هجم العدو) فحينئذ يكون الجهاد فرض عين، تخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسيده. قوله: (ويقدم طلب الإسلام) يعني إذا حاصر أهل الإسلام الكفار: يدعونهم إلى الإسلام أولاً، لما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً قط إلا دعاهم" رواه أحمد.

стр. 313

قوله: (ثم الجزية) يعني إذا لم يقبلوا الإسلام: يدعونهم إلى الجزية، لما روي أنه ﵇ "كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية: أمره به" في حديث فيه طول، رواه أحمد والترمذي وصححه. قوله: (فإن أبوهما) أي إن أبوا الإسلام والجزية (قوتلوا بالسلاح والمنجنيق .. إلى آخره) لما روي أنه ﵇ كان يقول في وصية أمراء الجيش: "فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك: فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا: فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" رواه مسلم. قوله: (ويرمون قاصدين الكفار وإن تترسوا بالمسلمين) أي بالمسلمين الذين هم أسارى عندهم، لأن دفع الضرر العام بالضرر الخاص جائز، وفي بعض النسخ: (ويرمون مقصودين) فإن صح هذا فوجهه أن يقرأ (يرمون) على صيغة المبني للمفعول، ويكون (مقصودين) حال من الضمير الذي في (يرمون). قوله: (ويكره إخراج النساء والمصاحف إن خيف عليهما) لما فيه من تعريض المصحف على الاستخفاف، وتعريض المرأة على الضياع والفضائح، وإن لم يخف عليهما: فلا بأس بإخراج العجائز للخدمة: من الطبخ والخبز ومعالجة المرض وغير ذلك. وأما الشواب منهن: فقرارهن في البيوت أسلم، والأولى: أن لا يخرجن أصلاً، فإن تحققت الضرورة: تخرج الإماء دون الحرائر. قوله: (ويحرم الغلول) لأنه ﵇ نهى عنه، وهو الخيانة، وكذلك تحرم المثلة والغدر، لقوله ﵇: "لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً" رواه ابن ماجة.

стр. 314

والغدر: الخيانة أيضاً، إلا أن الغلول في المغنم، والغدر أعم. قوله: (وقتل المجنون) أي يحرم قتل المجنون (والصبي والمرأة) إلى آخره، لما روي أنه ﵇ "نهى عن قتل النساء والصبيان" رواه أحمد والبخاري ومسلم وجماعة آخرون. وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "انطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة" رواه أبو داود. وقيد بقوله: (غير الملكة) لأن المرأة إذا كانت ملكة: تقتل، لأن في قتلها كسر شوكتهم. قوله: (والهرم) هو الشيخ الفاني. قوله: (ونحوهم) مثل المقطوع إحدى يديه وإحدى رجليه، أو اليمنى. قوله: (إلا دفعاً لشر قتاله) يعني إذا كان أحد من هؤلاء مقاتلاً أو ذا رأي في الحرب: يقتل لما قلنا، وقد صح أن رسول الله ﷺ قتل دريد بن الصمة وكان ابن مائة وعشرين سنة، وقيل ابن مائة وستين سنة، لأنه كان صاحب رأي وهو أعمى. قوله: (ويكره للمسلم قتل أبيه الكافر) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥]. وليست البداية بالقتل من المعروف. قوله: (إلا دفعاً) استثناء من قوله: (ويكره) يعني إذا قصد الأب قتله ولم يمكنه دفعه إلا بقتله: فله أن يقتله دفعاً. قوله: (كالمسلم) يعني كما يجوز له أن يدفع اباه المسلم بالقتل إذا قصد الأب قتله، فإذا ثبت في هذه الصورة: ففي الصورة الأولى أولى وأحرى.

стр. 315

قوله: (وللإمام الصلح مجاناً) يعني بلا شيء، هذا إذا كان الصلح خيراً للمسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. أي وإن مالوا للصلح. قوله: (وبمال) أي وللإمام الصلح أيضاً بمال أخذاً ودفعاً، فالأخذ: أن يأخذ المال منهم، والدفع: أن يدفع المال إليهم، وذلك لأن الصلح: جهاد في المعنى إذا كان فيه مصلحة، إذ المقصود من الجهاد: دفع الشر، ولكن الصلح بالدفع إنما يجوز إذا خاف الهلاك على المسلمين، لأن دفع الهلاك بأي طريق أمكن: واجب، وإذا لم يخف: لا يفعل ذلك، لما فيه من إلحاق الذلة بالمسلمين. قوله: (ونقضه) أي وللإمام نقض الصلح (بعد الإعلام متى رآه مصلحة) لأن المصلحة لما تبدلت: كان النقض جهاداً، هذا إذا صالحهم مدة، فرأى نقضه قبل مضي المدة، وأما إذا انقضت المدة: يبطل الصلح بمضيها. قوله: (وإن بدوا بخيانة: لم يجب الإعلام) يعني وإن بدأ الكفار بخيانة بعد الصلح: نقض الإمام الصلح بدون الإعلام، لأن الإعلام لنقض العهد، وقد انتقض بالخيانة. قوله: (ويكره بيع السلاح والحديد والخيل منهم) أي من الكفار، لأن فيه تقوية لهم، فيحرم. قوله: (ولو كان سلماً) واصل بما قبله، السلم بكسر السين وفتحها: بمعنى الصلح، يعني ولو كانوا مصطلحين مع المسلمين: يكره بيع السلاح منهم، لما ذكرنا. قوله: (بخلاف الطعام) لا يكره بيع الطعام واللباس منهم، والقياس أن يمنع منهم، لأن فيه تقويتهم، إلا أنا تركناه لما روي عنه ﵇ "أنه أمر ثمامة أن يمير أهل مكة".

стр. 316

قوله: (وإذا أمنهم حر: صح) يعني أمان الحر الواحد من المسلمين: كافراً واحداً أو جماعة: صحيح، لقوله ﵇: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" رواه أحمد. والذمة: العهد، وأدناهم: أي أقلهم عدداً، وهو الواحد. قوله: (إلا أن يرى الإمام نقضه) أي نقض أمان الحر الواحد إذا كان شراً لمصالح المسلمين، واحترازاً عن الغدر، وقال ﵇: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" رواه أحمد والبخاري ومسلم. قوله: (ولا يصح أمان ذمي) لأنه منهم (ولا أمان أسير وتاجر) لأنهما مقهوران تحت أيديهم، (ولا أمان مسلم غير مهاجر) وهو الذي أسلم في دارهم ولم يهاجر إلينا، (ولا أمان عبد غير مأذون في القتال) لأنه لم يباشر القتال، فلا يخافونه، فلا يصح أمانه، وقال محمد والشافعي: يجوز أمانه.

стр. 317

فصل هذا الفصل في بيان أحكام الغنائم وقسمتها قوله: (إذا فتح الإمام بلداً قهراً: فله الخيار: في قسمته بين الغانمين) يعني بعد إخراج الخمس كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر (وإبقائه) أي إبقاء البلد (عليهم بقطع الجزية على رؤوسهم، والخراج على أراضيهم) كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق بموافقة الصحابة ﵃. قوله: (وله) أي للإمام (الخيار أيضاً إن شاء: قتل الأسرى) كما قتل رسول الله ﷺ بني قريظة، فإنه قتل مقاتلتهم واسترق ذراريهم (وإن شاء استرقهم) لأن فيه توفير المنفعة لهم بالاسترقاق، إلا مشركي العرب والمرتدين على ما يجيء. قيد بقوله: (إن لم يسلموا) لأنه إذا أسلموا لا يتعرض لهم بالقتل ووضع الجزية، ولكن له أن يسترقهم (وإن شاء جعلهم ذمة للمسلمين). قوله: (ولا يطلقهم بمال) أي ولا يخلي سبيلهم بأخذ المال منهم (ولا يفادي بهم أسرانا) لأن في ذلك تقويتهم على المسلمين، وعودهم حرباً عليهم، وعن أبي حنيفة: أنه لا بأس أن يفادي بهم أسارى المسلمين، وهو قول محمد. قوله: (وإن تعذر نقل مواشيهم: ذبحها وحرقها) كيلا ينتفع بها، كما يخرب بيوتهم ويقطع أشجارهم ويقلع زرعهم. قوله: (لا غير) يعني لا تعقر، لأنه مثلة، وكذلك لا تحرق قبل الذبح، لأنه منهي عنه.

стр. 318

قوله: (وحرقوا الأسلحة) لئلا ينتفعوا بها. قوله: (وما لا يحرق) أي وما لا يمكن إحراقه (يدفن في مكان لا يقفون عليه) كيلا ينتفعون بها. قوله: (ولا تقسم غنيمة في دار الحرب) لأن فيه قطع حق المدد فلا يشرع. قوله: (إلا للإيداع) يعني القسمة بين الغانمين على وجه الإيداع: تجوز، ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيها، فإن أبو أن يحملوها: أجبرهم على ذلك بأجر المثل، وقيل: لا يجبروا. ولو كان في بيت المال أو في الغنيمة حمولة: حمل عليها، لأن الكل ما لهم. قوله: (والردء في الغنيمة كالمقاتل) لتحقق سبب الاستحقاق، وهو المجاوزة على قصد القتال. الردء بكسر الراء وسكون الدال في آخره همزة: هو المعين. قوله: (بخلاف السوقي) يعني السوقي ليس كالمقاتل، لانعدام السبب في حقه، لأن قصده التجارة، لا إعزاز الدين ولا إرهاب العدو، إلا أن يقاتل: فيستحق حينئذ، وفي قول للشافعي: يسهم له. قوله: (والمدد قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام: كالأصل) لأن سبب الملك هو القهر، وتمام القهر: بالإحراز بالدار، وقد شاركه في هذا المعنى، بخلاف ما إذا لحقه المدد بعد إخراج الغنيمة. قوله: (ومن مات قبل إخراج الغنيمة سقط حقه) يعني لا يورث نصيبه، لأن الإرث يجري في الملك، ولا ملك قبله. قوله: (وبعده لا) أي بعد إخراج الغنيمة لا يسقط حقه بل يورث منه.

стр. 319

قوله: (وللعسكر الانتفاع بالغنيمة قبل الإخراج) أي إلى دار الإسلام (أكلاً) أي من حيث الأكل والعلف والدهن والإيقاد والقتال بالسلاح، لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب ونأكله ولا نرفعه" رواه البخاري. قوله: (ونحوها) مثل الانتفاع بالحطب والعسل والعنب ونحوها، ولا فرق في الطعام بين أن يكون مهيأ للأكل وبين أن لا يكون مهيأ له، حتى يجوز لهم ذبح المواشي من البقر والغنم والجزور، وكذا أكل الحبوب والسكر والفواكه الرطبة واليابسة والسمن والزيت، وكل شيء هو مأكول عادة. قوله: (بلا قسمة) متعلق بقوله: (الانتفاع) وإنما لم يجز القسمة: لما ذكرنا من أن فيه قطع حق المدد. قوله: (وفي غير بيع) متعلق أيضاً بقوله: (الانتفاع) وإنما لم يجز البيع: لأنهم لا يملكون بالأخذ ما لم يخرجوا، وإنما أبيح لهم التناول: للضرورة، والمباح له لا يملك البيع، وإن باعه أحدهم: رد الثمن إلى المغنم. قوله: (بخلاف الثياب) يعني لا يجوز الانتفاع بالثياب والدواب والمتاع والسلاح، لأنه مال مشترك بينهم، فلا يجوز الانتفاع به بلا حاجة، والأولى: أن يقسم الإمام بينهم إذا احتاجوا إليه كلهم، لأن المحظور يستباح للضرورة. قوله: (وبعد الإخراج) أي إلى دار الإسلام (يردون ما فضل عنهم من ذلك، ولا ينتفعون) لزوال المبيح: وهو الضرورة. قوله: (وخمس الغنيمة: يقسم أثلاثاً بين اليتامى والمساكين وابن السبيل، يقدم منهم) أي من هؤلاء (فقراء ذوي القربى خاصة، ولا حق لأغنيائهم) وقال الشافعي: لذوي القربى: خمس الخمس، يستوي فيه فقيرهم وغنيهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون ذلك لبني هاشم وبني المطلب، ولا يكون لغيرهم.

стр. 320

فحاصله: أن الخمس يقسم أثلاثاً عندنا، وعنده أخماساً: سهم لذوي القربى، وسهم للنبي ﷺ يخلفه فيه الإمام، ويصرفه إلى مصالح المسلمين، والباقي للثلاثة. ولنا: أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة، على نحو ما قلنا، بمحضر من الصحابة، فكان إجماعاً. قوله: (وذكر الله في الخمس: للتبرك باسمه في افتتاح الكلام) وهو غير محتاج إلى شيء، لأن الكل له محتاج. قوله: (وسهم النبي ﵇: سقط بموته) لأنه ﵇ كان يستحقه بالرسالة، ولا رسول بعده. قوله: (كالصفي) أي كما يسقط الصفي، وهو شيء كان رسول الله ﷺ يصطفيه لنفسه، ويستعين به على أمور المسلمين، وكانت صفية من الصفي. رواه أبو داود. قوله: (وأربعة الأخماس بين الغانمين: للفارس سهمان، وللراجل سهم) وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: للفارس ثلاثة أسهم، وبه أخذ الشافعي، لقول ابن عمر: "أنه ﵇ أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً" رواه الجماعة.
следующие страницы →