Полный текст (463 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قوله: (وإذا أمنهم حر: صح) يعني أمان الحر الواحد من المسلمين: كافراً واحداً أو جماعة: صحيح، لقوله ﵇: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" رواه أحمد.
والذمة: العهد، وأدناهم: أي أقلهم عدداً، وهو الواحد.
قوله: (إلا أن يرى الإمام نقضه) أي نقض أمان الحر الواحد إذا كان شراً لمصالح المسلمين، واحترازاً عن الغدر، وقال ﵇: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قوله: (ولا يصح أمان ذمي) لأنه منهم (ولا أمان أسير وتاجر) لأنهما مقهوران تحت أيديهم، (ولا أمان مسلم غير مهاجر) وهو الذي أسلم في دارهم ولم يهاجر إلينا، (ولا أمان عبد غير مأذون في القتال) لأنه لم يباشر القتال، فلا يخافونه، فلا يصح أمانه، وقال محمد والشافعي: يجوز أمانه.
стр. 317
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام الغنائم وقسمتها
قوله: (إذا فتح الإمام بلداً قهراً: فله الخيار: في قسمته بين الغانمين) يعني بعد إخراج الخمس كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر (وإبقائه) أي إبقاء البلد (عليهم بقطع الجزية على رؤوسهم، والخراج على أراضيهم) كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق بموافقة الصحابة ﵃.
قوله: (وله) أي للإمام (الخيار أيضاً إن شاء: قتل الأسرى) كما قتل رسول الله ﷺ بني قريظة، فإنه قتل مقاتلتهم واسترق ذراريهم (وإن شاء استرقهم) لأن فيه توفير المنفعة لهم بالاسترقاق، إلا مشركي العرب والمرتدين على ما يجيء.
قيد بقوله: (إن لم يسلموا) لأنه إذا أسلموا لا يتعرض لهم بالقتل ووضع الجزية، ولكن له أن يسترقهم (وإن شاء جعلهم ذمة للمسلمين).
قوله: (ولا يطلقهم بمال) أي ولا يخلي سبيلهم بأخذ المال منهم (ولا يفادي بهم أسرانا) لأن في ذلك تقويتهم على المسلمين، وعودهم حرباً عليهم، وعن أبي حنيفة: أنه لا بأس أن يفادي بهم أسارى المسلمين، وهو قول محمد.
قوله: (وإن تعذر نقل مواشيهم: ذبحها وحرقها) كيلا ينتفع بها، كما يخرب بيوتهم ويقطع أشجارهم ويقلع زرعهم.
قوله: (لا غير) يعني لا تعقر، لأنه مثلة، وكذلك لا تحرق قبل الذبح، لأنه منهي عنه.
стр. 318
قوله: (وحرقوا الأسلحة) لئلا ينتفعوا بها.
قوله: (وما لا يحرق) أي وما لا يمكن إحراقه (يدفن في مكان لا يقفون عليه) كيلا ينتفعون بها.
قوله: (ولا تقسم غنيمة في دار الحرب) لأن فيه قطع حق المدد فلا يشرع.
قوله: (إلا للإيداع) يعني القسمة بين الغانمين على وجه الإيداع: تجوز، ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيها، فإن أبو أن يحملوها: أجبرهم على ذلك بأجر المثل، وقيل: لا يجبروا.
ولو كان في بيت المال أو في الغنيمة حمولة: حمل عليها، لأن الكل ما لهم.
قوله: (والردء في الغنيمة كالمقاتل) لتحقق سبب الاستحقاق، وهو المجاوزة على قصد القتال.
الردء بكسر الراء وسكون الدال في آخره همزة: هو المعين.
قوله: (بخلاف السوقي) يعني السوقي ليس كالمقاتل، لانعدام السبب في حقه، لأن قصده التجارة، لا إعزاز الدين ولا إرهاب العدو، إلا أن يقاتل: فيستحق حينئذ، وفي قول للشافعي: يسهم له.
قوله: (والمدد قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام: كالأصل) لأن سبب الملك هو القهر، وتمام القهر: بالإحراز بالدار، وقد شاركه في هذا المعنى، بخلاف ما إذا لحقه المدد بعد إخراج الغنيمة.
قوله: (ومن مات قبل إخراج الغنيمة سقط حقه) يعني لا يورث نصيبه، لأن الإرث يجري في الملك، ولا ملك قبله.
قوله: (وبعده لا) أي بعد إخراج الغنيمة لا يسقط حقه بل يورث منه.
стр. 319
قوله: (وللعسكر الانتفاع بالغنيمة قبل الإخراج) أي إلى دار الإسلام (أكلاً) أي من حيث الأكل والعلف والدهن والإيقاد والقتال بالسلاح، لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب ونأكله ولا نرفعه" رواه البخاري.
قوله: (ونحوها) مثل الانتفاع بالحطب والعسل والعنب ونحوها، ولا فرق في الطعام بين أن يكون مهيأ للأكل وبين أن لا يكون مهيأ له، حتى يجوز لهم ذبح المواشي من البقر والغنم والجزور، وكذا أكل الحبوب والسكر والفواكه الرطبة واليابسة والسمن والزيت، وكل شيء هو مأكول عادة.
قوله: (بلا قسمة) متعلق بقوله: (الانتفاع) وإنما لم يجز القسمة: لما ذكرنا من أن فيه قطع حق المدد.
قوله: (وفي غير بيع) متعلق أيضاً بقوله: (الانتفاع) وإنما لم يجز البيع: لأنهم لا يملكون بالأخذ ما لم يخرجوا، وإنما أبيح لهم التناول: للضرورة، والمباح له لا يملك البيع، وإن باعه أحدهم: رد الثمن إلى المغنم.
قوله: (بخلاف الثياب) يعني لا يجوز الانتفاع بالثياب والدواب والمتاع والسلاح، لأنه مال مشترك بينهم، فلا يجوز الانتفاع به بلا حاجة، والأولى: أن يقسم الإمام بينهم إذا احتاجوا إليه كلهم، لأن المحظور يستباح للضرورة.
قوله: (وبعد الإخراج) أي إلى دار الإسلام (يردون ما فضل عنهم من ذلك، ولا ينتفعون) لزوال المبيح: وهو الضرورة.
قوله: (وخمس الغنيمة: يقسم أثلاثاً بين اليتامى والمساكين وابن السبيل، يقدم منهم) أي من هؤلاء (فقراء ذوي القربى خاصة، ولا حق لأغنيائهم) وقال الشافعي: لذوي القربى: خمس الخمس، يستوي فيه فقيرهم وغنيهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون ذلك لبني هاشم وبني المطلب، ولا يكون لغيرهم.
стр. 320
فحاصله: أن الخمس يقسم أثلاثاً عندنا، وعنده أخماساً: سهم لذوي القربى، وسهم للنبي ﷺ يخلفه فيه الإمام، ويصرفه إلى مصالح المسلمين، والباقي للثلاثة.
ولنا: أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة، على نحو ما قلنا، بمحضر من الصحابة، فكان إجماعاً.
قوله: (وذكر الله في الخمس: للتبرك باسمه في افتتاح الكلام) وهو غير محتاج إلى شيء، لأن الكل له محتاج.
قوله: (وسهم النبي ﵇: سقط بموته) لأنه ﵇ كان يستحقه بالرسالة، ولا رسول بعده.
قوله: (كالصفي) أي كما يسقط الصفي، وهو شيء كان رسول الله ﷺ يصطفيه لنفسه، ويستعين به على أمور المسلمين، وكانت صفية من الصفي. رواه أبو داود.
قوله: (وأربعة الأخماس بين الغانمين: للفارس سهمان، وللراجل سهم) وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: للفارس ثلاثة أسهم، وبه أخذ الشافعي، لقول ابن عمر: "أنه ﵇ أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً" رواه الجماعة.
стр. 321
ولأبي حنيفة: قول مجمع بن جارية: "قسمت خيبر .. إلى أن قال: أنه ﵇ أعطى الفارس سهمين والراجل سهماً" رواه أحمد وأبو داود، وما رووه: محمول على التنفيل، كما روي أنه ﵇ "أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس والراجل" رواه أحمد ومسلم بمعناه.
قوله: (والبرذون والعربي سواء) لأن السبب هو الإرهاب، وذلك باسم الخيل، وهو يتناولهما.
قوله: (ولا سهم لبعير وبغل) لعدم الإرهاب بهما.
قوله: (ويعتبر كونه فارساً وراجلاً عند مجاوزة الدرب لا عند القتال، حتى لو دخل دار الحرب فارساً فنفق فرسه) أي هلك (وقاتل راجلاً: استحق سهم الفارس، ولو دخل راجلاً فاشترى فرساً: استحق سهم الراجل). وعند الشافعي: يعتبر كونه فارساً وراجلاً حال انقضاء الحرب.
стр. 322
قوله: (ويرضخ الإمام للعبد والصبي والمرأة والذمي ما يراه) لقول ابن عباس: "لم يكن للمرأة والعبد سهم إلا أن يهديا من غنائم القوم" رواه أحمد ومسلم.
ولأن الجهاد عبادة، والذمي ليس من أهله، والمرأة والصبي عاجزان عنه، وإنما يرضخ لهم إذا باشروا القتال، أو كانت المرأة تداوي الجرحى وتقوم بمصالح المرضى، أو دل الذمي الطريق. ولا يبلغ بالرضخ السهم.
والرضخ بالضاد والخاء المعجمتين: العطاء ليس بالكثير، من رضخ يرضخ بفتح العين فيهما.
قوله: (ولا يخمس ما أخذه واحد أو اثنان مغيرين) لأن الخمس وظيفة الغنيمة، وهي المأخوذة قهراً وغلبة، وهذا اختلاس وسرقة، وقوله: (مغيرين) بفتح الراء، حال من قوله: (اثنان) من أغار يغير.
قوله: (بل ما أخذوا جماعة) أي بل بخمس ما أخذه جماعة (لها منعة) أي شوكة، لأن ما ذكرنا من المعنى يحصل بهذا.
قوله: (ويجوز التنفيل بالسلب) بأن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، لأنه تحريض على القتال، وهو مندوب إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وحرض ﵇ بالتنفيل على القتال فقال: "من قتل قتيلاً عليه سلبه فله سلبه" رواه أحمد والبخاري ومسلم.
والسلب: مركبه وثيابه وسلاحه، وما معه على الدابة من ماله أو في وسطه.
قوله: (وغيره) أي وغير السلب، بأن يقول للسرية: جعلت لكم الربع بعد الخمس، لما ذكرنا، ولما روي أنه ﵇ "نفل الربع بعد الخمس في رجعته" رواه أحمد وأبو داود.
стр. 323
وكان ﵇ "ينفل في البداية: الربع، وف يالرجعة: الثلث" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي.
قوله: (والترك والروم: يملك كل طائفة منهم ما استولت عليه من نفوس الطائفة الأخرى وأموالها) لأن الاستيلاء في المباح: سبب الملك، كالاحتطاب، والاصطياد.
قوله: (ويملك الكفار كلهم أموالنا بالاستيلاء) لزوال العصمة.
وقال الشافعي: لا يملكونها.
قوله: (لا نفوسنا) أي لا يملكون نفوسنا، لأن الآدمي لم يخلق محلاً للتمليك، بل ليملك لا ليملك، وإنما ثبتت في الكافر محلته الملك بالكفر العارض.
قوله: (لا خالص رقيقنا) أي يملكون خالص رقيقنا، لأنه كالمال، واحترز بالخلوص عن المدبر والمكاتب وأم الولد، فإن الحرية قد توجهت إليهم، ولم يكونوا أرقاء خالصة.
قوله: (والمالك القديم أحق بماله قبل القسمة مجاناً) يعني إذا غلب المسلمون على أهل الحرب الذين أخذوا أموالنا، فمن وجد منا ماله الذي أخذه العدو منهم قبل أن تقسم الغنيمة بين المسلمين: أخذه بغير شيء، لأنه عين حقه.
قوله: (وبعدها بالقيمة) أي يأخذها بعد القسمة بالقيمة، لأنه زال ملكه بغير رضاه، فكان له حق الاسترداد نظراً له، غير أن في الأخذ بعد القسمة ضرراً بالمأخوذ منه، بإزالة ملكه الخاص، فيأخذه بالقيمة إن شاء، ليعتدل النظر من الجانبين، والشركة قبل القسمة عامة، فيقل الضرر، فيأخذه بغير شيء.
قوله: (أو بالثمن إن كان مشتري) يعني لو اشترى ما أخذه العدو منهم: تاجر، وأخرجه إلى دار الإسلام، أخذه المالك القديم بالثمن الذي اشترى به التاجر من العدو،
стр. 324
نظراً للجانبين، لأنه لو أخذه بغير شيء: يتضرر التاجر، وإن اشتراه بعرض: أخذه بقيمة العرض، ولو كان البيع فاسداً: يأخذه بقيمة نفسه.
قوله: (مسلم دخل دار الحرب تاجراً: يحرم عليه الخيانة والغدر بهم) لما روينا: "أنه ﵇ نهى عن الغدر".
قوله: (فإن خان في شيء وأخرجه: تصدق به) لأنه وإن كان ملكه باستيلائه على مال مباح: ولكنه محظور، لأنه حصل بسبب الغدر، فأوجب ذلك خبثاً فيه، فيؤمر بالتصدق به.
قوله: (ولو دخل حربي إلينا بأمان، يقال له: إن أقمت سنة جعلت ذمياً).
الأصل فيه: أن الكافر لا يمكن من إقامة دائمة في دارنا إلا باسترقاق أو جزية، لأنه يبقى ضرراً على المسلمين، لكونه عيناً لهم وعوناً علينا، ويمكن من الإقامة اليسيرة، لأن في منعها قطع المنافع من الميرة والجلب، وسد باب التجارات، ففصلنا بينهما بسنة، لأنها مدة تجب فيها الجزية.
قوله: (فإن أقام سنة: صار ذمياً لالتزامه الجزية) واعتبار المدة: من وقت التقدم إليه، لا من وقت دخوله دار الإسلام.
قوله: (ولا يمكن من الرجوع) أي إلى دار الحرب، كما لا يمكن منه بعد ما وضع عليه الخراج، أو إذا تزوجت الحربية ذمياً.
قوله: (والجزية على الغني كل سنة: ثمانية وأربعون) هذا التقدير إذا لم توضع الجزية بالتراضي، وأنه متى وضعت بالتراضي لا يعدل عنها، كما روي عن ابن عباس ﵁، أنه قال: "صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على الغني حلة: النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها، وثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، أو ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليه" الحديث رواه أبو داود. فإذا لم توضع بالتراضي بل وضعت بالقهر، بأن غلب الإمام على الكفار وأقرهم
стр. 325
على أملاكهم، فيوضع على الغني: ثمانية وأربعون درهماً، يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، وعلى وسط الحال: أربعة وعشرون درهماً، يؤخذ منه في كل شهر درهمان، وعلى الفقير المتعمل: اثني عشر درهماً، يؤخذ منه في كل شهر درهم، نقل ذلك عن عمر وعثمان وعلي، والصحابة متوافرون، ولم ينكر عليهم أحد منهم: فصار إجماعاً.
قوله: (وتوضع الجزية على الكتابي والمجوسي وعابد الوثن من العجم) لقوله تعالى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وروي عن ابن عمر ﵁: "أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر" رواه البخاري وأحمد وجماعة أخر.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه قال لعامل كسرى: "أمرنا نبينا ﵇ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" رواه أحمد والبخاري، وكانوا عبدة أوثان.
قوله: (ولا يوضع على عابد الوثن من العرب ولا المرتد) لغلظ كفرهما.
стр. 326
قوله: (ولا جزية على من لا يقتل) بضم الياء وفتح التاء: كالصبي، والمرأة، والعبد، والمكاتب، والزمن، والأعمى، والراهب الذي لا يخلط، لأنها خلف عن النصرة وعقوبة، وهم بمعزل عن ذلك.
قوله: (ويؤخذ من القسيسين والرهبان وأصحاب الصوامع المتعملين) لأنهم باعتمالهم صاروا من أهل الجزية.
والقسيسون جمع قسيس: وهو العالم، والرهبان جمع راهب: وهو العابد.
قوله: (ومن أسلم أو مات وعليه جزية: سقطت) لأنها بدل عن النصرة وعقوبة على الكفر، فينتفيان بعد الإسلام والموت، وقال الشافعي: لا يسقط بها بعد مضي السنة.
قوله: (وإن اجتمعت الجزيتان: تداخلتا) يعني إذا لم يؤخذ منه الجزية، حتى جاء عليه حولان، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يتداخلان، وبه قال الشافعي، وخراج الأرض قيل: على هذا الخلاف، وقيل: لا يتداخل فيه اتفاقاً.
قوله: (ويكلف الذمي إحضارها بنفسه، فيعطيها قائماً، والقابض منه) أي من الذمي (قاعد، إظهاراً للصغار عليهم) قيد بقوله: (إحضارها بنفسه) لأنه إذا بعثها على يد نائبه: لا يقبل في الصحيح من الرواية. قوله: (ويهزه) أي يهزه (القابض ويقول له: أعط الجزية يا ذمي، وفي رواية: يا عدو الله) هذا كله لأجل الذل والهوان.
стр. 327
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي أذلاء.
قوله: (وتجب) أي الجزية (بأول الحول، ويمهل إلى آخره تيسيراً) ليتمكن من القدرة على أدائها، وقال الشافعي: إذا وضعت الجزية على الذمي: فلا تجب إلا بعد حولان الحول.
стр. 328
فصل
هذا الفصل في بيان ما يعمل
مع أهل الذمة وبيان مصارف الجزية ونحوها
قوله: (ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام) لقوله ﵇: "لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة" أي لا يخصى إخصاء، ولا تحدث كنيسة في موضع لم يكن فيه، وبيت النار كالكنيسة، والبيعة: لليهود، والكنيسة: للنصارى.
قوله: (ويعاد ما انهدم كما كان) لأنه جرى التواتر من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا: بترك الكنائس في أمصار المسلمين، ولا يقوم البناء دائماً، فكان دليلاً على جواز الإعادة.
قوله: (ولا ينقل) أي لا تنقل البيعة أو الكنيسة (من مكان إلى مكان) لأنه إحداث في ذلك الموضع في الحقيقة.
قوله: (ويميز أهل الذمة عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وسروجهم وقلانسهم) إظهاراً للصغار عليهم، فلا يلبسون ما يختص بأهل العلم والزهد والشرف، ولا يلبسون طيالسة المسلمين، ولا أردية مثل أرديتهم.
قوله: (ولا يركبون الخيل) لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، وإن ركبوا لضرورة من سفر أو مرض: نزلوا في مجامع المسلمين، ولذلك لا يحملون السلاح.
قوله: (ويجعل على أبوابهم علامة) حتى لا يقف عليها سائل، كيلا يدعو بمثل المغفرة والرحمة.
قوله: (ويميز نسائهم عن نسائنا في الطرق والحمامات: بعلامة) لأن في تركها ذلاً لنساء المسلمين.
стр. 329
قوله: (ويؤمر الذمي بشد الزنار من الصوف الغليظ) لأن في ذلك إهانة لهم.
قوله: (دون إبريسم) أي يمنع من شد الزنار من الإبريسم، لأنه لا إهانة في ذلك، ولا يمنع من الكستح: وهو الخيط الغليظ.
قوله: (ومنع من لباس يختص به أهل العلم والزهد والشرف) كالصوف، والفرجية، والعمامة المدورة، والعذبة، والدراعة، والطيالسة ونحوها.
قوله: (ولا يبدأ بالسلام) أي ولا يبدأ الذمي بالسلام، لأن فيه إكراماً له.
قوله: (ولا بأس برد سلامه) يعني إذا سلم الذمي على المسلم: لا بأس للمسلم أن يرد سلامه، ولا يزيد على قوله: وعليكم، لقوله ﵇: "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" رواه ابن ماجة.
قوله: (ولو قال في جوابه: والسلام على من اتبع الهدى: جاز) لورود الأثر بذلك.
قوله: (ولو قال للذمي: أطال الله بقائك: لم يجز) لأن فيه التمادي على الكفر (إلا إذا نوى به) أي بهذا الدعاء (إطالة بقائه لأجل أن يسلم، أو لمنفعة الجزية) لأن الدعاء فيهما لا يرجع إلى الذمي.
قوله: (ويضيق عليه الطريق للإهانة، ولا ينتقض عهد الذمة إلا أن يلتحق بدار الحرب) لأنه بذلك صار حرباً علينا، فينتفي المقصود من بقاء العهد، وكذلك إذا غلبوا على موضع وحاربوا.
стр. 330
قوله: (فعند ذلك هم كالمرتدين في حل قتلهم ودفع مالهم لورثتهم) لأنهم التحقوا بالأموات بتباين الدارين.
قوله: (إلا أنهم يسترقون) يعني صيرورتهم كالمرتدين: ليست من جميع الوجوه، لأنهم يسترقون، ولا يجبرون على قبول الذمة، بخلاف المرتدين، حيث لا يسترقون، ويجبرون على الإسلام، لأن كفرهم أغلظ، فأوجب الزيادة في العقوبة.
قوله: (ومال الخراج والجزية وهدايا أهل الحرب تصرف ... إلى آخره) لأنه مأخوذ بقوة المسلمين، فيصرف إلى مصالحهم.
والثغور: جمع ثغر، والقناطر: جمع قنطرة، والجسور: جمع جسر، والقنطرة تستلزم الجنس من دون عكس، لأنها ما يبنى من الحجر، بخلاف الجسر، فإنه من الحجر والخشب وغير ذلك، والقضاة: جمع قاض، والغزاة: جمع غازي.
اعلم أن ما يجيء إلى بيت المال أنواع أربعة:
أحدها: هذا الذي ذكرناه مع مصرفه.
والثاني: الزكاة والعشر، ومصرفهما: ما ذكره الله تعالى من قوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقد مر.
والثالث: خمس الغنائم والمعدن والركاز، ومصرفه: ما ذكرهم الله في قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
والرابع: اللقطات والتركات التي لا وارث لها، وديات مقتول لا ولي له، ومصرفها: الفقراء الذين لا أولياء لهم، يعطون منه نفقتهم وأدويتهم، ويكفن به موتاهم، ويعقل به جنايتهم.
وعلى الإمام أن يتقي الله، ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة، فإن قصر في ذلك: كان الله عليه حسيباً.
стр. 331
قوله: (مع أولادهم) يعني يصرف إليهم بقدر ما يكفيهم ويكفي أولادهم، لأنهم لو لم يعطوا هكذا: لاحتاجوا إلى الاكتساب، فتتعطل مصالح المسلمين.
قوله: (والعمال) بضم العين: جمع عامل، وهو الذي يقبض الزكوات والعشورات والخراجات والجزى.
قوله: (ومن مات قبل القبض: سقط نصيبه) لأنه صلة، فلا يملك قبل القبض، وعلى هذا قيل: إن الإمام، أو المؤذن، أو المدرس، إذا مات قبل أن يقبض معلومه: ليس لورثته أن يأخذ ذلك.
стр. 332
فصل
هذا الفصل في أحكام المرتدين
قوله: (ومن ارتد عرض عليه الإسلام) والعرض مروي عن عمر ﵁، وهو: مستحب وليس بواجب، لأن الدعوة قد بلغته، غير أنه يحتمل أنه اعتراه شبهة، فيعرض عليه ليزاح ويعود للإسلام، لأن عوده مرجو.
قوله: (وحبس ثلاثة أيام استحباباً، وقيل وجوباً) وهو قول الشافعي، لأن ارتداده يكون عن شبهة ظاهراً، فلا بد من مدة يمكنه أن يتأمل فيها، فقدرت بالثلاث، لأنها مدة ضربت لأولي الأعذار.
قوله: (فإن لم يسلم: قتل) لقوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه أحمد والبخاري وغيرهما.
قوله: (فإن قتله رجل مسلم قبل عرض الإسلام عليه: كره) لأن فيه تفويت الغرض المستحب، وقال صاحب الهداية: معنى الكراهة هنا ترك المستحب.
قوله: (ولا شيء) يعني لا يجب شيء (على القاتل) لأنه مباح الدم بالحديث.
قوله: (والمرتدة لا تقتل، بل تحبس حتى تسلم) لأن المبيح للقتل: كفر المحارب، وقال الشافعي: تقتل، ولو قتلها: لا شيء عليه للشبهة.
стр. 333
قوله: (وكذا الصبي المميز) أي وكذا لا يقتل الصبي المميز إذا ارتد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف وزفر والشافعي: ارتداده ليس بارتداد.
قوله: (ويزول ملك المرتد عن أمواله زوالاً موقوفاً) هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يزول، لأن تأثير الردة يظهر في إباحة دمه لا في زوال ملكه، وله: أن الملك يكون بالعصمة، وقد زالت بالردة، غير أنه يدعى إلى الإسلام بالإجبار عليه، ويرجى عوده إليه، فلم يتم سبب الزوال، فيتوقف.
قوله: (فإن أسلم) تفصيل لما قبله، أي فإن أسلم المرتد (عاد ملكه، وإن مات على الردة أو قتل عليها: فكسب إسلامه: لورثة المسلمين، وكسب ردته: فيء) أي غنيمة، وعندهما: كلاهما لورثة المسلمين، وعند الشافعي: كلاهما فيء.
قوله: (ويعتق مدبروه وأمهات أولاده) لأن هذه أحكام معلقة تتنجز بالموت.
قوله: (والمرتدة كسبها لورثتها) إذ لا حراب منها، فلم يتحقق سبب الفيء، (ويرثها زوجها المسلم إن ارتدت وهي مريضة) لقصدها إبطال حقه بعد تعلق حقه بمالها فصارت فارة، وإن كانت صحيحة: لا يرثها زوجها، لأن ردتها ليست سبباً لهلاكها، لأنها لا تقتل، فلم يتعلق حقه بمالها.
قوله: (وإلحاقه بدار الحرب مع الحكم به) أي باللحاق: كالموت، لأنه باللحاق: صار من أهل الحرب، وهم أموات، ولكن لا يستقر إلحاقه إلا بحكم الحاكم، لاحتمال أنه يعود إلينا، وفيه خلاف الشافعي، وفائدة كون إلحاقه بالموت: أن يصير مثل
стр. 334
الميت، حتى تحل ديونه، ويعتق مدبروه، ومكاتبوه، وأمهات أولاده، لما مر.
قوله: (وتصرفات المرتد أقسام: نافذ) أي الأول: تصرف نافذ (كالطلاق، والاستيلاد، وقبول الهبة، وإسقاط الشفعة) لأنها لا تستدعي الولاية، حتى تصح هذه التصرفات من العبد أيضاً، وكذلك الحجر على عبده المأذون.
قوله: (وباطل) أي القسم الثاني: تصرف باطل (كالنكاح والذبح) لأنه يعتمد الملة، ولا ملة له، وكذلك الإرث.
قوله: (وموقوف) أي القسم الثالث: تصرف موقوف (كالمفاوضة، والبيع، والشراء، والرهن، والإجارة، والهبة، والإعتاق، والتدبير) ومعنى كونه موقوفاً: أنه إن أسلم: نفذ تصرفه، وإن هلك: بطل. أما مفاوضته: فهي موقوفة اتفاقاً، وكذلك تصرفه على ولده الصغير، ومال ولده، لأنها تعتمد المساواة، ولا مساواة بين المسلم والمرتد ما لم يسلم، وأما غيرها فكونها موقوفة: مذهب أبي حنيفة، وعندهما: نافذة، عاد إلى الإسلام أو لم يعد.
قوله: (ولا تصح ردة مجنون) لأن إقراره لا يدل على اعتقاده فلا يعتبر، وكذا الصبي والسكران اللذان لا يعقلان.
قوله: (ويصح إسلام الصبي المميز) خلافاً لزفر والشافعي، ولنا: أنه ﵇ "صحح إيمان علي ﵁ وقد كان آمن صبياً"، وافتخاره بذلك معروف، وذكر أبو جعفر: أنه أسلم وهو ابن خمس سنين.
стр. 335
وذكر القتبي: أن عمره كان سبع سنين، وعن عروة أنه قال: "أسلم علي وعمره ثمان سنين" أخرجه البخاري.
مسألة
الساحر يقتل ولا يستتاب، ولا يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، إذا شهد شهود أنه الآن ساحر أو أقر بذلك.
وقيل: إن اعتقد أنه خالق لما يفعل، ثم تاب عن ذلك وقال: الله خالق كل شيء، وتبرأ عما اعتقد: تقبل توبته ولا يقتل.
والمرأة الساحرة تقتل أيضاً، لأن عمر ﵁ "كتب إلى نوابه: أن اقتلوا الساحر والساحرة" رواه أحمد وأبو داود والبخاري.
وعن جندب أنه ﵇ قال: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الدارقطني.
والزنديق: يقتل أيضاً ولا تقبل توبته، وهو بكسر الزاي: كالقرامطة والمانوية ونحوهما.
стр. 336
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام البغاة والخوارج
قوله: (الخوارج يدعون إلى الإسلام بكشف شبهتهم) لأن علياً ﵁ بعث عبد الله ابن عباس إلى أهل حروري، فدعاهم إلى التوبة، وناظرهم قبل قتالهم.
قوله: (ولا يبدأ بهم الإمامب القتال حتى يبدؤوه به) أي بالقتال (أو يجتمعوا له) أي للقتال، فعند ذلك يقاتلهم حتى يفرق جمعهم، وعند الشافعي: لا يبدأ الإمام، حتى يبدؤوا بالقتال حقيقة.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. يعني من غير قيد بالبداءة منهم، وقول علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة"
стр. 337
رواه أحمد ومسلم والبخاري.
قوله: (فإن كانت لهم فيئة) أي جماعة (أجهز على جريحهم) يعني يتم جرحه (واتبع موليهم) دفعاً لشرهم، لئلا يلحق المولي والجريح بالفيئة.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يكن لهم فيئة: لا يجهز على جريحهم ولا يتبع موليهم.
قوله: (ولا تسبى ذراريهم، ولا تغنم أموالهم) لأنهم معصومون في الدماء والأموال، ولكن يحبسوا، حتى يتوبوا، فترد عليهم بالإجماع.
قوله: (ويجوز القتال بأسلحتهم وركوب خيلهم عند الحاجة) لأن علياً ﵁:
стр. 338
قسم سلاحهم بالبصرة فيما بين أصحابه، وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك، وقال الشافعي: لا يقاتل به.
قوله: (وتحبس الأموال) أي أموالهم (حتى يتوبوا، فيردوها عليهم) لما قلنا: أن أموالهم معصومة فلا تملك.
قوله: (وما جبوه من الزكاة والعشر والخراج من البلاد التي غلبوا عليها: لم يثن) لأن التقصير من الإمام، حيث لم يحمهم، بخلاف ما إذا مر بهم فعشروه، حيث يؤخذ ثانياً، لأن التقصير منه حيث مر بهم.
قوله: (ويفتى المأخوذ منه بإعادة الزكاة والعشر إن كان الآخذون أغنياء) هذا الإفتاء فيما بينهم وبين الله، لأنهم لم يصرفوها إلى مستحقيها ظاهراً.
قوله: (بخلاف الخراج) يعني لا يفتى فيه بالإعادة، لأنهم مصارف له، لكونهم مقاتلة، وقيل: إذا نوى بالدفع التصدق عليهم: أجزأ له الصدقات أيضاً كالخراج، لأنهم لو حوسبوا بما عليهم من التبعات: ظهروا فقراء.
وأما ملوك زماننا، فهل تسقط هذه الحقوق بأخذهم من أصحاب الأموال أم لا؟.
قال الهنداوني: تسقط وإن لم يضعوها في أهلها، لأن حق الأخذ لهم، فكان الوبال عليهم.
وقال أبو بكر بن سعيد: يسقط الخراج عنهم، ولا تسقط الصدقات، كما في البغاة.
стр. 339
وقال أبو بكر الإسكاف: لا يسقط الجميع، وقيل: إذا نوى بالدفع إليهم التصدق: يسقط، وإلا فلا، وعلى هذا ما يؤخذ من الرجل في جبايات الظلمة والمصادرات، إذا نوى بالدفع التصدق عليهم: جاز عما نوى.
قوله: (ولو قتل بعضهم بعضاً، ثم ظهرنا عليهم: لم يجب عليه القصاص) كالقتل في دار الحرب.
قوله: (ولو غلبوا على بلد فقتل رجل من أهله) أي من أهل البلد (رجلاً آخر) يعني من أهل المصر (ثم ظهرنا على البلد قبل استقرار ملكهم) أي ملك البغاة وإجراء أحكامهم (وجب القصاص) لأن ولاية إمام أهل العدل لم تنقطع قبل أن تجري أحكامهم، فيجب القصاص.
قوله: (وإلا فهو هدر) يعني وإن ظهرنا عليهم بعد استقرارهم وإجراء أحكامهم: فالقصاص هدر، لانقطاع ولاية الإمام العادل، فلا يجب.
قوله: (ولا يأثم العادل ولا يضمن بإتلاف مال الباغي أو نفسه) لأن قتل الباغي واجب، فلا إثم على قاتله ولا ضمان.
قوله: (والباغي يأثم فيما يفعل بالعادل) لأن قتله حرام.
قوله: (ولا يضمن) يعني لا يجب عليه الضمان في قتله العادل، لأنه قتل حصل بتأويل صحيح عنده، وإن كان فاسداً في نفسه.
قوله: (فلو قتل العادل الباغي: ورثه) لأن حرمان الإرث جزاء الجريمة، ولا جريمة في القتل الواجب أو الجائز، فلا يحرم، وقال الشافعي: لا يرث.
стр. 340
قوله: (ولو قتله الباغي وقال: قتلته محقاً: ورثه) لأنه أتلف ما أتلف عن تأويل فاسد، والفاسد فيه يلحق بالصحيح إذا انضمت إليه منعة، وهو عندهما، وقال أبو يوسف: لا يرث الباغي.
قوله: (وإن قال: قتلته مبطلاً: لم يرث) وهذا بالاتفاق والله أعلم.
стр. 341
كتاب الصيد والذبائح
الصيد: مصدر صاد يصيد، وينطلق على المفعول، يقال: صيد الأمير: أي مصيوده، وهو: ما يمتنع بجناحيه أو بقوائمه.
والذبائح: جمع ذبيحة: وهي ما اتخذ للذبح، والذبح: قطع الأوداج، وهو في البقر والغنم خاصة، والنحر: هو الطعن في الصدر، وهو في الإبل خاصة.
قوله: (يجوز الصيد) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
قوله: (بالكلب والفهد والبازي والصقر) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]. أي صيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب، والجرح: الكسب، والمكلب: المعلم من الكلاب ومؤدبها، ثم عم في كل ما أدب: بهيمة كانت أو طائراً.
قوله: (وكل جارح معلم) مثل: النمر، والضبع، والثعلب، والعقاب، والشاهين، والباشق، وسائر الجوارح من كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطيور، بشرط أن تكون معلمة.
قوله: (إلا الخنزير) فإن الاصطياد به لا يجوز بالإجماع، لنجاسة عينه.
قوله: (وقيل: إلا الأسد) وهو رواية عن أبي يوسف. أما الأسد: فإنه لا ينقاد لعلو همته، وأما الذيب: فإنه لا يقبل التعليم، وأما الدب والحدأة: فلخياستهما.
قوله: (وتعلم الكلب ونحوه) مثل الفهد وغيره (بتركه الأكل ثلاث مرات) أما شرط التعليم فلقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
стр. 342
ولقوله ﵇ لثعلبة: "ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وأما التقدير بترك الأكل ثلاث مرات: فلأن ترك العادة في هذا، وهذا قولهما، وهي رواية عن أبي حنيفة.
قوله: (وقيل: تعلمه بغلبة ظن صاحبه أنه تعلم) لأن غلبة الظن دليل شرعي، فإذا غلب ظنه أنه صار معلماً بتركه الأكل مرة واحدة: صار معلماً، وإن لم يغلب على ظنه أنه صار معلماً بتركه الأكل ثلاث مرات: لا يصير معلماً، حتى يغلب على ظنه أنه صار معلماً، وهذا أيضاً رواية عن أبي حنيفة.
قوله: (وقيل تعلمه: بقول الصيادين أنه تعلم) لأنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فيفوض إليهم، وهذا أيضاً رواية عن أبي حنيفة.
قوله: (وتعلم البازي ونحوه) مثل الباشق والصقر والعقاب ونحوها (بإجابته لصاحبه إذا دعاه) لأن الرجوع في معرفة ذلك إلى أهل الصنعة، وهم يعدون ذلك تعليماً.
قوله: (فإذا أرسل الجارح المعلم، وسمى عند إرساله، فجرح صيداً أو مات: حل) أي الصيد، وها هنا أربعة شروط:
الأول: كون المرسل مسلماً أو ذمياً.
الثاني: أن يكون الجارح معلماً.
الثالث: التسمية عند الإرسال، لقوله عليه السلاملعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك
стр. 343
فاذكر اسم الله تعالى، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه: فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة". رواه مسلم والبخاري وأحمد.
الرابع: الجرح، وهو شرط في ظاهر الرواية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]. ولأن الذكاة الاضطرارية تتحقق به، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: ليس بشرط، رواه الحسن عنهما، وهو قول الشعبي.
قوله: (وإن لم يجرح) أي وإن لم يجرح الجارح المعلم (الصيد: لم يحل أكله) لما قلنا.
قوله: (وكذا لو خنقه) أي وكذا لو خنق الصيد أو كسره، لانعدام الجرح وهو شرط، وعن أبي حنيفة: أنه إذا كسر منه عضو فمات: حل، رواها الحسن عنه، وكذلك روي عن أبي يوسف.
قوله: (فإن أكل منه) أي من الصيد (الكلب أو الفهد: لم يحل) لأنه خرج عن كونه معلماً، سواء كان أكله نادراً أو معتاداً، وللشافعي قولان: فيما إذا أكل نادراً. ولو اعتاد الأكل: حرم ما ظهرت عادته فيه، وهل يحرم ما أكل منه قبل الذي ظهرت عادته فيه؟ وجهان.
стр. 344
قوله: (ولا يحل ما اصطاده قبل هذا) أي قبل أكله، سواء كان محرزاً في البيت أو في الصحراء، وهذا عند أبي حنيفة، لأن الله تعالى شرط الإمساك علينا بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. ولم يوجد، وعندهما: يجوز أكل ما صاده من قبل، لوجود الإمساك فيه.
قوله: (ولا ما يصيده بعده) أي ولا يحل ما يصيده بعد الأكل (حتى يصير معلماً) بما ذكرنا من الأقوال، وهذا بالاتفاق.
قوله: (ولو فر باز من صاحبه ولم يجبه إذا دعاه، ثم صاد: فحكمه) أي حكم هذا البازي: (كحكم الكلب في الوجوه كلها) يعني يصير ما صاده قبل الفرار حراماً، سواء كان محرزاً في البيت أو في الصحراء، ولا يجوز ما صاده بعد، حتى يصير معلماً بما ذكرنا.
قوله: (ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه: حل) لأنه ممسك عليه، وهذا من غاية علمه، حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه، وأمسك عليه ما يصلح له.
قوله: (وكذا لو أكل) أي وكذا يحل لو أكل الكلب (ما أعطاه صاحبه منه) أي من الصيد (أو حفظه من صاحبه فأكل منه) لأنه أمسك على صاحبه وسلمه إليه، وأكله بعد ذلك لا يضر.
قوله: (ولو قطع من الصيد قطعة فأكلها، ثم اتبعه فقتله ولم يأكل منه: لا يحل) لأنه صيد كلب جاهل، حيث أكل من الصيد.
قوله: (ولو ألقى ما قطعه) يعني إذا رمى ما قطعه من الصيد (ثم أتبعه فقتله ولم يأكل منه حتى أخذه صاحبه، ثم مر بتلك القطعة التي رماها فأكلها: حل) لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضره، فإذا أكل ما بان منه وهو لا يحل لصاحبه: أولى.
قوله: (وإن أدرك المرسل الصيد حياً مثل حياة المذبوح: وجبت ذكاته) لما روينا من حديث عدي بن حاتم.
قوله: (فإن تركها) أي الذكاة (حتى مات: لم يحل أكله) لأن بتركه: صار ميتة وهذا إذا تمكن من ذبحه، أما إذا وقع في يده ولم يتمكن من ذبحه، وفيه من الحياة فوق
стр. 345
ما يكون في المذبوح: لم يؤكل في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يحل، وهو قول الشافعي.
قوله: (وكذا البازي والسهم) أي وكذا الحكم فيما إذا أدرك مرسل البازي أو رامي السهم، الصيد حياً مثل حياة المذبوح: ينبغي أن يذكي، حتى إذا ترك الذكاة، فمات: لم يحل كما قلنا.
قوله: (وكذا إن لم يتمكن لضيق الوقت) أي وكذا لا يحل إذا لم يتمكن المرسل أو الرامي من الذكاة، لأجل ضيق الوقت، لأنه بالوقوع في يده لم يبق صيداً، فلم يعتبر ذكاة الاضطرار فيه.
وقال الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل: يحل استحساناً، وهو قول الشافعي.
قوله: (أو لعدم الآلة) يعني إذا لم يتمكن من الذكاة لعدم الآلة: لا يحل أيضاً، لأن التقصير من قبله، حيث لم يحمل آلة الذكاة معه.
قوله: (كالأهلي إن لم يتمكن من ذبحه: لا يحل بذكاة الاضطرار) يعني الأهلي مثل الغنم ونحوه، إذا أصابه آفة من مرض أو سقوط ولم يتمكن من ذبحه: لا يحل بذكاة الاضطرار، لأنه وقع في يده حياً فلم تجز ذكاة الاضطرار.
قوله: (ولو وقع الصيد عند مجوسي، وقدر على ذبحه ثم مات: لم يؤكل) لأنه بالوقوع عنده لم يبق صيداً، وإن كان المجوسي غير أهل للذكاة.
قوله: (ولو أرسل كلبه على صيد فأخذ غيره) أي غير ما أرسل إليه (حل) لأنه لا يتعين بالتعيين، خلافاً لمالك.
قوله: (ولو أرسله) أي ولو أرسل الكلب (على صيود كثيرة، وسمى مرة واحدة:
стр. 346
يحل له كل ما قتله بتلك التسمية) لأن الذبح يبقى بالإرسال، ولهذا يشترط التسمية عنده، والفعل وهو الإرسال: واحد، فيكتفي بتسمية واحدة.
قوله: (بخلاف الشاتين اللتين لم تضجع إحداهما فوق الأخرى) يعني إذا أضجع شاتين، ولم يضجع إحداهما فوق الأخرى، فذبحهما بتسمية واحدة: لا تحل، لأن الفعل متعدد، حتى إذا أضجع إحداهما فوق الأخرى فذبحهما دفعة واحدة بتسمية واحدة: حل، لعدم التعدد.
(وكمون الفهد لا يقطع حكم إرساله) الكمون: الاستتار، يعني إذا أرسل فهداً خلف صيد، فكمن حتى يستمكن من الصيد، ثم أخذه فقتله: يؤكل، لأن ذلك عادة له يحتال لأخذه لا للاستراحة، فلا ينقطع به حكم الإرسال.
قوله: (وكذا الكلب إذا اعتاد عادته) أي وكذا كمون الكلب واختفاؤه: لا يقطع حكم الإرسال، إذا اعتاد عادة الفهد من الكمون لأجل الاحتيال، لما قلنا.
قوله: (وإذا أخذ الجارح صيداً بعد صيد بإرسال واحد، حل الكل ما لم يعرض لاستراحة) لأن الإرسال قائم لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رمى سهماً إلى صيد، فأصابه وغيره. قيد بقوله: (ما لم يعرض لاستراحة) لأنه إذا أعرض لاستراحة: لا يحل الصيد الثاني، لانقطاع حكم الإرسال.
قوله: (كما لو جثم على الصيد) الجثوم: الوقوف على الشيء بالملازمة، يعني كما لو جثم الجارح على الصيد المرسل إليه زماناً طويلاً، فمر به صيد آخر فقتله: لم يحل الثاني، لانقطاع الإرسال بمكثه طويلاً، إذ لم يكن ذلك منه حيلة للأخذ، وإنما هو استراحة.
قوله: (ولو مر السهم من الصيد المقصود إلى آخر فقتله: حلا) يعني إذا قصد صيداً فرماه بسهم، وتجاوز السهم منه إلى غيره فقتله: حل الأول والثاني جميعاً، لعدم تخلل الفاصل.
قوله: (ولو أرسل بازيه على صيد، فنزل على شيء، ثم طار وأخذه: حل إن قصر الزمان بقدر ما يكون تمكناً لاستراحة) لقيام حكم الإرسال (حتى إذا مكث زماناً طويلاً للاستراحة: لا يحل) لانقطاع حكم الإرسال.
стр. 347
قوله: (ولو أخذ جارح معلم صيداً، ولم يعلم هل أرسله أحد أم لا: لم يحل) لوقوع الشك في الإرسال، ولا تثبت الإباحة بدونه، ولئن كان مرسلاً: فهو مال الغير، فلا يجوز تناوله إلا بإذن صاحبه.
قوله: (وإن شاركه كلب غير معلم، أو كلب مجوسي، أو كلب لم يذكر اسم الله عليه عمداً: لم يحل) لقوله ﵇: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله" رواه البخاري ومسلم وأحمد.
قيد بقوله: (عمداً) لأنه إذا كان نسياناً: لا يضر.
قوله: (ولو رده عليه ولم يجرحه معه) أي ولو رد الصيد كلب من الكلاب المذكورة على الكلب المعلم الذي أرسله، ولم يجرحه معه، بل مات بجرح المعلم (حل: وكره) لوجود المعاونة في الأخذ وفقدها في الجرح، ثم قيل: الكراهة تنزيه، وقيل: تحريم، وهو اختيار الحلواني.
قوله: (ولو رده عليه مجوسي، أو أغراه به فزاد عدوه: لم يكره) يعني لو رد الصيد على الكلب المعلم المرسل: مجوسي، أو أغرى الكلب. بأن هيجه وصال عليه فزاد جري الكلب بذلك: لمي كره، لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب، فلا تتحقق المشاركة أصلاً.
قوله: (وكذا لو لم يرده عليه الثاني، بل حمل عليه فزاد عدوه) أي وكذا لا يكره لو لم يرد الكلب الثاني الصيد على الكلب الأول، بل حمل عليه، فزاد جري الأول بسبب ذلك. لأن فعل الكلب الثاني أثر في الكلب الأول حتى ازداد طلباً، ولم يؤثر في الصيد، فكان تبعاً لفعله، لأنه بناءً عليه، فلا يضاف الحكم إلى التبع.
قوله: (ولو أرسله مجوسي، فأغراه مسلم فزاد عدوه: لم يحل) لأن الزجر دون
стр. 348
الإرسال لكونه بناءً عليه، فلا ينفسخ به الإرسال: فلا يحل، وعلى هذا: لو أرسله مسلم، فأغراه مجوسي، فزاد عدوه: يحل كما ذكرنا.
قوله: (وتعتبر الأهلية وعدمها عند الإرسال لا عند الأخذ) حتى أن المجوسي إذا أرسل كلبه إلى صيد، ثم أسلم وأخذ ما صاده كلبه: لم يحل، لكونه غير أهل عند الإرسال، والمسلم إذا أرسل كلبه، ثم ارتد والعياذ بالله، وأخذ ما صاده كلبه: يحل، لكونه أهلاً عند الإرسال.
قوله: (وكل من لا تحل ذكاته، وهو مثل: الوثني والمرتد والمحرم في حق الصيد، وتارك اسم الله عمداً: فهو كالمجوسي) فيما ذكرنا من المسائل الماضية، حتى لو أرسل كلبه إلى صيد وسمى، ثم زجره من لم يسم: يؤكل، وبعكسه لا يؤكل، وعلى هذا غيره، فافهم.
قوله: (والمسلم وغيره سواء في صيد السمك والجراد) لأنهما لا يحتاجان إلى الذكاة.
قوله: (ولو انفلت كلب مجوسي) الانفلات: أن يذهب الكلب من يده بغير إرساله منه، يعني إذا لم يرسل المجوسي كلبه بل عدا بنفسه (فأغراه مسلم، وزجره بالصيد فأخذه: حل) لأن الزجر عند عدم الإرسال يجعل إرسالاً، لأن انزجاره عقيب زجره: دليل طاعته، فيحل، والبازي كالكلب.
стр. 349
فصل
ذكر الفصل لكون هذه المسائل
التي فيه محتاجة إلى أن تفصل عن المسائل التي قبلها
قوله: (ومن سمع حساً ظنه حس صيد فرماه) أي رماه (بسهم، أو أرسل عليه جارحاً مثل الكلب والبازي ونحوهما فأصاب) أي (السهم أو الذي أرسله غيره) أي غير ما سمع حسه (حل المصاب) بضم الميم، (إذا كان المسموع في الأول حس صيد) لأنه وقع اصطياداً مع قصده ذلك.
قوله: (ولو كان خنزيراً) واصل بما قبله، أي ولو كان المسموع خنزيراً، فإنه لا يضر، وعن أبي يوسف: إن كان الحس حس سبع سوى الخنزير: يؤكل المصاب، وإن كان حس خنزير: لم يؤكل، وقال زفر: إن كان حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع ونحوها: لا يؤكل المصاب.
قوله: (بخلاف ما لو ظهر أنه آدمي) يعني إذا ظهر أن الحس المسموع حس آدمي (أو حيوان أهلي مثل البقر والغنم: لا يحل المصاب) لأن الإرسال ليس باصطياد فيهما.
قوله: (والطير المستأنس والظبي المربوط: أهليان حكماً) يعني إذا سمع حساً ظنه حس صيد: فرماه، أو أرسل عليه جارحاً فأصاب غيره، فظهر أن الحس حس طير مستأنس أو ظبي مربوط: لا يحل المصاب لما قلنا.
قوله: (ولو أصاب المسموع حسه) أي لو أصاب السهم، أو الذي أرسله من الجوارح: الحيوان الذي سمع حسه (وقد ظنه) أي والحال أنه قد ظن الحس (آدمياً، فظهر صيداً: حل) لأنه لا عبرة لظنه مع تعينه.
قوله: (ولو رمى إلى طائر وأصاب صيداً، وفر الطائر، ولم يعلم أنه وحشي أو أهلي: حل الصيد) لأن الظاهر فيه التوحش.
قوله: (بخلاف ما لو رمى إلى بعير) يعني إذا رمى إلى بعير (فأصاب صيداً ولا يدري أهو ناد أم لا: لا يحل المصاب) لأن الأصل فيه الاستيناس، حتى إذا علم أنه ناد: حل المصاب، لأنه يصير وحشياً.
стр. 350
قوله: (ولو رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيداً: حل) في إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى: لا يحل، لأنه لا ذكاة فيهما.
قوله: (وإذا وقع السهم بالصيد، أو جرحه الجارح، فتحامل حتى غاب عن الصايد، ولم يزل في طلبه حتى اصابه ميتاً: حل) لقوله ﵇ لأبي ثعلبة: "إذا رميت سهمك، فغاب ثلاثة أيام وأدركته: فكل ما لم ينتن" رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنسائي.
قوله: (وإن قعد) أي الصائد: (عن طلبه، ثم أصابه ميتاً: لم يحل) لأنه ربما يكون موته بسبب آخر، فلا يحل.
قوله: (وكذا) يعني وكذا لا يحل (لو وجد به جراحة أخرى) يعني سوى جراحة سهمه لقوله ﵇ لعدي: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء: فلا تأكل" رواه مسلم والنسائي.
قوله: (ولو رمى صيداً فوقع في ماء .. إلى آخره) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، وما روينا، وقوله ﵇ لعدي: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل: فكل، إلا أنتجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري: الماء قتله أو سهمك" رواه البخاري ومسلم وأحمد.
قوله: (لم يحل) جواب المسائل كلها.
قوله: (إلا إذا بان رأسه بالرمية) يعني إذا قطع رأسه برميه يحل، لعدم احتمال أن أحد هذه الأشياء قتله: إما بحدته، أو بترديه، فافهم
стр. 351
قوله: (ولو وقع على الأرض حياً .. إلى آخره) لأنه لا يمكن التحرز عنه، فيسقط اعتباره كيلا ينسد بابه.
قوله: (إلا أن يصيبه حد الصخرة، فيشق بطنه فيحرم) لأن الظاهر أن موته بغير الرمي، فلا يحل.
قوله: (وإن كان الطير مائياً ورماه في الماء: حل إن لم ينغمس بالجراحة فيه) أي في الماء (وإن انغمست: لا يحل) لاحتمال الموت به دون الرمي، لأن تشرب الجرح الماء: سبب لزيادة الألم، فصار كما إذا أصابه السم.
قوله: (ولا يحل الصيد بالبندقة) لما روي أنه ﵇ نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" رواه البخاري وأحمد. ولأن الجرح لابد منه، والبندقة لا تجرح.
وأما عرض المعراض: فلقوله ﵇: "إذا رميت بالمعراض فخرق: فكله، وإن أصابه بعرض: فلا تأكله" رواه البخاري ومسلم وأحمد.
والمعراض: سهم طويل له أربعة قذذ دقاق إذا رمي به: اعترض.
والقذذ، جمع قذة: وهي ريش، كذا في مجمل اللغة.
стр. 352
وأما العصا التي لا حد لها: فلأنها ثقيلة ثقلاً لا جرحاً، إلا إذا كان لها حد، فبضع بضعاً: فيكون كالسيف والرمح.
وأما الحجر الثقيل: فلأنه يقتله بثقله فيحرم.
قوله: (ولو كان) أي الحجر (خفيفاً وفيه حدة: حل) لتعين الموت بالجرح.
قوله: (ولو رماه بمروة محدودة ولم تجرحه: لم يحل) لأنها قتلته دقاً، والمروة: الحجر الأبيض البراق.
قوله: (ولو أبان رأسه أو قطع أوداجه أو رماه بسيف أو سكين: حل إن جرح بحده) لحصول الجرح بالحدة (وإن لم يجرحه بحده: لا يحل) لأنه يكون ميتاً بثقله.
قوله: (وإذا جرح السهم أو الكلب الصيد غير مدم) يعني جرحاً غير مخرج للدم (قيل: يحل) لإتيان ما في وسعه، وهو الجرح، وإخراج الدم ليس في وسعه، فلا يكون مكلفاً به، وهو الأظهر (وقيل: لا يحل) لانعدام معنى الذكاة، وهو إخراج الدم النجس، وشرط النبي ﷺ إخراج الدم بقوله: "أنهر الدم بما شئت" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
وقيل: يحل في الجراحة الكبيرة لا في الصغيرة، لأن الكبيرة إنما لا يخرج منها الدم لعدمه، والصغيرة لضيق المخرج ظاهراً، فيكون التقصير منه.
قوله: (ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم: فعلى القولين) يعني قيل: يحل أكلها، وهو قول أبي بكر الإسكاف، لأن كثيراً من الحيوان ينجمد دمه، ولاسيما إذا كان قد أكل من
стр. 353
شجر العناب، وقيل: لا يحل، وهو قول غسماعيل الصفار، لأن خروج الدم المسفوح شرط، وقيل: إن تحركت حلت، ولو خرج الدم ولم تتحرك: لا يحل، هذا قول محمد بن مقاتل، لأن الدم لا ينجمد عند موته، فيجوز خروج الدم بعد الموت.
قوله: (ولو أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه: حل إن أدماه) لأن ما هو المقصود- وهو تسييل الدم- قد حصل، هذا يؤيد قول من يشترط خروج الدم.
قوله: (ولو رمى صيداً فقطع عضوه أو أقل من نصف رأسه: حل الصيد لا المقطوع) أي لا يحل المقطوع لقوله ﵇: "ما أبين من الحي فهو ميت". قال في الكافي: "هذا إذا أبان شيئاً يبقى المبان منه حياً بدون عادة: كاليد والرجل والفخذ، ويليه مما يلي القوائم، والأقل من نصف الرأس".
قوله: (وإن قطع نصفين أو قطعه أثلاثاً والأكثر من مؤخره) يعني مما يلي العجز (أو قطع نصف رأسه أو أكثر: حل الكل) يعني المبان والمبان منه، إذ لا يتوهم بقاؤه حياً بعد هذا، فكان قتلاً.
قوله: (ولو تعلق العضو المقطوع بجلده، فإن كان يلتئم) أي يندمل (لو تركه: حل العضو) لأن هذا جرح وليس بإبانة.
قوله: (وإلا فلا) وإن كان لا يلتئم ولا يتوهم إيصاله لعلاج: لا يحل العضو، ويحل ما سواه لوجود الإبانة.
стр. 354
قوله: (ولا يحل صيد المجوسي والمرتد والوثني) لأنهم ليسوا من أهل الذكاة حالة الاختيار، فكذا في حالة الاضطرار، وكذا المحرم، لأنه ليس من أهل الذكاة الاختيارية في حق الصيد، فكذا لا يكون من أهل الذكاة الاضطرارية.
قوله: (بخلاف اليهودي والنصراني) يعني يحل صيدهما لأنهما من أهل الذكاة اختياراً، فكذا اضطراراً.
قوله: (ومن رمى صيداً فأصابه ولم يثخنه، فرماه آخر فقتله: فهو له) أي للآخر، لأنه هو الآخذ به، قال ﵇: "الصيد لمن أخذه" ويحل بالإجماع. لأنه لما لم يخرج بالأول من حين الامتناع، كانت ذكاته اضطرارية، وهي الجرح أي موضع كان، وقد وجد.
قوله: (وإن أثخنه الأول: فهو له، ولم يحل) لأنه لما أثخنه: أخرجه من حيز الامتناع، وصار قادراً على الذكاة الاختيارية ولم يذكه، وصار الثاني قاتلاً له: فيحرم.
قوله: (ويضمن الثاني قيمته مجروحاً بجراحة الأول) يعني يضمن الثاني للأول قيمة الصيد حال كونه مجروحاً بجراحة الأول، لأنه يلزمه قيمة ما أتلف، وقيمته وقت إتلافه كان ناقصاً بجراحة الأول، فيلزمه ذلك.
مثلاً: الرامي الأول إذا رمى صيداً يساوي عشرة، فنقصه درهمين، ثم رماه الثاني فنقصه درهمين، ثم مات: يضمن الثاني ثمانية، ويسقط عنه من قيمته درهمان، لأن ذلك تلف بجرح الأول.
قوله: (إن علم حصول القتل بالثاني) بأن كان رمى الأول بحال يسلم منه، ورمى الثاني بحال لا يسلم منه، حتى إذا كان رمى الأول بحال لا يسلم منه الصيد، بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه: يحل.
قوله: (وإن علم حصوله بهما) أي إن علم حصول القتل برمي الأول والثاني، أو شك في أن القتل حصل برمي الأول أو برمي الثاني (ضمن الثاني للأول ما تقتضيه جراحته، وضمن نصف قيمته مجروحاً بجراحتين، وضمن نصف قيمة لحمه) أما الضمان الأول وهو ضمان ما نقصته جراحته: فلأنه جرح حيواناً مملوكاً للغير، وقد نقصه:
стр. 355
فيضمنه. وأما الضمان الثاني وهو ضمان نصف قيمته مجروحاً بالجراحتين: فلأن الموت حصل بالجراحتين، فيكون هو متلفاً نصفه، وهو مملوكاً لغيره، فيضمن نصف قيمته مجروحاً بالجراحتين، لأن الجراحة الأولى ما كانت بصنع الثاني، فلا يضمنها، والجراحة الثانية ضمنها مرة: وهو ما ضمنه من النقصان بجراحته أولاً، فلا يضمنها ثانياً.
وأما الضمان الثالث، وهو ضمان نصف قيمة اللحم: فلأن برمي الأول: صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمي الثاني، فهذا بالرمي الثاني أفسد نصف اللحم فيضمنه، ولا يضمن النصف الآخر، لأنه ضمنه مرة، حيث ضمن نصف قيمته حياً، فدخل ضمان اللحم فيه، فافهم. فإن هذه من مسائل الزيادات.
توضيح: طريق الضمان: أن الرامي الأول إذا رمى صيداً يساوي عشرة مثلاً، فنقصه درهمين، ثم رماه الثاني فنقصه درهمين: يضمن الثاني للأول ما نقصته جراحته وهو درهمان، وبقي من قيمته ستة دراهم، فيضمن الثاني أيضاً نصفها، وهو ثلاثة دراهم، وهي نصف قيمته مجروحاً بجراحتين، ثم إذا مات يضمن النصف الآخر، وهو ثلاثة أيضاً، لأنه فوت عليه اللحم، ولا يضمن النصف الآخر من اللحم بعد الموت، وإن كان تفويت اللحم فيه موجوداً بقتله، لأنه ضمن ذلك النصف حياً، فلو ضمنه بعد الموت: كأن يتكرر الضمان، بأن يضمن قيمته حياً، ثم تضمن قيمة لحمه بعد الموت، وهذا لا يجوز فافهم.
قوله: (وإن كان ارامي ثانياً هو الأول) أي هو الرامي الأول (فحكم الإباحة ما قلنا) وهو أن الرامي إن لم يثخنه برميه الأول، وقتله برميه: يحل، وإن أثخنه برميه
следующие страницы →