← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قوله: (ولو وقع على الأرض حياً .. إلى آخره) لأنه لا يمكن التحرز عنه، فيسقط اعتباره كيلا ينسد بابه. قوله: (إلا أن يصيبه حد الصخرة، فيشق بطنه فيحرم) لأن الظاهر أن موته بغير الرمي، فلا يحل. قوله: (وإن كان الطير مائياً ورماه في الماء: حل إن لم ينغمس بالجراحة فيه) أي في الماء (وإن انغمست: لا يحل) لاحتمال الموت به دون الرمي، لأن تشرب الجرح الماء: سبب لزيادة الألم، فصار كما إذا أصابه السم. قوله: (ولا يحل الصيد بالبندقة) لما روي أنه ﵇ نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" رواه البخاري وأحمد. ولأن الجرح لابد منه، والبندقة لا تجرح. وأما عرض المعراض: فلقوله ﵇: "إذا رميت بالمعراض فخرق: فكله، وإن أصابه بعرض: فلا تأكله" رواه البخاري ومسلم وأحمد. والمعراض: سهم طويل له أربعة قذذ دقاق إذا رمي به: اعترض. والقذذ، جمع قذة: وهي ريش، كذا في مجمل اللغة.

стр. 352

وأما العصا التي لا حد لها: فلأنها ثقيلة ثقلاً لا جرحاً، إلا إذا كان لها حد، فبضع بضعاً: فيكون كالسيف والرمح. وأما الحجر الثقيل: فلأنه يقتله بثقله فيحرم. قوله: (ولو كان) أي الحجر (خفيفاً وفيه حدة: حل) لتعين الموت بالجرح. قوله: (ولو رماه بمروة محدودة ولم تجرحه: لم يحل) لأنها قتلته دقاً، والمروة: الحجر الأبيض البراق. قوله: (ولو أبان رأسه أو قطع أوداجه أو رماه بسيف أو سكين: حل إن جرح بحده) لحصول الجرح بالحدة (وإن لم يجرحه بحده: لا يحل) لأنه يكون ميتاً بثقله. قوله: (وإذا جرح السهم أو الكلب الصيد غير مدم) يعني جرحاً غير مخرج للدم (قيل: يحل) لإتيان ما في وسعه، وهو الجرح، وإخراج الدم ليس في وسعه، فلا يكون مكلفاً به، وهو الأظهر (وقيل: لا يحل) لانعدام معنى الذكاة، وهو إخراج الدم النجس، وشرط النبي ﷺ إخراج الدم بقوله: "أنهر الدم بما شئت" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وقيل: يحل في الجراحة الكبيرة لا في الصغيرة، لأن الكبيرة إنما لا يخرج منها الدم لعدمه، والصغيرة لضيق المخرج ظاهراً، فيكون التقصير منه. قوله: (ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم: فعلى القولين) يعني قيل: يحل أكلها، وهو قول أبي بكر الإسكاف، لأن كثيراً من الحيوان ينجمد دمه، ولاسيما إذا كان قد أكل من

стр. 353

شجر العناب، وقيل: لا يحل، وهو قول غسماعيل الصفار، لأن خروج الدم المسفوح شرط، وقيل: إن تحركت حلت، ولو خرج الدم ولم تتحرك: لا يحل، هذا قول محمد بن مقاتل، لأن الدم لا ينجمد عند موته، فيجوز خروج الدم بعد الموت. قوله: (ولو أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه: حل إن أدماه) لأن ما هو المقصود- وهو تسييل الدم- قد حصل، هذا يؤيد قول من يشترط خروج الدم. قوله: (ولو رمى صيداً فقطع عضوه أو أقل من نصف رأسه: حل الصيد لا المقطوع) أي لا يحل المقطوع لقوله ﵇: "ما أبين من الحي فهو ميت". قال في الكافي: "هذا إذا أبان شيئاً يبقى المبان منه حياً بدون عادة: كاليد والرجل والفخذ، ويليه مما يلي القوائم، والأقل من نصف الرأس". قوله: (وإن قطع نصفين أو قطعه أثلاثاً والأكثر من مؤخره) يعني مما يلي العجز (أو قطع نصف رأسه أو أكثر: حل الكل) يعني المبان والمبان منه، إذ لا يتوهم بقاؤه حياً بعد هذا، فكان قتلاً. قوله: (ولو تعلق العضو المقطوع بجلده، فإن كان يلتئم) أي يندمل (لو تركه: حل العضو) لأن هذا جرح وليس بإبانة. قوله: (وإلا فلا) وإن كان لا يلتئم ولا يتوهم إيصاله لعلاج: لا يحل العضو، ويحل ما سواه لوجود الإبانة.

стр. 354

قوله: (ولا يحل صيد المجوسي والمرتد والوثني) لأنهم ليسوا من أهل الذكاة حالة الاختيار، فكذا في حالة الاضطرار، وكذا المحرم، لأنه ليس من أهل الذكاة الاختيارية في حق الصيد، فكذا لا يكون من أهل الذكاة الاضطرارية. قوله: (بخلاف اليهودي والنصراني) يعني يحل صيدهما لأنهما من أهل الذكاة اختياراً، فكذا اضطراراً. قوله: (ومن رمى صيداً فأصابه ولم يثخنه، فرماه آخر فقتله: فهو له) أي للآخر، لأنه هو الآخذ به، قال ﵇: "الصيد لمن أخذه" ويحل بالإجماع. لأنه لما لم يخرج بالأول من حين الامتناع، كانت ذكاته اضطرارية، وهي الجرح أي موضع كان، وقد وجد. قوله: (وإن أثخنه الأول: فهو له، ولم يحل) لأنه لما أثخنه: أخرجه من حيز الامتناع، وصار قادراً على الذكاة الاختيارية ولم يذكه، وصار الثاني قاتلاً له: فيحرم. قوله: (ويضمن الثاني قيمته مجروحاً بجراحة الأول) يعني يضمن الثاني للأول قيمة الصيد حال كونه مجروحاً بجراحة الأول، لأنه يلزمه قيمة ما أتلف، وقيمته وقت إتلافه كان ناقصاً بجراحة الأول، فيلزمه ذلك. مثلاً: الرامي الأول إذا رمى صيداً يساوي عشرة، فنقصه درهمين، ثم رماه الثاني فنقصه درهمين، ثم مات: يضمن الثاني ثمانية، ويسقط عنه من قيمته درهمان، لأن ذلك تلف بجرح الأول. قوله: (إن علم حصول القتل بالثاني) بأن كان رمى الأول بحال يسلم منه، ورمى الثاني بحال لا يسلم منه، حتى إذا كان رمى الأول بحال لا يسلم منه الصيد، بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه: يحل. قوله: (وإن علم حصوله بهما) أي إن علم حصول القتل برمي الأول والثاني، أو شك في أن القتل حصل برمي الأول أو برمي الثاني (ضمن الثاني للأول ما تقتضيه جراحته، وضمن نصف قيمته مجروحاً بجراحتين، وضمن نصف قيمة لحمه) أما الضمان الأول وهو ضمان ما نقصته جراحته: فلأنه جرح حيواناً مملوكاً للغير، وقد نقصه:

стр. 355

فيضمنه. وأما الضمان الثاني وهو ضمان نصف قيمته مجروحاً بالجراحتين: فلأن الموت حصل بالجراحتين، فيكون هو متلفاً نصفه، وهو مملوكاً لغيره، فيضمن نصف قيمته مجروحاً بالجراحتين، لأن الجراحة الأولى ما كانت بصنع الثاني، فلا يضمنها، والجراحة الثانية ضمنها مرة: وهو ما ضمنه من النقصان بجراحته أولاً، فلا يضمنها ثانياً. وأما الضمان الثالث، وهو ضمان نصف قيمة اللحم: فلأن برمي الأول: صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمي الثاني، فهذا بالرمي الثاني أفسد نصف اللحم فيضمنه، ولا يضمن النصف الآخر، لأنه ضمنه مرة، حيث ضمن نصف قيمته حياً، فدخل ضمان اللحم فيه، فافهم. فإن هذه من مسائل الزيادات. توضيح: طريق الضمان: أن الرامي الأول إذا رمى صيداً يساوي عشرة مثلاً، فنقصه درهمين، ثم رماه الثاني فنقصه درهمين: يضمن الثاني للأول ما نقصته جراحته وهو درهمان، وبقي من قيمته ستة دراهم، فيضمن الثاني أيضاً نصفها، وهو ثلاثة دراهم، وهي نصف قيمته مجروحاً بجراحتين، ثم إذا مات يضمن النصف الآخر، وهو ثلاثة أيضاً، لأنه فوت عليه اللحم، ولا يضمن النصف الآخر من اللحم بعد الموت، وإن كان تفويت اللحم فيه موجوداً بقتله، لأنه ضمن ذلك النصف حياً، فلو ضمنه بعد الموت: كأن يتكرر الضمان، بأن يضمن قيمته حياً، ثم تضمن قيمة لحمه بعد الموت، وهذا لا يجوز فافهم. قوله: (وإن كان ارامي ثانياً هو الأول) أي هو الرامي الأول (فحكم الإباحة ما قلنا) وهو أن الرامي إن لم يثخنه برميه الأول، وقتله برميه: يحل، وإن أثخنه برميه

стр. 356

الأول، وقتله برميه الثاني: لم يحل، لأن في الأول: لم يخرج من حيز الامتناع، وكانت ذكاته اضطرارية، وفي الثاني: صار قادراً على الذكاة الاختيارية ولم يذك: فيحرم. قوله: (وصار) أي وصار حكم هذه المسألة (كما لو رمى صيداً على جبل فأثخنه، ثم رماه ثانياً فأنزله: لا يحل) لأن الرمي الثاني محرم. قوله: (ويحل صيد ما لا يؤكل لحمه مثل الثعلب والنمر وسائر السباع وكذلك الطيور المحرمة) لقوله تعالى: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. مطلقاً، ولأن اصطياده سبب الانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو لدفع شره، وكل ذلك مشروع. قوله: (ولو رمى صيداً، أو رماه آخر، فأصاب سهم الثاني سهم الأول، فرده إلى صيد آخر فقتله: حل إن سمى الثاني) وفي هذا تفصيل: وهو أن ينظر إن كان سهم الأول بحال يعلم أنه لا يبلغ إلى الصيد بدون دفع الثاني: فالصيد للثاني، لأنه هو الآخذ له، حتى لو كان الثاني مجوسياً أو محرماً: لا يحل. وإن كان السهم الأول بحال يبلغ الصيد بدون السهم الثاني: فالصيد للأول لأنه هو السابق في الأخذ، وإن كان الثاني مجوسياً أو محرماً: لا يحل استحساناً، لأنه أوجب زيادة قوة في السهم الأول، فأوجب الحرمة احتياطاً. قوله: (ولو رمى صيداً بمعراض أو ببندقة فأصاب سهماً فرفعه) أي رفع السهم (فقتل صيداً جرحاً: حل) لأن اندفاع السهم بالواسطة أضيف إلى الرامي فكأنه رماه به ابتداءً. قوله: (ولو نصب شبكة للصيد في أرض الغير فوقع فيها) أي في الشبكة (صيد: فهو له) أي لناصب الشبكة، لأنه قصد به الاصطياد، حتى إن من نصب فسطاطاً فتعلق به صيد: لا يملكه صاحب الفسطاط، إلا إذا قصد بنصب الفسطاط. الاصطياد، وكذلك إذا حفر رجل بئراً في أرضه لا يريد به الصيد، فوقع فيها صيد: فهو لمن أخذه، لأ، "الصيد لمن أخذ ... " الحديث.

стр. 357

قوله: (ولو نصبها) أي ولو نصب الشبكة (في أرض الغير للجفاف ونحوه، فوقع فيها صيد: لم يكن له حتى يأخذه) لأنه لم يرد بنصبها الاصطياد، والحكم لا يضاف إلى السبب إلا بالقصد الصحيح، ولكنه يملكه بالأخذ، للحديث. قوله: (ومن أخذ صيداً أو فرخة أو بيضة في دار رجل أو أرضه: فهو له) أي للآخذ، لأن الصيد يجيء ويذهب، والبيض يصير طائراً ويطير، فيملكه بالأخذ، وهذا بخلاف ما إذا اتخذ النحل كوارات في أرض رجل فخرج منه عسل: كان ذلك لصاحب الأرض، ولا سبيل لأحد على أخذه، لأنه ليس مثل الصيد. قوله: (إلا أن يغلق الباب) أي إلا أن يغلق صاحب الدار الباب لإحراز الصيد الذي دخل في داره (فحينئذ يملكه بإحرازه) ولو أغلق الباب ولم يعلم به: لم يصر مالكاً، حتى لو خرج الصيد بعد ذلك وأخذه رجل: يملكه، بخلاف الأول حيث لا يملكه. قوله: (ولو نصب شبكة فوقع فيها صيداً، أو رمى شصاً فتعلقت به سمكة، فاضطربا) أي الصيد اضطرب في الشبكة، والسمكة اضطربت في الشص (حتى انقطعت الشبكة، أو انقطع خيط الشص وخلصا، فصادهما آخر: فهما له) أي للآخر، لأنهما خرجا من ملك الأول بخلوصهما، فصار كحالتهما الأولى في الإباحة، فاستولت عليهما يد الآخر، فملكهما. والشص بالكسر والفتح: حديدة معوجة يصاد بها السمك. قوله: (ولو لم يخلص) أي ولو يخلص الصيد من الشبكة، أو السمكة من الشص (حتى جاء الصائد وقدر على أخذه ثم خلص وانفلت: فهو على ملكه) لأن بقدرته على أخذه: خرج عن ملكه، فلا يملكه أحد غيره، بخلاف الصورة الأولى. قوله: (وكذا لو رمى بالسمكة) يعني إذا اصطاد سمكة فرمى بها خارج الماء، (فاضطربت ثم وقعت في الماء، فإن كان قدر على أخذها وانفلتت من يده ووقعت في الماء: فهي على ملكه) حتى لو أخذها غيره لا يملكها، وإلا فلا، فافهم.

стр. 358

قوله: (ولو رمى صيداً فصرعه وغشي عليه ثم أفاق وطار فأخذه آخر: فهو له) لأنه لم يثخنه الأول فلا يملكه. قوله: (ولو جرحه جراحة فثخنه ثم برأ وطار: فهو للأول) لأنه ملكه بالإثخان، فلا يملكه غيره.

стр. 359

فصل هذا الفصل في بيان ما يحل أكله وما يحرم وما يكره وما لا يكره قوله: (ويحرم أكل ذي ناب من السباع) لما روي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" رواه مسلم وأبو داود وجماعة آخرون. والسباع جمع سبع: وهو كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة، والمراد بذي مخلب: ما له مخلب هو سلاح، وهو مفعل من الخلب: وهو مزق الجلد. قوله: (ويحرم الضبع والثعلب .. إلى آخره) أما الضبع والثعلب: فلأنهما سبع. والشافعي اباحها. وأما اليربوع وابن عرس: فلأنهما من سباع الهوائم، وأما الرخمة والبغات والعذاف: فلأنها تأكل الجيف، وكذلك الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف. قوله: (ويحل غراب الزرع) لأنه يأكل الحب، وليس من السباع ولا من الخبائث، وكذلك الزرزور. وأما العقعق واللقلق: فلأنهما كالدجاج في خلط علفها، وعن أبي يوسف: أنه كره العقعق، لأن غالب مأكوله الجيف، والأول أصح. قال في النهاية: "ذكر في بعض المواضع: أن الخفاش يؤكل، وذكر في بعضها: أنه لا يؤكل، لأنه ذو ناب".

стр. 360

قوله: (ويحرم الضب والقنفذ والسلحفاة والزنبور والحشرات كلها) لأنها من الخبائث. والشافعي جوز أكل الضب والقنفذ. قوله: (إلا الجراد فإنه مستثنى من الحشرات) لقوله ﵇: "أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال". قوله: (ولو مات) أي الجراد (حتف أنفه) لأن الذكاة ليست بشرط فيه، وعن مالك: لابد من قطف رأسه. قوله: (ولحم الفرس حرام) هذا عند أبي حنيفة، وقالا: مباح، وهو قول الشافعي، ولحمه طاهر بالاتفاق، ولكن الحرمة عند أبي حنيفة لكرامته، لأنها آلة الجهاد، وفي أكله تقليله، وكذا لبنه: يكره عنده كلحمه، ذكره قاضي خان، وفي شرح الكنز: ولبن الرمكة حلال بالإجماع.

стр. 361

قوله: (وبقر الوحش وحمر الوحش وغنم الجبل: حلال) لأنها من الطيبات. وأما (الحمر الأهلية فهي حرام) لما روي عن أبي ثعلبة أنه قال: "حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية" رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولو كانت أمها فرساً: كان على الخلاف في لحم الخيل. قوله: (ولا يحل من حيوان الماء إلا أنواع السمك كلها) مثل: الجريث والمارماهي، لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وما سوى السمك خبيث. وقال مالك: يؤكل جميع حيوان الماء، واستثنى بعضهم الخنزير، والسباع، والكلب والإنسان، وعن الشافعي: أنه أباح ذلك كله. قوله: (ولا يحل الطافي منه) أي من السمك: وهو الذي مات حتف أنفه، لقول جابر: أنه ﵇ قال: "ما نضب عنه الماء فكلوه، وما طفي فلا تأكلوه". وهو حجة على

стр. 362

الشافعي ومالك في إباحتهما الطافي. قوله: (ويحل ما في بطنه) أي في بطن الطافي من السمك، لأنه غير طاف، بل مات بآفة، وهو ضيق المكان. قوله: (ولو قطعه) أي لو قطع السمك (فمات: حل المقطوع والباقي) لأن سبب موته معلوم. قوله: (وفي موته) أي وفي موت السمك (بالحر) أي بحر الماء أو برده أو كدرته (روايتان: في رواية يؤكل) لأن لموتها سبباً معلوماً (وفي رواية: لا يؤكل). لأن الماء لا يقتل السمك حاراً كان أو بارداً أو منكدراً. قوله: (ولو حصر سمكاً في أجمة) وهي الحظيرة ونحوها، مثل: الحوض والبئر (فمات لضيق المكان: حل) لأنه مات بآفة، وكذلك إذا مات في الشبكة وهو لا يقدر على التخليص، وكذلك إذا قتلها شيء من طير الماء. قوله: (وما انحسر عنه الماء) أي السمك الذي انكشف عنه الماء (فإن ذهب الماء وبقي السمك في أرض يابسة، أو ألقاه إلى الساحل حياً فمات: يحل) لأنه مات بآفة. وفي فتاوى التتمة: إذا انحسر عنها الماء، إن كان الرأس وحده خارج الماء: يؤكل، وإن كان الرأس في الماء: إن كان ما على الأرض النصف أو أقل: يؤكل، وإن كان أكثر من النصف: لا يؤكل. قوله: (ولو وجد على الأرض سمكة ميتة: حل) لأنها ماتت بآفة، وهي انفصالها عن الماء.

стр. 363

قوله: (ولو وجد نصف سمكة في الماء: لا يحل) لأن سبب موته غير معلومة، حتى إذا ظهر أنها مقطوعة بسيف أو نحوه: يحل، لأن سبب موته حينئذ يصير معلوماً. وفي الجامع الأصغر: إذا وجد السمك ميتاً على وجه الماء وبطنه من فوق: لم يؤكل، لأنه طاف، وإن كان ظهره من فوق: أكل لأنه ليس بطاف. وفي المنتقى عن محمد: إذا كانت السمكة استقلت الماء وماتت: لم تؤكل. قوله: (ولو اشترى سمكة في خيط وهي) أي السمكة (في الماء، وقبض الخيط ثم دفعه إلى البائع وقال) أي المشتري: (احفظها لي، فابتلعتها) أي السمكة التي في الخيط (سمكة أخرى، فالثانية) أي السمكة الثانية وهي السمكة المبتلعة (للبائع) لأنها حصلت في يده (ويخرج الأولى) أي يخرج البائع السمكة الأولى وهي السمكة التي باعها (من بطن السمكة التي ابتلعتها، ويسلمها إلى المشتري من غير خيار للمشتري، وإن نقصها الابتلاع) لأنه لما دفعها إلى البائع: صار راضياً بالنقصان، فلا يخير. قوله: (ولو ابتلعت المربوطة) أي السمكة المربوطة بالخيط (أخرى) أي سمكة أخرى (فهما) أي السمكة البالعة والمبلوعة (للمشتري، قبضها أو لم يقبضها) أما إذا قبضها: فظاهر، وأما إذا لم يقبضها: فلأنه حصل في ملك المشتري والله أعلم.

стр. 364

فصل هذا الفصل في بيان أحكام الذبائح قوله: (وذبيحة المسلم والكتابي حلال) لإطلاق قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. قوله: (بخلاف ذبيحة المجوسي) يعني ذبيحة المجوسي ونحره: حرام. أما المجوسي: فلقوله ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم". والوثني: كالمجوسي، لأنه مشرك مثله، وأما المرتد: فلأنه لا ملة له، ولهذا لا تجوز ذكاته، بخلاف اليهودي إذا تنصر، أو النصراني إذا تهود، أو تنصر المجوسي أو تهود، ولو تمجس اليهودي: لا تحل ذكاته، والمتولد بين الكتابي والمشرك: يعتبر بالكتابي، لأن المشرك شر من الكتابي. قوله: (وذبيحة المحرم: الصيد) أي لا تحل ذبيحة المحرم الصيد، لأن فعله فيه غير مشروع، وذبيحته في غير الصيد تؤكل، لأن فعله فيه مشروع. قوله: (وما ذبح) أي لا يحل ما ذبح (من الصيد في الحرم، ولو ذبحه حلال) لأنه منهي عنه، فلا يكون مشروعاً، وكذا الكتابي لو ذبح صيداً في الحرم: لا يحل. قوله: (والصبي والمجنون والسكران إن كان يقدر على الذبح ويعقل التسمية: حل)

стр. 365

لأن التسمية على الذبيحة شرط بالنص، وذلك بالعقل، وصحته بالمعرفة والضبط، وهو أن يعلم شرائط الذبح: من فري الأوداج والتسمية. وكذلك يحل ذبيحة الأقلف، والأخرس، والمرأة، والمعتوه كالصبي إذا كان ضابطاً. قوله: (وإلا فلا) يعني وإن لم يقدر على الذبح ولم يعقل التسمية: لا يحل، لما ذكرنا. قوله: (ومتروك التسمية عمداً: ميتة) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وهو حجة على الشافعي في جوازه ذلك. قوله: (ومتروكها ناسياً: حلال) لأن النسيان مرفوع بقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".

стр. 366

وقال مالك: حرام. قوله: (ووقت التسمية في غير الصيد: عند الذبح) لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وهي حالة النحر. قوله: (وفي الصيد) أي وقت التسمية في الصيد: (عند الرمي أو إرسال الجارح) لأن التكليف بحسب الوسع، والذي في وسعه هذا. قوله: (ولو أضجع شاة وسمى وذبح غيرها) أي غير تلك الشاة (بتلك التسمية: لم يحل) لأن المعتبر أن يذبح عقيب التسمية، وأنه سمى للأولى، فبقيت الثانية بلا تسمية. قوله: (بخلاف الإرسال والرمي) يعني إذا أرسل الجارح إلى صيد وسمى، أو رمى إلى صيد وسمى، فأصاب صيداً آخر: حل، لتعلق التسمية بالآلة. قوله: (ولو أضجع شاة وسمى، ثم رمى السكين وذبح بأخرى) أي بسكين أخرى (حل) لعدم تعلق التسمية بالآلة. قوله: (ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره) أي بغير ذلك السهم (فقتل: لم يحل) لتعلق التسمية بالآلة. قوله: (ولو قال في تسميته: بسم الله محمداً رسول الله) يعني منصوباً من غير عطف (ومحمد رسول الله) بالرفع من غير عطف، (أو قال: اللهم تقبل مني أو من فلان: حل) لعدم الشركة، وكره لوجود الوصل صورة. قوله: (ولو قال: ومحمد بالجر) يعني ولو قال: بسم الله ومحمد رسول الله، بكسر الدال (لم يحل) لوجود الشركة، وكره لوجود الوصل صورة. قوله: (ولو قال: ومحمد بالجر) يعني ولو قال: بسم الله ومحمد رسول الله، بكسر الدال (لم يحل) لوجود الشركة، كذا ذكر في النوادر. وقيل: هذا إذا كان يعرف النحو، والأوجه: أن لا يعتبر الإعراب، بل يحرم مطلقاً بالعطف، لأن كلام الناس اليوم لا يجري عليه. قوله: (ولو قال: بسمل بغير هاء، وقصد به التسمية: حل) لوجود القصد بالتسمية.

стр. 367

قوله: (ولو قال: اللهم اغفر لي وقصد به التسمية: لم يحل) لأنه دعاء وسؤال. والشرط: الذكر الخالص. قوله: (ولو سبح) بأن قال: سبحان الله (أو حمد) بأن قال: الحمد لله (أو كبر) بأن قال الله أكبر (وقصد التسمية: حل) لوجود الذكر على الذبح. قوله: (ولو عطس عند الذبح فحمد الله: لم يحل) في الأصح، لأنه يريد الحمد على النعمة دون التسمية، بخلاف الخطبة: حيث يجزيه. قوله: (ولو سمى ثم عمل عملاً آخر قبل الذبح، إن كان قليلاً كشرب أو تكليم إنسان: حل، وإلا فلا) يعني وإن كان كثيراً: لا يحل، لأن إيقاع الذبح- متصلاً بالتسمية، بحيث لا يتخلل بينهما شيء- لا يمكن إلا بحرج عظيم، فأقيم المجلس مقام الاتصال، فالعمل القليل لا يقطع المجلس، والكثير يقطع. قوله: (والذبح بين الحلق واللبة) لما روي أنه ﵇ بعث منادياً ينادي في فجاج منى: "ألا إن الذكاة في الحلق" الحديث رواه الدارقطني. وفي الجامع: "لا بأس بالذبح في الحلق: كله ووسطه وأعلاه وأسفله". والتقييد بالحلق واللبة يفيد أنه لو ذبح أعلى من الحلقوم أو أسفل منه: يحرم، لأنه ذبح في غير المذبح، ذكره في الواقعات. ولكن في جواب الإمام الرستغفني ما يخالف ذلك، وهو أنه سئل عمن ذبح

стр. 368

شاة، فبقيت عقدة الحلقوم مما يلي الصدر، وكان يجب أن يبقى مما يلي الرأس، أيؤكل أم لا؟ قال: يجوز أكلها، سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر. وفي فتاوى سمرقند: قصاب ذبح الشاة في ليلة مظلمة، فقطع أعلى من الحلقوم أو أسفل منه: يحرم أكلها. قوله: (والعروق المقطوعة فيه) أي في الذبح أو الحلق (أربعة وهي: الحلقوم والمري والودجان) لقوله ﵇: "أفر الأوداج بما شئت" وهي عروق الحلق في المذبح، والمري: مجرى الطعام والشراب، والحلقوم: مجرى النفس. قوله: (ولابد من قطع ثلاثة منها) أي من العروق الأربعة (أيها كانت) أي: أي ثلاثة كانت، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف أولاً، وعن أبي يوسف: أنه يشترط قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين، وعن محمد: لابد من قطع أكثر كل واحد من هذه الأربعة. وقال الشافعي: يكتفي بقطع الحلقوم والمري، وقال مالك: لابد من قطع الأربع. قوله: (ويجوز الذبح بكل محدد أنهر الدم) مثل: السكين، والسيف، والليطة، والمروة، ونحوها، لقوله ﵇: "أفر الأوداج بما شئت واذكر الله" رواه مسلم.

стр. 369

وأفر: أمر، من قولك: فريت الشيء أفر فرياً: إذا قطعته لإصلاحه، والليطة بكسر اللام: قشر القصب. قوله: (إلا السن المتصل، والظفر والقرن، فإن المذبوح بها ميتة) لقوله ﵇: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدي الحبشة" رواه البخاري ومسلم، وتأويله: إذا كان قائماً. قوله: (والذبح بالمنفصل منها) أي من السن والظفر والقرن (مكروه) لأنها آلة، جارحة فيحصل بها ما هو المقصود: وهو إخراج الدم، ولكن يكره، لأن فيه زيادة الألم. وقال الشافعي: المذبوح بهذه الأشياء ميتة. قوله: (وكذا بالعظم) أي وكذا يكره الذبح بالعظم لما قلنا. قوله: (وبكل ما فيه) أي وكذا يكره الذبح بكل شيء فيه (إبطاء الإماتة) لأن فيه زيادة الألم للحيوان، وقد نهينا عنه. قوله: (ويستحب إحداد السكين قبل الإضجاع) لقوله ﵇: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم: فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم: فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" رواه مسلم وأحمد وغيرهما. قوله: (ويكره بعده) أي يكره إحداد السكين بعد الإضجاع، لما روي أنه ﵇ "رأى

стр. 370

رجلاً أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال: "لقد أردت أن تميتها موتات، هلا حددتها قبل أن تضجعها". قوله: (ومن بلغ بالسكين النخاع) وهو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة (أو قطع الرأس: حل وكره) لنهيه ﵇ عن نخع الشاة، وفي قطع رأسه زيادة تعذيب بلا فائدة. والنخع بفتح النون وسكون الخاء: أن يجوز بالذبح إلى النخاع. قوله: (وكل زيادة تعذيب لا يحتاج إليها: مكروه) لأنه تعذيب الحيوان بلا فائدة، وذلك: كجر المذبوح برجله إلى المذبح، وسلخه قبل أن يتم موته، وكذا لو مات ولم يبرد أيضاً: عند البعض، وعند البعض: إذا سلخ بعد موته: لا يكره ولو لم يبرد، ويؤكل في جميع ذلك. قوله: (ولو ذبح من القفا وبقي حياً حتى قطع العروق الثلاثة: حل وكره) أما الحل: فلتحقق الموت بما هو ذكاة، وأما الكراهة: فلزيادة الألم. قوله: (وإلا فلا) يعني وإن لم يبق حياً إلى أن يقطع العروق الثلاثة: لم يحل، لوجود الموت بما ليس بذكاة. قوله: (وما استأنس من الصيد: فذكاته الذبح) لأن ذكاة الاضطرار لا يصار إليه إلا عند العجز عن ذكاة الاختيار، ولم يتحقق العجز فيما استأنس من الصيد. قوله: (وما توحش من النعم بصيال) أي حملة (أو ند: فذكاته الجرح) لتحقق

стр. 371

العجز، بشرط قصد الذكاة (لا دفع الصيال فقط) فإنه إذا قصد دفع الصيال فقط وقتله: لم يحل. قوله: (وكذا البعير) يعني البعير إذا وقع في النهر، ووقع العجز عن ذكاته: يحل بالجرح، بشرط أن لا يتوهم بعد الجرح موته بالماء، حتى إذا علم أنه مات من الماء: لا يؤكل، وإن أشكل ذلك: أكل، لأن الظاهر أن الموت من الجرح. قوله: (والشاة إذا ندت في الصحراء فهي وحشية) حتى تحل بالعقر، لتحقق العجز عن ذكاة الاختيار. قوله: (وإن ندت في المصر: فلا) أي فلا تكون وحشية، حتى لا تحل بالعقر، لأنها لا تدفع عن نفسها، فيمكن أخذها. قوله: (بخلاف البعير والبقر) يعني البعير والبقر إذا ندت: صارت وحشية، سواء ندت في الصحراء أو ندت في المصر، حتى تحل بالعقر، لتحقق العجز في ذلك. قوله: (والمستحب في الإبل: النحر) لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. أي انحر الجزور، ولأنه أيسر في الإبل، حتى يكره الذبح. قوله: (وفي البقر) أي يستحب في البقر (والغنم: الذبح) لأن السنة المتواترة هكذا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. ولأنه أيسر فيهما، حتى يكره النحر فيهما. قوله: (والجنين الميت في الذبيحة: حرام أكله وإن تم خلقه) وهذا عند أبي حنيفة وزفر والحسن، وقالا: إذا تم خلقه: حل أكله بذكاتهما، لقوله ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه". وله: أن الله حرم الميتة، وهو اسم لحيوان مات من غير ذكاة، ألا يرى أن الله شرط التذكية بقوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وحرم المنخنقة، والجنين مات خنقاً: فيحرم بالكتاب، وما روي: لا يعارض الدليل القطعي.

стр. 372

قوله: (والمنخنقة) وهي التي خنقوها، أو انخنقت بسبب (والموقوذة) وهي التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر (والمتردية) وهي التي تردت من جبل أو في بئر (والنطيحة) هي التي نطحتها أخرى (وفريسة السبع) هي التي خرقها مثل: الأسد والنمر والضبع والذئب ونحوها (فإذا ذبحت هذه المذكورات) والحال أن فيها حياة مثل حياة المذبوح (حلت في ظاهر المذهب) لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وعن أبي حنيفة: أنها إنما تحل إذا كانت بحال تعيش يوماً لولا الذكاة، لأنها إذا كانت بحال تموت سريعاً: لا يدري أنها ماتت بذبحه أو بما أصابها، فدخل الشك، وعن أبي يوسف: أنها إذا كانت تعيش اليوم لولا الذكاة: تؤكل، وإلا فلا، إقامة للأكثر مقام الكل. وعن محمد: أنها إذا بقي من حياتها أكثر من حياة المقطوع أوداجه: يحل، وإلا فلا، وهذا أيسر. قوله: (ويكره ذبح الحامل المقرب) أي التي قربت ولادتها، لأن في ذلك ترك الترحم. قوله: (ولو رمى حمامة له) أي لنفسه في الهواء (إن كانت ضالة عن منزله: يحل) لأنه حينئذ صيد، فتصير ذكاته اضطرارية، فيحل بالجرح أين اتفق. قوله: (وإن كانت) أي الحمامة (تهتدي إلى منزله: لم يحل) لعدم الاضطرار، إلا إذا أصاب مذبحها، وهو ما بين الحلق واللبة: فينوب عن الذبح. قوله: (وكذا الظبي) أي وكذا حكم الظبي (المستأنس إذا خرج إلى الصحراء فرماه رجل، إن أصاب مذبحه: حل، وإلا فلا) لعدم تحقق العجز عن الذكاة الاختيارية.

стр. 373

كتاب الكراهية الكراهية بتخفيف الياء: مصدر: كالطواعية، وهي ضد الإرادة والرضا. قوله: (كل مكروه في كتاب الكراهية: فهو حرام عند محمد) نص محمد ﵀: أن كل مكروه حرام، وإنما لم يطلق لفظ الحرام: لأنه لم يجد فيه نصاً قاطعاً، وعندهما: هو إلى الحرام أقرب. قوله: (فلهذا) أي فلكون كل مكروه حراماً عند محمد (عبرنا عن أكثر المكروهات بالحرام). قوله: (ويحرم الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة) لقوله ﵇: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن عائشة ﵂: أن النبي ﵇ قال في الذي يشرب في إناء فضة: "كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم" رواه أحمد وابن ماجة. فإذا ثبت في الشرب والأكل: ثبت في التطيب ونحوه، لأنه مثله في الاستعمال.

стр. 374

ومعنى يجرجر: يردد، من جرجر العجل: إذا ردد صوته في حنجرته. قوله: (للرجال والنساء) لإطلاق ما روينا. قوله: (وكذا يحرم كل استعمال: كالأكل بملعقة الفضة، والاكتحال بميلها) أي بميل الفضة (واتخاذ المكحلة، والمرآة، والأدوات من الفضة) وما أشبه ذلك من الاستعمال. قوله: (وتحل آنية الزجاج والبلور والعقيق والنحاس والرصاص ونحوها) مثل الصفر وغيره. وقال الشافعي: يكره جميع ذلك، لوقوع التفاخر بها. قلنا: لا نسلم، ولئن سلمنا: فهي ليست في معنى الذهب والفضة، فلا يلحق بهما. قوله: (ويحل الشرب في الإناء المفضض) بالضاد المعجمتين (والمضبب) بالضاد المعجمة، والباءين المنقوطتين من تحت بنقطة واحدة: بمعنى المشعب بالفضة. قوله: (بشرط اتقاء موضع الفضة في الكل) بأن يتقي موضعها بالفم في الإناء، وقيل: بالفم واليد في الأخذ، وفي غير الإناء يتقي موضع الجلوس. قوله: (وكذا اللجام) يعني وكذا يحل اللجام (المفضض، والركاب المفضض، والثغر المفضض) بشرط أن يتقي موضع الفضة عند الإمساك، ووضع الرجل، وكذا في نصل السيف، أو السكين، أو قبضتهما، بشرط أن لا يضع يده على موضعها، وكذا حلقة المرآة، وكذا الثوب إذا كان فيه كتابة بذهب أو فضة، وهذا كله عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يكره ذلك كله، ومحمد مضطرب.

стр. 375

قوله: (وهذا) أي هذا الحكم (مع التفصيل والخلاف فيما يخلص منه شيء عند الإذابة، فأما التمويه الذي لا يخلص منه شيء: فمباح مطلقاً) يعني سواء اتقى موضع الفضة أو لا، لأنه مستهلك، فلا عبرة ببقائه لوناً. قوله: (كالعلم في الثوب) فإنه مباح مطلقاً بالإجماع، وكذلك مسمار الذهب في فص الخاتم، وكذا العمامة المعلمة بالذهب. قوله: (ويحل تذهيب السقف) لأنه ليس باستعمال، ولكنه إسراف وتزيين، فتركه أولى. قوله: (والسيف) أي يحل تذهيب السيف أيضاً، وهذا عند أبي حنيفة، وكرهه أبو يوسف، لما فيه من زي العجم، والتشبه بهم حرام. قوله: (ومن دعي إلى ضيافة فوجد ثمة لعباً أو غناءً) يعني بعد حضوره وجد لعباً أو غناء (يقعد ويأكل ولا يترك ولا يخرج) لأن إجابة الدعوة سنة، قال ﵇: "من لم يجب الدعوة فقد عصا أبا القاسم"، فلا يتركها لما اقترنت البدعة بغيره، كصلاة الجنازة لا يتركها لأجل النائحة. قوله: (ومنع إن قدر) لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن لم يقدر: يصبر. قوله: (وإن كان قدوة) أي وإن كان المجيب ممن يقتدى به: كالقاضي والمفتي ونحوهما (بمنع) لأنه يقدر على المنع (ويقعد، فإن عجز عن المنع: يخرج ولا يقعد) لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين. قوله: (وإن كان ذلك على المائدة) أي وإن كان اللعب والغنى على المائدة، أو كانوا يشربون الخمر (خرج وإن لم يكن قدوة) لقوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].

стр. 376

قوله: (وإن علم قبل الحضور) يعني: وإن علم قبل أن يحضر أن هناك غناء أو لعب أو شرب خمر (لا يحضر في الوجوه كلها) يعني سواء قدر على المنع أو لم يقدر، وسواء كان قدوة أو غير قدوة، لأنه حينئذ لا يلزمه إجابة الدعوة. وقال علي ﵁: "صنعت طعاماً فدعوت رسول الله ﷺ ، فجاء فرأى في البيت تصاويرن فرجع" رواه ابن ماجة. ودلت المسألة على أن الملاهي كلها حرام. واختلفوا في المغنى المجرد، قيل: حرام مطلقاً، والاستماع إليه معصية، ولو سمع بغتة: فلا إثم عليه، وقيل: لا بأس بأن يغنى ليستفيد به فهم القوافي والفصاحة، وقيل: يجوز لدفع الوحشة إذا كان وحده، ولا يكون على سبيل اللهو، وإليه مال السرخسي. ولو كان في الشعر حكم أو عبر أو فقه: لا يكره، ولو كان فيه ذكر امرأة غير معينة، وكذا لو كانت معينة وهي ميتة، وإن كانت حية: يكره. قوله: (ويحرم شرب لبن الأتن) لأن اللبن يتولد من اللحم، فصار مثله. قوله: (وأبوال الإبل) أي يحرم شرب أبوال الإبل (لأجل التداوي) وهذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: يباح للتداوي، وعند محمد: يباح مطلقاً. وقد مر في كتاب الطهارة. قوله: (وأكل) أي يحرم أكل (لحم الإبل والبقر الجلالة) لأنها تتغير، وكذا يحرم شرب لبنها، لأن لبنها يتولد من لحمه. وفي المنتقى: الناقة والبقرة إنما تكون جلالة: إذا تغيرت ونتنت، فوجدت منها رائحة منتنة.

стр. 377

قوله: (بخلاف الدجاج المخلاة) يعني لا يحرم أكل الدجاجة المخلاة، لأنها لا تتغير. قوله: (فإن حبست) أي الإبل الجلالة والبقر الجلالة إن حبست (في مكان طاهر وعلفت: حلت) وكان أبو حنيفة لا يوقت بحبسها. ويقول: تحبس حتى تطيب ويذهب نتنها، وهو قولهما. كذا في التتمة. وقيل: يقدر في الإبل: بأربعين يوماً، وفي البقر: بعشرين يوماً، وفي الشاة: بعشرة أيام، وفي الدجاجة: بثلاثة ايام. قوله: (ولو رضع جدي لبن الخنزير: فهو كالجلالة) لتغيره: فيحرم، إلا إذا حبس وعلف عشرة أيام. قوله: (والحطب الموجود في الماء: حلال) أي إن لم يكن له قيمة، لأن إلقاء مثل هذا يدل على إباحته، فيحل الانتفاع به، حتى إذا كانت له قيمة: لا يحل. قوله: (والثمر الساقط تحت الشجر: لا يحل في المصر) لأنه لم يخرج من ملك صاحبه، سواء كان مما يتسارع إليه الفساد أو لا. قوله: (وأما خارج المصر) أي وأما الثمر الساقط تحت الشجر في خارج المصر (فإن كان مما يبقى كالجوز واللوز ونحوهما: لا يحل) لانعدام الإذن في أخذه (وإن كان مما لا يبقى: كالمشمش والخوخ: حل) لعدم النهي فيه عادة، حتى إذا نهى عنه صاحبه: لا يحل. قوله: (ويحل الثمر الموجود في الماء الجاري وإن كثر) لأنه يعدم بجريان الماء، فأخذه أولى من تركه، بخلاف ما إذا كان في الماء الواقف. وقوله: (ولو وقع ما نثر من السكر والدراهم في حجر رجل، فأخذه غيره: حل) لأنه مباح، والمباح لمن سبق يده إليه. إلا أن يكون الأول قد تهيأ له، أو ضمه إلى نفسه، لأنه بذلك يملكه، فيحرم لغيره أن يأخذه.

стр. 378

ثم النهبة هل هي جائزة؟ فعن محمد: أنها جائزة إذا كان أذن فيها صاحبها، فقد صح أن النبي ﷺ : نحر يوم النحر خمسة أبعرة، وقال: "من شاء فليقطع". قوله: (وكذا لو وضع طشتاً على سطحه فاجتمع فيه ماء المطر، إن وضعه لذلك) أي لاجتماع ماء المطر (فهو له) ولا يجوز لغيره أن يأخذه (وإن لم يضعه لذلك: فهو لمن أخذه) لأنه مباح. قوله: (ويحرم أكل التراب والطين) لورود النهي فيه، ولأنه يورث الاصفرار ووجع المثانة. وقيل: لم يكن فرعون قط إلا وهو آكل الطين، ثم قيل: أنه يحرم مطلقاً، وقيل: إلا الطين الأرمني والنيسابوري، لأنه يؤكل للدواء، ويميل إليه الطبع، وفيه نظر: لأن العلة إذا كان أكله للتداوي: فالجميع كذلك عند الحاجة، وإن كان ميلان الطبع إليه: فمن الطبائع طبيعة تميل الجميع. قوله: (ويحل خضاب اليد والرجل للنساء، ما لم يكن فيه تماثيل) أي صور، لأن ذلك من أجل الزينة، فيجوز لهن بشرط أن يمتنعن عن المحرم. قوله: (ويحرم للرجال) أي يحرم خضاب اليد والرجل للرجل (والصبيان مطلقاً) يعني سواء كانت فيه تماثيل أو لم تكن، لأنهم ممنوعون عن مثل هذه الزينة، إلا لأجل التداوي.

стр. 379

قوله: (ولا بأس بخضاب الرأس واللحية بالحناء والوسمة للرجال والنساء) لقوله ﵇: "إن احسن ما غيرتم به الشبب: الحنا والكتم" رواه ابن ماجة. والوسمة بفتح الواو وسكون السين المهملة: ورق النيل. والكتم بفتح الكاف والتاء ثالث الحروف: نبات يخلط مع الوسمة للخضاب.

стр. 380

فصل هذا فصل في بيان ما يحل من اللباس وما لا يحل ونحوها قوله: (ويحل لبس الحرير والقز للنساء لا للرجال) لما روي عن أبي موسى الأشعري "أن النبي ﷺ أحل الذهب والحرير للإناث من أمته، وحرم على ذكورها" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. قوله: (ولو كانوا) أي ولو كان الرجال (مقاتلين) هذا عند أبي حنيفة، لإطلاق النص، وقالا: يجوز ما داموا مقاتلين، لأنه أهيب لعين العدو. قوله: (إلا العلم الحرير، أو المنسوج بالذهب قدر أربعة أصابع عرضاً) لما روي عن عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا: ورفع رسول الله ﷺ السبابة والوسطى وضمهما" رواه أحمد ومسلم والبخاري. وفي لفظ "نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة" رواه مسلم وأحمد وأبو داود وجماعة أخر. قوله: (ويحل توسده والنوم عليه لهما) أي للرجال والنساء، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه ﵇ جلس على مرفقة حرير، وقالا: يكره للرجال. قوله: (بخلاف اللحاف) لأنه مثل اللبس في التنعم.

стр. 381

قوله: (ويحل تعليق السترة على الباب للحاجة) مثل دفع الحر والبرد، أو لئلا يطلع عليه أحد داخل البيت. وهذا على الخلاف الذي في توسد الحرير. قوله: (ويحرم تكة الحرير والديباج) لأنه في معنى اللبس. قوله: (ولبنتهما) بكسر اللام وسكون الباء، أي يحرم لبنة الحرير والديباج، وهي قطعة من الحرير أو الديباج يعمل في جيب القميص أو الجبة. قوله: (ويحل لبس ما سداه حرير مطلقاً) يعني سواء كان في دار الحرب أو لا، لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، وهو اسم للمسدى بالحرير. قوله: (وما لحمته حرير: يحل في الحرب خاصة) لأن العبرة باللحمة، غير أن في الحرب ضرورة، وأما الحرير الخالص في الحرب: فغير جائز عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، وقد مر. قوله: (ولا يحل للرجال من الذهب شيء) لما روينا (ويجوز لهم من الفضة: الخاتم والنمطقة وحلية السيف) وهذه مستثناة لمعنى النموذج، والفضة أغنت عن الذهب، لأنهما من جنس واحد. قوله: (والتختم بالحجر والحديد والصفر: حرام للرجال والنساء) لما روي أنه ﵇ رأى على رجل خاتم صفر فقال: "ما لي أجد منك رائحة الأصنام". ورأى على آخر خاتم حديد فقال: "مالي أرى عليك حلية أهل النار". قوله: (والمعتبر: الحلقة) لأن قوام الخاتم بها، ولا يعتبر بالفص حتى يجوز من الحجر. قوله: (ويجعل الرجل الفص إلى باطن كفه) لما روي أنه ﵇ "كان يجعل فصه مما يلي كفه" رواه ابن ماجة.

стр. 382

قيد بالرجل: لأن المرأة تختتم كيفما تشاء، لأنه للزينة في حقها. قوله: (والأفضل لغير القاضي والسلطان ممن لا يحتاج إلى الختم: تركه) لعدم الاحتياج إليه. قوله: (ولا يتجاوز وزنه) أي وزن الخاتم (مثقالاً) لقوله ﵇: "اتخذه من الورق ولا تزده على مثقال". قوله: (ولا يشد السن المتحرك بالذهب: بل بالفضة) وهذا عند أبي حنيفة، لأن الحاجة تندفع بالأدنى، فلا يصار إلى الأعلى. وقالا: يحل بالذهب أيضاً. قوله: (ولو قطع أنفه أو سقط سنه: عوض بفضة) لاندفاع الحاجة بها (فإن أنتن: عوضه بالذهب) لما روي "أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم كلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن، فأمره ﵇ أن يتخذ أنفاً من ذهب". قوله: (ويحرم إلباس الصبيان الذهب والحرير) لأنه لما ثبت التحريم في حق الذكور، وحرم اللبس: حرم الإلباس أيضاً، كالخمر لما حرم شربها: حرم سقيها الصبي، وكذا الميتة والدم. قوله: (والإثم على الملبس) لأن الصبي مرفوع عنه القلم.

стр. 383

قوله: (ويحرم حمل المنديل تكبراً) لأنه يشبه زي الأعاجم. قوله: (ويحل) أي يحل حمل المنديل (لمسح العرق وبلل الوضوء والمخاط والريق) لأن "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". وفي الجامع الصغير: "يكره حمل الخرقة التي يمسح بها العرق، لأنها بدعة محدثة" والأول أصح. قوله: (كالتربع بحل للحاجة) مثل الضعف والعلة في الرجلين ونحوهما. (ويحرم لأجل التكبر) وعلى هذا التفصيل: الاتكاء. قوله: (ويحرم النظر إلى غير الوجه والكفين من الحرة الأجنبية) لقوله ﵇: "من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة". واستثناء الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قال علي وابن عباس: ما ظهر منها: الكحل والخاتم، والمراد بهما موضعهما: وهو الوجه والكف. قوله: (وفي القدم روايتان) في رواية: لا ينظر إليها، وفي رواية رواها الحسن عن أبي حنيفة: أنه يباح النظر إلى قدمها أيضاً.

стр. 384

وعن أبي يوسف: أنه يباح النظر إلى ذراعها. قوله: (فإن خاف الشهوة: لم ينظر إلى الوجه أيضاً) لما روينا، ولكن خرج منه بعض الأشياء للضرورة، فإذا خاف: لم ينظر أصلاً إلا للحاجة، مثل الحاكم ينظر للحكم، والشاهد ينظر للشهادة، والطبيب ينظر لموضع المرض. قوله: (وكذا لو شك) يعني لو شك في الشهوة: لاي نظر أيضاً أصلاً، لأن الحرمة غالبة. قوله: (ولا يحل للشاب مس الوجه والكفين، وإن أمن الشهوة) لوجود المحرم، وانعدام الضرورة. قوله: (إلا من عجوز) يعني إذا كانت عجوزاً (لا تشتهي: فلا بأس بمصافحتها ومس يديها) لانعدام خوف الفتنة. قوله: (وكذا لو كان شيخاً وأمن عليه وعليها) أي وكذا تحل المصافحة ونحوها لو كان الرجل شيخاً وأمن على نفسه وعلى نفسها، لانعدام الفتنة (حتى إذا خاف عليها: حرم) لما فيه من التعرض للفتنة. قوله: (والصغيرة التي لا تشتهي: يحل مسها) لانعدام الشهوة، حتى إذا مات صغيراً أو صغيرة: يغسله الرجل والمرأة ما لم يبلغ حد الشهوة. قوله: (ويحل للقاضي عند الحكم، والشاهد عند الأداء خاصة، وللخاطب: النظر مع خوف الشهوة) وذلك للضرورة، فرخص لهم إحياء لحقوق الناس، ودفعاً لحاجتهم. ولكن يقصد القاضي بالنظر: الحكم، والشاهد: إقامة الشهادة، والخاطب: إقامة السنة، بقدر الإمكان، لا قضاء الشهوة، تحرزاً عن القبيح بقدر الإمكان. قيد بقوله: (عند الأداء خاصة) لأنه إذا خاف الشهوة: لا يحل له النظر إليها عند التحمل، لأنه يوجد من لا يشتهي. قوله: (ويحل للطبيب النظر على موضع المرض منها) أي من المراة (إن لم يمكنه تعليم امرأة) اعلم أنه ينبغي للطبيب أن يعلم امراة إن أمكن، لأن نظر الجنس أخف، وإن لم يمكن: ستر كل عضو منها سوى موضع المرض، ثم ينظر ويغض بصره عن غير ذلك الموضع ما استطاع، لأن ما ثبت بالضرورة: يتقدر بقدرها.

стр. 385

قوله: (وكذا الحافظة) وهي التي تحفظ النساء: أي تقطع بصورهن (والخاتن) وهو الذي يختن الرجال (والحاقن) وهو الذي يعمل الحقنة. يعني: هؤلاء ينظرون إلى موضع الختان، وموضع الاحتقان، لكن بطريق ما ذكرنا. قوله: (وينظر الرجل من الرجل: إلى جميع بدنه إلا عورته، وهي ما بين السرة والركبة) وقد مر في كتاب الصلاة. قوله: (ويمس ما ينظر إليه) أي يمس الرجل من أعضاء الرجل ما يجوز له النظر إليه. قوله: (وتنظر المرأة من الرجل ذلك) أي جميع بدنه (غير عورته، إن أمنت الشهوة) لأن ما ليس بعورة لا يختلف فيه النساء والرجال. قوله: (وفي رواية أنها) أي المرأة (لا تنظر منه) أي من الرجل (إلا إلى ما ينظر هو) أي الرجل (إليه من محارمه) فعلى هذه الرواية: لا تنظر المرأة إلى ظهره وبطنه أيضاً. قوله: (وتنظر المرأة من المرأة: إلى ما ينظر الرجل إليه من الرجل) وهو جميع بدنها، إلا من سرتها إلى ركبتها. قوله: (وينظر) أي نظر (الرجل من أمته التي تحل له، وزوجته: إلى جميع بدنها سواء كان بشهوة او غير شهوة) لقوله ﵇: "غض بصرك إلا عن زوجتك وأمتك". والأولى: ألا ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ينظر إلى فرج امرأته وقت الوقاع، ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. وإنما قيد الأمة بقوله: (التي تحل له) احترازاً عن الأمة المجوسية والمشركة، فإنه لا يحل له النظر إلى فرجها. قوله: (وينظر) أي الرجل ينظر (من محارمه: إلى ما ورا ءالبطن والظهر والفخذ)

стр. 386

لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ولم يرد به نفس الزينة، لأن النظر إلى غير الزينة مباح مطلقاً، ولكن المراد موضع الزينة، فالرأس: موضع التاج، والشعر: موضع الكحل، والعنق والصدر: موضعا القلادة، والأذن: موضع القرط، والعضد: موضع الدملوج، والساعد: موضع السوار، والكف: موضع الخاتم والخضاب، والساق: موضع الخلخال، والقدم: موضع الخضاب، بخلاف الظهر والبطن والفخذ، لأنها ليست بمواضع الزينة. قوله: (والمحرم كل من يحرم نكاحه على التأبيد بنسب، مثل: الأم والأخت والبنت والعمة والخالة ونحوهن، أو بسبب: كالرضاع والصهرية). قوله: (ولو أنها) أي الصهرية (بزنا) وقيل: إذا كانت المصاهرة بزنا: لا يجوز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها كالأجنبية، والأول أصح، لأنها محرمة على التأبيد. قوله: (ويمس ذلك أيضاً) أي يمس ما حل النظر إليه من محارمه، لتحقق الحاجة إلى ذلك في المسامرة والمخالطة. قوله: (فإن خاف عليه) أي على نفسه (أو عليها) أي أو خاف على نفسها (لا ينظر ولا يمس) لقوله ﵇: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". فكان تحت كل واحد منها نوع زناً، والزنا محرم بجميع أنواعه، وحرمة الزنا بالمحارم أشد وأغلظ.

стр. 387

قوله: (ولا بأس بالخلوة بها) أي بمحارمه، لقوله ﵇: "لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل، فإن ثالثهما الشيطان". والمراد: إذا لم يكن محرماً، لأن المحرم بسبيل منها، إلا إذا خاف عليه أو عليها لما قلنا. قوله: (والسفر معها) أي مع محارمه، لقوله ﵇: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها". قوله: (وينظر من أمة غيره إذا أمن الشهوة إلى ما ينظر إليه من محارمه) لأنها تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها في ثياب مهنتها، وحالها مع جميع الرجال: كحال المرأة مع محارمها. قوله: (ولو كانت) أي ولو كانت الأمة (أم ولد لغيره، أو مكاتبته، أو مدبرته، أو مستسعاته، ففي الخلوة بها والسير معها قولان: في قول: يجوز) لوجود الحاجة، وقيام الرق فيهن (وفي قول: لا يجوز). قوله: (ويحل له مس ذلك) أي الموضع الذي يجوز له أن ينظر إليه: كالصدر والساق والذراع والرأس (وقت الشراء وإن خاف الشهوة) للضرورة (وقيل: يحل له النظر إليها وقت الشراء مع خوف الشهوة، ولا يحل المس معه) أي مع خوف الشهوة، لاندفاع الحاجة بالنظر فقط.

стр. 388

قوله: (والخصي) وهو الذي قلعت خصيتاه (والمجبوب) وهو مقطوع الذكر والخصيتين، (والمخنث) وهو الذي يعمل الردي من الأفعال، وهو الذي يؤتى: (كالفحل في جميع الأحكام) لإطلاق النصوص، ولأن الخصي: ذكر يشتهي ويجامع، والمجبوب: يشتهي ويسحق وينزل، والمخنث: كغيرهمن الرجال، بل هو من الفساق، فيبعد عن النساء. قوله: (والعبد كالأجنبي في رؤية سيدته) أي عبد المرأة: كالأجنبي من الرجال في رؤية مولاته، حتى لا يجوز لها أن تبدي من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا ما يجوز أن ينظر إليه من الأجنبية، لأنه فحل، غير محرم ولا زوج، والشهوة متحققة، والحاجة قاصرة، لأنه يعمل خارج البيت. وقال مالك والشافعي: نظره إليها كنظر الرجل إلى محارمه. قوله: (ويحل له) أي للعبد (الدخول على سيدته من غير إذن) للضرورة. قوله: (ويعزل عن أمته بغير إذنها) لأنه لا حق لها في الوطء. قوله: (وعن زوجته) أي ويعزل عن زوجته (الحرة بإذنها) لأن لها حقاً في الوطء، حتى كان لها المطالبة بقضاء الشهوة، وتحصيلاً للولد، ولهذا تخير في الجب والعُنة. قوله: (ويعزل عن زوجته الأمة بإذن مولاها) هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يعزل إلا بإذن الأمة. قوله: (ويكره تقبيل الرجل الرجل ومعانقته) لأنه ﵇ "نهى عن المكاعمة: وهي التقبيل، وعن المكامعة: وهي المعانقة" رواه الطحاوي.

стр. 389

وفي الجامع الصغير: "ويكره أن يقبل فم الرجل أو يده، أو شيئاً منه، أو يعانقه". وذكر الطحاوي: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة. وقالوا: الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، وإذا كان عليهما قميص أو جبة: فلا بأس به بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي. قوله: (ولا بأس بالمصافحة) لأنها سنة قديمة متواترة في البيعة وغير ذلك، وقال ﵇: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" رواه ابن ماجة. قوله: (وقيل: لا بأس بهما) أي بالمعانقة والمصافحة جميعاً (إذا قصد المبرة والإكرام). قوله: (ولا بأس بتقبيل يد العالم، والسلطان العادل، على سبيل التبرك) وكذلك تقبيل يد الأبوين، والشيخ، والرجل الصالح. وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره: فهو مكروه، ولا رخصة فيه. وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلاطين: فحرام، والفاعل والراضي به: آثمان، لأنه يشبه عبادة الوثن. وذكر الصدر الشهيد: "أنه لا يكفر بهذا السجود، لأنه يريد به التحية". وقال السرخسي: "السجود لغير الله على وجه التعظيم: كفر". وفي التتمة: "إذا سجد للسلاطين للتحية: لا يكفر" فيفهم من هذا القيد أنه إذا سجد للتعظيم: يكفر.

стр. 390

فصل هذا الفصل في بيان الاحتكار وغيره قوله: (ويحرم احتكار أقوات الناس) مثل الحنطة، والعدس، والحمص، ونحوها (وأقوات البهائم) مثل الشعير، والتبن، لقوله عليه السالم: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" رواه ابن ماجة. قوله: (فقط) إشارة إلى تخصيص الاحتكار بأقوات بني آدم والبهائم، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: كل ما ضر بالعامة حبسه: فهو احتكار، وإن كان ثياباً أو دراهم ونحوها. ثم مدة الاحتكار: قبل أربعون ليلة، وقيل: شهر، وقيل: المدة للعاقبة في الدنيا، وأما الإثم فيحصل، وإن قلت المدة. قوله: (في البلد الصغير) لأن الضرر يقع في هذا، حتى إذا كان البلد كبيراً: لا يكون محتكراً، لأنه حابس ملكه من غير إضرار لغيره، وتلقي الجلب على هذا التفصيل. قوله: (ومن احتكر غلة أرضه، أو ما جلبه من بلد آخر: حل) لأنه خالص حقه، فلم يتعلق به حق العامة، فلا يكون احتكاراً. وقال أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جلبه من بلد آخر. قوله: (ويحرم التسعير) لقوله ﵇: "لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق".
следующие страницы →