← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

نافع عن ابن عمر: "أن لها الخيار ما لم يمسها" (١)، ويجوز لزوجها وطؤها بعد عتقها مع عدم علمها به، ولبنت تسع أو بنت دونها إذا بلغتها (٢)، ولمجنونة إذا عقلت الخيار دون ولي لأن طريقه الشهوة فلا تدخله الولاية كالقصاص، فإن طلقت قبل فسخ وقع الطلاق؛ لأنه من زوج عاقل يملك العصمة فنفذ كما لو لم تعتق، وبطل خيارها إن كان الطلاق بائنا لفوات محله. وإن عتقت الرجعية أو عتقت ثم طلقها رجعيا فلها الخيار ما دامت في العدة، ولفسخها فائدة فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، وإذا فسخت بنت على ما مضى من عدتها؛ لأن الفسخ لا ينافي عدة الطلاق، وتتم عدة حرة؛ لأنها رجعية عتقت في عدتها. ومتى فسخت بعد دخول فمهرها لسيدها لوجويه بالعقد وهي ملكه حالته، وإن فسخت قبله فلا مهر نصا (٣) لمجئ الفرقة من قبلها كما لو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ به نكاحها. ومن شرط معتقها أن لا تفسخ نكاحها ورضيت صح ولزمها؛ لأن العتق بشرط صحيح. ولمالك زوجين بيعهما، وله بيع أحدهما ولا فرقة بذلك؛ لأنه لا أثر له في النكاح، ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان إذا أراد عتقهما ابتدأ بالرجل لئلا يثبت لها

стр. 1297

عليه خيار فتفسخ نكاحه، لحديث عائشة: "أنه كان لها غلام وجارية فتزوجا، فقالت للنبي ﷺ : أريد أن أعتقهما، فقال لها: ابدئي بالرجل قبل المرأة" (١) وعن صفية بنت أبي عبيد (٢) أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: "إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار" (٣). في إعساره لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا أملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن العسرة نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب، وإنما اعتبرت الكفاءة في الرجل دون المرأة؛ لأن الولد بشرف أبيه لا أمه، وقد تزوج رسول اللَّه -

стр. 1298

- ﷺ بصفية بنت حيي (١)، وتسرى بالإماء (٢)، وموالي بني هاشم لا يشاركونهم في الكفاءة في النكاح نصا، صححه في "الإنصاف" ونقل مهنا (٣): "أنهم كفؤ لهم" (٤).

стр. 1299

(فصل) في حكم العيوب فى النكاح أي ما يثبت به الخيار منها وما لا خيار به (وعيب نكاح) المثبت للخيار (ثلاثة أنواع) أي أقسام: - (نوع مختص بالرجل) وثبوت الخيار لأحد الزوجين إذا وجد بالآخر عيبا في الجملة روي عن عمر (١) وابنه (٢) وابن عباس (٣)؛ لأنه يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب والعنة، ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح فجاز ردها بعيب كالصداق، ولأن الرجل أحد الزوجين فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة، وأما العمى والزمانة (٤) ونحوهما فلا يمنع المقصود بالنكاح وهو الوطء بخلاف الجذام والبرص والجنون ونحوها (٥) فإنها توجب نفرة تمنع من قربانه بالكلية و [المجنون] (٦) يخاف منه الجناية فهو كالمانع الحسي.

стр. 1300

والنوع الذي يختص بالرجل (كجب)، أي قطع الذكر كله أو بعضه بحيث لم يبق منه ما يطأ به أو أشله، فإذا وجدت المرأة زوجها مقطوع الذكر أو أشله فلها الفسخ في الحال، فإن أمكن وطؤه بالباقي فادعاه وأنكرته قبل قولها في عدم إمكانه؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء، أو وجدته قد قطع خصيتاه أو رض بيضتاه -أي عرقهما حتى ينفسخا- أو سلا؛ لأن فيه نقصا يمنع الوطء ويضعفه، (و) كـ (عنة) أي عجز عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه، من عن الشيء إذا اعترض لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه -أي يعترض- (١). (ونوع) -أي قسم- من العيوب (مختص بالمرأة) وهو النوع الثاني من العيوب المثبتة للخيار (كسد فرج) بحيث لا يسلكه ذكر، (و) إن كان ذلك بأصل الخلقة فهو (رتق)، والرتق: تلاحم الشفرين خلقة، وإلا يكن بأصل الخلقة فهو قرن وعفل، فهما شيء واحد، وقيل: القرن لحم زائد ينبت في الفرج فيسده، والعفل: ورم يكون في اللحمة التي بين مسلكي المرأة فيضيق منه فرجها فلا ينفذ فيه الذكر، حكاه الأزهري (٢). وقيل: القرن عظم، والعفل رغوة فيه تمنع لذة الوطء، ويثبت به الخيار على كل الأقوال، وكبخر في فرج أو قروح سيالة أو كونها فتقاء بانخراق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج بول ومني، أو كونها مستحاضة، فيثبت للزوج الخيار بكل من هذه. (ونوع مشترك بينهما) -أي بين الرجل والمرأة- وهو النوع الثالث من العيوب المثبتة للخيار (كجنون) ولو أحيانا، وإن زال العقل بمرض فإغماء لا خيار به فإن زال

стр. 1301

المرض ودام فجنون، (و) كـ (جذام) ويرص وبخر فم -أي نتنه- ومما يخففه السواك، قال بعضهم: والدواء القوي لعلاجه أن يتغرغر بالصبر ثلاثة أيام على الريق ووسط النهار وعند النوم ويتمضمض بالخردل بعد الثلاثة ثلاثة أيام أخر يفعل ذلك في كل ما يتغير فيه فمه إلى أن يبرأ، وإمساك الذهب في الفم يزيل البخر، وكاستطلاق بول ونجو (١) وباسور وناصور -دآءن بالمقعدة معروفان-، وقرع رأس له ريح منكرة (٢)، وكون أحدهما خنثى غير مشكل، (فيفسخ بكل من ذلك) لما فيه من النفرة أو النقص أو خوف تعدي أذاه أو تعدي نجاسته، (ولو حدث) ذلك (بعد دخول)؛ لأنه عيب في النكاح يثبت به الخيار مقارنا فاثبته طارئا كالإعسار، ولأنه عقد على منفعة فحدوث العيب بها يثبت الخيار كالإجارة، أو كان بالفاسخ عيب مثله أو مغاير له. و(لا) يثبت الخيار (بنحو عمى) وعور (وطرشى) وخرس وعرج (وقطع يد أو) قطع (رجل) وقرع لا ريح له، وكون أحدهما عقيما أو نضوا (٣)؛ لأن ذلك لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه (إلا بشرط) الزوج نفي ذلك فإن بانت بخلافه فله الخيار، ولمحذا لو شرطته حرا أو ظنته وتقدم (٤)، ولا يثبت خيار في عيب زال بعد عقد

стр. 1302

لزوال سببه، ولا لعالم به وقته لدخوله على بصيرة. (ومن) ادعت عنة زوجها فـ (ثبتت عنته) بإقرار أو بينة أو عدما فطلبت يمينه فنكل ولم يدع وطئا قبل دعواها (أجل سنة) هلالية ولو عبدا (من حين ترفعه إلى الحاكم)؛ لأن العجز قد يكون لعنة وقد يكون لمرض فتضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وبالعكس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراق مزاج زال في فصل الاعتدال، فإن مضت الفصول الأربعة ولم يزل علم أنها خلقة، ولا يحتسب عليه من السنة مدة اعتزال الزوجة له، (فإن) مضت السنة (ولم يطأ) ها -أي الزوجة- (فيها) أي السنة (فلها الفسخ) لما تقدم، وثبوت الخيار لامرأة العنين بعد تأجيله سنة روي عن عمر (١) وعثمان (٢) والمغيرة بن شعبة (٣) وعليه فتوى فقهاء الأمصار (٤)؛ لأنه قول من سمي

стр. 1303

من الصحابة ولا مخالف لهم، ولأنه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب، فإن علم أن عجزه عن الوطء لعارض كصغر ومرض يرجى زواله لم تضرب له المدة، وإن قال وطئتها وأنكرت وهي ثيب فقولها إن ثبتت عنته قبل دعواه وطئها لأن الأصل عدم الوطء وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ وهو ثبوت العنة، وإلا تثبت عنته قبل دعواه وطئها فالقول قوله؛ لأن الأصل السلامة، وإن كانت بكرا وثبتت عنته وبكارتها أجل سنة كما لو كانت ثيبا؛ لأن وجود العذرة يدل على عدم الوطء وعليها اليمين إن قال: أزلتها وعادت لاحتمال صدقه، وإن شهد بزوالها لم يؤجل؛ لأنه لم يثبت له حكم العنين وحلف إن قالت: زالت بغيره لاحتمال صدقها، ومن اعترفت بوطء زوجها لها في قبل بنكاح ترافعا فيه ولو مرة، أو في حيض أو نفاس أو إحرام أو ردة أو صوم واجب ولو بعد ثبوت عنته فقد زالت لإقرارها بما يتضمن زوالها وهو الوطء فليس بعنين لاعترافها بما ينافي دعواها، ومجنون تثبت عنته كعاقل في ضرب المدة؛ لأن مشروعية الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء، ويستوي فيه المجنون والعاقل، فإن لم تثبت عنته لم تضرب له مدة، ويسقط حق زوجة عنين ومقطوع بعض ذكره بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها. (وخيار عيب على التراخي)؛ لأنه لدفع ضرر متحقق أشبه خيار القصاص، (لكن يسقط) خيار (بما يدل على الرضا) من وطء أو تمكين مع علم

стр. 1304

بالعيب، كما يسقط بقول نحو: أسقطت خياري كمشتري المعيب يسقط خياره بالقول وبما يدل على رضاه بالعيب، ولو جهل الحكم أو زاد العيب أو ظنه يسيرا فبان كثيرا كظنه البرص في قليل من جسدها فبان في كثير منه فيسقط خياره؛ لأنه من جنس ما رضي به، و (لا) يسقط الفسخ (في عنة إلا بقول) امرأة العنين: "أسقطت حقي من الخيار لعنته" ونحوه لأن العلم بعدم قدرته على الوطء لا يكون بدون التمكين فلم يكن التمكين دليل الرضا فلم يبق إلا القول. (ولا) يصح (فسخ) من له الخيار (إلا بـ) حكم (حاكم)؛ لأنه فسخ مجتهد فيه أشبه الفسخ للإعسار بالنفقة فيفسخه الحاكم بطلب من له الخيار، أو يرده إلى من له الخيار فيفسخه ويكون كحكمه، ويصح فسخ لعيب مع غيبة زوج. (فإن فسخ) النكاح (قبل دخول فلا مهر) لها سواء كان الفسخ من الزوج أو من الزوجة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيب دلسته بالإخفاء فكأنه منها ولم يجعل فسخها لعيبه كأنه منه لتدليسه؛ لأن العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت الفسخ مع سلامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج وإنما لها الخيار لما يلحقها من الضرر لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا، فلو زوج عبده بجارية آخر وجعل رقبته صداقا لها وأعتقه مالك الجارية وظهر العبد على عيب بها قبل الدخول ففسخ رجع على معتقه مالك الجارية بقيمته لأنه مهرها، (و) إن فسخ النكاح لعيب زوجة أو زوج (بعده) -أي بعد دخول- فـ (لها) -أي الزوجة- (المسمى) في عقد كما لو طرأ العيب بعد الدخول؛ لأنه يجب بالعقد ويستقر بالدخول فلا يسقط بحادث بعده، ولذلك لا يسقط بردتها، ولا بفسخ من جهتها.

стр. 1305

(ويرجع) زوج (به) -أي بنظير مسمى- غرمه (على مغر) له من زوجة عاقلة وولي ووكيل، ويقبل قول ولي ووكيل في عدم علمه بالعيب حيث لا بينة بعلمه؛ لأن الأصل عدمه فلا غرم عليه؛ لأن التغرير من غيره، فلو وجد التغرير من زوجة وولي فالضمان على الولى؛ لأنه المباشر، ومن المرأة والوكيل الضمان بينهما نصفان (١) قاله الموفق (٢)، وكذا لو تزوج رجل امرأة فأدخلوا عليه غيرها فوطئها فعليه مهر مثلها ويرجع به على من غره ويلحقه الولد إن حملت نصا للشبهة، وتجهز إليه امرأته بالمهر الأول نصا (٣). وإن طلقت المعيبة قبل دخول وقبل العلم بالعيب فعليه نصف الصداق ولا يرجع به على أحد، وكذا لو مات أحدهما قبل العلم بالعيب فلا رجوع بالصداق المستقر بالموت على أحد؛ لأن سبب الرجوع الفسخ ولم يوجد. وليس لولي صغير أو صغيرة أو مجنون أو مجنونة أو سيد أمة تزويجهم بمعيب يرد به في النكاح لوجوب نظره لهم بما فيه الحظ والمصلحة وانتفاء ذلك في هذا العقد، ولا لولي حرة مكلفة تزويجها به بلا رضاها فلو فعل مع علمه بالعيب لم يصح النكاح، وإلا يعلم صح وله الفسح إذا علم، وفي "الإقناع" (٤): "يجب الفسخ على ولي غير المكلف والمكلفة وسيد الأمة".

стр. 1306

وإن اختارت مكلفة عنينا أو مجبوبا لم يمنعها وليها؛ لأن الحق في الوطء لها دونه، وإن اختارت مجنونا أو مجذوما أو أبرص فلوليها منعها منه؛ لأن فيه عارا عليها وعلى أهلها وضررا يخشى تعديه إلى الولد؛ كمنعها من تزوجها بغير كفؤ، وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به بعده لم تجبر على الفسخ؛ لأن حق الولي في ابتداء العقد لا دوامه، ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم تلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.

стр. 1307

فصل فى حكم نكاح الكفار وما يقرون عليه لو ترافعوا إلينا أو أسلموا وهو صحيح، وحكمه كنكاح المسلمين فيما يجب به من وقوع الطلاق والظهار والإيلاء ووجوب المهر والنفقة والقسم والإباحة للمطلق ثلاثا بعد نكاح زوج غيره والإحصان، ودليل صحته قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١) و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ (٢) فأضاف النساء إليهم، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة، وقال ﵊: "ولدت من نكاح لا سفاح" (٣) وإذا ثبتت الصحة ثبتت أحكامها كأنكحة المسلمين، ومنها: وقوع الطلاق لصدوره من أهله في محله كطلاق المسلم، ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين. (ويقر الكفار على نكاح فاسد) إذا خالف أنكحة المسلمين (إن اعتقدوا صحته) في دينهم، ولأن ما لا يعتقدون صحته ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة ولم يرتفعوا إلينا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. . .﴾ الآية (٤) فدل على أنهم يخلون وأحكامهم إن لم يجيئوا إلينا، ولأنه ﷺ

стр. 1308

أخذ الجزية من مجوس هجر (١) ولم يعترضهم في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم (٢)، فإن أتونا قبل عقد نكاحهم عقدناه على حكمنا بإيجاب وقبول وولي وشاهدي عدل منا كأنكحة المسلمين، (وإن) أتونا بعده أو (أسلم الزوجان) على نكاح لم نتعرض لكيفية العقد، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع" (٣)، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي ﷺ وأسلم نساؤهم فأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم النبي ﷺ عن شروط النكاح ولا كيفيته. (و) إن كانت (المرأة تباح) للزوج (إذن) -أي حال الترافع أو الإسلام- كعقد في عدة فرغت نصا (٤)، أو عقد على أخت زوجة ماتت، أو بلا شهود، أو بلا ولي، أو بلا صيغة (أقرا) على نكاحهما لما تقدم، وإن حرم [وقت] (٥) ابتداء نكاحها وقت الترافع أو الإسلام كذات محرم أو في عدة لم تفرغ أو كانت حبلى من غيره ولو من زنا

стр. 1309

أو استدام نكاح مطلقته ثلاثا ولو معتقدا حلها فرق بينهم؛ لأنه حال يمنع من ابتداء العقد فمنع استدامته كنكاح ذوات المحارم. وإن أسلم الزوجان معا بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين، ولحديث أبي داود عن ابن عباس: "أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي ﷺ ، ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول اللَّه! إنها كانت أسلمت معي فردها عليه" (١)، أو أسلم زوج كتابيةكتابيا كان أو لا فهما على نكاحهما ولو قبل الدخول؛ لأن المسلم له ابتداء نكاح الكتابية فاستدامته أولى، وإن أسلمت كتابية تحت كافر كتابي أو غيره قبل دخول انفسخ نكاحهما؛ لأنه لا يجوز لكافر ابتداء نكاح مسلمة، أو أسلم أحد زوجين غير كتابيين قبل دخول انفسخ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ (٢) ولها نصف المهر إن أسلم الزوج فقط لمجيء الفرقة من قبله بإسلامه، كما لو طلقها، أو أسلما وادعت سبقه بالإسلام فتحلف وتأخذ نصف المهر لما تقدم، ولا تقبل دعواه بسقوطه؛ لأن الأصل خلافه، كان قال الزوج أسلمنا معا فنحن على النكاح فأنكرته فالقول قولها، لأنه الظاهر لبعد اتفاقهما في الإسلام دفعة واحدة، وإن أسلم أحد الزوجين غير الكاتبيين، أو أسلمت كتابية تحت كافر بعد الدخول وقف

стр. 1310

الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الثاني قبله فهما على نكاحهما لحديث مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال: "كان بين إسلام صفوان بن أمية (١) وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم فلم يفرق النبي ﷺ بينهما" (٢) واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وهذا بخلاف ما قبل الدخول فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة كالمطلقة، وإلا يسلم الثاني قبل انقضاء العدة تبينا فسخ النكاح منذ أسلم الأول منهما لاختلاف الدين، ولا تحتاج لعدة ثانية، فلو وطئ في العدة ولم يسلم الثاني فيها فلها مهر مثلها، وإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة وبعد الوطء فلا مهر، وإن أسلمت قبله فلها نفقة العدة ولو لم يسلم لتمكنه من الاستمتاع بها وإبقاء نكاحها بإسلامه في عدتها أشبهت الرجعية، وإن أسلم قبلها فلا نفقة لأنه لا سبيل له لتلافي نكاحها فأشبهت البائن، ويجب الصداق بكل حال لاستقراره بالدخول وسواء كان بدار الإسلام أو دار الحرب، أو أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب، ومن هاجر إلينا بذمة مؤلدة أو مسلما أو مسلمة والآخر بدار الحرب لم ينفسخ نكاحهما بالهجرة.

стр. 1311

(بَابُ الصَّدَاقِ) بفتح الصاد وكسرها (١)، يقال: ، صْدَقْتُ المرأةَ ومَهَرْتُهَا، وهو العوض المسمى في عقد نكاح وبعده لمن لم يسم لها فيه (٢)، وكما يسمى صداقًا يسمى مهرًا، وصَدُقَةً، ونِحْلَةً، وفَرِيْضَةً، وأجْرًا، وعلائق (٣)، وعُقرًا (٤)، وحِبَاءً (٥)، وقد نظم بعضهم منها ثمانية في بيت فقال: صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِخلَةٌ وفَرِيْضَةٌ ... حَبَاءٌ وأجْرٌ ثُمَّ عَقْرٌ عَلَائق (٦) وهو مشروع في نكاح إجماعًا (٧) لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ

стр. 1312

نِحْلَةً﴾ (١) قال أبو عبيد (٢): "يعني عن طيب نفس به كما تطيب النفس بالهبة". (٣) وقيل: نحلة من اللَّه للنساء (٤)؛ ولأنه ﷺ تزوج وزوج بناته على صدقات ولم يتركه في النكاح (٥). و(يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ) أي الصداق (في العَقْدِ) لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٦) ولما تقدم من فعله ﵇، ولأن تسميته أقطع (٧) للنزاع وليست شرطا لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ

стр. 1313

عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) وروي أنه ﵇: "زوج رجلا امرأة ولم يُسَمِّ لها مهرًا" (٢). (و) يسن (تَخْفِيْفُهُ) -أي الصداق- لحديث عائشة مرفوعًا: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" رواه أبو حفص (٣)، وعن أبي هريرة: "أن رجلا تزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي ﷺ على كم تزوجتها؟ فقال: على أربع أواق قال له النبي ﷺ : على أربع أواق! تنحتون الفضة من عُرْضِ (٤) هذا الجبل" رواه

стр. 1314

مسلم (١)، ويستحب أن لا ينقص عن عشرة دراهم، وأن يكون من أربعمائة درهم فضة وهو صداق بنات النبي ﷺ إلى خمسمائة درهم وهي صداق أزواجه ﷺ لما روى أبو العجفاء (٢) قال: "سمعت عمر يقول: لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق الرسول ﷺ امرأة من نسائه أكثر من ثنتي عشرة أوقية" رواه الترمذي (٣)، وعن أبى سلمة قال: "سألت عائشة كم كان صداق رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدرى ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية

стр. 1315

فتلك خمسمائة درهم" رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (١)، والأوقية كانت أربعين درهما، وإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس؛ لحديث أم حبيبة (٢): "أن النبي ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشبة زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة (٣) فلم يبعث إليها النبي ﷺ بشيء" رواه أحمد والنسائي (٤)، ولو كره لأنكره، وكان له ﷺ أن يتزوج بلا مهر لقوله تعالى: ﴿

стр. 1316

وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ الآية (١). (و) لا يتقدر الصداق فـ (كل ما صح ثمنا) في بيع (أو أجرة) في إجارة (صح مهرا) وإن قل لحديث: "التمس ولو خاتما من حديد" (٢)، وحديث: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يده طعاما كانت له حلالا" رواه أبو داود بمعناه (٣)، وعن

стр. 1317

عامر بن ربيعة (١): "أن امرأة من فزارة (٢) تزوجت على نعلين، فقال رسول اللَّه ﷺ : أرضيت من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه (٣)، واشترط الخرقي (٤): أن يكون له نصف يتمول فلا

стр. 1318

يجوز على فلس ونحوه. وتبعه عليه جمع وصاحب "الإقناع" (١)، فيصح النكاح على عين ودين حال ومؤجل ولو على منفعة زوج أو غيره معلومة مدة معلومة، كرعاية غنمها مدة معلومة أو على عمل معلوم كلخياطة ثوبها ورد قنها من محل معين، ومنافع الحر والعبد سوءا لقوله تعالى حكاية عن شعيب وموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٢) ولأن منفعة الحر يجوز العوض عنها في الإجارة فجازت صداقا كمنفعة العبد، والقول بأنها ليست مالا ممنوع بأنه يجوز المعاوضة عنها وبها ثم إن لم تكن المنفعة مالا فقد أجريت مجرى المال، فإن كانت المنفعة مجهولة كرد عبدها أين كان وخدمتها فيما شاءت لم تصح التسمية (٣) كالثمن في المبيع والأجرة في الإجارة، ويصح النكاح على تعليم معين من فقه أو حديث إن كانت مسلمة أو شعر مباح أو أدب أو صنعة، كخياطة أو كتابة ولو لم يعرف العمل الذي أصدقه إياها ويتعلمه ثم يعلمها إياه لأن التعليم يكون في ذمته

стр. 1319

أشبه ما لو أصدقها مالا في ذمته لا يقدر عليه حال الإصداق، ويجوز أن يقيم لها من يعلمها، وإن تعلمته من غيره لزمته أجرة تعليمها، وكذا إن تعذر عليه تعليمها أو أصدقها خياطة ثوب فتعذرت عليه كما لو تلف الثوب، وإن أتته بغيرها ليعلمه ما أصدقها لم يلزمه لأن المستحق عليه العمل في عين لم يلزمه إيقاعه في غيرها كما لو استأجرته لخياطة ثوب معين فاتته بغيره ليخيطه لها، ولأن المتعلمين يختلفون في التعليم اختلافا كثيرا، وقد يكون له غرض في تعليمها فلا يلزمه تعليم غيرها، وإن أتاها بغيره ليعلمها لم يلزمها قبوله لاختلاف المعلمين في التعليم، وقد يكون لها غرض في التعلم منه لكونه زوجها، وعليه بطلاقها قبل تعليم ودخول نصف الأجرة وبعد دخول كلها، وإن علمها ثم سقط الصداق لمجيء الفرقة من قبلها رجع بالأجرة، ويرجع مع تنصفه لنحو طلاقها بعد أن علمها وقبل دخول بنصف الأجرة، وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينا لم يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) والطول: المال (٣)، وما روي أن النبي ﷺ زوج رجلا

стр. 1320

على سورة من القرآن ثم قال: "لا تكون لأحد بعدك" رواه البخاري (١)، ولأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لفاعله فلم يصح أن يقع صداقا كالصوم والصلاة، وأما حديث الموهوبة وقوله ﵇ فيه: "زوجتكها بما معك من القرآن" متفق عليه (٢)، فقيل معناه زوجتكها لأنك من أهل القرآن، كما زوج أبا طلحة (٣) على إسلامه (٤) وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم، ويحتمل أن يكون خاصا بذلك

стр. 1321

الرجل لحديث البخاري (١)، ومن تزوج أو خالع نساء بمهر أو عوض واحد صح وقسم بينهن على قدر مهور مثلهن لأن الصفقة اشتملت على أشياء مختلفة القيمة فوجب تقسيم العوض عليها بالقيمة كما لو اشترى شقصا وسيفا، ولو قال بينهن قسم على عددهن بالسوية؛ لأن إضافته إليهن إضافة واحدة. (فإن لم يسم) الصداق في العقد وهو تفويض البضع (أو بطلت التسمية) كعلى خمر أو خنزير أو مال مغصوب (وجب مهر) الـ (مثل بعقد) لأن المرأة لا تسلم إلا ببدل ولم يسلم البدل وتعذر رد العوض فوجب بدله كبيعه سلعة عمر فتتلف عند مشتر، ولا يضر جهل يسير في صداق، فلو أصدقها عبدا من عبيده أو دابة من دوابه أو قميصا من قمصانه ونحره صح ولها أحدهم بقرعة نصا (٢) لأن الجهالة فيه يسيرة ويملك التعيين فيه بالقرعة بخلاف ما إذا أصدقها عبدا وأطلق، ولو أصدقها قفيزا من حنطة ونحوه صح ولها الوسط لأنه العدل، وإن تزوجها على ألف إِن لم تكن له زوجة أو إن لم يخرجها من دارها أو من بلدها، وعلى ألفين إن كانت له زوجة أو أخرجها صح

стр. 1322

ذلك، لأن خلو المرأة من ضرة أو سرية تغايرها وتضيق عليها من أكبر أغراضها المقصودة، وكذا بقاؤها بدارها أو بلدها بين أهلها وفي وطنها ولذلك تخفف صداقها لتحصيل غرضها وتغليه عند فواته، وإن أصدقها عتق قن له صح لا طلاق زوجة له أو جعل طلاقها إليها مدة ولو معلومة لحديث ابن عمر مرفوعا: "لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" (١) ولأن خروج البضع من الزوج ليس يتمول فهو كما لو أصدقها نحو خمر ولها مهر مثلها لفساد التسمية، ومن قال لسيدته: "أعتقيني على أن أتزوجك" فأعتقته أو قالت ابتداء: "أعتقتك على أن تتزوجني" عتق مجانا فلا يلزمه أن يتزوج بها؛ لأن ما شرطته عليه حق له فلا يلزمه، ومن قال: "أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي" فأعتقه على ذلك لزمته قيمته لمعتقه بعتقه ولم يلزمه تزويج ابنته، كقوله لآخر: "أعتق عبدك على أن أبيعك عبدي"، وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح نصا (٢) فإن تعذر عليه عتقه فلها قيمته، وإن تزوجها على عبد فخرج حرا أو مغصوبا فلها قيمته ويقدر حر عبدا يوم عقد لرضاها بقيمته إن ظنته مملوكا له وكما لو وجدته معيبا فردته، وتخير في عين جعلت لها صداقا كدار وعبد بان جزء منها مستحقا بين أخذ قيمة العين كلها أو أخذ الجزء غير المستحق وقيمة الجزء المستحق لأن الشركة عيب فكان لها الفسخ بها كغيرها من العيوب، أو عين ذرعها فبانت أقل

стр. 1323

[خُيِّرت] (١) بين أخذه وأخذ قيمة ما نقص وبين الرد وأخذ قيمة الجميع، وما وجدت به عيبا أو ناقصا صفة شرطتها فكمبيع يجده مشترٍ معيبا أو ناقصا صفة شرطها فيه، ولمتزوجة على عصير بان خمرا مثل العصير لأنه مثلي، وإن قال أصدقتها هذا الخمر وأشار إلى خل أو عبد فلان هذا وأشار إلى عبده صحت التسمية ولها المشار إليه كبعتك هذا الأسود أو الطويل مشيرا إلى أبيض أو قصير. (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا) -أي المرأة- (على ألفٍ لها وألفٍ لأَبِيها) أو على أن كل الصداق لأبيها إن صح تملكه من مال ولده، وتقدم بيان شروطه في الهبة (صَحَّ، فلو طَلَّقَ قَبْلَ دُخولٍ رَجَعَ بأَلفِها) فقط (ولا شئَ على الأَبِ لهما) لأنه أخذ من مال ابنته ألفا فلا يجوز الرجوع به عليه، وإن شرط الأب الكل له وطلق الزوج قبل دخول رجع عليها بقدر نصف الصداق، ولا شيء على الأب إن قبضه بنية تملكه لأنا قدرنا أن الجميع صار لها ثم أخذه الأب منها، فصار كأنها قبضته ثم أخذه منها وعلم منه أن الأب لا يملكه بالشرط بل بالقبض مع النية، (وإِنْ شُرِطَ لغيرِ الأبِ شيءٌ) كجدها وأخيها (فالكُلِّ لَها) ويبطل الشرط نصًّا (٢). (وَيَصِحُّ تأْجِيلُهُ) -أي الصداق- (وإِنْ (٣) أُطْلِقَ الأَجَلُ) ولم يذكر محله بأن قيل على كذا مؤجلا (فَمَحلُّهُ الفُرقَةُ) البائنة؛ لأن اللفظ المطلق يحمل على العرف والعرف في الصداق المؤجل ترك المطالبة إلى الموت أو البينونة فيحمل عليه فيصير حينئذ معلوما

стр. 1324

بذلك، وإن أطلق فلم يقيد بحلول ولا أجل صح ويكون حالا لأن الأصل عدم التأجيل. ولأب تزويج بكر وثيب بدون صداق مثلها ولو كبيرة وإن كرهت نصًّا (١) لأن عمر خطب الناس فقال: "ألا لا تغالوا في صداق النساء فما أصدق رسول اللَّه ﷺ أحدًا من نسائه ولا أحدًا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" (٢) وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر، فكان اتفاقا منهم على أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق مهر المثل، وزوّج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين (٣) وهو من أشراف قريش نسبًا وعلمًا ودينًا، ومن المعلوم أنهما ليسا مهر مثلها، ولأن المقصود من النكاح السكن والازدواج ووضع المرأة في منصب عند من يصونها ويحسن عشرتها دون العوض، ولا يلزم الزوج ولا الأب تتمته لصحة التسمية، وإن فعل ذلك غير الأب بأن زوجها بدون مهر مثلها بإذنها صح مع رشدها ولا اعتراض لأن الحق لها وقد أسقطته كما لو أذنت في بيع سلعتها بدون قيمتها وبدون إذنها يلزم زوجها تتمته لفساد التسمية إذن لأنها غير مأذون فيها فوجب على الزوج مهر المثل كما لو تزوجها بمحرّم، وعلى الولي ضمانه لأنه المفرط كما لو باع مالها بدون قيمته، ونَصّ الإمام أحمد يلزم الولي تتمته لأنه مفرط بعقده بدون مهر المثل (٤)، كما يلزم تتمته مقدرًا من زوّج موليته بدون ما قدرته له من

стр. 1325

صداق، ولا يصح كون المهر المسمى من يعتق على زوجة كان تزوجها على أبيها أو أخيها أو عمها لأنه يؤدي إلى إتلاف الصداق عليها إذ لو صحت التسمية لملكته ولو ملكته لعتق عليها إلا أن يكون بإذن زوجة رشيدة فيصح لأن الحق لها وقد رضيت، وإن زوج أب ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل صح ولزم المسمى الابن، لأن المرأة لم ترض بدونه فلا ينقص منه، وقد يكون للابن غبطة ومصلحة في بذل الزيادة على مهر المثل والأب أعلم بمصلحته في ذلك، ولا يضمنه أب مع عسرة ابن لنيابة الأب عنه في التزويج أشبه الوكيل في شراء سلعة، ولو قيل له: ابنك فقير من أين يؤخذ الصداق؟ فقال: عندي ولم يزد على ذلك لزمه المهر عنه لأنه صار ضامنا بذلك، وكذا لو ضمنه عنه غير الأب أو ضمن عنه نفقتها مدة معينة فيصح موسرا كان أو معسرا، ولو قضاه الأب عن ابنه ثم طلق الابن الزوجة ولم يدخل بها ولو قبل بلوغ فنصفه للابن دون الأب لأن الطلاق من الابن وهو سبب استحقاق الرجوع بنصف الصداق فكان لمتعاطي سببه دون غيره، وكذا لو أرتدت ونحوه فرجع كله ولا رجوع للأب فيه لأن الابن لم يملكه من قبله، وكذا لو قضاه عنه غير الأب ثم تنصف أو سقط ويأتي، ولأب قبض صداق بنت محجور عليها لصغر أو جنون أو سفه لأنه يلي مالها فكان له قبضه كثمن مبيعها، ولا يقبض أب ولا ولي غيره صداق رشيدة ولو بكرا إلا بإذنها لأنها المتصرفة في مالها فاعتبر إذنها في قبضه كثمن مبيعها.

стр. 1326

تَتِمَّةٌ: - وإن تزوج عبد بإذن سيده صح وله نكاح أمة ولو أمكنه نكاح حرة، ومتى أذن له وأطلق نكح واحدة فقط نصًّا (١)؛ لأنه المتبادر من الإطلاق ويتعلق صداق ونفقة وكسوة ومسكن بذمة سيده، سواء ضمن ذلك أو لم يضمنه وسواء كان العبد مأذونًا له في التجارة أو لا نصًّا (٢)، فإن باعه سيده أو أعتقه لم يسقط الصداق عنه كأرش جناية، ويتعلق زائد على مهر مثلٍ لم يؤذن للعبد فيه أو زائد على ما سمي له برقبته كأرش جناية، وإن تزوج عبد بلا إذن سيده لم يصح النكاح فهو باطل نصًّا (٣)، وكذا لو أذن في معينة أو من بلد معين أو جنس معين فخالفه لما روى جابر مرفوعًا: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" رواه أحمد وغيره (٤)، والعُهْرُ دليل بطلان النكاح إذ لا يكون عاهرًا مع صحته، ويجب في رقبته بوطئه في نكاح لم يأذن فيه سيده مهر المثل لأنه قيمة البضع الذي أتلف بغير حق أشبه أرش الجناية، ومن زوج عبده أمته لزم العبد مهر المثل يتبعه سيده به بعد عتقه نصًّا (٥) لأن النكاح إتلاف

стр. 1327

بضع يختص به العبد فلزمه عوضه في ذمته، وإن زوج عبده حرة ثم باعه لها بثمن في الذمة من جنس المهر تقاصا إن اتحد الدينان جنسا وصفة وحلولا وتأجيلا أجلا واحدا، فإن اتحد قدرهما سقطا وإلا سقط بقدر الأقل من الأكثر، ولرب الزائد الطلب بالزائد، وينفسخ النكاح بملكها زوجها، ولو جعل السيدُ العبدَ صداقَ زوجته الحرة بطل العقد، وإن باعه لها بمهرها صح قبل دخول وبعده لأن المهر مال يصح جعله ثمنا لغير هذا العبد فصح أن يكون ثمنا له كغيره من الأموال، وينفسخ النكاح، ويرجع سيد باع العبد لزوجته الحرة في فرقة قبل دخول بنصف المهر لأن البيع إنما تم بالسيد القائم مقام الزوج فلم يتمحض سبب الفرقة من قبلها، وكذا لو طلقها العبد ونحوه قبل دخول وكانت قبضت المهر رجع عليها سيده بنصفه. (وَتَمْلِكُهُ) -أي المهر- كاملا زوجة حرة وسيدُ أمةٍ (بعقدٍ) لحديث: "إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك" (١) ولأن النكاح عقد يملك فيه المعوض بالعقد فملك به العوض كاملا كالبيع، وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد إذ لو ارتدت سقط جميعه وإن كانت قد ملكت نصفه، ولها نماء مهر معين كعبد ودار معينة من حين عقد فكسب العبد ومنفعة الدار لها لأنه نماء ملكها ولحديث: "الخراجُ بالضَّمَانِ" (٢) ولها التصرف في المهر ببيع ونحوه لأنه ملكها، إلا نحو مكيل قبل قبضه،

стр. 1328

وضمانه ونقصه إن تلف أو تعيب على الزوج إن منعها قبضه لأنه كالغاصب، وإلا فضمانه عليها كزكاته، والصداق غير المعين لم يدخل في ضمانها إلا بقبضه كمبيع ولا تملك تصرفا فيه إلا بقبضه.

стр. 1329

فَصْلٌ فى المُفَوّضَةِ بكسر الواو وفتحها فالكسر على إضافة الفعل للمرأة على أنها فاعلة، والفتح على إضافته لوليها، والتفويضُ: الإهمال، كان المهر أهمل حيث لم يسم (١) قال الشاعر: لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضًى لا سَرَاةَ لهم ... ولا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُم سَادُوا (٢) والتفويض نوعان: - تفويض بُضْعٍ: وهو المشار إليه بقوله (ويَصِحُّ تفويضُ بُضْع بأَنْ يُزَوّجَ أبٌ ابنتَهُ المُجْبَرَة) بلا مهر (أَوْ) يزوج (وليّ غيرها) -أي غير المجبرة- وهي الثيب البالغة من أب أو أخ ونحوه (بإذْنِهَا بلا مهرٍ) لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣) ولحديث ابن مسعود: "أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وَكْس (٤) ولا شَطَط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي (٥) فقال: قضى رسول اللَّه ﷺ في بَرْوَعَ بنت

стр. 1330

واشق (١) امرأة منا مثل ما قضيت" رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح" (٢)، وسواء قال زوجتك بلا مهر أو زاد لا في الحال ولا في المآل لأن معناهما واحد. والنوع الثاني: تفويض المهر، بأن يجعل المهر إلى رأي أحد الزوجين أو غيرهما (كـ) قوله: زوجتك بنتي أو أختي أو نحوهما (على ما شاءت) الزوجة أو على ما شاء الزوج (أو) على ما (شاء فلان) وهو أجنبي من الزوجين أو قريب لهما أو لأحدهما فيصح. (ويجب لها بعقد مهر مثل) لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق لكنه مجهول فسقط لجهالته فوجب مهر المثل، فلو فوض مهر أمة ثم بيعت أو عتقت ثم فرض لها مهر المثل فهو لسيدها حال العقد، ولها مع ذلك ومع فساد تسمية كإن تزوجها على خمر

стр. 1331

ونحوه طلب فرضه قبل دخول وبعده فإن امتنع أجبر عليه لأن النكاح لا يخلو من مهر، ويصح إبراؤها من المهر قبل فرضه لانعقاد سبب وجوله وهو النكاح، فإن تراضيا ولو على شيء قليل أو كثير صح إن كانا جائزي التصرف، وإن كان الزوج محجورا عليه لحظه فليس لوليه بذل أكثر من مهر مثلها، وإن كانت كذلك فليس لوليها الرضا بأقل من مهر مثلها، وإلا يتراضيا على شيء فرضه حاكم بقدر مهر مثل لأن الزيادة عليه ميل على الزوج والنقص منه (١) ميل على الزوجة والميل حرام. (ويستقر) مهر مثل لمفوضة (بدخول) كالمسمى، وكذا لو خلا بها ونحوه، (وإن مات أحدهما) أي الزوجين في نكاح التفويض (قبل دخول) بمفوضة (و) قبل (فرض) حاكم مهر المثل (ورثه الآخر) سواء كان الميت الزوج أو الزوجة لحديث ابن مسعود، ولأن ترك التسمية لا يقدح في صحة النكاح، (ولها) مع موت أحدهما وكذا سائر ما يقرر المهر (مهر نسائها) المساوية لها من جميع أقاربها (كأمها وعمتها وخالتها) وغيرهن كأخت وبنت أخ أو عم القربى فالقربى لقوله في حديث ابن مسعود: "ولها صداق نسائها" فإن المرأة تنكح لحسبها للأثر (٢)، وحسبها يختص به أقاربها ويزداد المهر لذلك ويقل لعدمه، ويعتبر التساوي في مال وجمال وعقل وأدب وسن وبكارة أو ثيوبة وبلد وصراحة نسب وكل ما يختلف لأجله المهر؛ لأن مهر المثل بدل متلف وهذه الصفات مقصودة فيه فاعتبرت، فإن لم يكن في نسائها إلا دونها زيدت بقدر فضيلتها لأن زيادة فضيلتها تقتضي زيادة مهرها فتقدر الريادة بقدر الفضيلة، أو لم يوجد في نسائها إلا

стр. 1332

فوقها نقصت بقدر نقصها كأرش عيب يقدر بقدر نقص المبيع، وتعتبر عادة نسائها في تأجيل مهر أو بعضه أو تخفيف عن عشيرتهن دون غيرهم فإن اختلفت عادتهن أخذ بوسط حال، من نقد البلد فإن تعدد فمن غالبه، وإن لم يكن لها أقارب من النساء اعتبر شبهها بنساء بلدها فإن عدمن فبأقرب النساء شبها بها من أقرب بلد إليها. (وإن طلقت) مفوضة (قبلهما) -أي قبل دخول وفرض مهر- (لم يكن لها) -أي المفوضة- (عليه) -أي المطلق- (إلا المتعة) نصا (١) وهو قول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٤) والأمر يقتضي الوجوب وأداء الواجب من الإحسان فلا تعارض، وكل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة إذا كانت مفوضة، وكل فرقة تسقط المسمى كاختلاف دين وفسخ لرضاع من قبلها لا تجب به متعة لقيامها مقام نصف المسمى فتسقط في كل موضع يسقط فيه (وهي) -أي المتعة- (بقدر يسره وعسره)

стр. 1333

نصا (١) اعتبارا بحال الزوج لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢) فأعلاها خادم إذا كان الزوج موسرا والخادم الرقيق ذكرا كان أو أنثى، وأدناها إذا كان الزوج معسرا كسوة تجزيء الزوجة في صلاتها وهي درع وخمار أو ثوب تصلي فيه بحيث يستر ما يجب ستره، ولا تسقط المتعة إن وهبته مهر المثل أي أبرأته منه قبل الفرقة لظاهر الآية، ولأنها إنما وهبته مهر المثل فلا تدخل فيه المتعة، ولا يصح إسقاطها قبل الفرقة لأنها لم تجب بعد كإسقاط الشفعة قبل البيع، وإن وهب الزوج للمفوضة شيئا ثم طلقها قبل دخول وفرض فلها المتعة نصا (٣)، لأن المتعة إنما تجب بالطلاق فلا يصح قضاؤها قبله. (ويجب مهر مثل لمن وطئت) ولو كان الوطء من مجنون بنكاح باطل إجماعا كنكاح خامسة أو معتدة، أو وطئت (بشبهة) إن لم تكن حرة عالمة مطاوعة فيهما (أو) وطئت بـ (زنا كرها) أي مكرهة إن كان الوطء في قبل لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" (٤) أي نال منه وهو الوطء لأن ذكر الاستحلال في غير موضع الحل دليل على إرادة المباشرة المقصودة منه وهي الوطء، قلت: ومن ذلك قول نساء الجاهلية الطائفات بالبيت عراة:

стр. 1334

اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله (١) (لا أرش بكارة) فلا يجب (معه) أي مع المهر لأن الأرش يدخل في مهر المثل فلا يجب مرة أخرى، وسواء كانت الموطؤة أجنبية أو من ذوات محارمه لأن ما ضمن للأجنبي ضمن للقريب كالمال بخلاف اللواط فإنه غير مضمون على أحد لعدم ورود الشرع ببدله، ويتعدد مهر في وطء شبهة بتعدد شبهة كان وطئها ظانا أنها زوجته خديجة ثم وطئها ظانا أنها زوجته فاطمة ثم وطئها ظانا أنها سريته فيجب لها ثلاثة مهور، فإن اتحدت الشبهة وتعدد الوطء فمهر واحد، ويتعدد المهر بتعدد إكراه على زنا، وإن اتحد الإكراه وتعدد الوطء فمهر واحد، ويجب مهر بوطء ميتة كالحية، وقال القاضي: وطء الميتة محرم ولا مهر ولا حد (٢)، ولا يجب مهر بوطء مطاوعة على زنا لأنه إتلاف بضع برضا مالكه فلم يجب له شيء كسائر المتلفات، وسواء كان الوطء في قبل أو دبر، غير أمة فيجب لسيدها مهر مثلها على زان بها ولو مطاوعة لأنها لا تملك بضعها فلا يسقط حق سيدها بطواعيتها، وغير مبعضة طاوعت على الزنا فلا يسقط حق سيدها بمطاوعتها بل له من مهرها بقدر رق، وعلى من أذهب عذرة أجنبية -بضم العين أي بكارتها- (٣) بلا وطء أرش بكارتها لأنه إتلاف جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه فيرجع فيه إلى أرشه كسائر المتلفات وهو ما بين مهرها بكرا وثيبا ذكره في

стр. 1335

"الإقناع" وغيره (١)، ومقتضى ما يأتي في الجنايات أن أرشه حكومة (٢)، وإن فعله زوج ثم طلق قبل دخول أو خلوة لم يكن عليه إلا نصف المسمى لقوله تعالى: الآية (٣) وهذه مطلقة قبل المسيس والخلوة فليس لها إلا نصف المسمى، ولأنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد فلا يضمنه لغيره كما لو أتلف عذرة أمته، ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد كالنكاح بلا ولي قبل طلاق أو فسخ لأنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى إيقاع فرقة كالصحيح المختلف فيه، ولأن تزويجها بلا فرقة يفضي إلى تسليط زوجين عليها كل واحد يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر بخلاف النكاح الباطل، فإن أبى زوج فسخه حاكم نصا (٤) لقيامه مقام الممتنع مما وجب عليه، فإن تزوجت بآخر قبل التفريق لم يصح النكاح الثاني ولم يجز تزويجها لثالث حتى يطلق الأولان أو يفسخ نكاحهما.
следующие страницы →