← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

خاتما لقوله ﵇: "ولا الحلي" (١)، ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى نكاحها، وترك لبس ملون من ثياب لزينة كأحمر وأصفر وأخضر وأزرق صافيين، وما صبغ قبل نسج كالمصبوغ بعده، وترك تحسين بحناء أو إسفيداج (٢)، وترك تكحل بكحل أسود بلا حاجة إليه، ولها اكتحال بنحو توتيا (٣)، وترك تحمير وجه ونحوه لحديث أم عطية (٤): "كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب" رواه

стр. 1577

الشيخان (١)، وقي رواية قالت: "قال رسول اللَّه ﷺ : لا يحل لامرأة تومن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاث إلا زوج، فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار" متفق عليه (٢)، والعصب: ثياب يمانية فيها بياض وسواد يصبغ غزلها ثم ينسج، قاله القاضي (٣)، وصحح في "الشرح" (٤): أنه نبت يصبغ به. ولا تمنع من صبر يطلى به بدنها، لأنه لا طيب فيه إلا في الوجه فلا تطلي به وجهها، لحديث أم سلمة قالت: "دخل علي رسول ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال: ماذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه، لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" (٥)، ولا تمنع من ليس أبيض ولو حسنا من

стр. 1578

إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته فلا يلزم تغييره كالمرأة الحسناء الخلقة لا يلزمها تغيير نفسها في عدة الوفاة وتشوييها، ولا تمنع [من] (١) ملون (٢) لدفع وسخ، ككحلي، وكأخضر غير صاف لأنه في معنى ثوب العصب، ولا تمنع من نقاب؛ لأنه ليس منصوصا عليه ولا هو في معنى المنصوص عليه، والمحرمة منعت منه لمنعها من تغطية وجهها، ولا تمنع من أخذ ظفر ونحوه، ولا من تنظف وغسل وامتشاط ودخول حمام لأنه لا يراد للزينة ولا طيب فيه. (ويحرم بلا حاجة تحولها) أي المعتدة لوفاة (من مسكن وجبت) العدة (فيه)، وهو الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه ولو مؤجرا أو معارا، روي عن عمر (٣) وعثمان (٤) وابن عمر (٥) وابن

стр. 1579

مسعود (١) وأم سلمة (٢)، لحديث فريعة (٣) وفيه: "امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا" رواه الخمسة وصححه الترمذي (٤)، فإن كان خروجها لحاجة لم يحرم، كخروجها لخوف على

стр. 1580

نفسها أو مالها، وتحويل مالك المسكن لها، ولطلبه فوق أجرته المعتادة، أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها؛ لأن الواجب السكن لا تحصيل المسكن، فإذا تعذرت السكنى سقطت فيجوز تحولها إلى حيث شاءت لسقوط الواجب للعذر، ولم يرد الشرع بالاعتداد في معين غيره فاستوى في ذلك القريب والبعيد. ولا تخرج معتدة لوفاة ليلا؛ لأن الليل مظنة الفساد، (ولها الخروج لحاجتها نهارا)، ولو كان لها من يقوم بمصالحها، فلا تخرج لغير حاجتها كعيادة وزيارة ونحوهما. ومن سافرت زوجته بإذنه أو معه لنقلة إلى بلد آخر فمات قبل مفارقة البنيان رجعت واعتدت بمنزله؛ لأنها في حكم المقيمة، أو سافرت لغير النقلة ولو لحج ولم تحرم ومات قبل مسافة قصر رجعت واعتدت بمنزله، لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن (١) سعيد بن المسيت قال: "توفي أزواج نساء وهن حاجات أو معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن" (٢)، ولأنها أمكنها أن تعتد في منزلتها

стр. 1581

قبل أن تبعد فلزمها كما لو لم تفارق البنيان. وإن مات زوجها بعد مفارقة البنيان إن كان سفرها لنقلة، أو بعد مسافة قصر إن كان لغيرها تخير بين الرجوع فتعتد في منزلها وبين المضي لقصدها؛ لأن كلا من البلدين سواء إليها، لأنها كانت ساكنة بالأول ثم خرج عن كونه منزلا لها بإذنه في الانتقال كما لو حولها قبله، والثاني لم يصر منزلها؛ لأنها لم تسكنه، وحيث مضت أقامت لقضاء خاجتها، فإن كان لنزهة أو زيارة، فإن كان قدر مدة إقامتها وإلا أقامت ثلاثا، فإذا مضت وقضت حاجتها، فإن كان خوف ونحوه أتمت العدة بمكانها، وإذا إن كانت لا تصل إلى منزلها إلا بعد انقضائها، وإلا لزمها العود لتتمها به. وتعتد بائن بطلقة أو أكثر أو فسخ بمكان مأمون من البلد الذي بانت فيه حيث شاءت منه نصا (١)، لحديث فاطمة بنت قيس قالت: "طلقني زوجي ثلاثا، فأذن لي رسول اللَّه ﷺ أن أعتد في أهلي" رواه مسلم (٢) ولا تبيت إلا به، ولا تسافر قبل انقضاء عدتها لما في البيتوتة بغير منزلها وسفرها إلى غير بلدها من التبرج والتعرض للريبة، وإن أراد مبينها إسكانها بمنزله أو غيره مما يصلح لها تحصينا لفراشه ولا محذور فيه من رؤية ما لا يحل له رؤيته أو خوف عليها ونحوه لزمها ذلك؛ لأن الحق له فيه، وضرره عليه، فكان على اختياره وإن لم تلزمه نفقة، كمعتدة لوطء شبهة أو من نكاح فاسد

стр. 1582

أو مستبرأة لعتق فتجب السكنى عليهن بما يختاره الواطئ والسيد تحصينا لفراشه بلا محذور، ولا يلزم الواطئ ولا السيد إسكانها حيث لا حمل. ورجعية في لزوم منزل مطلق كمتوفى عنها زوجها نصا (١)، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٢)، وسواء أذن لها المطلق في الخروج أو لا؛ لأنه من حقوق العدة، وهي حق للَّه تعالى فلا يملك الزوج إسقاط شيء من حقوقها كما لا يملك إسقاطها، ومن امتنع من لزمته سكنى زوجته أو مبانته أجبره الحاكم بطلب من وجبت لها كسائر الحقوق عليه. وإن غاب اكترى عنه حاكم من ماله لقيامه مقامه في أداء ما وجب عليه، أو اقترض عليه إن لم بِحد له مالا، أو فرض أجرته لتؤخذ منه إذا حضر، وإن اكترت المسكن من وجبت لها السكنى بإذن من وجبت عليه، أو بإذن حاكم إن عجزت عن استئذانه، أو بدونهما ولو مع قدرة على استئذان حاكم رجعت بمثل ما اكترت به، لقيامها عنه بواجب كسائر من أدى عن غيره دينا واجبا بنية رجوع، ولو سكنت في ملكها بنية رجوع عليه بأجرته فلها أجرته لوجوب إسكانها عليه فلزمته أجرته، ولو سكنت ملكها أو اكترت مسكنا مع حضوره وسكوته فلا طلب لها عليه بشيء؛ لأنه ليس بغائب ولا ممتنع ولا آذن، كما لو أنفق على نفسه من لزمت غيره نفقته في هذه الحال.

стр. 1583

فصل في استبراء الإماء من البراءة -أي التمييز والانقطاع- يقال: برئ اللحم من العظم إذا قطع عنه وفصل (١). وهو شرعا: قصد علم براءة رحم ملك يمين من قن ومكاتبة ومدبرة وأم ولد ومعلق عتقها بصفة، من حمل غالبا (٢)، بوضع حمل أو حيضة أو شهر أو بعشرة أشهر، -وسيأتي تفصيل ذلك-، عند حدوث ملك بشرإء أو هبة ونحوهما، وعند زواله بعتق أو زوال استمتاعه بأن أراد تزويجها. والأصل فيه حديث رويفع بن ثابت (٣) مرفوعا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم اللآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" رواه أحمد وغيره (٤)، ولأبي سعيد في سبي أوطاس (٥)

стр. 1584

مرفوعا: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض" رواه أحمد وأبو داود (١). ويجب الاستبراء في ثلاثة مواضع فقط بالاستقراء (٢): - أحدها: ما ذكره بقوله: (ومن ملك) من ذكر ولو طفلا (أمة) بإرث أو شراء ونحوه (يوطأ مثلها) بكرا كانت أو ثيبا ولو مسبية، أو لم تحض لصغر أو إياس (من أي شخص كان) ملكها منه ولو طفلا (حرم عليه وطء) ـها (ومقدماته) من نحو قبلة (قبل استبراء) لما تقدم، وكالعدة قال أحمد: "بلغني أن العذارء تحمل" فقال له بعض أهل المجلس: نعم قد كان في جيراننا. (٣) ومقدمات الوطء مثله، ولأنها لا يؤمن كونها حاملا (٤) من بائعها فهي أم ولده فلا يصح بيعها، فيكون مستمتعا بأم ولد غيره، فإن

стр. 1585

عتقت قبل الاستبراء لم يجز أن ينكحها ولم يصج نكاحها منه إن تزوجها حتى يستبرئها؛ لأنه (١) كان يحرم عليه وطوها قبل استبرائها قبل العتق فحرم عليه تزوجها بعده كغيره ولو لم يكن بائعها يطأ. ومن أخذ من مكاتبه أمة حاضت عنده أو باع أو وهب أمته ثم عادت إليه بفسخ أو غيره ولو قبل تفرقهما عن المجلس حيث انتقل الملك وجب إستبراؤها ولو قبل قبض. ولا يجب استبراء إن عادت إليه مكاتبته أو رحمها المحرم بعجز أو فك أمته من رهن أو أخذ من عبده التاجر أمة وقد حضن قبك ذلك لعدم تجدد الملك، أو أسلحت مجوسية حاضت عند سيد مسلم، أو أسلمت مرتدة حاضت كما تقدم، أو ملك صغيرة لا يوطئ مثلها؛ لأن براءة رحمها محسوسة، ولا يجب استبراء بملك أنثى من أنثى أو ذكر؛ لأنه لا فائدة فيه، قلت: ولعله إن كان البائع الذكر استبرأها وإلا فلا بد من الاستبراء إن أرادت تزويجها واللَّه أعلم. وسن استبراء لمن ملك زوجته بإرث أو شراء ونحوهما ليعلم وقت حملها إن كانت حاملا، ومتى ولدت لستة أشهر فأكثر منذ ملكها فأم ولد وإلا فلا. [و] (٢) يجزئ استبراء من ملكت بشراء أو غيره قبل قبض، ولمشتر زمن خيار لوجود الاستبراء، وهي في ملكه كما بعد القبض أو انقضاء الخيار. ويد وكيل كيد موكل لقيامه مقامه، ومن ملك معتدة من غيره أو متزوجة فطلقها زوجها بعد دخول، أو مات زوجها اكتفي بالعدة لحصول العلم بالبراءة بها، فلا فائدة في الاستبراء.

стр. 1586

وله وطء معتدة منه بغير طلاق ثلاث فيها (١)؛ لأنه لا يلزمه استبراؤها من مائه. وإن طلقت من ملكت مزوجة (٢) قبل دخول وجب استبراؤها نصا (٣)، وقال: هذه حيلة وضعها أهل الرأي لا بد من استبرائها لأنه تجدد له الملك فيها ولم يحصل استبراؤها في ملكه، فلم تحل له بغير استبراء كما لو لم تكن مزوجة، ولأنه ذريعة إلى إسقاط الاستبراء بأن يزوجها البائع إذا أراد بيعها ثم إذا أتم البيع طلقها زوجها قبل دخوله. الموضع الثانى: إذا وطئ أمته التي يوطأ مثلها ثم أراد تزويجها أو بيعها حرما حتى يستبرئها؛ لأن الزوج لا يلزمه استبراء فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، ولأن عمر: "أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطأها قبل استبرائها" (٤)، ولأن المشتري يجب عليه الاستبراء لحفظ مائه فكذا البائع، وللشك في صحة البيع قبل الاستبراء لاحتمال أن تكون أم ولد، ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئها فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فلو خالف فزوجها أو باعها قبل استبرائها صح البيع -لأن الأصل عدم الحمل- دون النكاح فلا يصح كتزوج المعتدة، وإن لم يطأ سيد أبيح البيع والنكاح قبل الاستبراء لعدم وجوبه إذن. الموضع الثالث: إذا أعتق أم ولده أو سريته، أو مات عنها لزمها استبراء [نفسها] (٥)؛ لأنها فراش لسيدها وقد فارقها بالعتق أو الموت، فلم يجز أن تنتقل إلى

стр. 1587

فراش غيوه بلا استبراء، ولا يلزمها استبراء إن استبرأها قبل عتقها لحصول العلم ببراءة الرحم، أو أراد تزوجها بعد عتقها فلا استبراء لأنها لم تنتقل إلى فراش غيره. ويحصل استبراء (حامل بوضع) ماتنقضي به العدة للآية والخبر والمعنى (١)، (و) استبراء (من تحيض بحيضة) تامة، لحديث: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" (٢). (و) استبراء (آيسة وصغيرة) وبالغة لم تحض (بشهر) لإقامته مقام حيضة، ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيض، وإن حاضت في الشهر فاستبراؤها بحيضة كالصغيرة إذا حاضت في عدتها، فإن حاضت بعده فقد حصل الاستبراء به. وأما استبراء من ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فبعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر للاستبراء لما تقدم في العدة، وإن علمت ما رفع حيضها من مرض أو رضاع أو غيره فكحرة، فلا تزال في استبراء حتى يعود الحيض فتستبرأ بحيضة أو تصير آيسة فتستبرأ بشهر. وإن ادعت أمة موروثة تحريمها على وارث بوطء مورثه كأبيه وابنه صدقت قال الشيخ منصور: "ولعله ما لم تكن مكنته قبل" (٣). أو ادعت أمة مشتراة أن لها زوجا صدقت فيه لأنه لا يعرف إلا من جهتها.

стр. 1588

(فصل) في الرضاع - بفتح الراء وقد تكسر- وهو لغة: مص لبن من ثدي وشربه (١). وشرعا: مص لبن في الحولين ثاب عن حمل من ثدي امرأة أو شربه نحوه (٢)، كأكله بعد تجبينه وسعوط به ووجور (٣). (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٤)، وحديث عائشة مرفوعا: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، رواه الجماعة، ولفظ ابن ماجة: "من النسب"، (٥)، وأجمعوا

стр. 1589

على أن الرضاع محرم في الجملة (١). (على رضيع) متعلق بيحرم أي يحرم على رضيع من الرضاع في الحولين ذكرا كان أو أنثى ما يحرم عليه من النسب، فإذا حملت امرأة من رجل ثبت نسب ولدها منه بأن تكون زوجته أو أمته أو موطوءته بشبهة فثاب لها منه لبن فارضعت به ولو مكرهة طفلا رضاعا محرما بأن يكون خمس رضعات في الحولين -ويأتي- صار الطفل ولدا لهما في تحريم النكاح للآية والخبر، وفي إباحة النظر والخلوة، وفي ثبوت المحرمية، وصار أولاد الطفل من البنين والبنات وإن سفلوا أولاد ولدهما، وصارا أبويه، وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته، وجميع أولاد المرضعة الذين ارتضع معهم الطفل والحادثين بعده وقبله من زوجها ومن غيره وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها إخوة المرتضع وأخواته، وأولاد أولادهما أولاد إخوته وأخواته وإن نزلت درجتهم. (و) كذا يحرم على (فرعه) أي الرضاع (وإن نزل) في درجة أو درجات، فتنتشر حرمة الرضاع من المرتضع إلى أولاده وإن سفلوا، فيصيرون أولاد أولادهما؛ لأن الرضاع كالنسب، والتحريم في النسب يشمل ولد الولد وإن سفل، فكذا الرضاع يشمل الولد

стр. 1590

وإن نزل (فقط) فلا تنتشر الحرمة إلى من في درجة المرتضع من إخوته وأخواته؛ لأنها لا تنتشر في النسب فكذا في الرضاع، ولا تنتشر أيضا إلى من هو أعلى من المرتضع من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته؛ لأن الحرمة إذا لم تنتشر إلى من هو في الدرجة فلأن لا تنتشر إلى من هو أعلى منه بطريق الأولى، فتحل مرضعة لأبي مرتضع ولأخيه وعمه وخاله من النسب، ويحل لأبيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاع، وتحل أم مرتضع وأخته وعمته وخالته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع، قال أحمد: "لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع ليس بينهما رضاع ولا نسب". (١) وإن أرضعت امرأة بلبن ولدها من الزنا، أو المنفي بلعان طفلا رضاعا محرما صار ولدا لها؛ لأنه رضع من لبنها حقيقة، وحرم على الزاني والملاعن بتحريم المصاهرة؛ لأنه ولد موطوءته، والوطء الحرام الحلال في تحريم الربيب، ولا تثبت حرمة الرضاع في حقهما؛ لأن من شرط ثبوت حرمة الرضاع بين المرتضع والرجل الذي ثاب اللبن بوطئه [أن] (٢) ينسب الحمل إلى الواطن، فأما ولد الزنا ونحوه فلا. وإن ثاب لامرأة لبن من غير حمل تقدم كلبن البكر التي لم تحمل لم تنتشر الحرمة نصا (٣)؛ لأنه نادر لم تجر العادة به، أشبه لبن الرجل والبهيمة ولا ينشر الحرمة غير لبن المرأة، فلو ارتضع طفلان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين، أو من لبن رجل أو من لبن

стр. 1591

خنثى مشكل لم تنتشر الحرمة. (ولا) تثبت (حرمة) الرضاع (إلا) بشرطين: (بخمس رضعات) فأكثر، لحديث عائشة قالت: "أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك" رواه مسلم (١)، والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة، وهذا الخبر يخصص عموم حديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، ومتى امتص طفل ثديا ثم قطعه ولو قهرا أو لتنفس أو لانتقال من ثدي إلى ثدي آخر أو من مرضعة إلى مرضعة أخرى فذلك رضعة تحسب من الخمس، ثم إن عاد ولو قريبا فرضعتان؛ لأن المصة الأولى زال حكمها بترك الارتضاع، فإذا عاد فامتص فهي غير الأولى. ويحرم ما جبن من لبن ثاب عن حمل ثم أطعم للطفل؛ لأنه واصل من حلق يحصل به إنشاز العظم وإنبات اللحم فحصل به التحريم ما لو شربه، أو خلط بغيره وصفاته باقية فيحرم كالخالص؛ لأن الحكم للأغلب. ولا تحرم حقنة بلبن امرأة ولو خمس مرات؛ لأنها ليست برضاع ولا يحصل بها تغذ.

стр. 1592

ومن أرضع خمس أمهات أولاده، أو أربع زوجاته وأم ولده، أو ثلاث زوجاته وإماء ونحو ذلك بلبن زوجة له (١) صغرى لم يتم لها عامان أرضعتها كل واحدة منهن رضعة حرمت على زوجها أبدا لثبوت الأبوة؛ لأن الخمس رضعات من لبنه أشبه ما لو أرضعتها واحدة منهن الخمس، ولا تحرم عليه أمهات أولاده وزوجاته لعدم ثبوت الأمومة إذا لم ترضعها واحدة منهن خمس رضعات، فلم تكن أما لزوجته. ومن أرضعت بلبنها من زوج طفلا ثلاث رضعات ثم انقطع لبنها ثم أرضعته بلبن زوج آخر رضعتين في العامين ثبتت الأمومة لإرضاعها (٢) له خمس رضعات، لا الأبوة فلا تثبت لواحد منهما؛ لأنه لم يكمل عدد الرضعات من لبنه، ولا يحل مرتضع لو كان أنثى لواحد من الزوجين لأنها ربيبة قد دخل بأمها. الشرط الثاني: أن تكون خمس الرضعات (في الحولين) فلو ارتضع بعدهما بلحظة لم تثبت الحرمة لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣)، فجعل تمام الرضاعة حولين فدل على أنه لا حكم للرضاعة بعدهما، ولحديث عائشة مرفوعا: "فإنما الرضاعة من المجاعة"، متفق عليه (٤)، قال في "شرح المحرر" (٥): "يعني في حال الحاجة إلى الغذاء واللبن". وعن أم

стр. 1593

سلمة مرفوعا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح". (١) (وتثبت) حرمة: رضاع (بسعوط) في أنف (و) بـ (وجور) في فم، لحديث ابن مسعود مرفوعا: "لا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" رواه أبو داود (٢)، ولوصول اللبن بذلك إلى جوفه كوصوله بالارتضاع، وحصول إنشاز العظم وإنبات اللحم كما يحصل بالرضاع بالفم، (و) بـ (لبن) ميتة بأن حلب من ميتة؛ لأنه كلبن حية، وبلبن (موطوءة بشبهة)؛ لأن ولدها ملحق بالواطن، (و) بلبن (مشوب) أي مخلوط بغيره وصفاته باقية فيحرم كالخالص؛ لأن الحكم للأغلب، ولبقاء اسمه ومعناه، فإن غلبه

стр. 1594

ما خلطه لم يثبت به تحريم؛ لأنه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم. (وكل امرأة تحرم علمه بنتها [كأمه] (١) وجدته) وأخته وبنته، (وربيبته إذا أرضعت طفلة حرمتها علمه)؛ لأنها تصير ابنتها من الرضاع، فإن كانت المرضعة أمه فالمرتضعة أخته، وإن كانت المرضعة جدته فالمرتضعة عمته أو خالته، وإن كانت المرضعة أخته فالمرتضعة: بنت أخته، (وكل رجل تحرم عليه بنتة كأبيه وأخيه) وابيه (إذا أرضعت امرأته بلبنه طفلة حرمتها عله)؛ لأنها إن كانت المرضعة امرأة أبيه فالمرتضعة أخته، وإن كانت امرأة أخيه فالمرتضعة بنت أخيه وينفسخ في المسألتين النكاح إن كانت الطفلة زوجة، وإن تزوج بنت عمه أو عمته أو خاله أو خالته فأرضعت جدتهما أحدهما رضاعا محرما انفسخ النكاح وحرمتها عليه أبدا. وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها لمجيء الفرقة من قبلها، كما لو ارتدت وإن كانت طفلة بأن كانت تدب فترتضع من امرأة نائمة أو مغمى عليها؛ لأنه لا فعل للزوج في الفسخ، فلا مهر عليه، ولا يسقط المهر بعد الدخول والخلوة، وإن أفسده غير الزوجه لزم الزوج قبل دخول نصف المهر؛ لأنها لا فعل لها في الفسخ، أشبه ما لو طلقها، أو بعده كله (٢) لتقرره، ويرجع زوج بما لزم من مهر أو نصفه على المفسد لنكاحه؛ لأنه أغرمه المال الذي بذله في نظير البضع بإتلافه عليه ومنعه منه، ولها الأخذ من المفسد لنكاحها ما وجب لها نصا (٣)؛ لأن قرار الضمان

стр. 1595

عليه. (ومن) تزوج فـ (قال: إن زوجته أخته من الرضاع بطل (١) نكاحه) لإقراره بما يوجب ذلك فلزمه، كما لو أقر أنه أبانها وبطل فيما بينه وبين اللَّه تعالى [وإن كان صادقا] (٢)؛ لأن كذبه لا يحرمها، والمحرم حقيقة الرضاع لا القول، (ولا مهر) لها (قبل دخول إن صدقته) على إقراره وهي حرة؛ لاتفاقهما على بطلان النكاح من أصله، أشبه ما لو ثبت ذلك ببينة، (ويجب) لها (نصفه) -أي المهر- (إن كذبته)؛ لأن قوله لا يقبل عليها، (و) يجب (كله) -أي المهر- (بعد دخول مطلقا) ولو صدقته بما نال من فرجها ما لم تطاوعه على الوطء عالمة بالتحريم فلا مهر لها؛ لأنها إذن زانية مطاوعة، (وإن قالت هي ذلك) -أي هو أخي من الرضاع- (وكذبها فهي زوجته حكما) حيث لا بينة لها، فلا يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها، ثم إن أقرت قبل الدخول فلا مهر لها لإقرارها بأنها لا تستحقه، وبعد الدخول فإن أقرت بأنها كانت عالمة [بأنها] (٣) أخته وتحريمها عليه وطاوعته في الوطء فكذلك لإقرارها بأنها زانية مطاوعة، وإن أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة على زعمها، وهي زوجته ظاهرا، فأما فيما بينها وبين اللَّه تعالى فإن علمت ما أقرت به لم تحل لها مساكنته ولا تمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه وتفتدي بما أمكنها؛ لأن وطأه لها زنا، فعليها التخلص منه ما أمكنها كمن طلقها ثلاثا وأنكر. (ومن شك في) وجود (رضاع أو) شك في (عدده) أي الرضاع (بنى على اليقين)؛ لأن

стр. 1596

الأصل بقاء الحل، وكذا لو شك في وقوعه في العامين، (ويثبت) الرضاع (بإخبار مرضعة مرضية) متبرعة كانت بالرضاع أو بأجرة، لحديث عقبة بن الحارث (١) قال: "تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب (٢)، فجاءت امرأة سوداء (٣) فقالت: قد أرضعتكما، فأتينا النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: فكيف وقد زعمت ذلك" متفق عليه (٤)، وفي لفظ للنسائى: "فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة فقال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، خل سبيلها" (٥) وقال الشعبي: "كانت

стр. 1597

القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع" (١)، وكالولادة. (ويثبت) الرضاع (بشهادة) [عدل] (٢) مطلقا من رجل أو امرأة، ولأنه إذا ثبت بشهادة امرأة واحدة فالرجل من باب أولى. وإن ادعت أمة أخوة سيدها بعد وطئه مطاوعة لم يقبل قولها، وقبل الوطء يقبل قولها في تحريم الوطء كدعواها أنها مزوجة قبل أن يملكها، ولا يقبل قولها في ثبوت عتق لدعواها زوال ملكله كما لو قالت: أعتقني. وكره استرضاع فاجرة ومشركة وحمقاء وسيئة خلق؛ لأن الرضاع يغير الطباع، وكره استرضاع جذماء وبرصاء ونحوهما مما يخاف تعديه، وكذا بهيمة وعمياء وزنجية.

стр. 1598

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - ١٢٤٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن محمد بن ناصر البسر الجزء الرابع

стр. 1599

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1600

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات ٤

стр. 1601

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ غاية في كلمة مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م جميع الحقوق محفوظة ٢٠٠٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

стр. 1602

(باب النفقات) جمع نفقة وهي لغة: الدراهم ونحوها، مأخوذة من النافقاء موضع يجعله اليربوع في مؤخر الجحر رقيقًا يعده للخروج إذا أتى من باب الجحر دفعه وخرج منه، ومنه سمي النفاق للخروج من الإيمان أو خروج الإيمان من القلب. (١) وشرعا: كفاية من يمونه أكلًا وشربا وكسوة ومسكنًا وتوابعها (٢)، والقصد هنا بيان ما يجب على الإنسان من النفقة بالنكاح والقرابة والملك وما يتعلق بذلك، وقد بدأ بالأول فقال: - (ويجب على زوج نفقة زوجته) لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ. . .﴾ الآية (٣) وهي في سياق أحكام الزوجات، فأوجب النفقة على الموسع وعلى من قدر عليه رزقه -أي ضيق- بقدر ما يجد ولحديث جابر مرفوعا: "اتقوا اللَّه في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكتاب اللَّه، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم وأبو داود (٤).

стр. 1603

وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين ولم تكن ناشزا ذكره ابن المنذر وغيره (١)، ولأن الزوجة محبوسة لحق الزوج فيمنعها ذلك عن التصرف والكسب، وتجب نفقتها عليه ولو كانت معتدة من وطئ بشبهة غير مطاوعة؛ لأن للزوج أن يستمتع منها بما دون الفرج، فإن طاوعت عالمة فلا نفقة لها؛ لأنها في معنى الناشز. (من مأكول ومشروب وكسوة وسكنى (٢) بالمعروف)، ويعتبر ذلك حاكم إن تنازعا في قدره أو صفته بحالهما يسارا وإعسارا لهما أو لأحدهما؛ لأن النفقة والكسوة للزوجه فكان النظر يقتضي أن يعتبر ذلك بحالها كالمهر، لكن قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ. . .﴾ الآية فأمر الموسر بالسعة في النفقة ورد الفقير إلى استطاعته، فاعتبر حال الزوجين في ذلك رعاية لكلا الجانبين، ولاختلاف حال الزوجين رجع فيه إلى

стр. 1604

اجتهاد الحاكم، (فيفرض) الحاكم (لموسرة مع موسر عند) الـ (تنازع) كفايتها (من أرفع خبز البلد وأدمه عادة الموسرين) بمحلهما، ويفرض لها لحما وما يحتاج إليه في طبخه، وتنتقل زوجة متبرمة من أدم إلى غيره، ولا بد من ماعون الدار لدعاء الحاجة إليه، ويكتفى بماعون خزف وخشب، والعدل ما يليق بهما، (و) يفرض حاكم لموسرة من الكسوة (ما يلبس مثلها) من حرير وخز وجيد كتان وجيد قطن على ما جرت به عادة مثلها من الموسرات بذلك البلد، (و) ما (ينام عليه) مثلها عادة من فراش ولحاف ومخدة وإزار في محل جرت العادة بالنوم فيه، وما يجلس عليه بساط ورفيع الحصر. (و) يفرض حاكم (لفقيرة مع فقير كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه) وما تستصبح به ولحم، وذكر جماعة لا يقطعها اللحم فوق أربعين وقدم في "الرعاية" كل شهر مرة (١)، (و) يفرض لها (ما يلبس مثلها وينام) عليه (ويجلس عليه). (و) يفرض (لمتوسطة مع متوسط وموسرة مع فقير وعكسها) (٢)، أي فقيرة مع موسر (ما بين ذلك) لأنه اللائق بحالهما؛ لأن في إيجاب الأعلى لموسرة تحت فقير إضرارا عليه بتكليفه ما لا يسعه حاله، وإيجاب الأدنى ضرر عليها فالمتوسط أولى، وإيجاب الأعلى لفقيرة تحت موسر زيادة على ما يقتضيه حالها، وقد أمر بالإنفاق من سعته فالمتوسط أولى، والواجب على زوج دفع قوت من خبز وأدم ونحوه لزوجة وخادمها وكل من وجبت نفقته، (لا) دفع (القيمة) كالدراهم عن نفقة أو كسوة، ولا يلزمها

стр. 1605

قبوله؛ لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى من يشتريه لها وقد لا يحصل، أو فيه مشقة بخروجها له وتكليف من يمن عليها به، ولا دفع حب ولا يلزمها قبوله لا فيه من تكليفها طحنه وعجنه وخبزه، ولقول ابن عباس في قوله (١) تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢) قال: "الخبز والزيت" (٣) وعن ابن عمر: "الخبز والسمن والخبز والزيت والتمر وأفضل ما تطعموهن الخبز واللحم" (٤). ويكون الدفع أول نهار كل يوم لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز تأخيره عنه، فإن طلبت مكان الخبز حبا أو دقيقا أو دراهم لم يلزمه ذلك (إلا برضاها) لأن الحق لا يعدوهما، ولكل منهما الرجوع عنه بعد التراضي في المستقبل، ولا يجبر من أبي ذلك منهما لعدم وجويه، ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب كدراهم مثلا إلا باتفاقهما، ولا يعتاض عن الواجب الماضي بربوي، كإن عوضها عن الخبز حنطة أو دقيقا فلا يصح ولو تراضيا عليه لأنه ربا. (وعليه) -أي الزوج- لزوجته (مؤنة نظافتها) من سدر ودهن وثمن ماء وثمن مشط وأجرة قيمة -بتشديد الياء التحتية- التي تغسل شعرها وتسرحه وتظفره، و (لا) يلزمه (دواء و) لا (أجرة طبيب) إن مرضت؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة

стр. 1606

بل لعارض فلا يلزمه، (و) كذا لا يلزمه (ثمن طيب) وحناء وخضاب أو ما يحمر به وجه أو يسود به شعر لأنه ليس بضروري، وإن أراد منها تزينا به أو قطع رائحة كريهة وأتى به لزمها استعماله، ولا يلزمه لزوجته خف ولا ملحفة للخروج لأنه ليس من حاجتها الضرورية المعتادة، وعليها ترك زينة وحناء نهى الزوج عنهما ذكره الشيخ تقي الدين (١). وعليه لمن بلا خادم ويخدم مثلها ليسار أو كبر أو صغر أو مرض خادم واحد، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) ومن المعروف إقامة الخادم لها إذن، ولأن ذلك من حاجتها كالنفقة ولا يلزمه أكثر من واحد؛ لأن المستحق عليه خدمتها في نفسها وذلك حاصل بالواحد، ويجوز كون الخادم امرأة كتابية؛ لأنه يجوز نظره إليها، ونفقة الخادم وكسوته على الزوج كنفقة فقيرة مع فقير ولو أن الخادم لها، ولا يجب لخادم دهن ولا سدر ولا مشط ونحوه؛ لأنه يراد للزينة وللتنظيف ولا يراد ذلك من الخادم، ونفقة خادم مكرى ومعار على مكر ومعير؛ لأن المكري ليس له إلا الأجرة والمعير لا تسقط منه النفقة بإعارته، وإن قالت زوجة: أنا أخدم نفسي وآخذ ما يحب لخادمي، أو قال الزوج: أنا أخدمك بنفسي وأبى الآخر [لم يجبر] (٣) الممتنع منهما أما الزوج فلأن في إخدامها غيرها توفيرا لها على حقوقه وترفها لها ورفعا لقدرها وذلك يفوت بخدمهتا نفسها، وأما الزوجة فلأن غرضها من الخدمة قد لا يحصل به لأنها تحتشمه وفيه غضاضة عليها.

стр. 1607

ويلزمه لزوجته مؤنسة لحاجة كمخوف مكانها وعدو تخاف على نفسها منه؛ لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف إقامتها بمكان لا تأمن فيه على نفسها، وتعيين المؤنسة إلى الزوج، ويكتفى بتأنيسه هو لها. ولا يلزمه أجرة من يوضيء امرأة مريضة؛ لأنه ليس من حوائجها المعتادة بخلاف رقيقه المريض فيلزمه أجرة من يوضئه إن لم يمكنه الوضوء بنفسه؛ لأن النفقة عليه لتملكه إياه بخلاف الزوجة فهي للاستمتاع بها ولا دخل للوضوء فيه. (وتجب) نفقة وكسوة ومسكن (لـ) مطلقة (رجعية) لأنها زوجة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١)، ولأنه يلحقها طلاقه وظهاره أشبه ما قبل الطلاق، (و) لـ (بائن حامل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" (٣)، ولأن الحمل ولد المبين فلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها فوجب كأجرة الرضاع. وتجب النفقة لحمل ملاعنة لو عنت وهي حامل لأنه لم ينتف بلعانها إذن إلا أن ينفيه بلعان آخر بعد وضعه فتسقط، فإن عاد واستلحقه لزمه ما مضى، ومن أنفق على بائن منه يظنها حاملا فبانت حائلا رجع عليها بما أنفقه عليها، لأخذها منه ما لا

стр. 1608

تستحقه، كأخذ دين ادعاه ثم ظهر كذبه، وكذا إن ادعته رجعية فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها ثم تبين عدمه رجع بالزائد، ومن ترك الإنفاق على مبانته يظنها حائلا (١)، فبانت حاملا لزمه نفقة ما مضى لتبين استحقاقها للنفقة (٢) فيه فترجع بها عليه كالدين. والنفقة على الحامل للحمل نفسه؛ لأنها من أجله فتجب لناشز حامل، وتجب لحامل من وطئ شبهة أو نكاح فاسد للحوق نسبه فيهما، ولحامل في ملك يمين ولو أعتقها؛ لأن النفقة للحمل وهو ولده. وتجب نفقة حامل من مال حمل موسر لأن الموسر لا تجب نفقته على غيره، ولا تجب نفقة حمل على زوج رقيق لولده، فإن بيان حرا فنفقته على وارثه بشرطه، وإن كان رقيقا فعلى مالكه. وتسقط نفقة حمل بمضي الزمان كسائر الأقارب، قال المنقح: "ما لم تستدن حامل على أبيه بإذن حاكم أو تنفق بنية الرجوع". انتهى (٣). و(لا) تجب نفقة (لمتوفى عنها) زوجها أو لأم ولد ولو مات سيدها، ولا سكنى ولا كسوة لها ولو كانت حاملا لانتقال التركة للورثة، ولا سبب للوجوب عليهم. (ومن) امتنعت من تسليم نفسها أو (حبست) عنه حبسها ولي أو غيره بعد دخول ولو لقبض صداقها الحال، (أو نشزت) سقطت نفقتها. (أو صامت نفلا، أو) صامت (لكفارة أو قضاء رمضان ووقته متسع، أو حجت نفلا

стр. 1609

بلا إذنه) سقطت نفقتها لمنعها نفسها لا من جهته، (أو سافرت لحاجتها بإذنه سقطت) نفقتها لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء إربها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا منها. وتتشطر نفقة لناشز ليلا أو نهارا، أو ناشز بعض أحدهما فتعطى نصف نفقتها أيضا لا (١) بقدر الأزمنة (٢)، وبمجرد إسلام زوجة مرتدة مدخول بها تلزمه نفقتها. (ولها) -أي الزوجة- (الكسوة) والغطاء والوطاء ونحوهما (كل عام مرة في أوله) -أي العام-؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى ذلك فيعطيها السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئا فشيئا، بل هو شيء واحد يستدام إلى أن يبلى، وتملك زوجة ذلك بقبض فلا بدل على زوج لما سرق [من] (٣) ذلك أو بلي، وتملك التصرف فيه على وجه لا يضر بها ولا ينهك بدنها من بيع وهبة ونحو ذلك كسائر مالها، فإن ضر ذلك ببدنها أو نقص في استمتاعه بها منعت منه لتفويت حق زوجها به. وإن أكلت زوجة معه عادة أو كساها بلا إذن منها وكان ذلك بقدر الواجب عليه سقطت نفقتها وكسوتها عملا بالمعروف، ومتى انقضى العام والكسوة التي قبضتها له باقية فعليه للعام الجديد اعتبارا بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة، كما أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، بخلاف ماعون ونحوه إذا انقضى العام وهو باق فلا يلزمه بدله اعتبارا بحقيقة الحاجة لا المتاع، وألحق به ابن نصر اللَّه غطاء ووطاء وقواه في "تصحيح الفروع" (٤).

стр. 1610

وإن قبضت الكسوة ثم مات الزوج قبل مضي العام، أو ماتت، أو بانت منه قبل مضيه رجع بقسط ما بقي من العام لتبين عدم استحقاقها له، وكذا بقية نفقة تعجلتها. (ومتى لم ينفق) على زوجته، أو غاب عنها مدة ولم ينفق عليها فيها فإنها (تبقى في ذمته)، وتلزمه للزمن الماضي لاستقرارها في ذمته ولو لم يفرضها حاكم؛ لأن عمر: "كتب لأمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" (١)، ولأنه حق يجب مع الإيسار والإعسار فلم يسقط بمضي الزمن كأجرة العقار بخلاف نفقة الأقارب فإنها صلة [يعتبر فيها يسار المنفق وإعسار من تجب له] (٢). [وذمية] (٣) في نفقة وكسوة ومسكن كمسلمة لعموم النصوص، (وإن أنفقت من ماله) -أي مال زوجها- (في غيبته فبان ميتا رجع عليها وارث) ببقية ما أنفقت من ماله بعد موته لارتفاع وجوب النفقة عليها بموته، فلم تستحق ما قبضته، (ومن تسلم) من زوج (من يلزمه تسلمها) وهي التي يوطأ مثلها أي بنت تسع فأكثر، (أو

стр. 1611

بذلته هي) أي بتسليم نفسها للزوج تسليما تاما، (أو وليها وجبت نفقتها) وكسوتها وتوابعهما (ولو مع صغره) -أي الزوج- (ومرضه وعنته وجبه) أي قطع ذكره بحيث لا يمكنه وطء أو مع تعذر وطئها لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة أو مريضة، أو حدث شيء من ذلك عنده لزمه نفقتها وكسوتها لعموم قوله ﵇ في حديث جابر: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١)، ويجبر ولي مع صغر زوج على بذل ما وجب عليه من مال الصبي لنيابته عنه في أداء واجباته، كأروش جناياته وديونه. لكن لو امتنعت زوجة من بذل نفسها وهي صحيحة ثم مرضت، فبذلته فلا نفقة لها ما دامت مريضة عقوبة لها بمنعها نفسها في حال يمكنه الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها. ومن بذلت التسليم وزوجها غائب لم يفرض لها حاكم شيئا؛ لأنه لا يمكن زوجها تسلمها إذن حتى يراسله بأن يكتب إلى حاكم البلد الذي هو به، فيعلمه ويستدعيه ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله، فإن سار إليها أو وكل من حملها إليه وجبت النفقة إذن بالوصول، وإلا فرض عليه الحاكم نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، وإن غاب زوجها بعد تمكينها إياه ووجوب النفقة عليه لم تسقط بغيبته. (ولها) -أي الزوجة- (منع نفسها قبل دخول لقبض مهر حال) لا بعد دخول، سواء كان الصداق مسمى أو مفوضة، حكاه ابن المنذر إجماعا (٢)، ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر عليها استيفاء المهر لم يمكنها استرجاع بدله بخلاف المبيع، (ولها) -أي الزوجة- (النفقة) زمن منع نفسها لقبض حال مهر؛ لأن الحبس

стр. 1612

من قبله نصا (١)، وبقاء درهم منه كبقاء جميعه كسائر الديون، ولو قبضت حال مهرها وسلمت نفسها ثم بأن معيبا فلها منع نفسها حتى تقبض بدله، ولو أبي كل من الزوجين تسليم ما عليه أجبر زوج أولا ثم زوجة، وإن بادر أحدهما به أجبر الآخر. وإن دخل بها الزوج، أو خلا بها مطاوعة لم تملك منع نفسها منه بعد ذلك، فإن وطئها مكرهة لم يسقط حقها من الامتناع. وإن أعسر زوج بمهر حال ولو بعد دخول فلزوجة حرة مكلفة الفسخ لتعذر الوصول إلى العوض، كما لو أفلس مشتر بثمن ما لم تكن عالمة بعسرته حين العقد لرضاها بذلك. ومن سلم أمته ليلا ونهارا فهي كحرة لعموم النص، وإن سلمها ليلا فقط فنفقة نهار على سيد؛ لأنها مملوكته والزوج غير متمكن منها إذن، ونفقة ليل كعشاء ووطاء وغطاء ودهن مصباح ووسادة على زوج؛ لأنه من حاجة الليل دون النهار، ولا يصح تسليمها نهارا فقط؛ لأنه ليس محلا للتفرغ للاستمتاع، ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل. (وإن أعسر) زوج (بنفقة معسر) فلم يجد القوت (أو) أعسر بـ (بعضها) أي ببعض نفقة المعسر، أو أعسر بكسوة العسر أو ببعضها، [أو] (٢) بمسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوما دون يوم خيرت الزوجة بين فسخ للحوق الضرر الغالب بذلك بها، إذ البدن لا

стр. 1613

يقوم بدون كفايته، وسواء كانت حرة بالغة رشيدة أو صغيرة أو سفيهة أو رقيقة دون سيدها أو وليها، فلا خيرة له ولو كانت مجنونة، لاختصاص الضرر بها، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة (١) [لقوله تعالى] (٢) ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكا بالمعروف، ولحديث أبي هريرة مرفوعا في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: "يفرق بينهما" رواه الدارقطني (٤)، وقال ابن المنذر: "ثبت [على] (٥) أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" (٦)؛ ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العنة لقلة الضرر؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها، فتملك الزوجة الفسخ فورا ومتراخيا؛ لأنه خيار لدفع ضرر يشبه خيار العيب في البيع، فتخير بين الفسخ وبين مقام معه مع منع نفسها وبدونه، ولا يمنعها تكسبا.

стр. 1614

ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ؛ لأنه إضرار بها، وسواء كانت غنية أو فقيرة؛ لأنه إنما يمل لحبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه، ولها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه لتجدد وجوب النفقة كل يوم، فيتجدد لها ملك الفسخ كذلك. ولا يصح إسقاطها نفقتها فيما لم يجب لها كإسقاط الشفيع الشفعة قبل البيع، وكذا لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته عالمة به فلها الفسخ لما يتجدد لها من وجوب النفقة كل يوم. وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه لزوجته إن أقامت (١) معه ولم تمتنع نفسها منه دينا في ذمته لوجوبها على سبيل العوض كالأجرة، ويسقط ما زاد عن نفقة معسر. ومن قدر يكتسب ما ينفق على زوجته أجبر عليه المفلس لقضاء دينه وأولى، ومن تعذر عليه كسب أو بيع في بعض زمنه أياما يسيرة فلا فسخ، أو مرض أياما يسيرة فعجز عن الكسب فلا فسخ؛ لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال (٢) العارض. (إلا) إن أعسر (بما في ذمته) من نفقة ماضية، أو أعسر بنفقة موسر أو متوسط، أو أعسر بأدم أو بنفقة الخادم فلا فسخ لإمكان الصبر عن ذلك ويبقى دينا في ذمته لوجوبه عليه كالصداق. وإن منع زوج موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما عن زوجته وقدرت على أخذ ذلك من ماله أخذت كفايتها وكفاية ولدها وخادمها بالمعروف بلا إذنه، لقوله ﵇ لهند

стр. 1615

بنت عتبة (١) حين قالت: له إن أبا سفيان (٢) رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣) فرخص لها ﵇ في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة إذ لا غنى عن النفقة ولا قوام إلا بها، وتتجدد بتجدد الزمن شيئا فشيئا، فتشق المرافعة [بها] (٤) إلى الحاكم، فيأمره بدفعه لها، فإن امتنع أجبره حاكم، فإن أبي حبسه ودفعها منه يوما بيوم؛ لقيام الحاكم مقامه عند امتناعه مما وجب عليه كسائر الديون، فإن لم يجد إلا عرضا أو عقارا باعه وأنفق منه، فإن غيب ماله وصبر على الحبسر فلها الفسخ لتعذر النفقة عليها من جهته كالمعسر. (أو غاب) موسر عن زوجته (وتعذرت) نفقته عليها بأن لم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولم يمكنها تحصيل نفقتها (باستدانة أو نحوها) (٥) أي اقتراض أو نحوه عليه
следующие страницы →