← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وإن وجب قطع يمناه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فعليه القود، وإلا يتعمد فعليه دية البدل؛ لأنه خطأ ولا تقطع يمنى السارق بعد قطع يسراه لئلا يفضي إلى تعطيل منفعة الجنس. ويجتمع على سارق القطع والضمان؛ لأنهما حقان لمستحقين فجاء اجتماعهما كالدية والكفارة في قتل الخطأ فيرد ما سرقه لمالكه إن كان باقيًا؛ لأنه عين ماله، وإن تلف فعليه مثل مثلي وقيمة غيره كمغصوب ويعيد ما خرب من حرز لتعديه. وعليه ثمن زيت حسم حفظًا لنفسه إذ لا يؤمن عليها التلف بدونه. (ومن سرق ثمرا) أو طلعا أو جمارا (أو ماشية) في المرعى (من غير حرز غرم قيمته مرتين) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول اللَّه ﷺ عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (١) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد وغيره (٢)، قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه (٣)، واحتج أحمد أَيضًا أن عمر: "غرم حاطب

стр. 1857

بن أبي بلتعة (١) حين نحو غلمانه ناقة رجل من مزيتة مثلي قيمتها" رواه الأثرم (٢)، ولا تضعف قيمتها في غير ما ذكر، (ولا قطع) عليه لحديث رافع بن خديج (٣) مرفوعا: "لا قطع في ثمر ولا كثر (٤) " رواه أحمد وغيره (٥)، فإن كانت الشجرة بدار محرزه قطع

стр. 1858

وأضعفت عليه قيمته مرتين لما تقدم. (ومن لم يجد ما) أي شيئًا (يشتريه أو) ما (يشتري به زمن مجاعة غلاء لم يقطع بسرقة) قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال، وفي "الترغيب": ما يحيي به نفسه (٢).

стр. 1859

(فصل) في حد قطاع الطريق والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا. . .﴾ الآية (١)، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "نزلت في قطاع الطريق من المسلمين" (٢) لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣) والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم وقبلها، وأما الحد فلا يسقط بالتوبة بعد وجوبه. وهم (٤): المكلفون اللتزمون من المسلمين وأهل الذمة، -وينتقض به عهدهم- ولو كان المكلف أنثى -الذين يعرضون (٥) للناس بسلاح ولو عصا أو حجرًا في صحراء أو بنيان أو بحر لعموم الآية، فيغصبون مالا محترما مجاهرة (٦). (وقطاع الطريق) على أربعة (أنواع): -

стр. 1860

أشار للأول بقوله: (فمن منهم قتل مكافئا أو غيره) أي غير مكافئ كما لو قتل من لا يقاد به لو قتله في غير المحاربة (كولد)، وكقن يقتله حر، وكذمي يقتله مسلم (وأخذ المال قتل) لوجوبه لحق اللَّه تعالى كالقطع في السرقة، (ثم صلب) قاتل (مكافئ) يقاد به لو قتله في غير المحاربة لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (حتى يشتهر) ليرتدع غيره ثم يترك، ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ولا يقطع مع ذلك؛ لأنه لم يذكر معهما في حديث ابن عباس الذي رواه عنه الشافعي بإسناده: "إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض" (١) وروي نحوه مرفوعًا (٢)، ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى؛ لأن إتلاف

стр. 1861

البدن يتضمن إتلاف اليد والرجل فاكتفي بقتله كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم قتله في الحال. ولو مات محارب أو قتل قبل قتله للمحاربة لم يصلب لعدم الفائدة فيه وهي اشتهار أمره في القتل في المحاربة؛ لأنه لم يقتل فيها. ولا يتحتم قود فيما دون نفس على محارب، فلو قطع يدا أو رجلا ونحوهما فلولي الجناية القود والعفو؛ لأن القود إنما يتحتم إذا قتل؛ لأنه حد المحاربة بخلاف الطرف فإنه يستوفى قصاصا لا حدا. وردء محارب أي مساعده ومعينه إن احتاج إليه وطليع يكشف له حال القافلة ليأتوا إليها كمباشر كاشتراك الجيش في الغنيمة إذا دخلوا دار الحرب وباشر بعضهم القتال ووقف الباقون للحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، وكذا العين الذي يرسله ليعرف أحوال العدو وظاهره حتى في المال. ولو قتل بعضهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم، وإن قتل بعض وأخذ المال بعض تحتم قتل الجميع وصلبهم كما لو فعل ذلك كل منهم. والصورة الثانية: أشار إليها بقوله: (ومن قتل) من محارب (فقط) لقصد المال (قتل حتما ولا صلب) عليه لما تقدم عن ابن عباس، ولأن جنايتهم بالقتل وأخذ المال تزيد على جنايتهم بالقتل وحده فوجب اختلاف العقوبتين. الصورة الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (ومن أخذ المال فقط) فلم وأخذ نصابًا لا شبهة له فيه (قطعت يده) أي يد كل من المحاربين (اليمنى ثم رجله اليسرى في مقام واحد) حتما، ولا ينتظر بقطع أحدهما اندمال الآخر؛ لأنه تعالى أمر بقطعهما بلا تعرض لتأخير والأمر للفور، (وحسمتا) لحديث: "اقطعوه

стр. 1862

واحسموه" (١)، (وخلي) سبيله لاستيفاء ما لزمه. فلو كانت يده (٢) اليسرى مفقودة قطعت رجله اليسرى فقط، أو كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قود قطعت رجله اليسرى فقط لئلا تذهب منفعة جنس اليد، وإن عدم يمنى يديه لم تقطع يمنى رجليه بل يسراهما فقط كما تقدم. وإن حارب ثانية بعد قطع يمنى يديه وشرى رجليه لم يقطع منه شيء لما تقدم في السارق (٣)، وقياسه أن يحبس حتى يتوب، وتتعين دية لقود لزم بعد محارية لتقديمها بسبقها، وكذا لو مات قبل قتله للمحاربة. الصورة الرابعة: ما أشار إليها بقوله: (وإن أخاف السبيل فقط) فلم يقتل أحدًا ولا أخذ مالا (نفي وشرد) ولو قنا لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) فلا يترك يأوي إلى بلد حتى تظهر توبته، وتنفى الجماعة متفرقة كل إلى جهة لئلا يجتمعوا على المحاربة ثانيًا. (وشرط) لوجوب حد المحارب ثلاثة شروط: - أحدها: (ثبوت ذلك) أي قطع الطريق (ببينة أو إقرار مرتين) كالسرقة. (و) الثاني: (حرز) بأن يأخذه من يد مستحقه وهو بالقافلة، فلو وجده مطروحا أو أخذه من سارقه أو غاصبه أو منفردا عن قافلة لم يكن محاربًا.

стр. 1863

(و) الثالث: (نصاب) يقطع به السارق. (ومن تاب منهم) أي المحاربين (قبل القدرة عليه سقط عنه حق اللَّه تعالى) من صلب وقطع ونفي وتحتم قتل لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكذا خارجي وباغ ومرتد ومحارب تاب قبل قدرة عليه، وأما من تاب منهم بعد قدرة عليه فلا يسقط عنه شيء مما وجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، (وأخذ بحق آدمي) طلبه من قصاص في نفس أو دونها وغرامة مال ودية ما لا قصاص فيه وحد قذف، وكذا يؤخذ غير حربي من ذمي ومعاهد ومستأمن أسلم بحق اللَّه تعالى إن وجب عليه حال كفره كنذر وكفارة لا حد زنا ونحوه، وحق آدمي طلبه كما قبل الإِسلام. (ومن وجب عليه حق (١) للَّه) تعالى من حد سرقة أو زنا أو شرب (فتاب) منه (قبل ثبوته) عند حاكم (سقط) عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ (٢)، وقوله بعد ذكر حد السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ (٣)، وقوله

стр. 1864

عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١)، ولإعراضه ﵇ عن المقر بالزنا حتى أقر أربعًا، فإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة لحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" رواه أبو داود والنسائي (٢).

стр. 1865

(ومن أريد) أخذ (ماله) ولو قل (أو) أريدت (نفسه) أي قصدت لتقتل أو يفعل بها الفاحشة (أو) أريدت (حرمته) كامه وأخته أو زوجته ونحوهن لزنا أو قتل فله دفع المزيد بالأسهل، لئلا يؤدي إلى تلفه وأذاه وتسلط الناس بعضهم على بعض، فيفضي إلى الهرج والمرج، ولحديث أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار" رواه أحمد ومسلم (١). (و) إن (لم يندفع المريد إلا بالقتل أبيح) قتله (ولا ضمان) عليه لظاهر الخبر، ولا يضمن بهيمة سألت عليه ولم تندفع بدون قتل فقتلها دفاعا عن نفسه أو حرمته أو ماله كصغير ومجنون صائل بجامع الصول، ولا يضمن من دخل منزله متلصصا إن لم يندفع بدون قتل. ويجب الدفع عن حرمته إذا أريدت نصا (٢)، فمن رأى مع امرأته أو ابنته ونحوهما رجلًا يزني بها أو مع ولده ونحوه رجلًا يلوط به وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه يؤدي به حق اللَّه تعالى من الكف عن الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة الحقين.

стр. 1866

وكذا يجب في غير فتنة الدفع عن نفسه وعن نفس غيره، ويجب الدفع عن حرمة غيره، وكذا عن ماله مع ظن سلامة الدافع والمدفوع وإلا حرم. ومن عض يد شخص فانتزعها من فمه ولو بعنف فسقطت ثناياه فهدر لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا عض رجلا فنزع يده من فمه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك" رواه الجماعة إلا أبا داود (١)، ولإتلافها لضرورة دفع شر صاحبها كالصائل. ومن نظر في بيت غيره من خصاص (٢) باب مغلق ونحوه ولو لم يتعمد لكن ظنه رب البيت متعمدًا فخذف عينه ونحوها فتلفت فهدر، وكذا لو طعنه بعود لا إن رماه بحجر كبير أو رشقه بسهم أو طعنه بحديدة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اطلع في بيت ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص" رواه أحمد والنسائي (٣)، وفي

стр. 1867

رواية: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه" رواه أحمد ومسلم (١)، ولأنه في معنى الصائل بخلاف مستمع وضع أذنه في خصاص (٢) الباب فليس له قصد إذنه قبل إنذاره اقتصارا على مورد النص، ولأن النظر أبلغ من السمع، فإن أنذره فأبى فله طعنه كدفع الصائل.

стр. 1868

فصل (والبغاة) أي أهل الجور والظلم والعدول عن الحق وهم: (ذوو شوكة يخرجون على الإِمام) ولو غير عدل (بتأويل سائغ) (١) ولو لم يكن فيهم مطاع، سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين. والأصل في قتالهم قوله تعالي: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) وحديث: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه" رواه أحمد ومسلم (٣)، وعن ابن عباس مرفوعًا: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فميتته جاهلية" متفق عليه (٤)، وقاتل علي

стр. 1869

أهل النهروان (١) فلم ينكره أحد، ومتى اختل شرط من ذلك فهم قطاع طريق. ونصب الإِمام فرض كفاية لحاجة الناس إلى ذلك لحماية البيضة والذب عن الحوزة وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (فيلزمه) أي الإِمام (مراسلتهم) أي البغاة لأنها طريق إلى الصلح ورجوعهم إلى الحق، وروي أن عليًا راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل (٢) ولما اعتزلته الحرورية (٣) بعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فواضعوه كتاب اللَّه ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة

стр. 1870

آلاف (١)، (و) يلزمه (إزالة ما يدعونه من شبهة) ليرجعوا إلى الحق، (و) إزالة ما يدعونه من (مظلمة)؛ لأنه وسيلة للصلح المأمور به لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فإن نقموا مما لا يحل فعله أزاله، وإن نقموا ما يحل فعله لالتباس الأمر فيه عليهم فاعتقدوا مخالفته للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه، لبعث علي ابن عباس للخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم يسألهم عن سبب خروجهم، وبين لهم الحجة التي تمسكوا بها في قصة مشهورة (٢). (فإن فاؤوا) أي رجعوا عن البغي وطلب القتال تركهم (وإلا) يفيئوا (قاتلهم قادر) لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، ويجب على رعيته معونته لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر

стр. 1871

مِنكُمْ﴾ (١) وحديث أبي ذر مرفوعًا: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه أحمد وأبو دواد (٢) "وربقة الإسلام -بفتح الراء وكسرها (٣) - استعارة لما يلزم العنق من حدود الإسلام وأحكامه. فإن استنظروه مدة ورجى فيئتهم أنظرهم وجوبًا حفظًا لدماء المسلمين، وإن خاف مكيدة فلا. ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه المقاتل وغيره والمال كمنجنيق ونار، ويحرم استعانة عليهم بكافر؛ لأنه تسليط له على دماء المسلمين إلا لضرورة، كعجز أهل الحق عنهم، وكفعلهم بنا إن لم نفعله بهم، فيجوز رميهم بما يعم إتلافه إذا فعلوه بنا لو لم نفعله، ويحرم أخذ مالهم؛ لأنه مال معصوم، ويحرم أخذ ذريتهم وقتلهم لأنهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي، ويحرم قتل مدبرهم وجريحهم ولو من نحو

стр. 1872

خوارج إن لم نقل بكفرهم، وروى سعيد عن مروان (١) قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح (٢)، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" (٣) وعن عمار (٤) نحوه (٥)، وكالصائل، ولأنه قتل من لم يقاتل قال في

стр. 1873

"المستوعب" (١): "المدبر من انكسرت شوكته لا المتحرف إلى موضع". ومجرم قتل من ترك القتال، ولا قود في قتل من يحرم قتله منهم للشبهة ويضمن بالدية لأنه معصوم. ويكره لعدل قصد رحمه الباغي كأخيه وعمه بقتل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) وقال الشافعي: "كف النبي ﷺ أبا حذيفة بن عتبة (٣) عن قتل أَبيه". (٤) وتباح الاستعانة على البغاة بسلاح أنفسهم وخيلهم وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط، ومن أسر منهم ولو صبيًا أو أنثى حبس حتى لا شوكة ولا حرب دفعًا لضررهم عن أهل العدل.

стр. 1874

وإذا انقضت الحرب فمن وجد منهم ماله بيد غيره أخذه، ولا يضمن بغاة ما أتلفوه حال حرب على أهل عدل كما لا يضمن أهل عدل ما أتلفوه لبغاة حال حرب؛ لأن عليًا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال (١)، قال الزهري: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه (٢)، ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجًا به". (٣)، ويضمنان ما أتلفاه في غير حرب. وما أخذ البغاة حال امتناعهم من خراج وزكاة وجزية اعتد به لدافعه لهم، فلا يؤخذ منه ثانيًا إذا ظفر به أهل العدل؛ لأن عليًا لما ظفر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جباه البغاة (٤) وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري (٥) فيدفعون إليه

стр. 1875

زكاتهم (١)، ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيمًا على الرعايا، ويقبل بلا يمين ممن عليه زكاة دعوى دفع زكاة إليهم كدعوى دفعها إلى الفقراء، ولأنها حق للَّه تعالى فلا يستحلف عليها كالصلوات، ولا يقبل دعوى دفع خراج أو جزية إليهم إلا ببينة؛ لأن كلا منهما عوض، والأصل عدم الدفع، وهم في شهادتهم وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل؛ لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه، أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أوسنة أو إجماعًا، ويجوز قبول كتابه وإمضائه إن كان أهلا للقضاء، وأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا عن الإِمام فلا تقبل لهم شهادة ولا ينفذ لقضائهم حكم لفسقهم. وإن استعانوا بأهل ذمة أو أهل عهد انتقصن عهدهم وكانوا كلهم أهل حرب لقتالهم لنا كما لو انفردوا به.

стр. 1876

فصل وإن أظهر قوم رأي الخوارج كتكفير مرتكب الكبيرة وسب الصحابة ولم يخرجوا عن قبضة الإِمام لم يتعرض لهم لما روي: أن عليًا كان يخطب فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا للَّه تعريضا بالرد عليه في ما كان من تحكيمه فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فيها اسم اللَّه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال (١) وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل، وإن صرحوا بسب إمام أو سب عدل عزروا كغيرهم. ومن كفر أهل الحق والصحابة واستحل دماء المسلمين بتأويل فهم خوارج بغاة فسقة قدمه في "الفروع" (٢)، قال الشيخ تقي الدين: "نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية (٣) والمرجئة (٤) وغيرهم، وإنما

стр. 1877

كفر الجهمية (١) لا أعيانهم (٢) قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقًا حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي، وعن الإِمام أحمد أيضا: أن الذين كفروا أهل الحق والصحابة واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو غيره كفار (٣) قال

стр. 1878

المنقح: وهو أظهر. انتهى (١)، وقال في "الإنصاف" (٢): وهو الصواب والذي ندين اللَّه به انتهى. وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان تضمن كل منهما ما أتلفت على الأخرى.

стр. 1879

(فصل) في حكم المرتد وهو لغة: الراجع (١)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ (٢). (والمرتد) شرعًا: (من كفر) بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك (طوعا ولو) كان (مميزًا) أو هازلا (بعد إسلامه) (٣) ولو كان إسلامه كرها بحق، كما لا تقبل منه الجزية إذا قوتل على الإسلام فأسلم ثم ارتد. وأجمعوا على وجوب قتل المرتد إن لم يتب (٤)، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا (٥)، وروي عن

стр. 1880

أبي بكر وعمر (١) وعثمان (٢) وعلي (٣) ومعاذ بن جبل (٤) وخالد بن الوليد (٥) وغيرهم، وسواء الرجل والمرأة لعموم الخبر، وروى الدارقطني: "أن امرأة يقال لها؛ أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ ، فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت" (٦) وحديث النهي عن قتل المرأة الكافرة (٧) [فالمراد به الأصلية] (٨)؛ لأنه

стр. 1881

قاله حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ إذ المرأة لا تجبر على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس بخلاف المرتدة. (فمتى ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب للَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ولحديث: "لا نبي بعدي" (٢)، وفي الخبر: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه رسول اللَّه" (٣)، (أو سب اللَّه) تعالى، (أو) سب (رسوله) كفر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به، (أو جحده) أي جحد ربوبيته أو وحدانيته، (أو) جحد (صفة من صفاته) ذاتية له كالعلم والحياة كفر، (أو) جحد (كتابًا) للَّه تعالى، (أو رسولا) مجمعًا عليه، أو ثبت بتواتر الآحاد كخالد بن سنان (٤)، (أو) جحد (ملكًا) للَّه

стр. 1882

تعالى، (أو) جحد وجوب (إحدى أبي في أن الخمس) المشار إليها بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" (١)، ومثلها الطهارة فيكفر من جحد وجوبها وضوءا كان أو غسلا أو تيمما. (أو) جحد (حكمًا ظاهرا) بين المسلمين، بخلاف فرض السدس لبنت الابن مع بنت الصلب (مجمعًا عليه) إجماعًا قطعيا لا سكوتيا؛ لأن فيه شبهة، كجحد تحريم زنا أو لحم خنزير، وكجحد (٢) حل خبز ونحوه كلحم مذكاة بهيمة الأنعام والدجاج، أو شك في ذلك، ومثله لا لمجهله لكونه نشأ بين المسلمين أو كان يجهل مثله وعرف وأصر (كفر) لمعاندته للإسلام وامتاعه من قبول الأحكام.

стр. 1883

أو سجد لكوكب أو صنم كفر؛ لأنه مشرك باللَّه تعالى، أو أتى بقول أو فعل صريح بالاستهزاء بالدين كفر لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. . (٦٦)﴾ (١). أو استهزأ بالقرآن، أو ادعى اختلافه، أو اختلاقه، أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٢). وكذا من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو سخر بوعد أو وعيد أو لم يكفر من وإن بغير الإسلام، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر. ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه ولم يعتقده، ومن تزيا بزي كفر حرم ولم يكفر، وإن ترك مكلف عبادة من العبادات الخمس تهاونًا مع إقراره بوجوبها لم يكفر سواء عزم على أنه لا يفعلها أبدا أو على تأخيرها إلى زمن يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه، لحديث معاذ مرفوعًا: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه إلا حرمه اللَّه على النار. قال معاذ: يا رسول اللَّه! ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" متفق

стр. 1884

عليه (١)، وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند اللَّه عهدا بأن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" رواه الخمسة إلا الترمذي (٢)، ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر إلا بالصلاة. أو شرط أو ركن لها مجمع عليه إذا دعاه الإِمام أو نائبه إلى شيء من ذلك وامتنع حتى تضايق وقت التي بعد الصلاة (٣) فيكفر لما تقدم توضيحه في كتاب الصلاة، ويستتاب كمرتد ثلاثة أيام وجوبًا، فإن تاب بفعلها خلي سبيله، وإن أصر قتل كفرًا بشرطه، ويقتل في غير الصلاة وشروطها وأركانها المجمع عليها

стр. 1885

كالزكاة والصوم والحج حدا لما تقدم. فمن ارتد مكلفا مختارا ولو أنثى رعي إلى الإسلام (فيستتاب ثلاثة أيام) وجوبا، لحديث أم مروان وتقدم (١)، وينبغي أن يضيق عليه مدة الاستتابة ويحبس، (فإن) تاب لم يعزر ولو بعد مدة الاستتابة؛ لأن فيه تنفيرًا له عن الإسلام، وإن أصر و (لم يتب قتل) بالسيف ولا يحرق بالنار، لحديث: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء" (٢)، وحديث: "من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب اللَّه يعني النار" رواه البخاري (٣)، ولا يقتل رسول كفار ولو

стр. 1886

مرتدا بدليل رسولي مسيلمة (١). ولا يقتل المرتد إلا الإِمام أو نائبه كرجم الزاني المحصن، فإن قتله غيرهما بلا إذن أساء وعزر لافتياته على ولي الأمر، ولا ضمان بقتل مرتد ولو قبل استتابته؛ لأنه مهدر الدم، وردته أباحت دمه في الجملة، ولا يلزم من تحريم القتل الضمان. ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا -وهو الذي يحدس ويتخرس- فصدقه فهو تشديد وتأكيد. نقل حنبل: كفر دون كفر لا يخرج به عن الإسلام، وقيل: كفر نعمة، وقيل: قارب الكفر (٢).

стр. 1887

ويصح إسلام مميز يعقل الإسلام؛ لأن عليا أسلم وهو ابن ثماني سنين، أخرجه البخاري (١)، قال ﵁: سبقتكموا إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلمي (٢) ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي كالصلاة والصوم، وتصح ردة المميز كإسلامه، ولا يقتل هو ولا سكران ارتدا حتى يستتابا بعد بلوغ وصحو ثلاثة أيام، وإن مات قبل بلوغ أو في سكر مات كافرا. (ولا تقبل ظاهرا) توية (ممن سب اللَّه) تعالى صريحا لعظم ذنبه جدا، فيدل على فساد عقيدته، (أو) سب (رسولا) (٣) له، أو ملكا له صريحا أو تنقصه أو أحدا من رسله أو ملائكته لما تقدم، (أو تكررت ردته) فلا تقبل توبته في الدنيا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (٥) ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام.

стр. 1888

(ولا) تقبل في أحكام الدنيا توبة (من منافق) أي زنديق وهو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (١)، والزنديق لا يعلم تبين رجوعه وتوبته؛ لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه. (و) لا تقبل توبة (ساحر) مكفر بسحره كالذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء، لحديث جندب بن عبد اللَّه (٢) مرفوعا: "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه الدارقطني (٣)، فسماه حدا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة، ولأنه لا

стр. 1889

طريق لنا في علم إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به، وقوله: في أحكام الدنيا علم منه أنه من مات منهم مخلصا قبلت توبته في الآخرة لعموم حديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١).

стр. 1890

فصل وتوبة مرتد وكل كافر إتيانه بالشهادتين أي قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رسول اللَّه، لحديث ابن مسعود: "أن النبي ﷺ دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ حتى إذا أتى على صفة النبي ﷺ وأمته فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، فقال النبي ﷺ : لوا أخاكم" (١)، ولحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه" (٢)، وإذا ثبت بها إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد، ولا يلزم من جعل الإسلام اسما للخمسة في

стр. 1891

حديث: "أخبرني عن الإسلام" (١) أن لا يكون مسلما إلا بفعل الجميع لجواز أن يعرف الشارع حقيقة ويجعل بعض أجزائها بمنزلتها في الحكم، ففرق بين النظر في الشيء من حيث بيان حقيقته والنظر فيه من حيث معرفة ما يجزئ منه مع إقرار جاحد لفرض أو لتحليل حلال أو لتحريم حرام أو لنبي أو لكتاب أو رسالة محمد ﷺ إلى غير العرب بما جحده من ذلك؛ لأن كفره بجحده من حيث التكذيب فلا بد من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه. أو قوله: أنا مسلم فهو توبة أيضا للمرتد ولكل كافر وإن لم يأت بالشهادتين؛ لأنه إذا اخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بها، قال في "المغني" (٢): "ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي أو من جحد الوحدانية، أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحو هذا فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما (٣) اعتقد أن الإسلام ما هو عليه، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافرا". ولا يغني قوله: محمد رسول اللَّه عن شهادة أن لا إله إلا اللَّه ولو من مقر بالتوحيد؛ لأن الشهادة بأن محمدا رسول اللَّه لا تتضمن الشهادة بالتوحيد كعكسه

стр. 1892

فلا يكفي لا إله إلا اللَّه، وأما قوله ﷺ : "قل: لا إله إلا اللَّه كلمة أشهد لك بها عند اللَّه" (١) فالظاهر أنها كناية عن الشهادتين جمعا بين الأخبار. ومن شهد عليه بردة ولو بجحد تحليل حلال أو تحريم حرام فأتى بالشهادتين ولم ينكر ما شهد به عليه لم يكشف عن شيء لعدم الحاجة -مع ثبوت إسلامه- إلى الكشف عن صحة ردته، فلا يعتبر إقراره بما شهد به عليه من الردة لصحة الشهادتين من مسلم ومرتد، بخلاف توبته من بدعة فيعتبر إقراره بها؛ لأن أهل البدع لا يعتقدون ما هم عليه بدعة. ويكفي جحده لردة أقر بها ولم يشهد بها عليه كرجوعه عن إقراره بحد، وإن شهد على مسلم أنه كفر فادعى الإكراه قبل منه مع قرينة فقط. وإن شهد عليه بكلمة كفر فادعاه قبل مطلقا، وإن أكره ذمي على إقرار بإسلام لم يصح إقراره، وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلما؛ لأن الخط كاللفظ، وإن قال: أسلمت أو أنا مسلم أو أنا مؤمن صار مسلما بذلك وإن لم يتلفظ بالشهادتين لما تقدم، ولا يبطل إحصان مرتد ولا عبادة فعلها قبل ردته ولا صحبته ﵇ إذا تاب، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (٢).

стр. 1893

فصل ومن ارتد لم يزل ملكه عن ماله بمجرد ردته ويملك بتمليك، ويمنع التصرف في ماله وتقضى منه ديونه وأروش جناياته، ولو جناها بدار حرب أو في فئة مرتدة ممتنعة؛ لأن المرتد تحت حكمنا بخلاف البغاة، وينفق منه عليه وعلى من تلزمه نفقته، فإن أسلم فماله له وإلا صار فيئا من حين موته مرتدا؛ لأنه لا وارث له من مسلم ولا غيره. وإن لحق بدار حرب فهو وما معه من ماله كحربي، وأما ما بدارنا من ماله فهو فيء من حين موته، ويؤخذ مرتد بحد أتاه في ردته وإن أسلم نصا (١) لا بقضاء ما ترك فيها من عبادة لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) ولم يأمر الصديق المرتدين بقضاء ما فاتهم.

стр. 1894

فصل في السحر وما يتعلق به وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به فاعله أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن مسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له (١)، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، لحديث عائشة: "أن النبي ﷺ سحر حتى أنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله" (٢) وروي من أخبار السحرة ما لم يمكن التواطؤ على الكذب فيه، ولا يلزم منه إبطال معجزات الأنبياء ﵈؛ لأنه لا يبلغ ما يأتون به. ويحرم تعلم السحر وتعليمه (٣). وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، أو يدعي أن الكواكب تخاطبه كافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أى ما كان ساحرا كفر بسحره، وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ

стр. 1895

فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١) أي لا تعلمه فتكفر بذلك. ولا يكفر ولا يقتل من يسحر بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر، ويعزر بذلك بليغا لينكف هو ومثله، ولا يكفر من يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها أو تطيعه، ولا يكفر كاهن وهو الذي له رئي (٢) من الجن يأتيه بالأخبار، ولا عراف أي من يحدس ويتخرس، ولا منجم أي ناظر في النجوم ويستدل بها على الحوادث، فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد. ولا يقتل ساحر كتابي إلا أن يقتل بسحره غالبا فيقتل قصاصا؛ لأن لبيد بن الأعصم (٣) سحر -النبي ﷺ فلم يقتله، ولأن كفره أعظم من سحره. ومشعبذ وقائل بزجر طير وضارب بحصى أو شعير أو قداح والناظر في أكتاف الألواح إن لم يعتقد إباحته ولم يعتقد أنه يعلم به الأمور المغيبة عزر لفعله معصية، وإلا بأن اعتقد إباحته، وأنه يعلم به الأمور المغيبة كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.
следующие страницы →