← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

أن يدخلها ضحوة تفاؤلًا لاستقبال الشهر لابسًا أجمل ثيابه؛ لأنه تعالى يحب الجمال وقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) لأنها مجامع الناس وهنا يجتمع ما لا يجتمع في المساجد فهو أولى بالزينة (٢)، وكذا أصحابه؛ لأنه أعظم له ولهم في النفوس، ولا يتطير وإن تفاءل فحسن؛ "لأنه ﵇ كان يحب الفأل الحسن، وينهى عن الطيرة" (٣) فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين تحيته، ويجلس مستقبلًا القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل القبلة، ويأمر بعهده فيقرأ على الناس ليعلموا توليته، ويأمر بمن يناديهم بيوم جلوسه للحكم، وُيقِلُّ من الكلام إلا لحاجة؛ لأنه أهيب له، ثم يمضي إلى منزله. ويبعث ثقة فيتسلم ديوان الحكم وهو الدفتر المعد لكتب الوثائق والسجلات

стр. 2032

والودائع ممن كان قاضيًا قبله؛ لأنه الأساس الذي يبنى (١) عليه، وهو في يد الحاكم بحكم الولاية وقد صارت إليه، ويأمر كاتبًا ثقةً يثبت ما تسلمه بمحضر عَدْلَيْنِ، ثم يخرج يوم الوعد بأعدل أحواله غير غضبان ولا جائع ولا حاقن ولا مهموم بما يشغله عن الفهم فيُسلِّم على من يمر به ولو صبيًا، ثم يسلم على من بمجلسه لحديث: "إن من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إِذا لقيه" (٢)، ويجلس على بساطٍ ونحوه يختص به ليتميز عن جلسائه؛ لأنه أهيب له لأنه مقام عظيم يجب فيه إظهار الحرمة تعظيمًا للشرع، ويدعو اللَّه بالتوفيق للحق والعصمة من زلل القول والعمل؛ لأنه مقام خطر، وكان من دعاء عمر ﵁ "اللهم أرني الحق حقًا ووفقني لاتباعه وأرني الباطل باطلًا ووفقني لاجتنابه" (٣) وليكن مجلسه فسيحًا كجامع فيجوز القضاء فيه بلا كراهة، روي عن عمر وعثمان وعلي "أنهم كانوا يقضون في المسجد" (٤) قال مالك: "القضاء في

стр. 2033

المسجد من أمر الناس القديم" (١)، وكان ﵇ "يجلس في المسجد" (٢) مع حاجة الناس إليه في الفتيا والحكم وغيرهما من حوائج الناس، وكدار واسعة وسط البلد [إن] (٣) أمكن يستوي أهل البلد في المضي إليه، ولا يتخذ حاجبًا ولا بَوَّابًا بلا عُذر لحديث عمرو بن مُرَّةَ (٤) مرفوعًا: "ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق اللَّه أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" رواه أحمد والترمذي (٥)، ولأنهما ربما منعا ذا الحاجة لغرض النفس أو غرض الحطام، ويَعْرِضُ

стр. 2034

الْقَصَصَ، ويجب تقديم سابق ولا يقدم سابقًا في أكثر من حكومةٍ لئلا يستوعب المجلس ويقرع بينهم إن حضروا دفعةً واحدةً وتشاحوا. (و) يجب (عَلَيهِ) أي القاضي (العدلُ بين مُتَحَاكِمَينِ) ترافعا إليه (في لَفْظِهِ) أي كلامه (ولَحْظِهِ) أي ملاحظته (ومجلسِهِ ودخولٍ عليهِ) إلَّا إذا سلم أحدهم عليه فيرد ﵇، ولا ينتظر سلام الثاني لوجوب الرد فورًا، وإلا المسلم إذا ترافع إليه مع الكافر فيقدم المسلم دخولًا ويرفع جلوسا لحرمة الإسلام (١)، قال

стр. 2035

تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (١) ودليل وجوب العدل بين الخصمين حديث عُمَرَ بن شَبَّةَ (٢) في كتاب القضاء عن أمِّ سلمة مرفوعًا: "من ابتلي بالقضاء بين السلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر" (٣) وفي

стр. 2036

رواية "فَلْيُسَوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة" (١) ولأنه إذا ميز أحدهما حُصِرَ الآخر وانْكَسَرَ وربما لم تقم له حجة فيؤدي ذلك إلى الظلم، ولا يكره قيامه للخصمين، فإن قام لأحدهما وجب أن يقوم للآخر، ويحرم أن يُسَارَّ أحدهما أو يلقنه حجته أو يضيفه؛ لأنه إعانة له على خصمه وكسر لقلبه، وروي عن علي أنه نزل به رجل فقال: "ألك خصمٌ؟ قال: نعم، قال: تحوَّل عنا فإني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا وخَصْمُه معه" (٢) أو يعلمه كيف يدعي إلا أن يترك ما يلزم ذكره في الدعوى كشرط عقد وسبب إرث ونحوه فله أن يسأل عنه ضرورة تحريرًا للدعوى، ولا ضرر على صاحبه في ذلك، وأكثر الخصوم لا يعلمه

стр. 2037

وليتضح للقاضي وجه الحكم، وللقاضي أن يَزِنَ عن أحد الخصمين؛ لأن فيه نفعًا لخصمه، وله أن يشفع له عند خصمه ليضع عنه بعض دينه أو ينظره فيه ويكون ذلك بعد الحكم، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (١) وعن كعب بن مالك: "أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ (٢) دينًا كان عليه، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها النبي ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته، فنادى يا كعب، فقلت: لبيك يا رسول اللَّه! فقال: ضع من دينك وأومأ إليه أي الشَّطْرَ، قال: قد فعلت يا رسول اللَّه قال: قم فاقضه" رواه الجماعة إلا الترمذي (٣)، وله أن يؤدب خصمًا افْتَاتَ عليه كقوله: ارتشيت علي، أو حكمت علي بغير حق ونحوه بضرب لا يزيد على عشر وحبس، وأن يعفو عنه، وله أن ينتهره

стр. 2038

إذا التوى عن الحق لئلا يطمع فيه. ويسن للقاضي أن يحضر مجلسه فقهاء المذهب ومشاورتهم فيما يشكل إن أمكن وسؤالهم إذا حدث حادثة ليذكروا جوابهم وأدلتهم فيها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) قال الحسن: "إنه كان رسول اللَّه ﷺ لغني عن مشاورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده". (٢) فإن اتضح له الحكم [حكم] (٣) باجتهاده ولا اعتراض؛ لأنه افتيات عليه، وإلا يتضح له الحكم أَخَّرَهُ حتى يتضح، فلو حكم ولم يجتهد لم يصح حكمه ولو أصاب الحق إن كان من أهل الاجتهاد، ويحرم تقليد غيره ولو كان غيره أعلم منه كالمجتهدين في القبلة، نقل أبو الحارث: "إلا تُقَلِّدْ أمرك (٤) أحدًا وعليك بالأثر" (٥)، وقال أحمد للفضل بن زياد (٦): "ولا

стр. 2039

تُقَلِّدْ دِيْنَكَ الرِّجَالَ فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا". (١) (وحَرُمَ) على قاض (القضاءُ وهو غَضبانُ كثيرًا) لخبر أبي بكرة مرفوعًا: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه (٢)، بخلاف غضب يسير لا يمنع فهم الحكم. (أَوْ) أي وحرم أن يقضي وهو (حَاقِنٌ أو في شِدَّةِ جُوْع أو) في شدة (عَطَشٍ أوْ هَمٍّ أو مَلَلٍ أو كَسَلٍ أو نُعَاسٍ أو بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أوْ حُرٍّ مُزْعِجٍ)؛ لأن ذلك كله في معنى الغضب؛ لأنه يشغل الفكر الموصل إلى إصابة الحق غالبًا، فإن خالف وقضى وهو غضبان ونحوه فأصاب الحق نفذ حكمه وإلا لم ينفذ، وكان للنبي ﷺ القضاءُ مع ذلك؛ لأنَّه ﵇ لا يجوز عليه غلط يقر عليه لا قولًا ولا فعلًا في حكم بخلاف غيره من الأمة. (و) حرم على قاضٍ (قبولُ رِشوَةٍ) بتثليث الراء لحديث ابن عمر

стр. 2040

قال: "لعن النبي ﷺ الرَّاشِيَ والْمُرْتَشِيَ" (١) وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ورواه أبو هريرة وزاد: "في الحكم" (٢) رواه أبو بكر في

стр. 2041

"زاد المسافر" (١) وزاد "والرائش" (٢) وهو السفير بينهما؛ لأنه إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو يوقف الحكم وهو من أعظم الظُّلْمِ. (و) كذا يحرم عليه قبول (هَدِيَّةٍ) لحديث أبي حميد السَّاعِدِيِّ (٣) مرفوعًا: "هَدَايَا العُمَّالِ غُلُوْل" رواه أحمد (٤)، ولأن القصد بها غالبًا استمالة الحاكم ليعتنى [به] (٥) في الحكم فتشبه الرشوة (من غيرِ [من كان] (١) يُهَادِيْهِ قبل ولايته

стр. 2042

ولا حُكُومةَ لَهُ) فيباح له قبولها لانتفاء التهمة إذن، كما يباح لِمُفْتٍ أخذها، وردها من الحاكم أولى، فإن خالف القاضي فأخذ الرشوة والهدية حيث حرمت ردتا لمعطٍ؛ لأن أخذها بغير حق كالمأخوذ بعقد فاسدٍ. ويكره بيع القاضي وشراؤه إلا بوكيل لا يعرف به، وليس له ولا لوالٍ أن يَتَّجِرَ لحديث أبي الأسود المالكي (١) عن أبيه عن جده مرفوعًا: "ما عدل والٍ اتَّجَرَ في رَعِيَّتِهِ أبدًا" (٢)، وإذا احتاج إلى التجارة ولم يكن له ما يكفيه لم تكره له؛ لأن أبا بكر قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه (٣)، ولوجوب القيام بعياله فلا يتركه لِوَهْم مَضَرَّةٍ. ويسن له عيادة المرضى وشهادة الجنائز وتوديع غازٍ وحاجٍ ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ لأنه من القُرَبِ وفيه أجرٌ عَظيمٌ، وهو في الولائم كغيره؛ لأنه ﵇

стр. 2043

كان يحضرها (١) وأمر بحضورها (٢) وقال: "ومن لم يجب فقد عَصَى اللَّه ورسوله" (٣)، ولا يجيب قومًا ويدع قومًا بلا عُذر، ومتى كثرت وازدحمت تركها كلها، فإن كانَ في بعضها عُذْرٌ كمنكر ونحوه أجاب من لا عذر له في تركها، ويوصي وجوبًا الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخًا أو كُهولًا من أهل الدِّين والعفة والصِّيانة ليكونوا أقل شرًّا، فإن الشَّباب شعبة من الجنون، والحاكم تأتيه النساء، وفي اجتماع الشباب بهنَّ مفسدةٌ. ويباح لقاضٍ وفي "المبدع" (٤): "والأشهر أنه يُسَنُّ أن يتخذ كاتبًا؛ لأنه ﷺ

стр. 2044

استكتب زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان (١) وغيرهما، ولكثرة اشتغال الحاكم ونظره في أمر الناس فلا يمكنه تولي الكتابة بنفسه وشرط كون الكاتب مُسْلِمًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ

стр. 2045

خَبَالًا﴾ (١) وقال عمر: "لا تُؤَمِّنوْهُمْ وقد خَوَّنَهُم اللَّهُ، ولا تُقَرِّبُوْهمْ وقد أَبْعَدَهُمُ اللَّه، ولا تُعِزُّوْهُمْ وقد وقد أَذَلَّهُم اللَّه" (٢)، عدلًا؛ لأنه موضع أمانة، ويسن كونه حافظًا عالمًا؛ لأن فيه إعانة على أمره، وكونه حرًا خُرُوجًا من الخلاف، وكونه جيد الخط؛ لأنه أكمل، وكونه عارفًا، قاله في "الكافي" (٣) لئلا يفسد ما يكتبه بجهله، ويجلس بحيث يشاهد القاضي ما يكتبه؛ لأنه أمكن لإملائه عليه وأبعد للتُّهْمَةِ، ويجعل القاضي القِمَطْرَ -بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء أعجمي مُعَرَّبٌ- وهو ما يجمع فيه القضايا (٤) مختومًا بين يديه ليحفظ عن التغيير، ويُسَنُّ حكمه بحضرة شهودٍ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر (٥)، ويحرم عليه تعيين قوم بقبول الشهادة بحيث لا يقبل غيرهم لوجوب قبول شهادة من تثبت عدالته. ولا يصح (ولا يَنفُذُ حُكْمُهُ) أي القاضي (على عَدُوّهِ) كالشهادة عليه بل يُفْتِيْ

стр. 2046

عليه؛ لأنه لا إلزام في الفتيا بخلاف القضاء، (ولا) يَصِحُّ ولا ينفذ حكم (لنفسهِ ولا لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كزوجته وعمودي نسبه كالشهادة ولو كانت الخصومة بين ولديه أو بين والده وولده لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر، فإن عرضت للقاضي ولمَنْ تُرَدُّ شهادته له حكومة تحاكم إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، فإن عُمَرَ حاكم أبيًّا إلى زيد بن ثابت (١) وحاكم رجلًا عراقيًّا إلى شريحٍ وحاكم عليٌّ رجلًا يهوديًّا إلى شُريحٍ (٢) وحاكم عثمانُ طَلْحَةَ إلى جبير بن مطعمٍ (٣)، وله استخلاف من لا يصح حكمه له كحكمه لغيرهم بشهادتهم وكحكمه عليهم. ويُسَنُّ للقاضي أن يبدأ بالنظر بأمر المحبوسين؛ لأن الحبس عذابٌ وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه، فينفذ ثقةً إلى الحبس فيكتب أسماءهم وأسماء من حبسهم وفيم، ذلك كله في رقعةٍ مُنْفردة لِئَلَّا يتكرر النَّظر في حال الأول لو كتبوا في رقعة واحدة، ويخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كالقرعة ثم ينادي بالبلد أن القاضي ينظر في حال المحبوسين في كذا، فمن له خصم محبوس فليحضر، فإذا جلس لموعدهم نظر ابتداءً في رقاع المحبوسين، فيخرج رقعة منها ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه، فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان حبس لتعدل البينة فإعادته إلى

стр. 2047

الحبس مبنية على حبسه في ذلك، والأصح حبسه إن كان في غير حَدٍّ، فيعاد للحبس، ويقبل قول خصمه في أن القاضي حبسه بعد تكميل البينة وتعديلها؛ لأن الظاهر أنه إنما حبسه لحق ترتيب عليه، وإن ذكر مَحبوسٌ أنَّهُ حبس بقيمة كلبٍ أو خَمْر ذمي وصدقه (١) خلي سبيله؛ لأنه لا دين عليه (٢) وإن كذبه (٣) وقال: بل بحق واجب غير هذا فقول غريم؛ لأنه الظاهر، وإن بَانَ حبسه في تهمةٍ أو تعزيرٍ كافتياتٍ على القاضي قبله [خلاه] (٤) أو أبقاه في الحبس بقدر ما يرى. فإطلاق القاضي وإذنه ولو في قضاء دين أو في نفقةٍ ليَرْجِعَ، ووضع ميزاب وبناء ووضع خشب على جدار جار وأمره بإراقة نبيذ وقرعةٍ حكم يرفع الخلاف إن وإن، وذكر الشيخ تقي الدين أنه لو أذن أو حكم لأحدٍ باستحقاق عقدٍ أو فسخٍ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته بلا نزاع، وكذا نوع من فعله كتزويج يتيمةٍ بالولاية العامة وشراء عينٍ غَائبةٍ مَوصُوفةٍ بما يكفي في سَلَمٍ لقضاء دين نحو غائب وممتنع حكم يرفع الخلاف. وحكمه بشيء -كبيع عبد أعتقه من أحاط الدين مسألة- حكم بلازمه وهو بطلان العتق في المثال؛ لأنه لصحة البيع فلا يحكم غيره بخلافه؛ لأنه نقض لحكمه.

стр. 2048

وإقراره غيره على فعل مختلف فيه، وثبوت شيء عنده ليس حكمًا به، بخلاف إثبات صفة العدالة وأهلية وصيَّةٍ فهو حُكمٌ. وتنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ قاله ابن نصر اللَّه، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنَّه حكم (١). والحكم بالصحة يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعًا، فمن ادَّعَى أنه ابتاع من المدعى عليه عينًا، واعترف له بذلك لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعى المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك. والحكم بالمُوْجب -بفتح الجيم- حكمٌ بموجب الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها كالإقرار والنكول، فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به من نحو بيع وإجارة الحكم فيها بالموجب حكم بالصحة؛ لأنها من موجبه كسائر آثاره قال الوليُّ العراقي (٢): فيكون الحكم فيها بالموجب حينئذ أقوى مطلقًا لسعته وتناوله الصحة وآثارها. والدعوى غير المشتملة على ذلك كإن أدعى أنه باعه العين فقط الحكم فيها

стр. 2049

بالموجب ليس حكمًا بالصِّحَّةِ إذ مُوْجب الدعوى حينئذ حصول صورة بيع بينهما، ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحته حيث لم يذكرهر أن العين كانت للبائع ولم تقم به بينة وصحة العقد تتوقف على ذلك، بخلاف ما سبق، لا يقال: هو أيضًا في الأولى لم يدع الصِّحة فكيف يحكم له بها؛ لأن دعواها وإن لم تكن صريحةً فهي واقعةٌ ضمنًا؛ لأنها مقصود المشتري، والحكم بالإقرار ونحوه كالحكم بموجبه، إذ معناه إلزام المقر بما أقر به وهو أثر إقراره ولا يحكم بالصِّحَّة، نقله الولي العراقي عن شيخه البُلْقِيْنِيْ (١) وقال: لا يظهر لهذا معنًى فليتأمل. (٢) وقد رجع الشيخ إلى ما ذكر أولًا من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. ومن لم يعرف خصمه أو أنكره المحبوس بأن قال: حبست ظلمًا ولا حق علي ولا خصم لي نودي بذلك في البلد (٣)، فإن لم يعرف خصمه بعد ذلك حلفه حاكمٌ وأطلقه، ومع غيبة خصمه يبعث إليه ليحضر، ومع تأخره بلا عذر يخلي

стр. 2050

سبيله، والأولى بكفيلٍ. ثم إذا تم آمر المحبوسين نظر في أمر أيتام ومجانين ووقوف ووصايا لا ولي لهم ولا ناظر؛ لأن هذه أموال يتعلق بها حفظها وصرفها في وجوهها فلا يجوز إهمالها، ولا نظر له مع الولي أو الناظر الخاص لكن له الاعتراض إن فعل ما لا يسوغ، فلو نفذ القاضي الأول وصية موسى إليه أمضاها الثاني؛ لأن الظاهر أن الأول لم ينفذها إلَّا بعد معرفة أهليته. ويحرم أن ينقض من حكم قاض صالح للقضاء شيئًا لئلا يؤدي إلى نقض الحكم بمثله غير ما خالف نص كتاب اللَّه تعالى أو سنة متواترة أو آحاد كالحكم بقتل مسلم بكافر، وكالحكم بجعل من وجد عين ماله عند من حجر عليه بفلس أسوة الغرماء فينقض؛ لأنه لم يصادف شرطه، إذ شرط الاجتهاد عدم النص، لخبر معاذ بن جبل (١)، ولأنه مفرط بترك الكتاب والسنة، أو خالف إجماعًا قطعيًّا فينقض؛ لأن المجمع عليه

стр. 2051

ليس محلا للاجتهاد بخلاف الإجماع السكوتي، أو خالف ما يعتقده بأن حكم بما لا يعتقد صحته فيلزم نقضه لاعتقاد بطلانه، فإن اعتقده صحيحًا وقت الحكم ثم تغير اجتهاده ولا نص ولا إجماع لم ينقض لقضاء عمر في المشركة حيث أسقط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم ويين الإخوة للأم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي (١)، وقضى في إرث الجد بقضايا مختلفة (٢)، ولئلا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بمثله، وإن تغير اجتهاده قبل الحكم عمل بالأخير لاعتقاده بطلان ما قبله، ولا ينقض حكم بتزويج المرأة نفسها ولو مع حضور وليها لاختلاف الأئمة في صحته، وحديث: "لا نكاح إلا بوليٍّ وشَاهِدَيْ عَدلٍ" تقدم ما فيه (٣)، ولا ينقض حكم لمخالفة قياس؛ لأن من أحكام الشريعة ما ثبت على خلاف القياس، ولا لعدم علمه الخلاف في المسألة المحكوم (٤) فيها؛ لأن علمه ذلك لا أثر له في صحة الحكم حيث وافق الشرع، ولا إن حكم بينة خارج وجهل

стр. 2052

علمه ببينة تقابلها، أو حكم [ببيِّنة] (١) داخل وجهل علمه بسبب بينة تقابلها حيث وقع الحكم على وفق الشرع (٢). وما قلنا: أنه ينقض فالناقض له حاكمه إن وإن موجودًا، فيثبت عنده السبب المقتضي للنقض وينقضه وجوبًا، ولا يعتبر لصحة نقضه طلب رب الحق نقضه؛ لأنه حق للَّه تعالى، وينقضه إن بَانَ بمن شهد عنده ما لا يرى معه قبول الشهادة ككون الشاهد من عمودي نسب مشهودٍ، وكذا كل ما صادف وما حكم به مختلف فيه [-صِفَةٌ) (٣) لِمَا الأُوْلَى- أي (٤) أن لا يرى القاضي الحكم معه كبيع عبد تبين أنه منذور عتقه نذر تَبَرُّر ولم يعلم قاضٍ عند حكم فينقضه إذا ثبت عنده. وتنقض أحكام من لا يصلح للحكم لفقد بعض الشُّروط وإن وافقت الصواب؛ لأن حكمه غير صحيح فوجوده كعدمه، وهذا في غير قضاة الضرورة، ولا ينقض من أحكامهم ما وافق الصواب كما اختاره الشَّيْخُ تقي الدِّين (٥)؛ لأنها ولاية شرعية وإلا تعطلت الأحكام.

стр. 2053

(ومن اسْتَعْدَاهُ) أي القاضى (على خَصْمٍ في البلدِ) الذي به القاضي (بما) أي شيء (تتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لَزِمَهُ) أي القاضي (إحضاره) أي الخصم ولو لم يحرر المستعدي الدعوى نَصًّا (١) أو لم يعلم أن بينهما معاملة لئلا تضيع الحقوق ويقر الظلم، وقد يثبت حق الأدنى على الأرفع منه لنحو غصب أو شراء ولا يوفيه ثمنه أو إيداع أو إعارة ولا يرد إليه، فإن لم يعد عليه ذهب حقه وهو أعظم ضررًا من حُضُور مجلس الحكم فإنه لا نقص فيه، وقد حضر عمرُ وأبيٌّ عند زيد بن ثابت، وللمُستَعْدَى عليه أن يوكل إن كره الحضور، ومن طلبه خصمه أو حاكم حيث لزمه إحضاره بطلبه منه لمجلس الحكم لزمه الحضور، فإن حَضَرَ وإلا أعلم القاضي الوالي، ومتى حضر فله تأديبه بما يراه من انتهار أو ضرب، ويعتبر تحرير الدعوى فيما إذا استعدى على حاكم معزول ومن في معناه من ذوي المناصب كالخليفة والعالم الكبير والشيخ المتبوع صيانة له عن الابتذال، ثم يراسله القاضي، فإن خرج من العهدة وإلا أحضره. (إلا غَيْرَ بَرْزَةٍ) وهي المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدي عليها (فَتُوَكِّلُ كمريض ونحوه) ممن له عذر (وإِنْ وَجَبَـ) ـت عليها (يَمِيْنٌ أَرْسَلَ) الحاكم (مَنْ) أي أمينا معه شاهدان (يُحَلِّفُهَا) بحضرتهما. ومن ادَّعى على غائبٍ بموضع من عمل القاضي لا حاكم به بعث القاضي إلى ثقةٍ يتوسط بينهما قطعًا للنِّزاع، فإن تعذر حرر دعواه ثم أحضره ولو بَعُد مكانه إذا كان

стр. 2054

بعمله. ومن قال لحاكمٍ: حكمتَ علي بشهادة فاسقين عمدًا فأنكر القاضي لم يحلف لئلا يتطرق المدعى عليهم على إبطال ما عليهم من الحقوق بذلك وفيه ضرر عظيم، واليمين إنما تجب للتهمة، والقاضي ليس من أهلها. وإن قال قاضٍ معزولٍ عدلٍ لا يُتَّهَمُ: كانتُ حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بكذا وبَيَّنَهُ وهو ممن يسوغ الحكم له قُيلَ نَصًّا (١) ولو لم يذكر مستنده في حكمه من نحو بينة أو إقرار، ولو أن العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود؛ لأن عزله لا يمنع قبول قوله، قال القاضي مجد الدين (٢) ما لم يشتمل قوله على إبطال حكم حاكم آخر فلا يقبل إذن، فلو حكم حنفي برجوع واقف على نفسه وأخبر حنبلي أنه حكم بصحة ذلك الوقف قبل حكم الحنفي برجوعه لم يقبل، نقله المحب ابن نصر اللَّه في "حواشي الفروع" (٣). وإذا أخبر حاكمٌ حاكمًا بحكمٍ أو ثبوتٍ ولو في غير عملهما قبل وعمل به

стр. 2055

الْمُخْبَرُ -بفتح الباء- إذا بلغ عمله كما لو أخبره بعد عزله وأوْلَى، ويجوز للمُخْبَرِ -بفتح الباء- أن يعمل بأخبار الآخر مع حضوره وهما بعملهما إذا أخبره بالثبوت عنده بلا حكمٍ؛ لأنه كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشَّهادة، بخلاف ما لو حكم وأخبر به أوكانا أو أحدهما بغير عملهما، وكذا إخبار أمير جهاد وأمين صدقة وناظر وقف بعد عزله بأمرٍ صدر منه حال ولايته فيقبل منه حيث يقبل في ولايته، قال في "الانتصار": كل من صحّ منه إنشاء أمر صحّ إقراره به. (١)

стр. 2056

فَصْلٌ فِي طَرِيْق الحُكْمِ وَصِفَتِهِ وطريقُ كل شيء ما يتوصل به إليه (١). والحُكْمُ لغةً: المنع (٢). واصطلاحًا: فصل الخصومات، أو الإلزام بحكمٍ شرعيٍّ لعقد رفع إليه فحكم به بلا خصومة (٣)، وسُمِّيَ القاضي حاكمًا لأنه يَمنعُ الظالم من ظلمه. وإذا حضره خصمان استحب أن يجلسهما بين يديه لحديث أبي داود "أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم" (٤) وقال علي حين خاصم اليهودي في درعه إلى شريح: "لولا أن خصمي يهودي لجلست معه

стр. 2057

بين يديك" (١)، ولأنه أمكن للحاكم في العدل بينهما. فإذا جلسا فله أن يسكت حتى يبدأ (٢) وله أن يقول: أيُّكُما المدعي؛ لأنه لا تخصيص في ذلك لأحدهما، ومن سبق بالدَّعْوَى قدمه على خصحه لترجحه بالسبق، فإذا قال خصمه: أنا المدعي لم يلتفت القاضي إليه وقال له: أجب دعواه، ثم إن ادعيا معا قدم من قرع فإذا انتهت حكومته ادعى الآخر، ولا تسمع دعوى مقلوبة نحو أدَّعِيْ على هذا أنه يدعي عليَّ دينارًا مثلًا، فاستحلفنى له أنه لا حق له علي، سميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطى المدعى عليه والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعى عليه فانقلب فيها القصد المعتاد، ولا تسمع دعوى حسبةٍ بحق اللَّه تعالى كعبادة من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها وحَدٍّ وكفارةٍ ونذر وجزاء صيد قتله محرمًا أو في الحرم، وتسمع بلا دعوى بينة بذلك وبعتق ولو أنكر معتوق العتق لحق اللَّه تعالى، وكذا تسمع بطلاق وبوقف ووصية على غير معين، وبوكالة وإسناد وصية من غير حضور خصم (٣) ولو كان بالبلد، ولا تسمع بينة بحق آدمي معين قبل دعواه، ولا تسمع يمينه إلا بعد دعواه وبعد شهادة الشاهد إن كان حيث يقضي بالشاهد واليمين، وأجاز بعض أصحابنا سماع الدعوى والبينة لحفظ

стр. 2058

وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم (١)، وأجازه الحنفية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وبعض أصحابنا بخصم مُسَخَّرٍ (٤) أي ينصب لينازع صورة، قال الشيخ تقي الدين: "وعلى أصلنا وأصل مالك إما أن تثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة وقاله بعض أصحابنا، وإما أن يسمعها ويحكم بلا خصم وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية، وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابه في مواضع لأنا نسمعها على غائب وممتنع وميت، فسماعها مع عدم خصم أولى، فإن المشتري مثلًا قبض المبيع وسلم الثمن فلا يدعي ولا يدعى عليه، وإنما الغرض الحكم لخوف خصم مستقبل وحاجة الناس خصوصًا فيما فيه شبهة أو خلاف لرفعه". (٥) قال المنقّح: "وعمل الناس عليه" (٦). أي على ما قاله الشيخ تقي الدين فيما يقع من عقود البيوع والإجارات والأنكحة وغيرها، حيث يرفع للحاكم وتشهد به البينة فيحكم به بلا خصمٍ، قال الشيخ منصور: "قلت: ولا ينقض الحكم لذلك وإن كان الأصح خلافه، لما تقدم

стр. 2059

أنه لا ينقض إلا ما خالف نص كتاب [أو] (١) سنة أو إجماعًا". (٢) وتصح الدعوى بالقليل ولو لم تتبعه الْهِمَّةُ بخلاف الاستعداء للمشقة. ويشترط لصحة الدعوى شروط: - أحدها: ما أشار إليه بقوله: (وشُرِطَ كَوْنُ مُدَّعٍ ومُنْكِرٍ جَائِزَيْ التَّصَرُّفِ)؛ لأن قول غيره غير معتبر لكن تصح على سفيه فيما يؤآخذ به حال سفهه وبعد فك حجره كطلاقه وقذفه ونحوه؛ لأن إقراره به معتبر لعدم التهمة، ويحلف إذا أنكر فيما يحلف الرشيد في مثله. (و) الشرط الثاني: (تحرِيرُ الدَّعْوَى) لترتب الحكم عليها، ولذلك قال ﵊: "إنما أقضي على نحو ما أسْمَعُ" (٣)، ولا يمكن الحكم عليها مع عدم تحريرها، فلو كانت الدعوى بدين على ميت ذكر موته وحرر الدين، فإن كان أثمانًا ذكر جنسه ونوعه وقدره وحرر التركة، وفي "المغني" (٤): "أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه ويقبل قول وارثٍ في عدم التركة، ويكفيه أن

стр. 2060

يحلف أنه ما وصل إليه من تركة مورثه شيءٌ، ولا يلزمه أن يحلف أنه لم يخلف شيئًا؛ لأنه قد يحلف شيئًا لم يصل إليه فلا يلزمه الإيفاء". (و) الشرط الثالث: (عِلْمُ مُدَّعًى بهِ) ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت (إلا فِيما نُصَحِّحُهُ) معاشر الحنابلة (مَجْهُولًا كوَصِيَّةٍ) بمجهولٍ بأن ادعى أنه وصى له بدابةٍ أو بشيءٍ ونحو ذلك، وكإقرار بمجهولٍ بأن ادَّعى أنه أقر له بمجهول فتصح وإذا ثبت طُولب مدعى عليه بالبيان، وكخلع أو طلاقٍ على مجهولٍ كإن سألته الخلع أو الطلاق على أحد دوابها ويتنازعان. والشرط الرابع: كون الدّعوى (١) مصرحًا بها، فلا يكفي: لي عنده كذا حتى يقول: وأنا مطالبه. والشرط الخامس: أن تكون الدعوى متعلقةً بالحال، فلا تصح بدين مؤجل لإثباته؛ لأنه لا يملك الطلب به قبل أجله، وتصح الدعوى بتدبير وكتابة واستيلاد لصحة الحكم بها وإن تأخر أثرها. الشرط السادس: أن تكون الدعوى منفكة عمَّا يكذبها، فلا تصح بأنه قتل أو سرق من عشرين سنةً وسنُّه دونها ونحوه، ولا يشترط ذكر سبب الاستحقاق لعينٍ أو دين لكثرة سببه وقد يخفى على المدعي، ويعتبر تعيين مدعى به إن حضر بالمجلس لنفي اللبس بالتعيين، ويعتبر إحضار عين مدعى بها إن كانت بالبلد لتعين بمجلس الحكم نفيًا للبس، ولو ثبت أن العين المدعى بها بيده ببينة أو نكول حبس حتى يحضرها لتقع

стр. 2061

الدعوى على عينها أو حتى يدعي تلفًا فيصدق للضرورة؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته وتكفي القيمة، وإن كانت العين المدعى بها غائبة عن البلد، أو كانت تالفةً، أو كانت في الذمة ولو غير مثلية كالبيع في الذمة بصفة، وكواجب الكسوة وصفها مدع كسَلَمٍ، والأولى ذكر قيمتها أيضًا، ويكفي في الدعوى ذكره نقد البلد إن اتحد وذكر قيمة جوهر ونحوه مما لا يصح فيه السَّلَمُ لعدم انضباط صفاته، وإن ادعى عقارًا غائبًا عن البلد ذكر موضعه وحدوده وتكفي شهرة عقار عندهما وعند حاكم عن تحديده، ولو قال مدعٍ: أطالبه بثوب غصبه قيمته [عشرة] (١) فيرده إن كان باقيًا وإلا فقيمته، أو أطالبه بثوب قيمته عشرة أخذه مني ليبيعه بعشرين فيعطنيها إن كان باعه أو الثوب إن كان باقيًا أو قيمته إن تلف صح ذلك اصطلاحا مع ترديد (٢) الدعوى للحاجة، (فَإِنْ ادَّعَى عَقْدًا) ولو غير نكاح كبيع وإجارة (ذَكَرَ شُرُوْطَهُ) للاختلاف في الشروط، وقد لا يكون صحيحًا عند القاضي فلا يتأتَّى الحكم بصحته مع جهله، إلا إن ادعى زوج استدامة الزوجية فلا يشترط ذكر شروط النكاح؛ لأنه لم يدع عقدًا وإنما يدعي خروجها عن طاعته، ويجزئ عن تعيين المرأة المدعى نكاحها إن غابت ذكر اسمها ونسبها، وإن ادّعته المرأة وأدَّعت معه نفقةً ومهرًا ونحوهما سمعت دعواها؛ لأنها تدَّعي حقًا لها تضيفه إلى سبب أشبه سائر الدعاوي، وإلا تدعي سوى النكاح فلا تسمع دعواها؛ لأنه حق للزوج فلا تسمع دعواها بحق لغيرها، ومتى

стр. 2062

جحد الزوج الزوجية ونوى به الطلاق لم تطلق بمجرد (١) ذلك؛ لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولو نواه؛ لأن الجحود هنا لعقد النكاح لا لكونها امرأته، ومن ادعى قتل مورثه ذكر وكونه عمدًا أو شبهه أو خطأ ويصفه، وأن القاتل انفرد بقتله أو شارك فيه، (أَوْ) ادعى (إرثًا ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجوبًا لاختلاف أسباب الإرث، (أَوْ) ادعى (مُحَلى بأَحَدِ النَّقْدَيْنِ قَوَّمَهُ بـ) النقد (الآخَرِ)، فإن ادعى محلى بذهب قَوَّمَهُ بفضةٍ، وإن ادعى محلى بفضة قومه بذهب لئلا يفضي تقويمه بجنسه إلى الربا، (أَوْ) ادعى محلى (بِهِمَا)، أو مَصُوغًا منهما مُبُاحًا تزيد قيمته عن وزنه (فبِأَيِّهِمَا) أي النقدين (شَاء) يقوم للحاجة أي انحصار الثمنية فيهما، وإذا ثبت أعطي عروضا. (وَإذَا حَرَّرَهَا) أي الدعوى فللحاكم سؤال خصم عنها وإن لم يسأل المدعي الحاكم سؤاله، (فَإنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ) بالدعوى (حُكِمَ عليهِ بسؤالِ مُدّعٍ)؛ لأن الحق له فلا يستوفيه الحاكم إلا بمسألته، فيقول الحاكم للمدعى عليه: أخرج من حقه، أو قضيت عليك له، أو ألزمتك بحقه، أو حكمت عليك بالخروج منه ونحوه. وإن أنكر مدعى عليه الدعوى بأن قال مدعى عليه لمدع قرضًا أو ثمنًا: ما أقرضني، أو ما باعني، أو ما يستحق عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا منه، أو قال: لا حق له علي صح الجواب لنفيه عين ما ادعى به؛ لأن قوله: "لا حق له" نكرة

стр. 2063

في سياق النفي، فتعم (١) كل حق ما لم يعترف له بسبب الحق، فلا يكون قوله: ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئًا منه وما بعده جوابًا، فلو ادعت امرأة مهرها على معترف بزوجيتها فقال: لا تستحق عليَّ شيئًا لم يصح الجواب ولزمه المهر إن لم يقم بينة بإسقاطه، وكذا لو ادعت عليه نفقة أو كسوة، ولهذا لو أقرَّتْ مَريضةٌ في مرض الموت أن لا مهر لها على زوجها لم يقبل منها إلا ببينة أنها أخذته نَصًّا، نقله مهنّا (٢)، أو أنها أسقطته عنه في الصحة، ولو قال مدعٍ: لي عليك مائة فقال: ليس لك مائة اعتبر قوله ولا شيئًا منها؛ لأن نفي المائة لا ينفي ما دونها كيمين، فلا يكفي الحلف على نفي المائة، فإن نكل عن اليمين عمَّا دون المائة حكم عليه بمائة إلا جزء، ومن أجاب مدعٍ استحقاقَ مبيع بقوله هو ملكي اشتريته من زيد مثلا وهو ملكه لم يمنع ذلك رجوعه على بائعه بثمن المبيع المستحق إذا أثبته ربه، قال في "تصحيح الفروع" (٣): "وهو الصواب لا سيما إن كان المشتري جاهلًا أو الإضافة إلى ملكه في الظاهر، والوجه الثاني: ليس له الرجوع لاعترافه له بالملك وهو بعيد" انتهى. ولو قال مدعى عليه لمدعٍ دينارًا: لا تستحق عليَّ حبة صحَّ الجواب ويعم حبات

стр. 2064

الدينار؛ لأنها تكرة في سياق النفي، ويعم ما دون الحبة من باب الفَحْوَى (١). ولمدع أنكر خصمه أن يقول: لي بينة، وللحاكم إن لم يقل المدعي ذلك أن يقول له: ألك بينة؟ لما روي: "أن رجلين (٢) اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول اللَّه! إن هذا غلبني على أرضي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، فليس له فيها حقٌّ، فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" (٣) وهو حديث حسن صحيح قاله في "شرح المنتهى" لمصنفه (٤).

стр. 2065

فإن قال مدع سأله الحاكم: ألك بينة؟ فقال: نعم قال له: إن شئت أحضرها، فإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عمَّا عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأن الحق له فلا يتصرف فيه بلا إذنه، ولم يلقنها الحاكم الشهادة بل إذا مسألة المدعي سؤاله البينة قال: من كان عنده شهادة فليذكرها إن شاء، ولا يقول لهما: اشْهَدَا؛ لأنه أمر، وكان شريح يقول للشاهدين: "ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا، ولا يقضي على هذا المسلم غيركما، وإني بكما اليوم أقضي، وبكما أتقي يوم القيامة" (١) فإذا شهدت عنده البينة سمعها، وحرم عليه ترديدها، ويكره له طلب زلتها وانتهارها لئلا يكون وسيلة إلى الكتمان، ولا يكره قوله لمدعى عليه: ألك فيها دافع أو مطعن؟ بل يستحب قوله: قد شهدا عليك، فإن كان لك قادحٌ فبينه لي، وقيّده في "الْمُذْهَبِ" (٢) و"الْمُسْتَوْعِبِ" (٣): بما إذا ارتاب منها، فإن لم يأت بقادحٍ واتضح للحاكم الحكم وكان الحق لمعين وسأله الحكم لزمه فورًا، ويحرم الحكم ولا يصح مع علم الحاكم بضده أو مع ليس قبل البيان، ويأمر بالصلح لقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ

стр. 2066

النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١)، ومع علمه ضده أو مع لبس لم يره شيئًا يحكم به، ويحرم الاعتراض على القاضي لتركه تسمية الشهود، قال في "الفروع" (٢): "وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة ليتمكن من القدح بالاتفاق، ويتوجه مثله حكمت بكذا ولو لم يذكر مستنده". من بينة أو إقرار أو نكول فيحرم الاعتراض عليه لذلك. وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره نصًّا، نقله حرب (٣)؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية، وهي البينة أو الإقرار، فجاز له الحكم بهما إذا سمعها في مجلسه وإن لم يسمعه أحد، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، ولعل أن يكون بعضكم ألْحَنَ بحجته من بعضٍ فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" رواه الجماعة (٤)، فجعل مستند قضائه ما يسمعه

стр. 2067

لا غيره، ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه أولى، ولئلا يؤدي إلى ضياع الحقوق، ولا يحكم قاضٍ بعلمه في غير هذه المسألة ولو في غير حد للخبر (١)، ويقول الصديق: "لو رأيت حدا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة" (٢)، ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يؤدي إلى تهمته وحكمه بما يشتهي مع الإحالة على علمه لكن يجوز الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البيان، ولا يتطرق [إلى] (٣) الحاكم تهمة إذا استند إليها، فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره، ذكره في "الطُّرُق الحكمية" (٤)،

стр. 2068

ويعمل بعلمه في عدالة بينة وجرحها بغير خلاف لئلا يتسلسل الاحتياج إلى معرفة المزكين أو جرحهم، فلو لم يعمل بعلمه في ذلك لاحتاج كل من المزكين إلى مزكين ثم يحتاجون أيضًا إلى مزكين وهكذا. ومن جاء من المدعين ببينةٍ فاسقةٍ استشهدها الحاكم لئلا يفضحها وقال لمدعٍ: زدني شهودًا ولم يقبلها لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١). (وَإِنْ أَنْكَرَ) مدعًى عليه (و) الحال أن (لا بَيِّنَةَ) بأن قال المدعي: ما لي بينة (فقولُهُ) أي المنكر (بيمينِهِ)، فيعلم المدعيَ حاكمٌ بذلك، لحديث وائل بن حجر: "أن رجلًا من حضرموت، ورجلًا من كندة، أتيا رسول اللَّه ﷺ فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي في يدي لا حق له فيها، فقال النبي ﷺ : شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيءٍ، قال: ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم (٢)،

стр. 2069

فإن سأل (١) إحلافه (٢) ولو علم عدم قدرته على حقه -ويكره له إحلافه إذن لئلا يضطر إلى اليمين الكاذبة- أحلف على صفة جوابه نصًّا (٣)، لا على صفة الدعوى؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه، وإذا حلف خلى سبيله، وتحرم دعواه عليه ثانيًا، وتحليفه أيضًا كبريء. ولا يعتد بيمين إلا بأمر حاكم بسؤال مدع طوعًا، فإن حلف بلا أمر حاكم، أو حلفه حاكم بلا سؤال مدعٍ أو بسؤاله كرهًا لم تسقط عنه اليمين. ولا يصل اليمين منكر باستثناء لأنه يزيل حكمها، وتحرم تورية وتأويل في حلف بأن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره إلا لمظلوم فيجوز له التورية والتأويل لدفع الظلم. ويحرم حلف معسر خاف حبسًا أنه لا حق له علي ولو نوى الساعة، ويحرم حلف من عليه دين مؤجل أراد غريمه منعه من سفر فأنكر وحلف لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة نصًّا (٤)، ولا يحلف مدعى عليه في شيءٍ مختلف فيه لا يعتقده نصًّا، وحمله الموفّق على الورع، ونقل عن أحمد: لا يعجبني نحو إن باع شافعي لحمًا متروك التسمية عمدًا لحنبلي بثمن في الذمة وطالبه به وأنكر مجيبًا لا حق لك

стр. 2070

علي، وتوقف أحمد في اليمين فيمن عامل بحيلة ربوية إذا أنكر الآخذ الزيادة. (١). ومن توجهت عليه اليمين فلم يحلف وامتنع قال له حاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول نصًّا (٢)، ويسن تكراره ثلاثًا قطعًا لحجته، (فَإِنْ نَكَلَ) عن اليمين فلم يحلف (حُكِمَ عَلَيْهِ) أي حكم عليه قاضٍ (بـ) شرط (سؤالِ مُدَّعٍ) الحكم عليه (في مالٍ وما يُقْصَدُ بهِ) المال كالبيع وأجله وخياره ورهن وإجارة وشركة ونحو ذلك. (ويُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ آدميٍّ) من مال وما قصد به المال مما يثبت بشهادة رجل وامرأتين (سِوَى نِكَاحٍ ورَجْعَةٍ ونَسَب ونحوها) كطلاق وقذف وقصاص مما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يستحلف فيه، و (لا) يستحلف (في حَقِّ اللَّه) تعالى (كحدِّ) زنًا وشربٍ (وعبادةٍ) من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها. (واليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ) في قطع النزاع هي اليمين (باللَّه) تعالى (وَحْدَهُ) الذي لا يسمى به غيره نحو: واللَّه، والرحمن، وخالق الخلق، ورازق العالمين، ونحو ذلك، (أَوْ بِصفةٍ) (٣) من صفاته تعالى، كوجه اللَّه، وعظمته، وكبريائه، وعزته، ونحو ذلك، (ويُحْكَمُ بالبيِّنة بعد
следующие страницы →