النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١)، ومع علمه ضده أو مع لبس لم يره شيئًا يحكم به، ويحرم الاعتراض على القاضي لتركه تسمية الشهود، قال في "الفروع" (٢): "وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة ليتمكن من القدح بالاتفاق، ويتوجه مثله حكمت بكذا ولو لم يذكر مستنده". من بينة أو إقرار أو نكول فيحرم الاعتراض عليه لذلك.
وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره نصًّا، نقله حرب (٣)؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية، وهي البينة أو الإقرار، فجاز له الحكم بهما إذا سمعها في مجلسه وإن لم يسمعه أحد، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، ولعل أن يكون بعضكم ألْحَنَ بحجته من بعضٍ فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" رواه الجماعة (٤)، فجعل مستند قضائه ما يسمعه
стр. 2067
لا غيره، ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه أولى، ولئلا يؤدي إلى ضياع الحقوق، ولا يحكم قاضٍ بعلمه في غير هذه المسألة ولو في غير حد للخبر (١)، ويقول الصديق: "لو رأيت حدا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة" (٢)، ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يؤدي إلى تهمته وحكمه بما يشتهي مع الإحالة على علمه لكن يجوز الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البيان، ولا يتطرق [إلى] (٣) الحاكم تهمة إذا استند إليها، فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره، ذكره في "الطُّرُق الحكمية" (٤)،
стр. 2068
ويعمل بعلمه في عدالة بينة وجرحها بغير خلاف لئلا يتسلسل الاحتياج إلى معرفة المزكين أو جرحهم، فلو لم يعمل بعلمه في ذلك لاحتاج كل من المزكين إلى مزكين ثم يحتاجون أيضًا إلى مزكين وهكذا.
ومن جاء من المدعين ببينةٍ فاسقةٍ استشهدها الحاكم لئلا يفضحها وقال لمدعٍ: زدني شهودًا ولم يقبلها لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١).
(وَإِنْ أَنْكَرَ) مدعًى عليه (و) الحال أن (لا بَيِّنَةَ) بأن قال المدعي: ما لي بينة (فقولُهُ) أي المنكر (بيمينِهِ)، فيعلم المدعيَ حاكمٌ بذلك، لحديث وائل بن حجر: "أن رجلًا من حضرموت، ورجلًا من كندة، أتيا رسول اللَّه ﷺ فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي في يدي لا حق له فيها، فقال النبي ﷺ : شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيءٍ، قال: ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم (٢)،
стр. 2069
فإن سأل (١) إحلافه (٢) ولو علم عدم قدرته على حقه -ويكره له إحلافه إذن لئلا يضطر إلى اليمين الكاذبة- أحلف على صفة جوابه نصًّا (٣)، لا على صفة الدعوى؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه، وإذا حلف خلى سبيله، وتحرم دعواه عليه ثانيًا، وتحليفه أيضًا كبريء.
ولا يعتد بيمين إلا بأمر حاكم بسؤال مدع طوعًا، فإن حلف بلا أمر حاكم، أو حلفه حاكم بلا سؤال مدعٍ أو بسؤاله كرهًا لم تسقط عنه اليمين.
ولا يصل اليمين منكر باستثناء لأنه يزيل حكمها، وتحرم تورية وتأويل في حلف بأن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره إلا لمظلوم فيجوز له التورية والتأويل لدفع الظلم.
ويحرم حلف معسر خاف حبسًا أنه لا حق له علي ولو نوى الساعة، ويحرم حلف من عليه دين مؤجل أراد غريمه منعه من سفر فأنكر وحلف لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة نصًّا (٤)، ولا يحلف مدعى عليه في شيءٍ مختلف فيه لا يعتقده نصًّا، وحمله الموفّق على الورع، ونقل عن أحمد: لا يعجبني نحو إن باع شافعي لحمًا متروك التسمية عمدًا لحنبلي بثمن في الذمة وطالبه به وأنكر مجيبًا لا حق لك
стр. 2070
علي، وتوقف أحمد في اليمين فيمن عامل بحيلة ربوية إذا أنكر الآخذ الزيادة. (١).
ومن توجهت عليه اليمين فلم يحلف وامتنع قال له حاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول نصًّا (٢)، ويسن تكراره ثلاثًا قطعًا لحجته، (فَإِنْ نَكَلَ) عن اليمين فلم يحلف (حُكِمَ عَلَيْهِ) أي حكم عليه قاضٍ (بـ) شرط (سؤالِ مُدَّعٍ) الحكم عليه (في مالٍ وما يُقْصَدُ بهِ) المال كالبيع وأجله وخياره ورهن وإجارة وشركة ونحو ذلك.
(ويُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ آدميٍّ) من مال وما قصد به المال مما يثبت بشهادة رجل وامرأتين (سِوَى نِكَاحٍ ورَجْعَةٍ ونَسَب ونحوها) كطلاق وقذف وقصاص مما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يستحلف فيه، و (لا) يستحلف (في حَقِّ اللَّه) تعالى (كحدِّ) زنًا وشربٍ (وعبادةٍ) من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها.
(واليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ) في قطع النزاع هي اليمين (باللَّه) تعالى (وَحْدَهُ) الذي لا يسمى به غيره نحو: واللَّه، والرحمن، وخالق الخلق، ورازق العالمين، ونحو ذلك، (أَوْ بِصفةٍ) (٣) من صفاته تعالى، كوجه اللَّه، وعظمته، وكبريائه، وعزته، ونحو ذلك، (ويُحْكَمُ بالبيِّنة بعد
стр. 2071
التَّحليف)؛ لأنها لا تبطل بالاستحلاف كما لو غابت عن البلد، وإن كان لمدعٍ شاهد واحد بالمال وأقامه عرفه القاضي أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق، فإن قال: لا أحلف وأرضى بيمينه استحلف له وانقطع النزاع، فإن عاد المدعي وقال: أحلف مع شاهدي لم يسمع منه، نقله في "الشرح" (١)، وإن وجد مدع مع شاهده آخر فشهد عند القاضي بحقه كملت بينته وقضى له بها، وإن قال مدع: لي بينة وأريد يمينه فإن كانت حاضرةً بالمجلس فليس له إلا أحدهما، لحديث: "شاهداك أو يمينه" (٢)، وأوْ (٣) للتخيير فلا يجمع بينهما، ولإمكان فصل الخصومة بالبينة فلا يشرع غيرها مع إرادة مدع إقامتها وحضورها، وإلا تكن البينة حاضرة بالمجلس فله تحليفه ثم إقامة البينة لقول عمر: "البينة الصادقة أحب إليَّ من اليمين الفاجرة" (٤) ويلزم من صدق البينة فجور اليمين المتقدمة فتكون أولى.
وإن سأل مدع ملازمة مدعى عليه حتى يقيم البينة أجيب في المجلس حيث أمكن إحضارها فيه؛ لأنه من ضرورة إقامتها، ولا ضرر فيه على المدعى عليه، بخلاف ما إذا بعدت أو لم يمكن إحضارها فإن إلزامه الإقامة إلى حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه، فإن لم تحضر البينة في المجلس صرفه ولا ملازمة لغريمه
стр. 2072
نصًّا (١)؛ لأنه لم يثبت له حق يحبس به ولا يقيم به كفيلًا، ولئلا يتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بلا حق.
وإن سكت مدعى عليه أو قال: لا أقر ولا أنكر، أو قال: لا أعلم قدر حقه ولا بينة قال الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلًا وقضيت عليك بالنكول، ويسن تكراره ثلاثًا، فإن أجاب وإلا قضى عليه.
ولو قال مدعى عليه في جواب من ادعى ألفًا: إن ادعيت ألفا برهن كذا في بيدك أجبتك وإلا فلا حق علي فجوابه صحيح، أو قال: إن ادعيت هذا الألف بثمن كذا بعتنيه ولم أقبضه فنعم، وإلا فلا حق لك علي فجواب صحيح، لا إن قال: لي مخرج مما ادعاه فليس جوابًا صحيحًا؛ لأن الجواب إما إقرار أو إنكار وليس هذا واحدًا منهما.
وإن قال مدعى عليه: في حساب أريد أن أنظر فيه وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام، ويلازمه المدعي فيها لإمكان ما يدعيه وتكليفه الإقرار في الحال إلزام له بما لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق لا يعلم قدره أو يخاف أن يحلف كاذبًا، وأن لا يكون عليه حق فيقر بما لا يلزمه فوجب إنظاره مما لا ضرر على المدعي في إنظاره إليه وهو ثلاثة أيام جمعًا بين الحقين، أو قال مدعى عليه بعد ثبوت الدعوى عليه ببينة: قضيته أو أبرأني من المدعى به ولي بينة به وسأله الإنظار لزمه
стр. 2073
إنظاره ثلاثة أيام فقط؛ لأن إلزامه في الحال تضييق عليه، وإنظاره أكثر من ذلك تأخير للحق عن مستحقه بلا ضرورة، فجمع بين الحقين، وللمدعي ملازمته زمن الإنظار لئلا يهرب، ولا ينظر إن قال: في بينة تدفع دعواه؛ لأنه لم يبين سببه (١)، فإن عجز عن البينة حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق ما ادعى به، فإن نكل عن اليمين حكم عليه بنكوله وصدق المدعى عليه؛ لأن الدعي إذن منكر وجبت عليه يمين فنكل عنها فحكم عليه بالنكول كما لو كان مدعى عليه ابتداءً، هذا إن لم يكن المدعى عليه أنكر سبب الحق، فأما إن كان أنكره ثم ثبت فادعى قضاءً أو إبرأءً سابقًا إنكاره ما ادعاه من ذلك فلو ادعى عليه ألفًا من قرض أو ثمن مبيع فقال: ما اقترضت منه وما اشتريت منه فثبت أنه اقترض أو أشترى (٢) منه ببينة أو إقرار فقال: قضيته قبل هذا الوقت أو أبرأني لم يقبل ذلك منه وإن أقام به بينة نصًّا (٣)؛ لأن إنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه؛ لأنهما لا يكونان إلا عن حقٍ سابقٍ فيكون مكذبا لنفسه، وإن ادعى قضاء أو إبراء بعد إنكاره قبل منه ببينة؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به، فيكون قاضيًا لما هو مقرٌّ به، فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعي بعد إنكاره إقرار بعدم استحقاقه فلا تنافي، وإن قال مدعى عليه بعين جوابًا
стр. 2074
لمدعيها: وإنت بيدك أو لك أمس لزمه إثبات سبب زوال يده، وإن عجز عن إثباته حلف مدع على بقائه، وإن العين لم تخرج عنه بوجه وأخذها، وإن قال مدع: لا أعلم لي بينة ثم أتى بها سمعت؛ لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها ثم علمها، ونفي العلم لا ينفيها (١) فلا تكذيب لنفسه، أو قال عدلان: نحن نشهد لك فقال: هذه بينتي سمعت لما سبق، ولا تسمع إن قال: ما لي بينة ثم أتى بها نصًّا (٢)؛ لأنه مكذب لها، أو قال: كذب شهودي، أو قال: كل بينة أقيمها فهي زُوْرٌ أو بَاطِلَة أو لا حق لي فيها فلا تسمع بينته بعد ولا تبطل دعواه بذلك؛ لأنه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدعى فله تحليف خصمه لاحتمال أنه محق ولم يشهد عليه، ولا ترد البينة بذكر السبب إذا سكت عنه المدعي في دعواه لعدم المنافاة إذن، بل بذكر سبب ذكر المدعي غيره، كإن طالبه بألف قرضا فأنكره فشهدت بألف من ثمن مبيع أو أجرة أو غصب للتنافي.
ومتى شهدت بينة بغير مدعى به كإن ادعى دينارا فشهدت بدراهم فهو مكذب لها
стр. 2075
نصًّا (١)، فلا تسمع، وفي "المستوْعِب" (٢) و"الرِّعاية" إن قال: "أستحقه وما شهدوا به وإنما ادعيت بأحدهما لأدعي بالآخر وقتا آخر ثم ادعاه ثم شهدوا به قبلت". (٣)
ومن ادعى شيئًا أنه له الآن لم تسمع بينته إن شهدت أنه كان له أمس أو أنه كان في يده أمس لعدم التطابق حتى تَبين سبب يد الثاني نحو غاصبة أو مستعيرة، بخلاف ما لو شهدت البينة أنه وإن ملكه بالأمس اشتراه من رب اليد فإنه يقبل.
وقال الشيخ تقي الدين: "إن قال: ولا أعلم له مزيلًا قُبِلَ وقال: لا يعتبر في أداء الشهادة قوله، وأن الدين باقٍ في ذمة الغريم بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبب الحق إجماعًا" (٤). ومن ادُّعِيّ عليه بشيء فأقر بغيره لزمه ما أقر به إذا صدقه المقر له، لحديث: "لا عذر لمن أقر" (٥) والدّعوى بحالها
стр. 2076
نصا (١)، فله إقامة البينة بها أو تحليفه.
(وشرط في بينة عدالة ظاهرا، و) كذا (في كثر عقد نكاح باطنا أيضًا) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) والفاسق لا يؤمن كذبه، وأما في عقد النكاح فتكفي العدالة له ظاهرا فلا يبطل لو بانا فاسقين وتقدم (٥) , واختار الخرقي وأبو بكر وصاحب "الروضة" تقبل شهادة كل مسلم لم يظهر منه ريبة (٦)؛ لقبوله ﵊ شهادة الأعرابي برؤية الهلال (٧)، وقول
стр. 2077
عمر: "المسلمون عدول" (١)، ولأن ظاهر المسلم العدالة لأنها أمر خفي سببها الخوف من اللَّه تعالى ودليله الإسلام، فإذا وجد اكتفي به ما لم يقم دليل على خلافه، فإن جهل إسلامه رجع إلى قوله والعمل على الرواية
стр. 2078
الأولى، وقولهم: ظاهر المسلم العدالة ممنوع بل الظاهر عكسه؛ لأن العادة إظهار الطاعة وإسرار المعصية، وقول عمر معارض بما روي عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما: "لست أعرفكما ولا يضركما أني لم أعرفكما" (١) والأعرابي الذي قبل النبي ﷺ شهادته صحابي والصحابة عدول.
(و) شرط (في مزك معرفة) خبرة مزك باطنة بصحبة أو معاملة من (جرح وتعديل، و) شرط (معرفة حاكم خبرته) أي المزكي (الباطنة) كالمعرفة المتقدمة، ويكفي في تزكية الشاهد عدلان يقول كل منهما: أشهد أنه عدل ولو لم يقل: أرضاه لي وعلي؛ لأنه إذا كان عدلا لزم قبوله على مزكيه وغيره، ولا يكفي قوله: لا أعلم إلا خيرا، (وتقدم بينة جرح) على بينة تعديل؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت للجرح، والمعدل ناف له والمثبت مقدم على النافي، وإذا عصى في بلده فانتقل منه فجرحه اثنان في بلده وعدله اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدمت التزكية، ويكفي فيها الظن بخلاف الجرح، قاله في "المبدع" (٢)، وتعديل خصم وحده لشاهد عليه تعديل له؛ لأن البحث عن عدالته لحقه، ولأن إقراره بعدالته إقرار بما يوجب الحكم عليه لخصمه فيؤخذ بإقراره وكذا تصديقه للشاهد تعديل له، ولا تصح التزكية في واقعة واحدة يقول مزك: أشهد أنه عدل في شهادته في هذه القضية
стр. 2079
فقط، ومن ثبتت عدالته مرة لزم البحث عنها مرة أخرى مع طول المدة بين الشهادتين؛ لأن الأحوال تتغير مع طول الزمن، (فمتى جهل حاكم حال بينة) فلم يعلم قوة ضبطها ودينها (طلب التزكية) أي طلب من يزكيها (مطلقا) من غير تقييد. بحال دون حال، (ولا يقبل فيها) أي التزكية (و) لا (في الجرح ونحوهما إلا رجلان)، فلا يقبل في ذلك شهادة النساء؛ لأنها شهادة فيما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا أشبه الشهادة في القصاص، فإذا ارتاب الحاكم من عدلين لزمه البحث عما شهدا به بسؤال كل واحد منهما منفردا عن كيفية تحمله ومتى وأين، ويسأله هل تحمل الشهادة وحده أو مع صاحبه، فإن اتفقا وعظهما وخوفهما، لحديث أبي حنيفة قال: "كنت عند محارب بن دثار (١) وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل فادعى على رجل حقا فأنكره، وأحضر الدعي شاهدين شهدا له، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض لقد كذبا علي، وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار، فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما
стр. 2080
وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا" (١)، فإن ثبتا بعد وعظهما حكم بشهادتهما بسؤال مدع وإلا يثبتا لم يقبلهما، وإن أقام بينة بدعواه وسأل حبس خصمه في غير حد حتى تزكى بينته أجيب ثلاثة أيام ويقال له: إن جئت بالمزكين فيها وإلا أطلقناه، أو أقام بينة وسأل كفيلا به في غير حد، أو جعل مدعى به بيد عدل حتى تزكى بينته، أو أقام شاهدا بمال وسأل حبسه حتى يقيم الآخر أجيب ثلاثة أيام لتمكنه من البحث فيها فلا حاجة لأكثر منها بل في حبسه أكثر منها ضرر كثير، وإن جرح البينة خصم أو أراد جرحها كلف بينة وينتظر ثلاثة أيام لقول عمر في كتابه لأبي موسى الأشعري: "واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهى إليه فإن أحضر بينته أخذت له حقه وإلا استحللت القضية عليه فإنه أنفى للشك وأجلى للفهم (٢) " (٣) ويلازمه المدعي في الثلاثة
стр. 2081
أيام لئلا يهرب فيضيع حقه وظاهره أنه لا يحبس فيها فإن أتى بها وإلا حكم عليه.
ولا يسمع جرح لم يبين سببه بذكر قادح فيه عن رؤية، ويعرض جارح بزنا أو لواط، فإن صرح ولم تكمل بينة حد.
وإن جهل حاكم لسان خصم ترجم له من يعرفه قال أبو جمرة (١) -كنت أترجم بين الناس وبين ابن عباس (٢) وأمر النبي ﷺ زيد بن ثابت فتعلم كتاب اليهود قال: "حتى كنت أكتب للنبي ﷺ كتبه وأقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه" رواه أحمد والبخاري (٣)، ولا يقبل في ترجمة وجرح وتعديل في زنا أو لواط إلا أربعة رجال عدول كشهود الأصل، ويعتبر فيمن رتبه الحاكم يسأل سرا عن الشهود لتزكية
стр. 2082
أو جرح شروط الشهادة الآتية، وتجب الشافهة فيمن يعدل أو يجرح ونحوه، فلا تكفي كتابته أنه عدل أو ضده ونحوه كالشهادة، وإذا رتب الحاكم [من يسأل] (١) عن الشهود كتب أسماءهم وصنائعهم ومعايشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عنهم أهل سوقهم ومسجدهم وجيرانهم، وكتب حلاهم كأسود أو أبيض أو أنزع أو أغم أشهل أو أكحل أقنى الأنف أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة للتمييز، ويكتب المشهود له أو عليه وقدر الحق فيكتب لكل ممن يرسله رقعة بذلك، وينبغي أن يكونوا غير معروفين لئلا يستمالوا بنحو هدية، وأن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية، وأن يكونوا أصحاب عفة من ذوي العقول الوافرة براء من الشحنة والبغضة، فإذا رجعوا فأخبر اثنان بالعدالة قبل الشهادة، وإن أخبرا بالجرح ردهما، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالعدالة بعث آخرين، فإن عادا وأخبرا بالتعديل تمت بينته وسقط الجرح؛ لأن بينته لم تتم، وإن أخبرا بالجرح ثبت وسقط التعديل، ومن نصب للحكم بجرح أو تعديل أو لسماع بينة قنع الحاكم بقوله وحده إذا قامت البينة عنده؛ لأنه حاكم أشبه غيره من الحكام، ومن سأله حاكم عن تزكية من شهد عنده أخبره وجوبا بالواقع وإلا لم يجب عليه؛ لأنه لم يتعين عليه.
стр. 2083
فصل
ومن ادعي عليه عينا بيده فأقر بها لحاضر مكلف جعل المقر له الخصم فيها لاعتراف صاحب اليد بنيابة يده عن يد المقر له وإقرار الإنسان بما في يده لغيره صحيح سواء قال: أنا مستأجر منه أو مستعير أو لا وحلف مدعى عليه أنها ليست لمدع فإن نكل أخذ منه للمدعي بدلها ثم إن صدقه المقر له فهو كأحد مدعيين على ثالث أقر له الثالث على ما يأتي في باب الدعاوي والبينات، وإن قال: ليست في ولا أعلم لمن هي وجهل لمن هي سلمت لمدع، أوقال ذلك المقر له وجهل لمن هي سلمت لمدع بلا يمين، لأنه يدعيها ولا منازع له فيها، فإن كان مدعيها اثنين اقترعا عليها، فمن خرجت له القرعة أخذها وحلف لصاحبه.
وإن عاد المقر بالعين فادعاها لنفسه أو لثالث أو عاد المقر له أو لا إلى دعواه العين ولو قبل أن يدعيها المقر لنفسه لم يقبل؛ لأنه مكذب لهذه الدعوى الإقرار الأول بقوله: هذه لفلان أو بقوله: ليست في ولا أعلم لمن هي؛ لأن ذلك نفي لها عن نفسه وعن غيره فلا يسمع منه خلافه، وإن أقر بها لغائب عن البلد أو غير مكلف وللمدعي بينة فهي له لترجح جانبه بالبينة بلا يمين، لخبر: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (١)، وإلا يكن للمدعي بينة فأقام المدعى عليه بينة أنها لمن سماه لم يحلف اكتفاء بالبينة وسمعت لزوال التهمة
стр. 2084
ولا يفضى بها لأن البينة للغائب ولم يدعها هو ولا وكيله، قدمه الموفق (١)، وجزم به الزركشي (٢)، وإلا يقم بينة أن العين لمن سماه استحلف أنه لا يلزمه تسليم العين لمدعيها وأقرت بيده لاندفاع دعوى المدعي باليمين، فإن نكل غرم بدلها لمدع لا سبق، وإن أقر بها لمجهول قال له حاكم: عرفه وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك، فإن عاد وادعاها لنفسه لم يقبل منه ذلك.
(ومن ادعى على غائب) عن البلد (مسافة قصر أو) ادعى على (مستتر في البلد) أو بدون مسافة قصر (أو) على (ميت أو غير مكلف وله بينة) ولو شاهدا ويمينا فيما يقبل فيه (سمعت وحكم بها) بشرطه، لحديث هند قالت: يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه (٣)، فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضرا، وأما حديث علي: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي" (٤) فهو فيما إذا كانا حاضرين والحاضر
стр. 2085
يفارق الغائب فلا تسمع عليه البينة إلا بحضرته، فإن كانت الغيبة دون مسافة قصر فهي في حكم المقيم، وأما سماع البينة على المستتر فلتعذر حضوره كالغائب بل أولى، ولأن الغائب قد يكون له عذر بخلاف المتواري، وروى حرب بإسناده عن أبي موسى قال: "كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ فأنفذ الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى" (١) ولئلا يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق، وكذا الميت والصغير والمجنون لأن كلا منهم لا يعبر عن نفسه فهو في حكم الغائب.
(في غير حق اللَّه تعالى) فلا تسمع بينة ولا يحكم بها على غائب ونحوه في حق اللَّه تعالى فيقضى في سرقة ثبتت على غائب بغرم مال مسروق فقط دون قطع، لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (٢)، ولا يجب على محكوم له على غائب ونحوه يمين على بقاء حقه في ذمته، لحديث: "البينة على المدعي واليمين على
стр. 2086
المدعى عليه" (١) فحصر اليمين في جانب المدعى عليه، ولأنها بينة عادلة فلا تجب معها اليمين كما لو كانت على حاضر إلا على رواية، قال المنقح: "والعمل عليها في هذه الأزمنة" انتهى (٢). ولفساد أحوال غالب الناس لاحتمال أن يكون استوفى ما شهدت به البينة أو ملكه العين التي شهدت له بها البينة، ثم إذا كلف غير مكلف أو رشد بعد الحكم عليه، أو حضر الغائب أو ظهر المستتر فهو على حجته إن كان لزوال المانع، والحكم بثبوت أصل الحق لا يبطل دعوى القضاء أو الإبراء ونحوه بما يسقط الحق، وإن حضر قبل الحكم وقف على حضوره، ولا تجب إعادة البينة بل يخبره الحاكم بالحال ويمكنه الجرح، فإن جرح البينة بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا لم يقبل؛ لأن ما بعد أداء الشهادة لا يبطلها، وإذا أطلق احتمل الأمرين فلا يبطل الحكم لجواز حدوث الجرح بعده، وإن جرحها بأمر قبل الحكم قبل تجريحه وتبين بطلان الحكم لفوات شرط.
(ولا تسمع) دعوى (على غيرهم) أي الغائب أو المستتر والميت وغير المكلف وهو الحاضر المكلف أو الغائب دون مسافة (حتى يحضر) لمجلس الحكم لحديث علي السابق (٣)، ولأنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبله بخلاف الغائب البعيد، (أو) حتى (يمتنع) الحاضر بالبلد والغائب دون المسافة عن الحضور فتسمع كما تقدم، ثم إن
стр. 2087
وجد الحاكم له مالا وفاه دينه منه، وإلا قال للمدعي: إن عرفت له مالا وثبت عندي وفيتك منه دينك، والحكم للغائب لا يصح إلا تبعا كمن ادعى موت أبيه عنه وعن أخ له غائب أو غير رشيد وله عند شخص عين أو دين فثبت المدعى به على الشخص بإقراره أو بينة أو نكول أخذ المدعي نصيبه وأخذ الحاكم نصيب الآخر وجعله بيد أمين.
стр. 2088
فصل
ومن ادعى أن الحاكم حكم له بحق فصدقه الحاكم قبل قول الحاكم وحده إن كان عدلا، وإن لم يشهد عليه رجلان بالحكم وليس حكما بالعلم بل إمضاء للحكم السابق كقوله ابتداء: حكمت بكذا فيقبل منه، وإن لم يذكر الحكم فشهد به عدلان قبلهما وأمضاه لقدرته على إمضائه ما لم يتيقن صواب نفسه؛ لأنهما إذا شهدا عنده بحكم غيره قبلهما، وإن تيقن صواب نفسه لم يقبلهما ولم يمضه؛ لأن الشهادة إنما تفيد غلبة الظن، واليقين أقوى بخلاف من نسي شهادته فشهدا عنده بها فلا يشهد بذلك؛ لأن الشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم ففارق الحاكم بذلك، وإن لم يشهد بحكمه أحد ووجده مكتوبا ولو في قمطرة تحت ختمه أو شهادته بخطه وتيقنه ولم يذكره لم يعمل به نصا (١) لاحتمال أنه زور عليه، وقد وجد ذلك كثيرا كوجدان خط أبيه بحكم فليس له إنفاذه أو بشهادة فليس له أن يشهد به على شهادة أبيه كشهادة غيره إذا وجدها بخطه ولو تيقنه إلا على قول مرجوح، قال المنقح: "وهو أظهر وعليه العمل". (٢) قال الموفق: "وهذا الذي رأيته عن أحمد في
стр. 2089
الشهادة" (١)؛ لأنه إذا كان في قمطرة تحت ختمه لم يحتمل إلا أن يكون صحيحا.
وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته باطنا ولو عقدا أو فسخا لحديث: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه (٢)، وقول علي "زوجاك شاهداك" (٣) إن صح فإنما أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنا على الشهود، واللعان يحصل به الفرقة ولا يصدق الزوج، ولهذا لو قامت به البينة لم ينفسخ النكاح، فمتى علمها حاكم كاذبة لم ينفذ حكمه بها حتى ولو في عقد وفسخ، فمن حكم له ببينة زور بزوجية امرأة لم تحل له باطنا، فإن وطئ مع العلم فكزنا فيجب عليه الحد بذلك وعليها الامتناع منه ما أمكنها، فإن أكرهها فالإثم عليه دونها، ويصح نكاحها غيره؛ لأن نكاحه كعدمه، وقال الموفق: "لا يصح لإفضائه إلى وطئها من اثنين أحدهما بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن". (٤)
стр. 2090
وإن حكم حاكم بطلاقها ثلاثا بشهود زور فهي زوجته باطنا، ويكره له اجتماعه بها ظاهرا؛ لأنه طعن على الحاكم ولا يصح نكاحها ممن يعلم بالحال من الشاهدين أو غيرهما لبقائها في عصمة الأول، ومن حكم لمجتهد أو عليه بما يخالف اجتهاده عمل باطنا بالحكم له أو لغيره كما يعمل به ظاهرا لرفعه الخلاف، وإن باع حنبلي لحما متروك التسمية عمدا فحكم بصحته شافعي نفذ حكمه، فيدخل الحكم بالطهارة أو النجاسة تبعا لا استقلالا، وإن رد حاكم شهادة واحد برؤية هلال رمضان لم يؤثر ذلك في الحكم بعدالته ويلزم الصوم من علم ذلك، (ولو رفع إليه) أي الحاكم (حكم) مختلف فيه كنكاح امرأة نفسها (لا يلزمه نقضه) -صفة لحكم- بأن لم يخالف نص كتاب أو سنة صحيحة أو إجماعا قطعيا (لينفذه) -متعلق برفع- (لزمه) أي الحاكم (تنفيذه) وإن لم يره صحيحا عنده؛ لأنه حكم بما ساغ الاجتهاد فيه لا يجوز نقضه فوجب تنفيذه لذلك، وكذا إن كان نفس الحكم مختلفا فيه كحكمه بعلمه وتزويجه يتيمة وحكم على غائب أو بالثبوت بطريق الشهادة على الحق أو نحوه، وظاهر هذا أن الحكم بشيء حكم بصحة الحكم به وفي "شرح المحرر" (١) - "لأن الحكم المختلف فيه صار محكوما به فلزم تنفيذه كغيره" انتهى.
وإن رفع خصمان إلى حاكم عقدا فاسدا عنده فقط كنكاح بلا ولي وأقرا بأن حاكما نافذ الحكم كحنفي حكم بصحته فله إلزامهما ذلك العقد؛ لأنه حق أقرا به
стр. 2091
وله رده والحكم بمذهب؛ لأن الحكم به لا يثبت بقولهما بلا بينة فلا يلزمه لعدم ثبوته عنده، ومن قلد مجتهدا في صحة نكاح لم يفارق زوجته بتغير اجتهاده كحكم بخلاف مجتهد نكح ثم رأى بطلانه فيلزمه فراق زوجته لاعتقاد تحريم وطئها.
стр. 2092
فصل
ومن غصبه إنسان مالا جهرا أو كان عنده عين ماله فله أخذ قدر المغصوب من مال غاصب جهرا ولو قهرا لا أخذ قدر دينه من مال مدين تعذر أخذ دينه منه بحاكم لجحد أو غيره كسكان بواد يتعذر إحضار الخصوم منها نصا (١) لحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الترمذي وحسنه (٢)، وأخذه من ماله بلا إذنه قدر
стр. 2093
حقه خيانة له إلا إذا تعذر على ضيف أخذ حقه بحاكم فيأخذه، وتقدم بدليله في كتاب الأطعمة (١).
ولو كان لكل واحد من اثنين على الآخر دين من غير جنسه فجحد أحدهما دين صاحبه فليس للآخر أن يجحد دين الجاحد لدينه؛ لأنه كبيع دين يدين ولا يجوز ولو تراضيا، فإن كان من جنسه تقاصا.
стр. 2094
فصل في كتاب القاضي إلى القاضي
وأجمعوا على جواز المكاتبة لقوله تعالى حكاية عن بلقيس (١): ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ. .﴾ (٢)، ولأنه ﵇ كتب إلى النجاشي وغيره وكاتب ولاته وعماله وسعاته.
(ويقبل كتاب قاض إلى قاض) آخر بالإجماع (في كل حق آدمي) كبيع وقرض وغصب وإجارة وصلح ووصية بمال وهبة وجناية توجب مالا (٣)؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة حتى ما لا يقبل فيه إلا رجلان كقود وطلاق ونحوهما، ولا يقبل في حد للَّه تعالى كحد زنا وشرب مسكر؛ لأنها مبنية على الستر والدرء بالشبهة، ولهذا لا تقبل بالشهادة على الشهادة؛ لأنه في معناها، ولهذا ذكر الأصحاب أن كتاب القاضي إلى القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة (٤)؛ لأنها شهادة القاضي على شهادة من
стр. 2095
شهد عنده، وذكروا فيما إذا تغيرت حال القاضي الكاتب أنه أصل لمن شهد عليه، ومن شهد عليه فرع له فلا يسوغ نقض حكم مكتوب إليه بإنكار القاضي الكاتب كتابه، ولا يقدح إنكاره في عدالة البينة كإنكار شهود الأصل بعد الحكم بل يمنع إنكاره الحكم قبل حكم المكتوب إليه كما يمنعه رجوع شهود الأصل قبل الحكم، فدل أن القاضي الكاتب فرع لمن شهد عنده، وأصل لمن شهد عليه، ودل ذلك أيضا أنه يجوز أن يكون شهود فرع أصلا لفرع آخر لدعاء الحاجة إليه.
(و) يقبل كتاب القاضي (فيما حكم به) الكاتب (لينفذه) المكتوب إليه وإن كانا ببلد واحد؛ لأن الحكم يجب إمضاؤه بكل حال.
و(لا) يقبل (فيما ثبت عنده) أي الكاتب (ليحكم به) المكتوب إليه (إلا في مسدفة قصر) فأكثر؛ لأنه نقل شهادة كالشهادة على الشهادة، ولا يقبل إذا سمع الكاتب البينة وجعل تعديلها إلى المكتوب إليه إلا في مسافة قصر فأكثر فيجوز، وتقدم أن الثبوت ليس بحكم بل خبر بالثبوت كشهادة الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزاما، قال الشيخ تقي الدين: "ويجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن الذي ثبت عنده ذلك الشيء مخبر بثبوت ذلك عنده".
وللقاضي أن يكتب إلى قاض معين وأن يكتب إلى من يصل إليه الكتاب من قضاة المسلمين وحكامهم بلا تعيين، ويلزم من وصل إليه قبوله؛ لأنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم فلزم قبوله كما لو كان إليه بعينه.
стр. 2096
ويشترط لقبول كتاب القاضى والعمل به أن يقرأ على عدلين ويعتبر ضبطهما لمعناه وما يتعلق به الحكم منه دون ما لا يتعلق به نصا (١)، ثم يقول بعد القراءة عليهما: هذا كتابي إلى فلان بن فلان أو إلى من يصل إليه من القضاة ويدفعه إليهما، فإذا وصلا دفعاه إلى المكتوب إليه وقال: نشهد أنه كتاب القاضي فلان إليك كتبه بعلمه وأشهدنا عليه والاحتياط ختمه بعد أن يقرأ عليهما صونا لما فيه، ولا يشترط الختم ولا يشترط قولهما وقرئ علينا وأشهدنا عليه اعتمادا على الظاهر، ولا قول كاتب اشهدا علي، وإن أشهدهما عليه مدروجا مختوما لم يصح؛ لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود.
وكتاب القاضي في غير عمله أو بعد عزله كخبره بغير عمله أو بعد عزله، ويقبل كتابه في عبد أو حيوان بالصفة اكتفاء بها؛ لأنه يثبت في الذمة بعقد السلم كالدين كمشهود عليه بالصفة فيقبل كتاب القاضي فيه؛ لأنه يبعد مجيء إنسان بصفته فيقول: أنا المشهود عليه ولا تكفي الصفة في المشهود له بأن يقولا: نشهد لشخص صفته كذا وكذا بكذا لاشتراط تقدم دعواه، فإن لم يثبت مشاركته للعبد أو الحيوان المشهود فيه بالصفة في صفته بأن زال اللبس لعدم ما يشاركه في صفته أخذه مدعيه بكفيل مختوما عنقه بأن يجعل في عنقه نحو خيط ويختم عليه بنحو شمع فيأتي به القاضي
стр. 2097
الكاتب لتشهد البينة على عينه لزوال الإشكال ويقضي له به، ويكتب له كتابا آخر إلى القاضي الذي سلمه له بكفيل ليبرأ كفيله من الطلب به بعد، وإن لم يثبت ما ادعاه بأن قال الشهود: إنه ليس المشهود به فهو في يده كمغصوب لوضع يده عليه بغير حق، ولا يحكم القاضي على مشهود عليه بالصفة حتى يسمى وينسب ولا حاجة إلى ذكر الجد إن عرف باسمه واسم أبيه، أو تشهد البينة على عينه ليزول اللبس، وإذا وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه وأحضر الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحليته فقال: ما أنا بالمذكور في الكتاب قبل قوله بيمينه؛ لأنه منكر، فإن نكل قضي عليه بالنكول، وإن أقر بالاسم والنسب أو ثبت ببينة فقال المحكوم عليه: غيري لم يقبل إلا ببينة تشهد أن بالبلد شخصا آخر كذلك، ولو كان المساوي له في الاسم والنسب ميتا يقع به إشكال فيتوقف الحكم (١) حتى يعلم الخصم منهما فيحضر القاضي المساوي له إن أمكن ويسأله، فإن اعترف بالحق لزمه وتخلص الأول، وإن أنكر وقف الحكم ويكتب للقاضي الكاتب يعلمه بما حصل من اللبس حتى يرسل الشاهدين فيشهدا عنده على أحدهما بعينه فيلزمه الحق، وإن كان الميت لا يقع به التباس فلا أثر له، وإن مات القاضي الكاتب أو عزل لم يمنع ذلك قبول كتابه والعمل به كموت بينة الأصل فيحكم بشهود الفرع، وإن فسق القاضي الكاتب قدح فيما ثبت عنده ليحكم به المكتوب إليه فلا يحكم به؛ لأن الكاتب أصل وبقاء عدالة الأصل شرط في الحكم بشاهدي الفرع دون ما حكم به الكاتب وكتب به، فلا يقدح فسقه فيه، فللمكتوب إليه أن يحكم
стр. 2098
به؛ لأن حكمه لا ينقض بفسقه.
стр. 2099
فصل
وإذا حكم عليه المكتوب إليه بما ثبت عليه عند الكاتب من الحق فسأله أن يشهد عليه بما جرى عنده من حكمه عليه لئلا يحكم عليه القاضي الكاتب ثانيا أجابه إلى ذلك دفعا لضرره، أو يسأل من ثبتت براءته عند الحاكم، كمن أنكر وحلفه الحاكم، أو من ثبت حقه عنده أن يشهد له بما جرى من براءة أو ثبوت مجرد أو متصل بحكم أو بحكم وتنفيذ، أو سأله الحكم بما ثبت له عنده أجابه، وإن سأله مع الإشهاد كتابته وأتاه بورقة أو كان من بيت المال ورق معد لذلك لزمه إجابته إليه؛ لأنه وثيقة له ككتابة ساع يأخذ زكاة لئلا يطلبه بها ساع آخر.
ولا يلزم من له الحق دفع وثيقة به إذا استوفاه بل الإشهاد باستيفائه؛ لأنه ربما خرج ما قبضه مستحقا فيحتاج إلى حجة بحقه، وكذا بائع عقار لا يلزمه تسليم كتاب ابتياعه إلى المشتري منه بعد الإشهاد على نفسه بالبيع؛ لأن ذلك حجة له عند الدرك، ذكره في "المستوعب" (١).
وما تضمن الحكم ببينة يسمى سجلا، والسجل لغة: الكتاب (٢)
стр. 2100
[والآن] (١) الدفتر تنزل فيه الوقائع والوثائق، وغير ما تضمن الحكم ببينة يسمى محضرا -بفتح الميم والضاد المعجمة- سمي بذلك لما فيه من حضور الخصمين والشهود (٢)، والمحضر شرح ثبوت الحق عند الحاكم بثبوته، والأولى جعل السجل نسختين نسخة يدفعها الحاكم إلى صاحب الحق تكون وثيقة بيده، والأخرى عنده ليرجع إليها عند ضياع ما بيد الخصم أو الاختلاف فيها لأنه أحوط.
وصفة المحضر بسم اللَّه الرحمن الرحيم، حضر القاضي فلان بن فلان قاضي عبد اللَّه الإمام على مدينة كذا، وإن كان القاضي نائبا كتب خليفة القاضي فلان بن فلان قاضي عبد اللَّه الإمام على كذا في مجلس حكمه وقضائه، بموضع كذا، مدع ذكر أنه فلان بن فلان، وأحضر مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان، ومن كان معروفا منهما لم يحتج إلى قوله، وذكر ولا يعتبر ذكر الجد بلا حاجة، والأولى ذكر حليتهما إن جهلهما دفعا للإنكار، فادعى عليه كذا، فأقر له أو فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم، فأحضرها وسأله سماعها ففعل، أو فأنكر المدعى عليه، ولا يينة وسأل تحليفه فحلفه، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين وعن الجواب ذكره، وأنه حكم بنكوله وسأله خصمه كتابة محضر فأجابه إلى ذلك، وجرى ذلك في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا، ويعلم القاضي في الإقرار والإنكار والإحلاف على رأس المحضر
стр. 2101
جرى الأمر على ذلك، وفي شهادة البينة شهدا عندي بذلك؛ لأن الشهادة تتضمن كل ما هو من مقدماتها من الدعوى والجواب وغيره، وقد يقال: عادة بلده أولى لسهولة فهم معناها، وإن ثبت الحق بإقرار مدعى عليه لم يحتج أن يقال في مجلس حكمه لصحة الأقرار بكل موضع، وإن كتب وأنه شهد على إقراره شاهدان كان آكد.
وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به، وصفته أن يكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه القاضي فلان بن فلان كما تقدم أول المحضر من حضره من الشهود وأشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين، ويذكرهما إن كانا معروفين، وإلا قال: مدع ومدعى عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان، ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعا في صحة منه وجواز أمر بجميع ما سمي به ووصف به في كتاب نسخته كذا، وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفا بحرف، فإذا فرغ من نسخه قال: وإن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك، وسأل الإشهاد به الخصم المدعي، وينسبه ولم يدفعه خصمه بحجة، وجعل القاضي كل ذي حجة على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه والحكم به وإمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ أعلاه، وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين نسخة تكون بديوان الحكم ونسخة يأخذها من كتبها له لتكون كل من النسختين وثيقة بما أنفذه، ويكتب ذلك ليعلم أنه نسخة أخرى، وهذا كله اصطلاح نسخ، ولو لم يذكر في السجل بمحضر من الخصمين
стр. 2102
جاز لجواز القضاء على الغائب بشرطه، ويضم القاضي والشاهد ما اجتمع عنده من محضر وسجل، ويكتب عليه محضر كذا من وقت كذا لسهولة الكشف عند الاحتياج إليه.
стр. 2103
(فصل) في القسمة
بكسر القاف اسم مصدر من قسمت الشيء جعلته أقساما، والقسم بكسر القاف النصيب المقسوم (١).
وعرفا: تمييز بعض الأنصباء عن بعض وإفرازها عنها (٢).
وأجمعوا عليها (٣) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (٤)، وحديث: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" (٥) و"قسم -النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهما" (٦)، ولحاجة الناس إليها، وذكرت في القضاء لأن منها ما يقع بإجبار
стр. 2104
الحاكم عليه ويقاسم بنفسه.
(والقسمة نوعان): -
أحدهما: (قسمة تراض) بأن يتفق عليها الشركاء (وهي) أي قسمة التراضي (فيما لا ينقسم إلا بضرر)، وتحرم القسمة في مشترك لا ينقسم إلا بضرر على الشركاء أو أحدهم، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وغيره (١) إلا برضا كل الشركاء (أو) أي وفيما لا ينقسم إلا بـ (رد عوض) منهم أو من أحدهم؛ لأنها معاوضة بغير الرضا (كحمام ودور صغار) بحيث يتعطل الانتفاع بها أو يقل، وكشجر مفرد وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه، ولا تتعدل بأجزاء ولا بقيمة (وشرط لها رضا كل الشركاء)؛ لأن فيها إما ضررا أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان كليه (وحكمها) أي هذه القسمة (كبيع)، فيجوز فيها ما يجوز فيه لمالك النصيب خاصة إن لم يكن محجورا كليه، ووليه إن كان كذلك لما فيه من الرد، وبه يصير بيعا لبذل صاحبه إياه عوضا عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع فلا يفعلها الولي إلا إن رآها مصلحة وإلا فلا كبيع عقار موليه.
(ومن دعا شريكه فيها) أي قسمة التراضي (وفي شركة نحو عبد وسيف وفرس إلى
стр. 2105
بيع أو إجارة أجبر) شريكه على البيع معه أو الإجارة (فإن أبى) أي امتنع شريكه من بيع معه أو إجارة (بيع أو أو جر عليهما) أي باعه أو أجره حاكم، (وقسم ثمن أو أجرة) بينهما على قدر حصتيهما نصا (١)، والضرر المانع من قسمة الإجبار نقص القيمة بها سواء انتفع به أو لا؛ لأن نقص قيمته ضرر وهو منتف شرعا، ومن بينهما عبيد أو ثياب أو بهائم ونحوها فطلب أحدى هما قسمها أعيانا بالقيمة وأبى شريكه أجبر الممتنع إن تساوت القيم، لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد، وأن النبي ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة" (٢)، وهذه قسمة لهم، ولأنها أعيان أمكن قسمها بلا ضرر ولا رد عوض أشبهت الأرض، ومن بينهما أرض مزروعة فطلب أحدهما قسمها دون زرع وأبى الآخر أجبر وقسمت كخالية، وإن طلب القسم على الأرض مع الزرع أو طلب قسم الزرع دونها لم يجبر الممتنع، فإن تراضيا على قسم الأرض مع الزرع أو الزرع وحده والزرع قصيل (٣) لم يشتد حبه جاز أو قطن جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ولا محذور لجواز التفاضل إذن