جرى الأمر على ذلك، وفي شهادة البينة شهدا عندي بذلك؛ لأن الشهادة تتضمن كل ما هو من مقدماتها من الدعوى والجواب وغيره، وقد يقال: عادة بلده أولى لسهولة فهم معناها، وإن ثبت الحق بإقرار مدعى عليه لم يحتج أن يقال في مجلس حكمه لصحة الأقرار بكل موضع، وإن كتب وأنه شهد على إقراره شاهدان كان آكد.
وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به، وصفته أن يكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه القاضي فلان بن فلان كما تقدم أول المحضر من حضره من الشهود وأشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين، ويذكرهما إن كانا معروفين، وإلا قال: مدع ومدعى عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان، ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعا في صحة منه وجواز أمر بجميع ما سمي به ووصف به في كتاب نسخته كذا، وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفا بحرف، فإذا فرغ من نسخه قال: وإن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك، وسأل الإشهاد به الخصم المدعي، وينسبه ولم يدفعه خصمه بحجة، وجعل القاضي كل ذي حجة على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه والحكم به وإمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ أعلاه، وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين نسخة تكون بديوان الحكم ونسخة يأخذها من كتبها له لتكون كل من النسختين وثيقة بما أنفذه، ويكتب ذلك ليعلم أنه نسخة أخرى، وهذا كله اصطلاح نسخ، ولو لم يذكر في السجل بمحضر من الخصمين
стр. 2102
جاز لجواز القضاء على الغائب بشرطه، ويضم القاضي والشاهد ما اجتمع عنده من محضر وسجل، ويكتب عليه محضر كذا من وقت كذا لسهولة الكشف عند الاحتياج إليه.
стр. 2103
(فصل) في القسمة
بكسر القاف اسم مصدر من قسمت الشيء جعلته أقساما، والقسم بكسر القاف النصيب المقسوم (١).
وعرفا: تمييز بعض الأنصباء عن بعض وإفرازها عنها (٢).
وأجمعوا عليها (٣) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (٤)، وحديث: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" (٥) و"قسم -النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهما" (٦)، ولحاجة الناس إليها، وذكرت في القضاء لأن منها ما يقع بإجبار
стр. 2104
الحاكم عليه ويقاسم بنفسه.
(والقسمة نوعان): -
أحدهما: (قسمة تراض) بأن يتفق عليها الشركاء (وهي) أي قسمة التراضي (فيما لا ينقسم إلا بضرر)، وتحرم القسمة في مشترك لا ينقسم إلا بضرر على الشركاء أو أحدهم، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وغيره (١) إلا برضا كل الشركاء (أو) أي وفيما لا ينقسم إلا بـ (رد عوض) منهم أو من أحدهم؛ لأنها معاوضة بغير الرضا (كحمام ودور صغار) بحيث يتعطل الانتفاع بها أو يقل، وكشجر مفرد وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه، ولا تتعدل بأجزاء ولا بقيمة (وشرط لها رضا كل الشركاء)؛ لأن فيها إما ضررا أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان كليه (وحكمها) أي هذه القسمة (كبيع)، فيجوز فيها ما يجوز فيه لمالك النصيب خاصة إن لم يكن محجورا كليه، ووليه إن كان كذلك لما فيه من الرد، وبه يصير بيعا لبذل صاحبه إياه عوضا عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع فلا يفعلها الولي إلا إن رآها مصلحة وإلا فلا كبيع عقار موليه.
(ومن دعا شريكه فيها) أي قسمة التراضي (وفي شركة نحو عبد وسيف وفرس إلى
стр. 2105
بيع أو إجارة أجبر) شريكه على البيع معه أو الإجارة (فإن أبى) أي امتنع شريكه من بيع معه أو إجارة (بيع أو أو جر عليهما) أي باعه أو أجره حاكم، (وقسم ثمن أو أجرة) بينهما على قدر حصتيهما نصا (١)، والضرر المانع من قسمة الإجبار نقص القيمة بها سواء انتفع به أو لا؛ لأن نقص قيمته ضرر وهو منتف شرعا، ومن بينهما عبيد أو ثياب أو بهائم ونحوها فطلب أحدى هما قسمها أعيانا بالقيمة وأبى شريكه أجبر الممتنع إن تساوت القيم، لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد، وأن النبي ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة" (٢)، وهذه قسمة لهم، ولأنها أعيان أمكن قسمها بلا ضرر ولا رد عوض أشبهت الأرض، ومن بينهما أرض مزروعة فطلب أحدهما قسمها دون زرع وأبى الآخر أجبر وقسمت كخالية، وإن طلب القسم على الأرض مع الزرع أو طلب قسم الزرع دونها لم يجبر الممتنع، فإن تراضيا على قسم الأرض مع الزرع أو الزرع وحده والزرع قصيل (٣) لم يشتد حبه جاز أو قطن جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ولا محذور لجواز التفاضل إذن
стр. 2106
والمراد بالقطن إذا لم يصل إلى حال يكون فيها موزونا وإلا فكالحب المشتد، وإن كان الزرع بذرا أو سنبلا مشتد الحب فلا يجوز لهما ذلك؛ لأنه بيع حب بحب مع الجهل بالتساوي فهو العلم بالتفاضل، وإن كان بينهما نهر أو قناة أو عين ماء فالنفقة على ذلك لحاجة بقدر حقهما والماء بينهما على قدر ما شرطاه عند الاستخراج لحديث: "المسلمون على شروطهم" (١) لأنه تملك مباح فكان على ما شرطاه كما لو اشتركا في اصطياد واحتشاش، وإن كان الملك والنفقة بينهما نصفين لم يصح التفاضل في الماء ولهما قسمته بمهايأة بزمن (٢) أو بنصب خشبة أو حجر مستوفي مصطدم الماء فيه ثقبان بقدر حقيهما، ولكل من الشريكين سقي أرض لا نصيب لها من الماء بنصيبه منه؛ لأنه ملكه فيفعل به ما شاء.
(و) النوع (الثاني) من نوعي القسمة: (قسمة إجبار، وهي: ما لا ضرر فيها) عمى أحد الشركاء (ولا رد عوض) من واحد على غيره، سميت بذلك لإجبار الممتنع إذا كملت شروطه، (كمكيل) من جنس واحد، كحبوب ومائع وتمر وزبيب ولوز وفستق وبندق ونحوه مما يكال من الثمار، وكذا أشنان ونحوه، (و) كـ (موزون من جنس واحد) كذهب وفضة ونحاس ورصاص ونحوه، (و) كـ (دور كبار) ودكاكين وأرض وبساتين واسعة ولو لم تتساو أجزاؤها إذا أمكن قسمها بالتعديل (فيجبر شريك) أي يجبره الحاكم (أو) يجبر (وليه) إن كان محجورا عليه (عليها) أي قسمة
стр. 2107
الإجبار.
ويشترط لإجبار الحاكم على القسمة ثلاثة شروط: -
١ - ثبوت ملك الشركاء.
٢ - وثبوت أن لا ضرر فيها.
٣ - وثبوت إمكان تعديل السهام في المقسوم بلا شيء يجعل معها وإلا فلا إجبار لما تقدم.
(ويقسم حاكم على غائب) منهما (بطلب شريك) للغائب (أو وليه) أي ولي شريك الغائب إن كان محجورا عليه، ومن دعى شريكه في بستان إلى قسم شجره فقط لم يجبر؛ لأن الشجر المغروس تابع لأرضه غير مستقل بنفسه، ولهذا لا تثبت فيه شفعة إذا بيع بدون الأرض، وإلى قسم أرضه أجبر ودخل الشجر تبعا، ومن بينهما أرض في بعضها نخل وفي بعضها شجر غيره أو بعضها يشرب سيحا (١) وبعضها بعلا (٢) وطلب أحدهما قسمة كل عين على حدة وطلب الآخر قسمتها أعيانا بالقيمة قدم
стр. 2108
من طلب قسمة كل عين على حدة إن أمكن تسوية في جيده ورديئه، وإلا قسمت أعيانا بالقيمة إن أمكن التعديل بالقيمة، وإلا يمكن التعديل بها فأبى أحدهما لم يجبر لعدم إمكان تعديل السهام الذي هو شرطها.
(وهذه) أي قسمة الإجبار (إفراز) حق الشريك من حق الآخر وليست بيعا لمخالفتها له في الأحكام والأسباب كسائر العقود، ولو كانت بيعا لم تصح بغير رضى الشريك، ولوجبت فيها الشفعة، ولما لزمت القرعة، فيصح قسم لحم هدي وأضاح ولو لم يصح بيع شيء منها، ولا يصح قسم رطب من شيء ربوي بيابسه، ويصح قسم ثمر يخرص خرصا وقسم ما يكال من ربوي وغيره وزنا وعكسه وإن لم يقبض بالمجلس.
ويصح قسم مرهون وموقوف ولو على جهة واحدة في اختيار صاحب "الفروع" (١) بلا رد عوض من أحد الجانبين؛ لأن العوض إنما يرده من يكون نصيبه أرجح في مقابلة الزائد، فهو اعتياض عن بعض الوقف كبيعه، ولا يحنث بالقسمة من حلف ألا يبيع؛ لأن هذه القسمة ليست بيعا، ومتى ظهر فيها غبن فاحش بطلت لتبين فساد الإفراز، ولا شفعة في نوعيها؛ لأنها لو ثبتت لأحدهما على الآخر لثبت للآخر عليه فيتنافيان وينفسخان بعيب ظهر في نصبب أحدهما، ويصح أن يتقاسما بأنفسهما، وأن ينصبا قاسما بأنفسهما، وأن يسألا حاكما نصبه؛ لأن الحاكم أعلم بما يصلح للقسمة، فإذا سألوه إياه وجبت عليه أجابتهم لقطع النزاع بين المشتركين.
стр. 2109
(وشرط كون قاسم) نصبه حاكم (مسلما عدلا) ليقبل قوله في القسمة (عارفا بالقسمة) ليحصل منه المقصود؛ لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسهام مقبولا، كحاكم يجهل ما يحكم به لا حريته فتصح قسمته ولو عبدا (ما لم يرضوا بغيره) أي غير المسلم العدل العارف بالقسمة، فإن تراضوا بغيره جاز كقسمهم بأنفسهم، (ويكفي) قاسم (واحد) حيث لم يكن في القسمة تقويم لأنه كالحاكم، (و) لا يكفي (مع تقويم) إلا (اثنان)؛ لأنها شهادة بالقيمة فاعتبر النصاب كباقي الشهادات.
وتباح أجرة قاسم؛ لأنها عوض عن عمل لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وتسمى أجرة القاسم القسامة -بضم القاف- ذكره الخطابي، وهي على الشركاء بقدر أملاكهم نصا (١)، ولو شرط خلافه فالشرط لاغ، ولا ينفرد بعضهم باستئجار قاسم.
(وتعدل السهام) أي سهام القسمة يعدلها قاسم (بالأجزاء) أي أجزاء المقسوم (إن تساوت وإلا) فـ (بالقيمة) إن اختلفت كالمكيلات والموزونات والأرض التي ليس بعضها أجود من بعض ولا بناء بها ولا شجر سواء استوت الأنصباء أو اختلفت، (أو) تعدل السهام بـ (الرد إن اقتضته) أي الرد بأن لم يمكن تعديل السهام بالأجزاء ولا بالقيمة، فتعدل بالرد بأن يجعل لمن يأخذ الرديء أو القليل دراهم على من يأخذ الجيد والأكثر، (ثم يقرع) بين الشركاء لإزالة الإيهام، فمن خرج له سهم صار له، وكيف
стр. 2110
أقرع جاز، قال في رواية أبي داود: "إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم". (١) يطرح ذلك في حجر من لم يحضر، ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال: أخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له، وعلى هذا لو أقرع بالحصى وغيره جاز، والأحوط كتابة اسم كل شريك برقعة تدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية قدرا وحجما ووزنا، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أخرج بندقة على هذا السهم، فمن خرج اسمه عليه فهو له، ثم كذلك الثاني والثالث وغيره إن كان، وإن اختلفت سهامهم كنصف وثلث وسدس جزئ مقسوم بحسب أقل السهام، وهو هنا ستة، ولزم إخراج أسماء الشركاء على السهام، فيكتب باسم رب النصف ثلاث رقاع وباسم رب الثلث ثنتان وباسم رب السدس رقعة بحسب التجزئة، ثم يخرج بندقة على أول سهم، فإن خرج اسم رب النصف أخذه مع ثان وثالث يليانه، ويخرج القرعة الثانية على السهم الرابع، وإن خرج اسم رب الثلث أخذه مع سهم ثان يليه والباقي لرب السدس، وإن خرجت القرعة ابتداء لرب السدس أخذ السهم وحده، وإن خرجت لرب الثلث أخذه مع ما يليه ثم يقرع بين الأخيرين كذلك والباقي للثالث، وإنما لزم إخراج الأسماء على السهام؛ لأنها إذا خرجت قرعة فيها اسم الثاني لصاحب السدس وأخرى لصاحب النصف أو الثلث فيها السهم الأول احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا فيتضرر بذلك.
ثم إن القسمة أربعة أقسام: -
стр. 2111
أحدها: أن تتساوى السهام وقيمة الأجزاء.
الثاني: أن تختلف السهام وتتساوى قيمة الأجزاء.
الثالث: أن تتساوى السهام وتختلف قيمة الأجزاء فتعدل الأرض بالقيم وتجعل أسهما متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام كالقسم الأول.
والرابع: أن تختلف القيمة والسهام فتعدل السهام بالقيمة وتجعل السهام متساوية القيمة وتخرج الأسماء على السهام كالقسم الثاني إلا أن التعديل هنا بالقيمة.
(وتلزم القسمة بها) أي بخروج القرعة؛ لأن القاسم كحاكم، وقرعته حكم نص عليه (١)، ولو كانت القسمة فيما فيه رد عوض أو ضرر إذا تراضيا عليها وخرجت القرعة إذ القاسم يجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق فوجب أن تلزم قرعته كقسمة الإجبار.
(وإن خير أحدهما) أي الشريكين (الآخر) بأن قال له: اختر أي القسمين شئت بلا قرعة ولم يكن ثم قاسم (صحت) القسمة (ولزمت برضاهما وتفرقهما) بأبدانهما كتفرق متبايعين، ومن ادعى من الشركاء غلطا أو حيفا فيما تقاسماه بأنفسهما وأشهدا على رضاهما به لم يلتفت إليه، فلا تسمع دعواه ولا تقبل بينته، ولا يحلف غريمه لرضاه بالقسمة على ما وقع، وتقبل دعواه غلطا أو حيفا ببينة فيما قسمه قاسم حاكم، وإلا تكن بينة حلف منكر الغلط؛ لأن الظاهر صحة القسمة، وكذا قاسم
стр. 2112
نصباه بأنفسهما، وإن استحق بعد القسمة معين من حصتيهما على السواء لم تبطل القسمة فيما بقي إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر، كسد طريقه أو مجرى مائه فتبطل القسمة لفوات التعديل.
ومن بنى أو غرس في نصيبه فخرج مستحقا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة تراض فقط ولمن خرج في نصيبه عيب جهله إمساك مع أرش كفسخ.
стр. 2113
فصل في الدعاوي والبينات
الدعاوي: جمع دعوى من الدعاء لغة فهي الطلب (١)، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ (٢) أي: يتمنون ويطلبون (٣)، ومنه حديث: "ما بال دعوى الجاهلية" (٤)؛ لأنهم كانوا يدعون بها عند الأمر الشديد بعضهم بعضا وهي قولهم: يا لفلان.
والدعوى اصطلاحا: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء بيد غيره -إن كان المدعى عينا- أو في ذمته -إن كان دينا من قرض أو غصب- ونحوه (٥).
والمدعي: من يطالب غيره بحق من عين أو دين يذكر استحقاقه عليه، ويقال
стр. 2114
أيضا: من [إذا] (١) ترك ترك.
والمدعى عليه: من يطالب بفتح اللام أي يطالبه غيره بحق يذكر استحقاقه عليه، ويقال: من إذا ترك لا يترك.
والبينة: العلامة الواضحة، كالشاهد فأكثر (٢)، وأصل هذا الباب حديث ابن عباس مرفوعا: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" رواه أحمد ومسلم (٣).
ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، وكذا إنكار سوى إنكار سفيه فيما يؤاخذ به حال سفهه وبعد فك حجر عنه، وهو مالا يتعلق بالمال مقصوده كطلاق وحد قذف فيصح منه إنكاره ويحلف إذا أنكر حيث تجب اليمين.
وإذا ادعى كل من اثنين عينا لم تخل من أربعة أحوال: -
أحدها: أن لا تكون بيد أحد ولا ثم ظاهر يعمل به ولا بينة وادعى كل منهما أنها كلها له، حلف كل منهما أنها له لا حق للآخر فيها وتناصفاها، وإن وجد أمر ظاهر
стр. 2115
لأحدهما عمل به فيحلف ويأخذها، فلو تنازعا عرصة (١) بها شجر أو بناء لهما فهي لهما بحسب البناء والشجر؛ لأن استيفاء المنفعة دليل الملك، والبناء والشجر استيفاء لمنفعة العرصة واستيلاء عليها بالتصرف، وإن كان الشجر أو البناء لأحدهما فالعرصة له وحده لما سبق.
وإن تنازعا جدارا بين ملكيهما حلف كل منهما أن نصفه له ويقرع بينهما إن تشاحا في المبتدئ منهما باليمين، لحديث البخاري عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف" (٢)، ولا يقدح في حكم المسألة إن حلف أحدهما أو كل منهما أن كله له وتناصفاه كحائط معقود ببنائهما، وإن كان معقود ببناء أحدهما وحده أو متصلا به اتصالا لا يمكن إحداثه عادة أو كان له عليه أزج قال الجوهري: ضرب من
стр. 2116
الأبنية (١)، أو كان له عليه سترة مبنية أو قبة فالجدار له بيمينه، ولا ترجيح بوضع خشبة على الجدار المتنازع فيه؛ لأنه مما يسمح به الجار، وورد الخبر بالنهي عن المنع منه (٢) كإسناد متاعه إليه، ولا بوجود آجر (٣) ولا تزويق (٤) وتجصيص (٥).
وإن تنازع رب علو ورب سفل في سقف بينهما تحالفا وتناصفاه لحجزه بين ملكيهما وانتفاعهما به واتصاله ببناء كل منهما كالحائط بين ملكيهما، وإن تنازع رب
стр. 2117
علو ورب سفل في سلم منصوب أو في درجة يصعد منها وليسن تحتها مرفق لصاحب السفل كدكته أو سلم مسمر فالسلم المنصوب والدرجة لرب العلو عملا بالظاهر، إلا أن يكون تحتها مسكن لصاحب السفل فيتحالفان ويتناصفاها، وإن تنازعا الصحن المتوصل منه إلى الدرجة والدرجة بصدره فهو بينهما، وإن كانت الدرجة في الوسط فما إليها من الصحن بينهما وما وراءه من باقي الصحن لرب السفل وحده؛ لأنه لا يد لرب العلو عليه، وكذا لو تنازع رب باب بصدر درب غير نافذ ورب باب بوسطه في الدرب، فمن أوله إلى الباب بوسطه بينهما، وما وراء الباب بوسطه إلى صدره لمن بابه بصدره لما تقدم.
الحال الثاني: أن تكون العين بيد أحدهما فهي له، ويحلف أنه لاحق فيها للآخر إن لم تكن لمن العين بغيريده بينة لخبر: "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" (١)، ولأن الظاهر من اليد الملك فإن كان للمدعي يينة حكم له بها، وإن سأل المدعى عليه الحاكم كتابة محضر بما جرى أجابه إليه وجويا وذكر فيه أن العين بقيت بيده لم يثبت ما يرفعها، ولا يثبت ملك بذلك كما يثبت ببينة فلا شفعة له بمجرد اليد؛ لأن الظاهر لا تثبت به الحقوق لاحتمال خلافه وإنما ترجح به الدعوى.
الحال الثالث: أن تكون العين المتنازع فيها بيديهما كل منهما ممسك لبعضها أو تكون في غير يد أحدهما ولا بينة لهما فيحلف كل منهما ويتناصفانها، لحديث أبي موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ في دار ليس لأحدهما
стр. 2118
بينة، فجعلها بينهما نصفين" رواه الخمسة إلا الترمذي (١)، وكذا إن نكل كل منهما عن اليمين فهما سواء فلا مرجح لأحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد يستحق ما في يد الآخر بنكوله عن اليمين له، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضي له بجميعها إلا أن يدعي أحدهما نصفها فأقل والآخر الجميع أو أكثر مما بقي، فيحلف مدعي الأقل وحده ويأخذه لأنه يدعي أقل مما بيده ظاهرا أشبه ما لو انفرد باليد، وإن كان الذي بيديهما مميز مجهول النسب فقال: إني حر خلي سبيله حتى تقوم بينة برقه؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية، والرق طارئ، فإن قويت يد أحد المتنازعين في عين بأيديهما كحيوان أحدهما سائقه أو آخذ بزمامه وآخر راكبه أو عليه حمله فللثاني بيمينه؛ لأن تصرفه أقوى ويده آكد، وهو المستوفي لمنفعة الحيوان، أو واحد منهما عليه حمله وآخر راكبه فللثاني الراكب بيمينه لقوة تصرفه، وإن اتفقا على أن الدابة
стр. 2119
للراكب وادعى كل منهما ما عليها من الحمل فهو للراكب بيمينه؛ لأن يده على الدابة والحمل معا، أو ادعيا قميصا واحد آخذ بكمه وآخر لابسه فهو للثاني بيمينه لما تقدم، فإن كان كمه بيد أحدهما وباقيه بيد الآخر، أو تنازعا عمامة طرفها بيد أحدهما وباقيها بيد الآخر فهما سواء فيهما.
وإن تنازع اثنان دارا فيها أربعة أبيات أحدهما ساكن في بيت منها والآخر ساكن في الثلاثة فلكل منهما ما هو ساكن فيه، وإن تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما بالسوية لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها.
ويعمل بظاهر الحال فيما بيد المتنازعين مشاهدة أو حكما، أو بيد واحد منها مشاهدة والآخر حكما، وتأتي أمثلة ذلك، فلو نوزع رب دابة في رحل عليها وكل منهما آخذ ببعضه فهو لرب الدابة بيمينه؛ لأن ظاهر الحال عادة أن الرحل لصاحب الدابة، أو نوزع رب قدر ونحوه في شيء فيه مع اتفاقهما على أن القدر لأحدهما فما فيه له بيمينه عملا بظاهر الحال، ولو نازع رب دار خياطا فيها في إبرة أو في مقص فللثاني لما تقدم.
وإن تنازع مكتر ومكر لدار في رف مقلوع له شكل في الدار أو تنازعا في مصراع مقلوع له شكل منصوب في الدار فهو لربها بيمينه؛ لأن المنصوب تابع للدار، والظاهر أن أحد الرفين أو أحد المصراعين لمن له الآخر؛ لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه كالحجر الفوقاني في الرحى والمفتاح مع القفل، وإلا يكن معهما شكل منصوب في الدار فهما بينهما بيمينهما، وما جرت عادة به ولو لم يدخل في بيع
стр. 2120
الدار فهو لربها، وإلا تجر العادة بأنه لمكر كالأثاث والأواني والكتب فهو لمكتر بيمينه؛ لأن العادة أن الإنسان يكري داره فارغة.
ولو تنازع زوجان أو ورثتهما أو تنازع أحدهما وورثة الآخر ولو مع رق أحدهما نصا (١) في قماش البيت ونحوه فادعى كل منهما أنه كله له، فإن كان لأحدهما بينة بشيء أخذه، وإلا تكن بينة فما يصلح لرجل كعمامة وقمصان رجال وجيابهم وأقبيتهم والسلاح وأشباهه فهو للزوج، وما يصلح للمرأة من حلي وقمص نساء ومقانعهن ومغازلهن فهو للزوجة، وصالح لهما كفرش وقماش لم يفصل وأوان ونحوها فهو بينهما سواء كان بيديهما من طريق الحكم أو المشاهدة، نقل الأثرم: "المصحف لهما فإن كانت لا تقرأ ولا تعرف بذلك فله". (٢) فإن كان المتاع بيد غيرهما فمن أقام به بينة فهو له، وإن لم تكن بينة أقرع، فمن قرع حلف وأخذه.
وكذا إن تنازع صانعان في آلة دكانهما فآلة كل صنعة لصانعها، كنجار وحداد بدكان وتنازعا في آلتهما أو بعضها فآلة النجارة للنجار وآلة الحداد للحداد سواء كانت أيديهما على الآلة من طريق الحكم أو طريق المشاهدة عملا بالظاهر، فإن لم تكن يد حكمية كرجل وامرأة تنازعا شيئا ليس بدارهما أو صانعان تنازعا آلة ليست بدكانهما
стр. 2121
فلا يرجح أحدهما بشيء مما ذكر بل إن كان بيد أحدهما فله، أو بيديهما فبينهما، أو في يد غيرهما ولم ينازع أقرع.
وكل من قلنا هو له فهو بيمنيه لاحتمال صدق غريمه إن لم يكن لأحدهما بينة، ومتى كان لأحدهما بينة حكم له بها ولم يحلف لحديث الحضرمي والكندي (١)، ولأن البينة أحد حجتي الدعوى فيكتفى بها كالعين، وإن كان لكل من المتنازعين بينة وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا؛ لأن كلا منهما تنفي ما تثبته الأخرى فلا يمكن العمل بهما ولا بأحدهما فيسقطان ويصيران كمن لا بينة لهما، فيتحالفان ويتناصفان ما بأيديهما، لحديث أبي موسى: "أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فبعث كل منهما شاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما" رواه أبو داود (٢).
ويقرع بين المتنازعين إذا أقام كل منهما بينة فيما ليس بيد أحد أو بيد ثالث ولم
стр. 2122
ينازع، فمن قرع حلف وأخذه، روي عن ابن عمر وابن الزبير (١)، وإن كان المتنازع فيه بيد أحدهما وأقام كل منهما بينة أنه له حكم به للمدعي وهو الخارج ببينته سواء أقيمت بينة منكر وهو الداخل بعد رفع يده أو لا، وسواء شهدت له أنها نتجت في ملكه أو أنها مطيعة من إمام أو لا، لحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (٢) فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، ووجه كثرة فائدتها أنها تثبت سببا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل عليه اليد، فيجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، ولا يحلف الخارج مع بينته كما لو لم تكن بينة داخل، وتسمع بينة رب اليد وهو منكر لدعوى الخارج لادعائه الملك لما بيده، وكذا من ادعي عليه تعديا ببلد ووقت معينين وقامت به بينة وهو منكر فادعى كذبها وأقام بينة أنه كان بذلك الوقت بمحل بعيد من ذلك البلد فتسمع ويعمل بها، قال في "الانتصار" (٣): "لا تسمع إلا بينة مدع باتفاقنا". ولا تسمع بينة داخل مع عدم بينة خارج لعدم حاجته إليها كما لو أقر مدعى عليه، ومع حضور البينتين لا تسمع بينة داخل قبل بينة خارج وتعديلها صححه في "الإنصاف". (٤) وتسمع بعد
стр. 2123
التعديل قبل الحكم وبعده قبل التسليم وتقدم عليها بينة الخارج، وإن كانت بينة المنكر غائبة حين رفعنا يده عن المدعى به فجاءت وقد ادعى فيه ملكا مطلقا غير مستند لحال وضع يده وأقام بينة فهي بينة خارج فتقدم على بينة المدعي الأول، وإن ادعى الملك مستندا لما قبل وضع يده وأقامها فهي بينة داخل فتقدم بينة المدعي عليها لاستناد دعوى المنكر إلى حال وضع يده، وإن أقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل وأقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج قدمت بينة الداخل؛ لأنه الخارج معنى لإثبات البينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه، وإن أقام الخارج بينة أنها ملكه وأقام الداخل بينة أنه باعها منه أو وقفها عليه أو أعتقها قدمت البينة الثانية لشهادتها بأمر حدث على الملك خفي على الأولى كقوله: أبرأني من الدين ويقيم به بينة، أما لو قال: لي بينة غائبة بأنه باعه مني أو وقفه علي طولب بالتسليه للمدعي به؛ لأن تأخيره يطول وقد يكون كاذبا، ومتى أرخ كل من البينتين والعين بيديهما في شهادة بملك أو بيد أو أرخت إحداهما فقط فهما سواء، لحديث أبي موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول اللَّه ﷺ بالبعير بينهما نصفين" رواه أبو داود (١)، ولأن كلا منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها إلا أن تشهد المتأخرة تاريخا بانتقال الملك عن المشهود له بالملك المتقدم، ولا تقدم إحدى البينتين بزيادة نتاج بأن شهدت بأنها بنت فرسه أو ناقته نتجت في ملكه والأخرى شهدت بالملك فقط، ولا تقدم بزيادة سبب ملك بأن شهدت
стр. 2124
إحداهما أنه ملكها بالبيع ونحوه والأخرى بالملك فقط بل هما سواء لتساويهما فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فتساويا في الحكم، ولا تقدم إحداهما باشتهار عدالة أو كلثرة عدد ولا رجلان على رجل وامرأتين أو على رجل ويمين؛ لأن الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة، ومتى ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا إن لم تكن بيد أحدهما، ثم إن كانت العين بأيديهما تحالفا وتناصفاها، وإن كانت بيد ثالث لم ينازع أقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها، وإن كانت بيد أحدهما فهي للخارج ببينته، وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بانتقاله منه له قدمت الناقلة لشهادتها بأمر زائد على الملك خفي على الأخرى كما تقدم، كتقدم بينة ملك على بينة يد.
الحال الرابع: أن تكون العين المتنازع فيها بيد ثالث، فإن ادعاها لنفسه وأنكرهما حلف لكل منهما يمينا، فإن نكل عنهما أخذاها منه أو بدلها إن تلفت بتفريطه وهو ترك اليمين للأول أشبه ما لو أتلفها واقترعا عليها أو بدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير معين، وإن أقر الثالث بالعين لهما أخذاها منه واقتسماها نصفين وحلف كل منهما يمينا بالنسبة إلى النصف الذي أقر به لصاحبه؛ لأنه يدعيه له كما لو أقر بها لأحدهما فإنه يحلف للآخر وحلف كل من المدعين لصاحبه على النصف المحكوم له به كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء، وإن نكل المقر بالعين لهما عن اليمين لكل منهما أخذا منه بدلها واقتسماه أيضا كما لو أقر لكل منهما بالعين، وإن أقر لأحدهما بعينه بالعين جميعها.
стр. 2125
حلف المقر له أنه لا حق لغيره فيها وأخذها؛ لأنه بالإقرار له صار كأن العين بيده والآخر مدع عليه وهو ينكره فيحلف له لنفي دعواه، ويحلف المقر للآخر إن طلب يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقر له فيغرم له بدلها، فإن نكل عن اليمين أخذ منه بدلها بنكوله وإذا أخذها المقر له فأقام المدعي الآخر بينة أنها ملكه أخذها منه لثبوت ملكه لها، وإن قال من العين بيده: هي لأحدهما وأجهله فصدقاه لم يحلف لتصديقهما له وإلا يصدقاه حلف لهما يمينا واحدة؛ لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين، ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعا؛ لأن المستحق منهما لليمين غير معين ويقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها نصا (١) لحديث: "أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول اللَّه ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها" رواه أحمد وغيره (٢)، ولأن المقر له بها يصير صاحب اليد وهو غير معين فيعين بالقرعة.
стр. 2126
فصل
ومن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وادعى العبد أن زيدا أعتقه وأقام كل بينة صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ، أو ادعى شخص أن زيدا باعه العبد أو وهبه له وادعى آخر مثله وأقام كل منهما بينة بدعواه صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ لمصادفة التصرف الثاني ملك غيره فوجب بطلانه، وإلا يعلم التاريخ أو اتفق تساقطتا لتعارضهما وعدم المرجح، وكذا إن كان العبد بيد نفسه نصا (١) إلغاء لهذه اليد للعلم بمستندها وهو الدعوى ولم تثبت، كمن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وأنكره زيد فلا يحكم بهذه اليد.
ولو ادعيا زوجية امرأة فأنكرتهما أو أحدهما دون الآخر وأقام كل منهما بينة بدعواه ولو كانت المرأة بيد أحدهما سقطتا لتعارضهما واليد لا تثبت على الحر (٢)، وإن أقرت لأحدهما لم تقبل؛ لأنها متهمة، وإن كان لأحدهما بينة وحده حكم له بها، وإن ادعاها واحد فصدقته قبل إقرارها؛ لأنها غير متهمة إذن.
ولو أقام كل ممن العين بيده بينة بشرائها من زيد وهي ملكه بكذا واتحد تاريخهما
стр. 2127
تحالفا وتناصفاها؛ لأن بينة كل منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في الآخر، ولكل منهما أن يرجع على زيد بنصف الثمن الذي دفعه له؛ لأنه لم يسلم له سوى نصف المبيع، ولكل منهما أن يفسخ البيع لتبعض الصفقة عليه ويرجع من فسخ منهما بكل الثمن، ولكل منهما أن يأخذ كل العين بكل الثمن مع فسخ الآخر، وإن سبق تاريخ سنة إحداهما فهي له لصحة عقده بسبقه وللثاني على بائعه الثمن إن كان قبضه منه لتبين بطلان بيعه، وإن أطلق بينتاهما أو أطلقت إحداهما تعارضتا في ملك إذن لا في شراء لجواز تعدد بخلاف الملك، فيقبل من البائع لهما دعواهما لنفسه بيمين واحدة لهما أن العين لم تخرج عن ملكه.
وإن ادعى اثنان ثمن عين بيد ثالث كل منهما يقول: أنه أشتراها منه بثمن سماه فمن صدقه منهما أو أقاء بينة أخذ ما ادعاه من الثمن، وإلا يصدق واحدا منهما ولا أقام واحد منهما بينة حلف لكل منهما يمينا لجواز تعدد العقد، وإن أقاما بينتين وهو منكر دعواهما فإن اتحدا تاريخا تعارضتا وتساقطتا لعدم إمكان الجمع بينهما، ويكون كما لو ادعيا عينا بحد ثالث وأقاما بينتين، وإن اختلف تاريخهما أو أطلقتا أو احداهما عمل بالبينتين؛ لأن الظاهر أنهما عقدان شهد بهما بينتان في عين واحدة على مشتر واحد، وعقد الشراء فيه دليل على اعتراف المشتري للبائع بالملك، ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول، ثم انتقل منه ببيع أو هبة إلى الثاني، ثم اشتراه من الثاني فلا تعارض، ويلزمه الثمنان المدعى بهما.
وإن كانت عين بيد إنسان فادعاها اثنان فقال أحدهما: غصبنيها، وقال
стр. 2128
الآخر: ملكنيها أو أقر لي بها وأقاما بينتين فهي لمغصوب منه؛ لأن مع بينته زيادة علم وهو سبب ثبوت اليد، والبينة الأخرى إنما تشهد بتصرفه فيها فلا تعارضها، ولا يغرم المدعى عليه للآخر شيئا لعدم مقتضيه، إذ بطلان التمليك أو الإقرار بثبوت ملك الغير بغير فعله لا يوجب عوضا بخلاف البيع فإنه يوجب رد الثمن؛ لأنه أخذه بغير حق، وإن قال كل من المدعيين: غصبنيها وأقاما بينتين فكما لو ادعى كل منهما أنه اشتراهما منه على ما سبق.
وإن ادعى رب دار أنه أجره بيتا معينا من الدار بعشرة فقال المستأجر: بل أجرتني كل الدار بعشرة، وأقاما بينتين تعارضتا ولا يقتسمان بقية منفعة الدار، قال الشيخ منصور: "قلت: والظاهر أن القول قول المؤجر بيمنه؛ لأنه ينكر إجارة غير البيت". انتهى (١).
стр. 2129
فصل في تعارض البينتين
وهو التعادل من كل وجه، يقال: تعارضت البينتان إذا تقابلتا أي أثبتت كل منهما ما نفته الأخرى حيث لا يمكن الجمع بينهما فيتساقطان، وعارض زيد عمرا إذا أتاه بمثل ما أتى به (١). إذا قال لعبده: متى قتلت فأنت حر فادعى العبد أنه قتل وأنكر ورثته فالقول قولهم إن لم تكن له بينة: لأن الأصل عدم القتل، وإن أقام كل منهما بينة بما ادعاه قدمت بينة العبد وعتق: لأن مع بينته زيادة وهو القتل، وإن لم تكن له بينة فله تحليفهم على نفي العلم.
وإن قال سيد عبدين فأكثر: إن مت في المحرم فسالم حر وإن مت في صفر فغانم حر ثم مات وأقام كل منهما بينة بموجب عتقه تساقطتا؛ لأن كلا منهما تنفى ما أثبتته الأخرى ورقا لجواز موته في غير المحرم وصفر، وإن علم موته في إحدى الشهرين وجهل أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر، وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن برئت منه فغانم حر ثم مات وأقاما بينتين تساقطتا ورقا لنفي كل منهما ما أثبتته الأخرى، وإن جهل ثم مات ولا بينة أقرع بينهما، فيعتق من خرجت له القرعة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون بريئا أو لم يبرأ، فيعتق أحدهما على كل حال، وكذا إن أتى بمن بدل في التعارض، وأما في صورة الجهل وعدم البينة فيعتق سالم؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء.
стр. 2130
وإن شهدت (١) بينة على ميت أنه وصى بعتق سالم وأخرى على أنه وصى بعتق غانم وكل واحد من سالم وغانم ثلث ماله ولم تجز الورثة عتقهما عتق أحدهما بقرعة لثبوت الوصية بعتق كل منهما، والإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد ثبت الإقراع بينهما فيه لحديث عمران بن حصين (٢)، فكذا الإعتاق بعد الموت لاتحاد المعنى فيهما، فإن أجاز الورثة الوصيتين عتقا؛ لأن الحق لهما كما لو أعتقوهما بعد موته.
ومن مات عن ابنين مسلم وكافر فادعى كل منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصله من إسلام وكفر قبل قول مدعيه، وإن لا يعرف أصل دينه فميراثه للكافر إن اعترف المسلم بأخوته أو ثبتت ببينة؛ لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام ولاعترافه بكفر أبيه فيما مضى وادعائه إسلامه فجعل أصل دينه الكفر، والأصل بقاؤه عليه، وإلا يعترف المسلم بأخوته ولا ثبتت ببينة فميراثه بينهما لاستوائهما في اليد والدعوى، وإن جهل أصل دينه وأقام كل منهما بينة بدعواه تساقطتا وتناصفا التركة كما لو لم تكن بينة، وإن قالت بينة: نعرفه مسلما وأخرى نعرفه كافرا ولم تؤرخا وجهل أصل دينه فميراثه للمسلم لإمكان العمل بالبينتين، إذ الإسلام يطرأ على الكفر
стр. 2131
وعكسه خلاف الظاهر؛ لأن المرتد لا يقر على ردته، وتقدم البينة الناقلة إذا عرف أصل دينه فيهن؛ لأن معها علما لم تعلمه الأخرى كما تقدم في نظائره، ولو شهدت بينة أنه مات ناطقا بكلمة الإسلام وأخرى أنه مات ناطقا بكلمة الكفر تساقطتا سواء عرف أصل دينه أو لا.
ومن أسلم وادعى تقدم إسلامه على موت مورثه المسلم، أو ادعى تقدم إسلامه على قسم تركته قبل منه ببينة أو تصديق وارث معه لدعواه، وإلا فلا؛ لأن الأصل بقاؤه على كفره فالقول قول أخيه المسلم بيمينه لأنه منكر.
وإن قال من كان كافرا: أسلمت في محرم ومات مورثي في صفر، وقال الوارث: مات قبل محرم ورث لاتفاقهما على الإسلام في المحرم واختلافهما في الموت هل كان قبله أو بعده، والأصل بقاء حياة الأب فالقول قول مدعي تأخر الموت.
ولو خلف حر ابنا حرا وابنا كان قنا فادعى الذي كان قنا أنه عتق وأبوه حي ولا بينة له صدق أخوه في عدم ذلك؛ لأن الأصل بقاء الرق، وإن ثبت عتق برمضان فقال الحر: مات أبي بشعبان وقال العتيق: بل بشوال صدق العتيق؛ لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال، وتقدم بينة الحر مع التعارض؛ لأن معها زيادة علم.
وإن شهد اثنان على اثنين بقتل فشهدا على الأولين به فصدق الولي الأولين فقط حكم له بهما لرجحانهما بتصديق المشهود له، وإن صدق الجميع أو الأخيرين أو كذب الجميع أو الأولين فقط فلا شيء له لسقوط شهادة المشهود عليهما لاتهامهما بالدفع عن
стр. 2132
أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر، وكذا لو صدق الجميع بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كلا من البينتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة فلا تقبل، وكذا لو كذب الجميع؛ لأنه يصير كمن لا بينة له.
وإن شهدت بينة بتلف ثوب وقالت: قيمته عشرون وشهدت أخرف أن قيمته ثلاثون ثبت الأقل لاتفاقهما عليه دون الزائد لاختلافهما فيه، وكذا لو كان بكل قيمة شاهد واحد فيثبت الأقل لما تقدم.
стр. 2133
(كتاب الشهادات)
مشتقة من المشاهدة، واحدها شهادة لإخبار الشاهد بما يشاهده، يقال: شهد الشيء إذا رآه (١).
وأجمعوا على قبول الشهادة في الجملة (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية (٣) وحديث: "شاهداك أو يمينه" (٤) ولدعاء الحاجة إليها لحصول التجاحد، قال شريح: "القضاء جمر فنحه عنك بعودين -يعني الشاهدين- وإنما الخصم داء والشهود دواء فأفرغ الشفاء على الداء". (٥)
والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه بل الحاكم يلزم به بشرطه، فهي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص كشهدت أو أشهد ويأتي.
(تحملها) أي الشهادة على المشهود به (في غير حق اللَّه) تعالى ما لا كان
стр. 2134
حق الآدمي كالبيع والقرض والغصب أو غيره كحد قذف (فرض كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن غيره، فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه ولو عبدا وليس لسيده منعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) قال ابن عباس وقتادة والربيع: "المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم" (٢) ولدعاء الحاجة إلى ذلك في إثبات الحقوق والعقود كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولئلا يؤدي إلى امتناع الناس من تحملها فيؤدي إلى ضياع الحقوق.
وتطلق الشهادة على التحمل والأداء فيكون الأداء أيضا فرض كفاية قدمه الموفق (٣) وجزم [به] (٤) جمع، وظاهر الخرقي أنه فرض عين (٥)، فلذلك قال: (وأداؤها) أي الشهادة (فرض عين) قال في "الفروع" (٦): "ونصه أنه فرض عين". قال في
стр. 2135
"الإنصاف" (١): "وهو المذهب". لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢)، وخص القلب بالإثم؛ لأنه محل العلم بها، ويجبان إذا دعي إليهما لدون مسافة قصر (مع القدرة) على التحمل أو الأداء (بلا ضرر) يلحقه، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء في بدنه أو ماله أو أهله، أو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم يلزمه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٣)، ولأنه لا يلزمه ضر نفسه بنفع غيره، وإن كان الحاكم غير عدل فقال أحمد: "كيف أشهد عند رجل ليس عدلا" (٤). وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا: "يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكون لهم كاتبا، ولا عريفا، ولا شرطيا" (٥) فلو أدى شاهد وأبى الآخر وقال: احلف بدلي
стр. 2136
أثم، ويختص الأداء بمجلس الحكم.
ولا يقيمها على مسلم بقتل كافر، قاله في "الفروع" (١)، وظاهره يحرم، ولعل المراد عند من يقتله به، ومتى وجبت الشهادة وجبت كتابتها لئلا ينساها، وإن دعي فاسق لتحمل الشهادة فله الحضور مع عدم غيره إذ التحمل لا يعتبر له العدالة، فلو لم يؤدها حتى صار عدلا قبلت، ولا يحرم أداء الفاسق الشهادة ولو لم يكن فسقه ظاهرا؛ لأنه لا يمنع صدقه.
(وحرم أخذ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جعل عليها) ولو لم تتعين عليه؛ لأنها فرض كفاية كصلاة الجنازة، و (لا) يحرم أخذ (أجرة مركوب لمتأذ بمشي) إلى محلها من رب الشهادة، ومن عنده شهادة بحد للَّه تعالى كزنا وشرب فله إقامتها وتركها؛ لأن حقوق اللَّه مبينة على المسامحة، والستر مأمور به، ولذلك اعتبر في الزنا أربعة رجال وشدد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم طلبا للستر، واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ و"الترغيب" (٢): "الترك للترغيب في الستر" وللحاكم أن يعرض للشهود بالتوقف عنها كتعريضه لمقر بحد للَّه ليرجع عن إقراره لتعريض عمر
стр. 2137
لزياد (١) بالرجوع، وتقبل الشهادة بحد قديم، ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله رب الشهادة إقامتها، لحديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم ياتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون" رواه البخاري (٢)، وإلا يعلم رب الشهادة بأن له عنده شهادة استحب إعلامه قبل إقامتها، وله إقامتها قبل إعلامه، لحديث: "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" رواه مسلم (٣)، وحمل هذا
стр. 2138
الحديث على ما إذا ما لم يعلم رب الشهادة، والأول على ما إذا علم جمعا بينهما، ويحرم على من عنده شهادة بحق آدمي لا يعلمها كتمها للآية فيقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم منه لما تقدم، ولا يقدح أداء الشاهد بلا طلب حاكم وبلا طلب مشهود له لم يعلم به فيه كشهادة حسبة للَّه تعالى من غير تقدم دعوى.
(و) حرم (أن يشهد إلا بما يعلمه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) قال المفسرون: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإيقان (٢)، وقال ابن عباس: "سئل النبي ﷺ عن الشهادة قال: ترى الشمس؟ قال: على مثلها فاشهد أو دع" (٣) رواه الخلال في جامعه (٤)، والمراد العلم في أصل المدرك لا في
стр. 2139
دوامه، فمدركه العلم الذي تكون له الشهادة يكون (برؤية أو سماع) غالبا لجوازها ببقية الحواس كالذوق واللمس، فإن تحمل الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره وغيبته، وإن جهل حاضرا جاز أن يشهد عليه في حضرته فقط بمعرفته عينه نصا (١)، وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، فإن عرفه به من يسكن إليه ولو واحدا جاز له أن يشهد عليه ولو امرأة لحصول المعرفة به، ولا تعتبر إشارته إلى حاضر مع ذكر نسبه ووصفه اكتفاء بهما، فإن لم يذكرهما أشار إليه لحصول التعيين.
وإن شهد شاهد بإقرار بحق لم يعتبر لصحة الشهادة ذكر سببه ولا قوله طوعا في
стр. 2140
صحته مكلفا عملا بالظاهر، والرؤية تختص بالفعل كقتل وسرقة وغصب وشرب خمر ورضاع وولادة وعيوب مرئية في نحو مبيع؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعا فلا يرجع إلى غيره.
والسماع ضربان: -
الأول: سماع من مشهود عليه كعتق وطلاق وعقد من نكاح وغيره وإقرار بمال ونسب وحد وقود ورق وغير ذلك، فيلزمه الشهادة بما سمع سواء استشهده مشهود عليه أو لا لئلا يمتنع ثبوت الغصب وسائر ما يتضمن العدوان فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، أو كان الشاهد مستخفيا أو لا، فمن عنده حق ينكره بحضرة من يشهد عليه فسمع إقراره من لا يعلم به المقر جاز أن يشهد عليه بما سمعه منه.
الضرب الثاني: ما ذكره بقوله: (أو استفاضة) ما يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضا، ولا يجوز لأحد أن يشهد باستفاضة إلا إن سمع ما يشهد به (عن عدد يقع به) أي بخبره (العلم)؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء لكثرته (١)، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه (٢): "ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ