← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أثم، ويختص الأداء بمجلس الحكم. ولا يقيمها على مسلم بقتل كافر، قاله في "الفروع" (١)، وظاهره يحرم، ولعل المراد عند من يقتله به، ومتى وجبت الشهادة وجبت كتابتها لئلا ينساها، وإن دعي فاسق لتحمل الشهادة فله الحضور مع عدم غيره إذ التحمل لا يعتبر له العدالة، فلو لم يؤدها حتى صار عدلا قبلت، ولا يحرم أداء الفاسق الشهادة ولو لم يكن فسقه ظاهرا؛ لأنه لا يمنع صدقه. (وحرم أخذ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جعل عليها) ولو لم تتعين عليه؛ لأنها فرض كفاية كصلاة الجنازة، و (لا) يحرم أخذ (أجرة مركوب لمتأذ بمشي) إلى محلها من رب الشهادة، ومن عنده شهادة بحد للَّه تعالى كزنا وشرب فله إقامتها وتركها؛ لأن حقوق اللَّه مبينة على المسامحة، والستر مأمور به، ولذلك اعتبر في الزنا أربعة رجال وشدد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم طلبا للستر، واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ و"الترغيب" (٢): "الترك للترغيب في الستر" وللحاكم أن يعرض للشهود بالتوقف عنها كتعريضه لمقر بحد للَّه ليرجع عن إقراره لتعريض عمر

стр. 2137

لزياد (١) بالرجوع، وتقبل الشهادة بحد قديم، ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله رب الشهادة إقامتها، لحديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم ياتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون" رواه البخاري (٢)، وإلا يعلم رب الشهادة بأن له عنده شهادة استحب إعلامه قبل إقامتها، وله إقامتها قبل إعلامه، لحديث: "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" رواه مسلم (٣)، وحمل هذا

стр. 2138

الحديث على ما إذا ما لم يعلم رب الشهادة، والأول على ما إذا علم جمعا بينهما، ويحرم على من عنده شهادة بحق آدمي لا يعلمها كتمها للآية فيقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم منه لما تقدم، ولا يقدح أداء الشاهد بلا طلب حاكم وبلا طلب مشهود له لم يعلم به فيه كشهادة حسبة للَّه تعالى من غير تقدم دعوى. (و) حرم (أن يشهد إلا بما يعلمه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) قال المفسرون: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإيقان (٢)، وقال ابن عباس: "سئل النبي ﷺ عن الشهادة قال: ترى الشمس؟ قال: على مثلها فاشهد أو دع" (٣) رواه الخلال في جامعه (٤)، والمراد العلم في أصل المدرك لا في

стр. 2139

دوامه، فمدركه العلم الذي تكون له الشهادة يكون (برؤية أو سماع) غالبا لجوازها ببقية الحواس كالذوق واللمس، فإن تحمل الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره وغيبته، وإن جهل حاضرا جاز أن يشهد عليه في حضرته فقط بمعرفته عينه نصا (١)، وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، فإن عرفه به من يسكن إليه ولو واحدا جاز له أن يشهد عليه ولو امرأة لحصول المعرفة به، ولا تعتبر إشارته إلى حاضر مع ذكر نسبه ووصفه اكتفاء بهما، فإن لم يذكرهما أشار إليه لحصول التعيين. وإن شهد شاهد بإقرار بحق لم يعتبر لصحة الشهادة ذكر سببه ولا قوله طوعا في

стр. 2140

صحته مكلفا عملا بالظاهر، والرؤية تختص بالفعل كقتل وسرقة وغصب وشرب خمر ورضاع وولادة وعيوب مرئية في نحو مبيع؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعا فلا يرجع إلى غيره. والسماع ضربان: - الأول: سماع من مشهود عليه كعتق وطلاق وعقد من نكاح وغيره وإقرار بمال ونسب وحد وقود ورق وغير ذلك، فيلزمه الشهادة بما سمع سواء استشهده مشهود عليه أو لا لئلا يمتنع ثبوت الغصب وسائر ما يتضمن العدوان فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، أو كان الشاهد مستخفيا أو لا، فمن عنده حق ينكره بحضرة من يشهد عليه فسمع إقراره من لا يعلم به المقر جاز أن يشهد عليه بما سمعه منه. الضرب الثاني: ما ذكره بقوله: (أو استفاضة) ما يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضا، ولا يجوز لأحد أن يشهد باستفاضة إلا إن سمع ما يشهد به (عن عدد يقع به) أي بخبره (العلم)؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء لكثرته (١)، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه (٢): "ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ

стр. 2141

مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ " (١) ومن قال: شهدت بالاستفاضة ففرع، ذكره في "الفروع" (٢) و"الإنصاف" (٣) و"التنقيح" (٤)، وإنما تصح شهادة الاستفاضة (فيما يتعذر علمه غالبا بغيرها) أي الاستفاضة (كنسب) إجماعا (٥)، وإلا لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغير ذلك، ولا يمكن المشاهدة فيه وكولادة (وموت ونكاح) وملك مطلق إذ الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد ممن يحضره ويتولى غسله وتكفينه، والملك قد يتقادم سببه، فتوقف الشهادة في ذلك على المباشرة يؤدي إلى التعسر خصوصا مع طول الزمن، وكنكاح عقدا ودواما (وطلاق) وخلع نصا فيهما (٦)؛ لأنه مما يشيع ويشتهر غالبا، والحاجة داعية إليه، (ووقف) بأن يشهد أن هذا وقف زيد لا أنه

стр. 2142

وقفه، (ومصرفه) أي الوقف وما أشبه ذلك، قال الخرقي: "وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به" (١). ولأن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها غالبا بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها أشبهت النسب، وكونه يمكن العلم بمشاهدة سببه لا ينافي التعذر غالبا. ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة كتصرف مالك من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله الشهادة بالملك؛ لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل على صحة الملك كمعاينة سبب الملك من بيع فيه وارث، وإلا يراه يتصرف كما ذكر فإنه يشهد له باليد والتصرف؛ لأن ذلك لا يدل على الملك غالبا. (و) من شهد بعقد (اعتبر ذكر شروط مشهود به) للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي، فيعتبر في نكاح يشهد به أنه تزوجها برضاها إن لم تكن مجبرة وذكر بقية الشروط كوقوعه بولي مرشد وشاهدي عدل حال خلوها من الموانع، وفي شهادة رضاع عدد الرضعات وأنه يشرب من ثديها أو من لبن حلب منه للاختلاف في الرضاع المحرم، ولا بد من ذكر أنه في الحولين، فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف، وفي قتل ذكر القاتل وأنه ضربه بسيف فقتله أو جرحه فقتله أو أنه مات من ذلك، ولا يكفي أن يشهد أنه جرحه فمات لجواز موته بغير جرحه، وفي زنا ذكر مزني بها، وأين؟ وكيف؟ وفي أي وقت زنا؟ لاحتمال أن يشهد أحدهما بزنا غير الذي شهد به غيره فلا تلفق وأنه رأى ذكره في فرجها لئلا يعتقد الشاهد ما ليس بزنا

стр. 2143

زنا، ويقال: زنت العين واليد والرجل كما تقدم (١). وإن شهد أن هذا ابن أمته لم مجكم له به لجواز أن تكون ولدته قبل أن يملكها حتى يقولا: وأنها ولدته وهي في ملكه وكذا ثمرة شجرته، وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو أن هذا الدقيق من حنطته، أو أن هذا الطير من بيضته حكم له به؛ لأنه لا يتصور أن يكون الغزل أو الدقيق أو الطير من قطنه أو حنطته أو بيضته قبل ملكه للقطن أو الحنطة أو البيضة، ولا يحكم له بالبيضة إن شهدا أن هذه البيضة من طيره حتى يشهدا أنها باضتها في ملكه، أو يشهدا أنه اشترى هذا العبد أو هذا الثوب ونحوه من زيد حتى يقولا: وهو في ملكه. ومن ادعى إرث ميت فشهد شاهدان أنه وارثه لا يعلمان وارثا غيره، أو قالا: في هذا البلد سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لا سلم المال إليه بغير كفيل لثبوت إرثه، والأصل عدم الشريك، ويسلم إليه المال بكفيل إن شهدا بأنه وارثه فقط، ثم إن شهدا لآخر أنه وارثه شارك الأول في إرث الميت، قال الموفق في فتاويه (٢): "إنما احتاج إلى بيان لا وارث سواه؛ لأنه يعلم ظاهرا، فإنه بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعلم باطن أمره بخلاف دينه على الميت فلا يحتاج إلى إثبات أن لا دين عليه سواه لخفاء الدين، ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع عليها عن يقين".

стр. 2144

وإن شهد اثنان أن هذا ابن الميت لا وارث له غيره، وشهد آخران أن هذا ابنه لا وارث له غيره قسم الإرث بينهما ولا تعارض لجواز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى، وإن شهدا أنه طلق واحدة من نسائه ونسيا عينها، أو أنه أعتق من أرقائه رقبة ونسيا عينها، أو أنه أبطل من وصاياه واحدة ونسيا عينها لم تقبل شهادتهما؛ لأنها بغير معين فلا يمكن العمل بها، وإن شهد أحدهما بغصب ثوب أحمر والآخر بغصب ثوب أخضر، أو شهد أحدهما أنه غصبه الثوب اليوم والآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة؛ لأن اختلاف الشاهدين فيما ذكر يدل على تغاير الفعلين، وكذا كل شهادة على فعل متحد في نفسه كقتل زيد إذ لا يكون إلا مرة واحدة أو على فعل متحد باتفاق المشهود له والمشهود عليه، كالغصب إذا اتفقا على أنه واحد وكسرقة ونحوها إذا اختلف الشاهدان في وقت الفعل أو مكانه أو صفة متعلقة به كلونه وآلة قتل ونحوه مما يدل على تغاير الفعلين فلا تكمل البينة للتنافي، وكل من الشاهدين يكذب الآخر فيتعارضان ويسقطان، وإن أمكن تعدد الفعل ولم يشهدا بأنه متحد فبكل شيء شاهد فيعمل بمقتضى ذلك، فإذا ادعى الفعلين وأقام بكل منهما شاهدا، أو حلف مع كل من الشاهدين يمينا ثبتا، ولا تنافي بين شهادة الشاهدين بذلك لتغاير المشهود عليه، ولو كان بدل كل شاهد منهما بينة تامة ثبت كلا الفعلين فيما إذا كان الفعل غير متحد لا في نفسه ولا باتفاقهما لتمام نصاب كل منهما وعدم التنافي إن ادعاهما المشهود له، والا بأن ادعى أحدهما فقط ثبت ما ادعاه دون الآخر وتساقطتا في مسألة اتحاد الفعل في نفسه أو باتفاقهما، وكفعل من قول نكاح وقذف فقط دون

стр. 2145

غيرهما من الأقوال، فإذا شهد واحد أنه تزوجها أو قذفه أمس وشهد الآخر أنه اليوم لم تكمل البينة؛ لأن النكاح والقذف الواقعين أمس غير الواقعين اليوم، فلم يبق بكل نكاح أو قذف إلا شاهد، فلم تكمل البينة، ولأن من شرط النكاح حضور الشاهدين فإذا اختلفا في الشرط لم يتحقق حصوله، وكذا لو شهد أحدهما أنه قذفه غدوة أو خارج البلد أو بالعجمية، وشهد الآخر بخلافه؛ لأنه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، ولو كانت الشهادة بإقرار بفعل أو بغيره ولو نكاحا أو قذفا، أو شهد شاهد واحد بالفعل وآخر على إقراره جمعت وعمل بها لعدم التنافي، ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف وشهد الآخر أنه أقر له بألفين كملت البينة بألف، وله أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده ويستحقه حيث لم يختلف السبب ولا الصفة، ولو شهدا لشخص بمائة وشهد آخران له بعدد أقل من المائة دخل الأقل فيها إلا مع ما يقتضي التعدد، كما لو شهد اثنان بمائة قرضا وآخران بخمسين ثمن مبيع فيلزمانه لاختلاف سببهما، ولو شهد واحد بألف وأطلق، وشهد الآخر بألف من قرض كملت شهادتهما حصلا للمطلق على المقيد، وإن شهدا أن عليه ألفا وقال أحدهما: قضاه بعضه بطلت شهادته نصا (١)؛ لأن قوله: قضاه بعضه يناقض شهادته عليه بالألف فأفسدها، وإن شهدا أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما؛ لأنه رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه أشبه ما لو

стр. 2146

قال: بألف بل بخمسمائة. ولا يحل لمن تحمل شهادة بحق أخبره عدل باقتضاء الحق أو انتقاله بنحو حوالة أن يشهد به نصا، ولو قضاه نصفه ثم جحده بقيته فقال أحمد: "يدعيه كله وتقوم البينة فتشهد على حقه كله ثم يقول للحاكم قضاني نصفه" (١) ومن له بينة بألف فقال لهما: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز لهما أن يشهدا بالخمسمائة له نصا (٢)؛ لأن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ (٣)، ولو شهد اثنان في محفل على شخص أنه طلق أو أعتق، أو على خطيب أنه قال على المنبر أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما مع المشاركة في سمع وبصر قبلا لكمال النصاب. (ويجب إشهاد) اثنين (في نكاح)؛ لأنه شرط فيه فلا ينعقد بدونهما وتقدم (٤). (ويسن) إشهاد (في) كل عقد (غيره) من بيع وإجارة وصلح لقوله تعالى: (وَأَشهِدُوَأ إِذَا تَبَايَعَتُم) (٥) وحمل على الاستحباب، لقوله تعالى: ﴿فَإِن

стр. 2147

أَمِن بَعضُكُم بَعضًا فَليُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِن أَمَنَتَهُ﴾ (١).

стр. 2148

فصل في شروط من تقبل شهادته وهي ستة بالاستقراء: - ذكر الأول منها بقوله: (وشرط في شاهد) أي واحد الشهود (إسلام) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١)، والكافر ليس من رجالنا، ولأنه غير مأمون، وحديث جابر: "أنه ﵇ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض" رواه ابن ماجة (٢) ضعيف؛ لأنه من رواية مجالد (٣)، فلا تقبل من كافر ولو على كافر مثله غير رجلين كتابيين عند عدم مسلم بوصية مسلم ميت بسفر أو كافر، ويحلفهما حاكم وجوبا بعد العصر، لخبر أبي موسى

стр. 2149

رواه أبو داود (١)؛ لأنه وقت يعظمه أهل الأديان فيحلفان لا نشتري به -أي اللَّه تعالى، أو الحلف، أو تحريف الشهادة- ثمنا ولو كان ذا قربى، وما خانا وما حرفا، وأنها الوصية لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ] (٢) إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. . .﴾ الآية (٣) وقضى به ابن مسعود وأبو موسى الأشعري (٤)، قا ل ابن المنذر: "وبهذا قال أكابر الماضين". (٥)

стр. 2150

فإن عثر: أي اطلع على أنهما أي الشاهدين الكتابيين استحقا إثما أي كذبا في شهادتهما قام آخران أي رجلان من أولياء الموصي فحلفا باللَّه تعالى لشهادتنا أي يميننا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم للآية وحديث ابن عباس قال: "خرج رجل من بني سهم (١) مع تميم الداري (٢) وعدي بن بداء (٣) فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته

стр. 2151

فقدوا جام فضة مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول اللَّه ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللَّه لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم فنزلت الآية فيهم" (١) وروى أبو عبيد (٢) في "الناسخ والمنسوخ" (٣) أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان (٤). وأيضا فالمائدة

стр. 2152

آخر سورة نزلت. (و) الشرط الثاني: (بلوغ) فلا تقبل الشهادة من الصغير ذكرا أو أنثى ولو كان في حال أهل العدالة بأن كان متصفا بما يتصف به العدل. (و) الثالث: (عقل) وهو نوع من العلوم الضرورية، والعاقل من عرف الواجب عقلا الضروري وغيره، وعرف الممكن والممتنع، كوجود الباري تعالى، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، وأن الضدين لا يجتمعان، وعرف ما يضره وينفعه غالبا، فلا تقبل الشهادة من معتوه ومجنون؛ لأنه لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها لاحتياجها إلى الضبط وهو لا يعقله. (و) الرابع: (نطق) أي كون الشاهد متكلما فلا تقبل الشهادة من أخرس بإشارة؛ لأن الشهادة يعتبر فيها التعيين، وانما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه كنكاحه وطلاقه للضرورة، (لكن تقبل من أخرس) إذا أداها (بخطه) لدلالة الخط على الألفاظ، (و) تقبل (من) (١) مجنون (يفيق) أحيانا إذا شهد (حال إفاقته)، لأنها شهادة عاقل أشبه من لم يجن. والخامس: الحفظ فلا تقبل الشهادة من مغفل ولا من معروف بكثرة غلط وكثرة سهو؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، وتقبل ممن يقل منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد. (و) السادس: (عدالة) وهي لغة: الاستقامة والاستواء، مصدر عدل بضم

стр. 2153

الدال إذ العدل ضد الجور (١)، وشرعا: استواء أحوال الشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله (٢). (ويعتبر لها) أي العدالة (شيئان): - (الأول: الصلاح في الدين، وهو) نوعان: (أداء الفرائض) أي الصلوات الخمس والجمعة وما وجب من صوم وحج وزكاة وغير ذلك (برواتبها) أي الصلاة الراتبة، نقل أبو طالب: "الوتر سنة سنها النبي ﷺ فمن ترك سنة من سننه ﷺ فهو رجل سوء" (٣). فلا تقبل ممن داوم على تركها، فإن تهاونه بها مما يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جرى التهاون بها إلى التهاون بالفرائض، وتقبل ممن تركها في بعض الأحيان. (و) النوع الثاني: (اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيره ولا يدمن) أي يدوم (علي صغيرة) وفي "الترغيب": بأن لا يكثر منها ولا يصر علي واحدة منها (٤) وقد نهي اللَّه تعالي عن قبول شهادة القاذف لكون القذف كبيرة فيقاس عليه كل مرتكب وقال الشيخ تقي الدين: "يعتبر العدل في كل زمن بحسبه لئلا

стр. 2154

تضيع الحقوق" (١). والكذب صغيرة فلا ترد الشهادة به إن لم يداوم عليه، إلا الكذب في شهادة زور وعلى نبي ورمي فتن ونحوه فكبيرة، ويجب الكذب في تخليص مسلم من قتل، قال ابن الجوزي: "وكل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا به". (٢) ويباح الكذب لإصلاح، وحرب، وزوجة فقط. والكبيرة ما فيه حد في الدنيا -كالزنا وشرب الخمر- أو وعيد في الآخرة -كأكل مال اليتيم والربا وشهادة الزور وعقوق الوالدين- ونحو ذلك. والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات كالتجسس وسب الناس بغير قذف والنظر المحرم والنبز باللقب، والغيبة والنصيمة من الكبائر فلا تقبل شهادة فاسق بفعل كزان وديوث، أو باعتقاد كمقلد في خلق القرآن، أو في نفي رؤية اللَّه في الآخرة، أو في الرفض أو التجهم ونحوه، كمقلد في التجسيم، وما تعتقده الخوارج والقدرية ونحوهم، ويكفر مجتهدهم أي مجتهد القائلين بخلق القرآن ونحوهم ممن خالف ما عليه أهل السنة والجماعة الداعية. ولا تقبل شهادة قاذف حد أو لا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣) حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٤) وتوبته تكذيب نفسه

стр. 2155

ولو كان صادقا فيقول: كذبت فيما قلت. لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ قال: "توبته إكذاب نفسه" (١)، وتوبة غير القاذف ندم بقلبه على ما مضى من ذنبه، وإقلاع بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، وعزم أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه، ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها وهو الفسق؛ لأنه فسق مع زوال الذنب الذي تاب منه، وإن كان فسق الفاسق بترك واجب فلا بد لصحة توبته من فعله، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي كقصاص وحد قذف فلا بد من التمكين من

стр. 2156

نفسه ببذلها للمستحق، ويعتبر رد مظلمة فسق بترك ردها كمغصوب ونحوه، فإن عجز نوى رده متى قدر عليه أو يستحل رب المظلمة أو يستمهله. والتوبة من البدعة الرجوع عنها والاعتراف بها واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة. ولا تصح التوبة معلقة بشرط، ولا يشترط لصحتها من قذف وغيبة ونميمة وشتم إعلامه والتحلل منه، قال أحمد: "إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قذفتك هذا يستغفر اللَّه لأن فيه إيذاء صريحا" (١). واذا استحله يأتي بلفظ عام مبهم لصحة البراءة من المجهول. ومن أخذ بالرخص -أي تتبعها من المذاهب- فسق نصا (٢)، وذكره ابن عبد البر إجماعا (٣)، وذكر القاضي في غير متأول ولا مقلد (٤) ولزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره الأشهر عدمه، ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي كان جاهلا، ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل

стр. 2157

لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع، قاله الشيخ تقي الدين. (١) ومن أتى فرعا مختلفا فيه كمن تزوج بلا ولي، أو تزوج بنته من زنا، أو شرب من نبيذ ما لا يسكره إن اعتقد تحريمه ردت شهادته نصا (٢)؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه فوجب أن ترد شهادته كما لو كان مجمعا على تحريمه، وإن تأول أي فعل شيئا من ذلك مستدلا على حله باجتهاد أو مقلدا لقائل بحله فلا ترد شهادته. الشيء (الثاني): مما يستعمل للعدالة (استعمال المروءة) بوزن سهولة أي الإنسانية (بفعل ما يزينه ويجمله) عادة، (وترك ما يدنسه ويشينه) أي يعيبه عادة من الأمور الدنيئة المزرية به، فلا شهادة لمصافع (٣) ومتمسخر، ورقاص ومشعبذ، والشعبذة والشعبوذة: خفة في اليدين كالسحر، ومغن، ويكره الغناء -بكسر العين المعجمة والمد- وهو: رفع الصوت بالشعر على وجه مخصوص، ويكره سماعه إلا من أجنبية، فيحرم التلذذ به، وكذا يحرم مع آلة لهو من حيث الآلة، وطفيلي الذي يتبع الضيفان، ومتزي بزي يسخر منه، ولا لشاعر يفرط في مدح بإعطاء أو في ذم بمنع، أو

стр. 2158

يشبب بمدح خمر أو بمرد أو بامرأة معينة محرمة، ويفسق بذلك ولا تحرم روايته، ولا شهادة للاعب بشطرنج غير مقلد كمع عوض، أو ترك واجب وفعل محرم إجماعا، أو لاعب بنرد، ويحرمان أي اللعب بالشطرنج والنرد لحديث أبي داود في النرد (١) والشطرنج في معناه (٢)، أو لاعب بكل ما فيه دناءة حتى في أرجوحة أو رفع ثقيل، وتحرم مخاطرته بنفسه فيه، أو لاعب بحمام طيارة أو مسترعيها من المزارع أو من يصيد بها حمام غيره، ويباح اقتناء الحمام للأنس بصوتها ولاستفراخها ولحمل كتب. ولا شهادة لمن يأكل بالسوق [كثيرا] (٣) لا يسيرا كلقمة وتفاحة ونحوها، ولا

стр. 2159

شهادة لمن يمد رجليه بمجمع من الناس، أو يكشف من بدنه ما العادة جارية بتغطيته كصدره وظهره، أو يحدث بمباضعة أهله أو سريته، أو يدخل الحمام بغير مئزر، أو ينام بين جالسين أو يخرج عن مستوى الجلوس بلا عذر، أو يحكي المضحكات ونحوه في كل ما فيه سخف أو دناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستخفه ليس له مروءة، ولا تحصل الثقة بقوله، ولحديث أبي مسعود البدري (١) مرفوعا: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (٢). ومتى وجد شرط قبول الشهادة بأن بلغ صغير أو عقل مجنون أو أسلم كافر أو تاب فاسق قبلت شهادته بمجرد ذلك لزوال المانع. ولا يشترط في الشهادات الحرية، فتقبل شهادة عبد وأمة في كل ما يقبل فيه حر

стр. 2160

وحرة لعموم آيات الشهادة وأخبارها، والعبد داخل فيها فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية، ومتى تعينت الشهادة على الرقيق حرم على سيده منعه منها كسائر الواجبات. ولا يشترط للشهادةكون صناعة الشاهد غير دنيئة عرفا، فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال وقمام وكناس يكنس الأسواق وغيرها وكباش يربي الكبش ويناطح به، وقراد يربي القرود ويطوف بها للتكسب، ودباب يفعل بالدب كما يفعل القراد، ونفاط يعلب بالنفط، ونخال أي يغربل في الطريق على فلوس ونحوه، وصباغ ودباغ وجمال وجزار وكساح ينظف الحشوش وحائك وحارس وصائغ ومكار وخدام إذا حسنت طريقتهم لحاجة الناس إلى هذه الصنائع؛ لأن كل أحد لا يليها فلو ردت به الشهادة لأفضى إلى ترك الناس لها فيشق ذلك عليهم. وكذا تقبل شهادة من لبس غير زي بلد يسكنه أو لبس غير زييه المعتاد بلا عذر إذا حسنت طريقتهم بأن حافظوا على أداء الفرائض واجتناب المعاصي والريب. وتقبل شهادة ولد الزنا حتى به. وشهادة أعمى بما سمع إذا تيقن الصوت، وبالاستفاضة وبمرئيات تحملها قبل عماه، وكذا لو لم يعرف مشهود عليه إلا بعينه إذا وصفه للحاكم بما يتميز به، والأصم كالسميع فيما يراه أو سمعه قبل صممه. ومن شهد بحق عند حاكم ثم عمي أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحاكم بشهادته إن كان عدلا، وإن حدث به مانع من كفر أو فسق أو تهمة كعداوة

стр. 2161

وعصبية قبل الحكم منعه لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة، وانتفاؤه حينها شرط للحكم بها غير عداوة ابتدئها مشهود عليه بأن قذف البينة أو قاولها عند الحكومة بدون عداوة ظاهرة سابقة فلا تمنع الحكم لئلا يتمكن مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بذلك، وإن حدث مانع من كفر وفسق وغيرهما بعد الحكم وقبل استيفاء محكوم به يستوفى مال أحد مطلقا ولا قود؛ لأنه إتلاف ما لا يمكن تلافيه. وتقبل شهادة الشخص على فعل نفسه كحاكم على حكمه بعد عزله وقاسم ومرضعة على قسمته وإرضاعها ولو بأجرة؛ لأن كلا منهم يشهد لغيره فقبل كما لو شهد على فعل غيره، ولحديث عقبة بن الحارث في الرضاع (١) وقيس عليه الباقي.

стр. 2162

فصل في موانع الشهادة (ولا تقبل شهادة بعض عمودي نسبه لبعض)، فلا تقبل شهادة والد لولده وإن سفل من ولد البنين أو البنات وعكسه ولو لم يجر الشاهد بما شهد به نفعا غالبا لمشهود له، كشهادته له بعقد نكاح أو قذف، وتقبل لباقي أقاربه كأخيه وعمه لعموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم، قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة (١). ولا تقبل شهادة من يملكه المشهود له أو يملك بعضه إذ القن ينبسط في مال سيده، وتجب نفقته عليه كالأب مع ابنه. (ولا) تقبل شهادة (أحد الزوجين للآخر) لتبسط كل منهما في مال الآخر واتساعه بسعته ولو في الماضي بأن يشهد أحد الزوجين للآخر بعد طلاق بائن أو خلع. (ولا) تقبل شهادة (من يجر بها) أي بشهادته (إلى نفسه نفعا) كشهادة الشخص لرقيقه ولو مأذونا له أو مكاتبا أو لمورثه بجرح قبل اندماله؛ لأنه ربما سري الجرح إلى النفس فتجب الدية للشاهد بشهادته فكأنه شهد لنفسه، ولا شهادته لموصيه أو لموكله في ما وكل فيه نصا (٢)، كمن نوزع في ثوب استأجر أجيرا لخياطته أو صبغه أو قصره

стр. 2163

فلا تقبل شهادة الأجير به لمستأجره للتهمة ولو بعد انحلالها أو لشريكه فيما هو شريك فيه، ولا شهادة غريم بمال لمفلس بعد حجر أو موت لتعلق حق غرمائه بماله، فكأنه شهد لنفسه، ولا شهادة أحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته لاتهامه بأخذ الشقص كله، ولا شهادة من له كلام أو استحقاق وإن قل في رباط أو مدرسة أو مسجد بمصلحة لها، وتقبل شهادة وارث لمورثه في مرضه ولو مرض الموت المخوف وحال جرحه بدين له؛ لأنه لا حق له في ماله حين الشهادة، كشهادته لامرأة يحتمل أن يتزوجها، وغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه. (أو يدفع بها) أي بشهادته (عنها) أي عن نفسه (ضررا) كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ أو شبه العمد؛ لأنهم متهمون في دفع الدية عن أنفسهم ولو كان الشاهد فقيرا أو بعيدا لجواز أن يوسر أو يموت من هو أقرب منه، وكشهادة الغرماء بجرح شهود دين على مفلس أو ميت تضيق تركته عن ديونهم، وكشهادة كل من لا تقبل شهادته له إذا شهد بجرح شاهد عليه، قال الزهري: "مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين" (١). وهو المتهم، وعن طلحة بن عوف (٢): "

стр. 2164

قضى رسول اللَّه ﷺ أن لا شهادة لخصم ولا ظنين" (١). (ولا) تقبل شهادة (عدو على عدوه) لغير اللَّه تعالى سواء كانت مورثة أو مكتسبة (في غير نكاح) وتقدم في كتاب النكاح (٢). (ومن سره مساءة أحد أو غمه فرحه فهو عدوه)، فتلغو الشهادة من مقذوف على قاذفه، ومن مقطوع عليه الطريق على قاطعه، ومن زوج على امرأته في زنا بخلاف شهادته عليها في قتل وغيره. (و) كل (من) قلنا (لا تقبل) شهادته (له) كعمودي نسبه ومكاتبه فإنها (تقبل عليه)؛ لأنه لا تهمة فيها، فتقبل شهادة الوصي على الميت والحاكم على من في حجره. ومن موانع الشهادة: الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، فإن لم

стр. 2165

يعلم مشهود له بها لم يقدح قبل الدعوى أو بعدها وتقدم، إلا في عتق وطلاق ونحوهما لعدم اشتراط تقدم الدعوى فيهما على الشهادة. ومن الموانع: العصبية فلا شهادة لمن عرف بها، وبإفراط في الحميةكتعصب قبيلة على قبيلة وإن لم تبلغ رتبة العدواة. ومنها: أن ترد شهادته لفسقه ثم يتوب ويعيدها فلا تقبل للتهمة في أنه إنما تاب لتقبل شهادته، ولو لم يؤدها حتى تاب قبلت؛ لأن العدالة ليست شرطا للتحمل ولا تهمة، ولو شهد كافر أو غير مكلف أو أخرس فزال ذلك وأعادها قبلت؛ لأن ردها لهذه الموانع لا غضاضة فيه فلا تهمة، ومن شهد بحق مشترك بين من ترد شهادته له كأبيه وأجنبي ردت نصا (١)؛ لأن الشهادة لا تتبعض في نفسها.

стр. 2166

فصل في أقسام المشهود به من حيث عدد شهوده لاختلاف عدد الشهود باختلاف المشهود به، وهي سبعة بالاستقراء: - ذكر الأول منها بقوله: (وشرط في) ثبوت (الزنا أربعة رجال يشهدون به) أي الزنا واللواط (أو) يشهدون بـ (أنه) أي المشهود عليه بذلك (أقر به أربعا) لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (١) وقوله ﵇ لهلال بن أمية (٢): "أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك" (٣) واعتبار الأربعة في الإقرار به؛ لأنه

стр. 2167

إثبات له فاعتبر فيه كشهود الفعل. (و) القسم الثاني: (في دعوى فقر ممن عرف بغنى) ليأخذ من زكاة فلا بد من (ثلاثة) رجال يشهدون له، لحديث مسلم: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة" (١) وتقدم في الزكاة. (و) القسم الثالث: (في) دعوى (قود وإعسار و) وطء (موجب لـ (تعزير) كوطء أمة مشتركة وبهيمة، ويدخل فيه وطء أمته في حيصن أو إحرام أو صوم (أو) وطء موجب لـ (حد) فلا بد فيه من رجلين؛ لأنه يحتاط فيه ويسقط بالشبهة فلم تقبل فيه شهادة النساء لنقصهن، ولثبت قود وقذف وشرب بإقرار مرة. (و) القسم الرابع: في دعوى (نكاح ونحوه) كرجعة وخلع وطلاق ونسب وولاء، وكذا توكيل (و) إيصاء في غير مال (مما ليس مالا ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا) فكالذي قبله لا يقبل فيه إلا (رجلان).

стр. 2168

(و) القسم الخامس: (في) دعوى (مال وما يقصد به) المال كقرض ورهن ووديعة وغصب وإجارة وشركة وحوالة وصلح وهبة وعتق وكتابة وتدبير ومهر وتسميته، وعارية وشفعة وإتلاف مال وضمانه وتوكيل فيه وإيصاء فيه ووصية به لمعين ووقف عليه وبيع وأجله وخياره وجناية خطأ أو عمد لا توجب قودا بحال ونحو ذلك، فيقبل فيه (رجلان أو رجل وامرأتان) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١)، وسياق الآية في العين وألحق به سائر الأموال لانحطاط رتبة المال عن غيره من المشهود به؛ لأنه يدخله البذل والإباحة، وتكثر فيه المعاملة، ولطلع عليه الرجال والنساء فوسع الشرع باب ثبوته، (أو رجل ويمين المدعى) لحديث ابن عباس: "أن رسول اللَّه ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" رواه أحمد والترمذي (٢)، ولأحمد في رواية: "إنما ذلك في الأموال" (٣) وورد أيضا عن جابر

стр. 2169

مرفوعا (١)، وسواء كان المدعي مسلما أو كافرا أو امرأة، ولا يثبت المال ونحوه بشهادة امرأتين ويمين؛ لأن النساء لا تقبل شهادتهن في ذلك منفردات وكذلك لو شهد أربع نسوة لم يقبل، ويجب تقديم شهادة الرجل الواحد على اليمين؛ لأنه لا يقوى جانبه إلا بشهادته، ولا يشترط قول مدع في حلفه وأن شاهدي صادق في شهادته، ولو نكل عن اليمين من أقام شاهدا حلف مدعى عليه وسقط الحق فإن نكل مدعى عليه عن

стр. 2170

اليمين حكم عليه بالنكول نصًّا لما تقدَّم (١)، ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأنها في جنبة غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عنها، ولو كان لجماعة حق مالي بشاهد فأقاموه فمن حلف أخذ نصيبه ولا يشاركه من لم يحلف، ولا تحلف ورثة ناكل عن يمين بعد إقامة شاهد به؛ لأنه لا حق لوارثه حال حياته، فإن مات فلوارثه الدعوى وإقامة الشاهد ويحلف معه ويأخذ ما شهد به الشاهد. (و) القسم السادس: (في داء دابَّةٍ ومُوضحةٍ ونحوهما) كداء بعين فيقبل في ذلك (قولُ اثنينِ) أي طبيبين أو بيطارين أو كحَّالين، وإن اختلفا قدم قول مثبت على قول نافٍ؛ لأنه شهد بزيادة لم يدركها النافي، (ومع عُذْرٍ) يقبل قول طبيب (واحد) وبيطار واحد وكَحَّالٍ واحدٍ لعدم غيره في معرفته، نصّ أحمد على ذلك. (٢) (و) القسم السابع -من أقسام المشهود به-: (ما لا يطلع عليه الرّجالُ غالبًا كعيوب نساءٍ تحت ثياب، ورضاع، واستهلال)، وبَكارةٍ، وثُيُوبَةٍ، وحَيْضٍ، ورَتْقٍ، وقَرْنٍ، وعَفلٍ، ونحوه، (و) كذا (جراحةٍ ونحوها في حمّامٍ وعُرْسٍ) مما لا يحضره

стр. 2171

رجال، فيكفي فيه (امرأةٌ عدلٌ) لحديث حذيفة (١): "أن النبي ﷺ أجاز شهادة القَابِلَةِ وحدها" (٢)، ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخطاب (٣) عن ابن عمر مرفوعًا: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة" (٤)، والأحوط أن

стр. 2172

يشهد به اثنتان لأنه أبلغ (أَوْ) يشهد به (رجل [عدلٌ] (١) واحد وهو أولى بالقبول من المرأة لكماله، ومن ادعت إقرار زوجها بأخوة رضاع فأنكر لم يقبل فيه إلا رجلان، وإن شهد الرجل والمرأتان بسرقة ثبت المال لكمال نصابه دون القطع؛ لأنه حد فلا يثبت إلا برجلين، وإن أنكر السرقة فطلب يمينه فنكل غرم المال ولا قطع؛ لأن النكول لا يقضى به لغير المال، وإن ادعى زوج خلعا قبل فيه رجل وامرأتان أو رجل ويمين؛ لأنه يدعي المال، وإن ادعته الزوجة لم يقبل فيه إلا رجلان؛ لأن مقصودها الفسخ ولا يثبت إلا برجلين، ومن حلف بطلاق أنه ما سرق أو ما غصب ونحوه فثبت فعله برجل وامرأتين أو رجل ويمين ثبت المال لكمال النصاب ولم تطلق (٢) زوجته؛ لأن الطلاق لا يثبت بذلك، ولو وجد على دابة مكتوب حبيس في سبيل اللَّه أو وجد على أسْكُفَّةِ دَارٍ (٣) أو حائطها مكتوب وقف أو مسجد

стр. 2173

حكم به نصًّا (١) حيث لا معارض أقوى منه، ولو وجده على كتب علم في خزانة مدة طويلة فكذلك وإلا عَمِلَ بالقرائن.

стр. 2174

(فَصْلٌ) في الشَّهادةِ على الشهادةِ والرجوع عنها وأدائها قال أبو عبيد: "أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشَّهَادة على الشهادة في الأموال". (١) ولدعاء الحاجة إليها؛ لأنها وثيقة مستدامة لحفظ الأموال، لما قد يطرأ على الشاهد من اخترام المنيّة والعجز عن الشهادة لعدم الوثيقة على أن من الحقوق ما يحتاج فيه إلى التأبيد كالوقوف، والشاهد لا يعيش أبدًا، (وتُقْبَلُ الشَّهادةُ على الشَّهادةِ في كُلِّ ما يُقْبَلُ فيهِ كتابُ القَاضِيْ إلى الْقَاضِيْ)، وهو حق الآدمي دون حق اللَّه تعالى؛ لأن الحدود مبنية على الستر، والدرء بالشبهة، والشهادة على الشهادة فيها شبهة لتطرق احتمال الغلط والسهو وكذب شهود الفرع فيها مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الأصل، ولهذا لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل. (وشُرِطَ) في قبول الشهادة على الشهادة (تَعَذُّرُ شُهُودِ أصلٍ بموتٍ أو مَرَضٍ أو غِيْبَةٍ مَسافةَ قَصْرٍ أو خَوْفٍ من سلطانٍ أو غيرهِ)؛ لأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق وشهادة الفرع إنما تثبت الشهادة عليه، ولاستغناء الحاكم بسماع الأصل عن تعديل الفرع، وسماعه من الأصل معلوم، وصدق شاهد الفرع عليه مظنون، ولا يعدل

стр. 2175

عن اليقين مع إمكانه. (و) شُرِطَ (دَوامُ عَدالَتِهِمَا) أي الأصل والفرع إلى صدور الحكم، فمتى حدث قبله من أحدهم ما يمنع قبوله من نحو فسق أو جنون وقف الحكم؛ لأنه مبني على شهادة الجميع، وإذا فقد شرط الشهادة التي هي شَرطٌ للحكم لم يجر الحكم بها. (و) شُرِطَ (اسْتِرْعَاءُ) شاهد (أَصْلٍ لـ) شاهد (فرعٍ، أَوْ) استرعاؤه (لغيرهِ وهو) أي الفرع (يَسْمَعُ) استرعاء الأصل لغيره، وأصْلُ الاسترعاء من قول المحدّث: أرعني سمعك يريد اسمع مني، مأخوذٌ من رَعَيْتُ الشيء إذا حفظتْهُ (١)، فشاهد الأصل يطلب من شاهد الفرع أن (٢) يحفظ شهادته ويؤديها، وصفة الاسترعاء ما ذكره بقوله: (فيَقُوْلُ) شاهد الأصل لمن يسترعيه: (اشْهَدْ) على شهادتي (أنِّي أَشْهَدُ)، أو اشْهَدْ أنِّي أشْهَدُ (أن فلان بن فلان) وقد عرفته (أَشْهَدَنِيْ على نَفْسِهِ) أو شهدت عليه، (أو أَقَرَّ عِنْدِيْ بِكَذَا) [ونحوه] (٣)، وإلا يسترعه ولا غيره مع سماعه لم يشهد؛ لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة ولا ينوب عنه إلَّا بإذنه، (أَوْ يَسْمَعُهُ) أي يسمع الفرع الأصل (يَشْهَدُ عند حَاكِمٍ أو يَعْزُوْهَا) أي شهادته (إلى سببٍ كبيعٍ وقَرْضٍ) ونحوهما فيشهد على شهادته؛ لأنه بشهادته عند الحاكم وبنسبته الحق إلى سببه يزول الاحتمال كالاسترعاء.
следующие страницы →