← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

السيوطي (١). (ويكره) بصاقه ونحوه (أمامه و) على (يمينه) لظاهر الخبر (٢)، واحترامًا لحَفَظَة اليمين (٣). ويلزم من رأى بصاقًا ونحوه في المسجد إزالته؛ لخبر أبي ذر: "وجدت في مساوئ أعمالنا النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه مسلم (٤). وسن صلاته إلى سترة، فإن كان في مسجد أو بيت، صلى إلى حائط أو سارية، وإن كان في فضاء، صلى إلى سترة بين يديه مرتفعة قدر ذراع فأقل؛ لحديث طلحة بن عبيد اللَّه -مرفوعًا-: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل

стр. 247

مؤخرة الرحل (١) فليصل ولا يبالي من مرّ وراء ذلك" رواه مسلم (٢)، ومؤخرة الرحل: عود في مؤخره، وتختلف، فتارة تكون ذراعًا وتارة تكون دونه، والمراد رحل البعير وهو أصغر من القتب (٣)، وسواء في ذلك الحضر والسفر، خشي مارًا بين يديه أم ألا. وكان يركز له ﷺ الحربة (٤) في السفر، فيصلي إليها (٥)، ويعرض له البعير، فيصلي إليه (٦). وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد ﵁ قال: ما كان أعرض فهو أعجب إلي انتهى (٧). لحديث سبرة (٨) -مرفوعًا-: "استتروا في الصلاة ولو بسهم" رواه الأثرم (٩)، فقوله: "ولو بسهم". يدل على أن غيره أولى منه. ويسن قربه منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه؛ لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" رواه أبو داود (١٠)، وعن سهل بن سعد: (كان بين النبي ﷺ

стр. 248

وبين السترة ممر الشاة) رواه البخاري (١)، و"صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع" رواه أحمد والبخاري (٢). وسن انحرافه عنها يسيرًا؛ لفعله ﵊، رواه أحمد وأبو داود (٣). وإن تعذر غرز عصا وضعها بين يديه. ويصح تستر ولو بخيط أو طرف حصير وكل ما اعتقده سترة، وسترة مغصوبة ونجسة كغيرها، قدمه في "الرعاية" (٤) وفيه وجه، وفي "الإنصاف" (٥): الصواب أن النجسة ليست كالمغصوبة. فتكره الصلاة إلى المغصوبة كالقبر. فإن لم يجد شيئًا خط خطًّا كالهلال، وصلى إليه؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وإن لم يجد،

стр. 249

فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخط خطًّا، ثم لايضر من مر أمامه" رواء أبو داود (١)، فإذا مرَّ من ورائها، لم يكره. فإن لم تكن سترة فمر بين يديه كلب أسود بهيم (٢)، بطلت صلاته، وكذا لو مر بينه وبين سترته؛ لحديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود" قال عبد اللَّه بن الصامت (٣): ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول اللَّه عما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم وغيره (٤). ولا تبطل الصلاة إذا مر بين يديه امرأة وحمار وشيطان وكلب غير أسود بهيم؛ لأن زينب بنت أم سلمة مرت بين يدي النبي ﷺ فلم يقطع صلاته (٥). وعن الفضل بن عباس: أتانا رسول اللَّه ﷺ ونحن في بادية، فصلى في

стр. 250

الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك. رواه أبو داود (١)، قلت: وهذا يخالف عبارة "شرح المنتهى" للعلامة منصور (٢)، لكنه مخصوص بحديث أبي ذر فتدبرها، يبن لك أن كلام "الشارح" (٣) غير مستقيم، وما في "شرح المنتهى" هو الصواب؛ لتخصيص حديث أبي ذر الصحيح، المتقدم آنفًا (٤): أنه يقطع صلاته المرأة

стр. 251

والحمار والكلب الأسود، فتأمل ذلك. وسترة الإمام سترة لمن خلفه (١)، فلا يضر مرور شيء بين أيديهم، ولو مما يقطع الصلاة. وإن مر بين الإمام وبين سترته ما يقطع صلاته، قطع صلاتهم -أيضًا-.

стр. 252

فصل تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وهي الأركان؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، وسميت أركانًا؛ تشبيهأ بركن البيت الذي لا يقوم إلا به (١)، وبعضهم سماها: فروضًا (٢). الثاني: ما تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسقط سهوًا وجهلًا، ويجبر بالسجود، ويسمى الواجب، اصطلاحًا. الثالث: ما لا تبطل بتركه مطلقًا، وهو السنن. وأركان الصلاة ما كان فيها بخلاف الشروط، فإنها قبلها كما تقدم (٣)، (وجملة أركانها) أي: الصلاة (أربعة عشر) ركنًا بالاستقراء، وعدها في "المقنع" (٤) و"الوجيز" (٥) وغيرهما اثني عشر، وفي "البلغة" (٦) عشرة، وعد منها النية. الأول من الأركان: (القيام) في فرض، ولو على الكفاية لقادر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٧) وحديث عمران -مرفوعًا-: "صل

стр. 253

قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا. . . إلخ" رواه البخاري (١). وخص بالفرض لحديث عائشة -مرفوعًا-: "كان يصلى ليلًا طويلًا قاعدًا. . . " الحديث. رواه مسلم (٢)، سوى خائف بالقيام، كمن بمكان له حائط يستره جالسًا فقط، ويخاف بقيامه نحو عدو، فيجوز أن يصلي جالسًا، وسوى عريان، وتقدم (٣)، وسوى مريض يمكنه قيام، لكن لا تمكن مداواته قائمًا، فيسقط عنه القيام لمداواته، ويصلي جالسًا؛ دفعًا للحرج، وكذا يصلي جالسًا؛ لأجل قِصَرِ سقف لعاجز عن خروج لحبس ونحوه، وكذا خلف إمام الحي، وهو الإمام الراتب، المصلي جالسًا المرجو زوال علته، ويأتي (٤). (و) الثاني من الأركان: (التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي سعيد -مرفوعًا-: "إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفُرَج، وإذا قال إمامكم: اللَّه أكبر، فقولوا: اللَّه أكبر" رواه الإمام أحمد (٥)، ولم ينقل عنه ﷺ أنه افتتح الصلاة بغيرها. (و) الثالث: قراءة (الفاتحة) في كل ركعة، وتقدم موضحًا (٦)، ويتحملها إمام عن مأموم، ويأتي (٧). (و) الرابع: (الركوع) إجماعًا (٨) في كل ركعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 254

الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ (١) وقوله ﷺ في حديث المسيء في صلاته -المتفق عليه-: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" (٢). (و) الخامس: (الاعتدال عنه) أي: الركوع؛ لقوله ﷺ في الحديث المذكور (٣): "ثم ارفع" ولا تبطل إن طال اعتداله. (و) السادس: (السجود) إجماعًا (٤) في كل ركعة مرتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ (٥) ولحديث المسيء في صلاته (٦). (و) السابع: (الاعتدال عنه) أي: السجود. (و) الثامن: (الجلوس بين السجدتين) لقوله ﵊ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" (٧). (و) التاسع: (الطمأنينة) في كل فعل مما تقدم؛ لأمره ﷺ للمسيء في صلاته عند ذكر كل فعل منها بالطمأنينة (٨)، والطمأنينة: السكون وإن قل (٩). (و) العاشر: (التشهد الأخير) لحديث ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللَّه، السلام على فلان. فقال النبي ﷺ

стр. 255

قولوا: التحيات للَّه. . . " إلخ رواه الدارقطني والبيهقي وصححاه (١)، وفيه دلالة على فرضيته من وجهين: أحدهما قوله: "قبل أن يفرض علينا التشهد" والثاني: قوله ﵊: "قولوا" والأمر للوجوب. وقد ثبت الأمر به في "الصحيحين" -أيضًا- من قوله ﷺ : "إذا قعد أحدكم في صلاته، فليقل: التحيات للَّه. . . " الحديث متفق عليه (٢). (و) الحادي عشر: (جلسته) أي: التشهد الأخير، والتسليمتين؛ لأنه ثبت أنه ﷺ واظب عليه كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). (و) الثاني عشر: (الصلاة على النبي ﵊. (و) الثالث عشر: (التسليمتان) على الصفة التي تقدمت (٤)؛ لحديث: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٥) ويكفي في صلاة جنازة وسجود تلاوة، وشكر، وجميع النفل، تسيمة واحدة. (و) الرابع عشر: (الترتيب) بين الأركان على ما تقدم هنا، وفي صفة الصلاة، لحديث المسيء في صلاته، حيث علمه إياها مرتبة بـ "ثم" المقتضية للترتيب (٦)، وصح عنه ﷺ أنه كان يصلي كذلك، وقال: "صلوا كما

стр. 256

رأيتموني أصلي" (١). (وواجباتها) أي: الصلاة. وهو ما كان فيها؛ ليخرج الشرط. وهو القسم الثاني، وهو الذي تبطل الصلاة بتركه عمدًا لتخرج السنن، ويسجد لسهوه؛ لتخرج الأركان (ثمانية) -خبر المبتدأ-. أحدها: التكبير غير تكبير التحريمة؛ لقول أبي موسى الأشعري -مرفوعًا-: "فإذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا" رواه أحمد وغيره (٢). لغير مأموم (٣) أدرك إمامه راكعًا، فإن تكبيرته التي بعد تكبيرة الإحرام سنة. (و) الثاني: (التسميع) أي: قوله: سمع اللَّه لمن حمده، لإمام ومنفرد، دون مأموم. وتقدم (٤). (و) الثالث: (التحميد) أي: قول: ربنا ولك الحمد. للكل؛ لقوله ﵊: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" (٥). (و) الرابع: (تسبيح) أول في (ركوع). (و) الخامس: تسبيح أول في (سجود) وتقدم (٦). (و) السادس: (قول: رب اغفر لي) إذا جلس بين السجدتين (مرة مرة) في التسبيح، وفي ربِّ اغفر لي، كما

стр. 257

تقدم (١). ومحل ما تقدم من تكبير الانتقال والتسميع لإمام، ومنفرد، والتحميد لمأموم بين ابتداء انتقال وانتهائه؛ لأنه مشروع له فاختص به، وإن شرع فيه قبل شروعه في الانتقال، بأن كبر لسجود قبل هويه إليه، أو سمَّعَ قبل رفعه من ركوع لم يجزئه أو كمله بعده، وكذا سؤال المغفرة. لو شرع فيه قبل الجلوس، أو كمله بعده، وكذا تحميد إمام ومنفرد لو شرع فيه قبل اعتداله أو كمله بعد هويه منه. قال المجد: هذا قياس المذهب، ويحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز عنه يعسر والسهو به يكثر، ففي الإبطال به أو السجود له مشقة. انتهى (٢). (و) السابع: (التشهد الأول). (و) الثامن: (جلسته) للأمر به في حديث ابن عباس (٣) ومع ما تقدم (٤)؛ ولأنه ﵊ سجد لتركه (٥)، إلا من قام إمامه سهوًا، فلا يلزمه جلوس ولا تشهد، ويلزمه متابعته؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٦). والمجزئ من التشهد الأول: "التحيات للَّه، سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن

стр. 258

محمدًا عبده ورسوله" أو: "أن محمدًا رسول اللَّه". (وما عدا ذلك) المذكور من الواجبات (و) ما عدا (الشروط) فهو (سنة). وتقدم جل سنن الأقوال والأفعال في صفة الصلاة. تنبيه: لو اعتقد مصل الفرض سنة أو عكسه، أو لم يعتقد شيئًا، أو لم يعرف الشرط من الركن وأدى الصلاة على وجهها، فهي صحيحة اكتفاء بعلمه أن ذلك كله من الصلاة. (فالركن والشرط لا يسقطان سهوًا وجهلًا، ويسقط الواجب بهما) أي: بالسهو والجهل فقط دون العمل، فلا يسقط به، كما تقدم.

стр. 259

فصل (ويشرع) أي: يجب أو يسن -كما يأتي- (سجود السهو) قال في "النهاية" (١): السهو في الشيء: تركه من غير علم، وعن الشيء: تركه مع العلم به (لزبادة في الصلاة) متعلق بـ: "يشرع" (ونقص) منها سهوًا. (و) يشرع -أيضًا- سجود السهو لـ (شكٍّ) في الجملة -كما يأتي تفصيله- فلا يشرع لكل شك بل ولا لكل زيادة أو نقص كما ستقف عليه (لا في عمد) لأن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به، والشرع إنما ورد به فيه، ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد، لوجود العذر في السهو (وهو) أي: سجود السهو (واجب لما تبطل) الصلاة (بتعمده) أي: تعمد فعله، كتعمد زيادة ركن فعلي ولو قدر جلسة الاستراحة، أو تعمد تركه كترك واجب من الواجبات (و) هو (سنة لإتيان بقول مشروع في غير محله) كقراءة الفاتحة جالسًا، وقراءة التحيات قائمًا، ونحو ذلك (سهوًا) فلو تعمد ذلك، لم يسجد له، ولا تبطل بتعمده؛ لأنه قول مشروع، لكن يكره له ذلك (و) هو (مباح لترك سنة) كترك قراءة السورة مع الفاتحة في غير آخرتي الرباعيات وآخرة مغرب، وكترك الزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، وترك القنوت في الوتر، ونحو ذلك (ومحله) أي: سجود السهو (قبل السلام ندبًا إلا) في صورة واحدة، وهي (إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فـ) ـإنَّ السجود يكون (بعده ندبًا)؛ لقصة ذي اليدين (٢).

стр. 260

وكون سجود السهو قبل السلام أو بعده ندب؛ لأن الأحاديث وردت بكل من الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده، جاز (وإن سلم قبل إتمامها) أي: الصلاة (عمدًا بطلت) صلاته، لأنه تكلم فيها، والباقي منها ركن أو أكثر، وهو يبطلها تركه عمدًا (وسهوًا) لم تبطل به، وله إتمامها؛ لأنه ﵊ وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم (١)، لأن جنسه مشروع فيها أشبه الزيادة فيها من جنسها (فإن ذكره (٢) قريبًا) عرفًا، ولو خرج من المسجد، نصًّا (٣)، أو شرع في صلاة أخرى فإنه يقطع التي شرع فيها مع قرب فصل، ويعود إلى الذي ترك، و (أتمها) أي: صلاته (وسجد) لسهوه؛ لحديث عمران بن حصين قال: "سلم رسول اللَّه ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم" رواه مسلم (٤). (وإن) لم يذكر سهوه قريبًا حتى طال الزمن أو (أحْدَثَ) بطلت صلاته، لأن الحَدَثَ ينافيها، أو تكلم مطلقًا إمامًا كان أو غيره، عمدًا كان أو سهوًا أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصلحتها أو لا، في صلبها أو بعد سلامه، قبل إتمامها سهوًا بطلت؛ لحديث: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم (٥).

стр. 261

وعن الإمام أحمد: . لا تبطل بيسير كلامٍ لمصلحتها (١)، ومشى عليه في "الإقناع" (٢) لقصة ذي اليدين (٣) (أو قهقه) بعد أن سلم قبل إتمامها (بطلت كفعلهما) أي: الحدث أو القهقهة (في صلبها) أي: الصلاة، لا إن نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءته؛ لأنه مغلوب على الكلام، أشبه ما لو غلط في القرآن، فأتى بكلمة من غيره، فلا تبطل بذلك (وإن نفخ) فبان حرفان (أو انتحب (٤) لا من خشية اللَّه تعالى، أو تنحنح بلا حاجة فبان حرفان، بطلت) صلاته؛ لقول ابن عباس: "من نفخ في صلاته، فقد تكلم" رواه سعيد (٥)، وعن أبي هريرة نحوه (٦)، فإن كانت النحنحة لحاجة، لم تبطل صلاته ولو بأن حرفان. قال المروذي (٧): (كنت آتي أبا عبد اللَّه، فيتنحنح في صلاته؛ لأَعْلَمَ أنه

стр. 262

يصلي) (١) ولا تبطل إن غلبه سُعَالٌ (٢)، أو عطاس، أو تثاؤب، أو بكاءٌ، ولو بان حرفان. نص عليه في من غلبه البكاء (٣). ومصلٍّ نفلًا يجيب والديه، وتبطل به صلاته. ويجوز إخراج زوجة من نفل؛ لحق زوجها. (ومن ترك ركنًا غير التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام سهوًا، كركوع أو سجود أو غيرهما (فذكره) أي: الركن المتروك (بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى) غير التي تركه منها (بطلت) الركعة المتروك منها (وصارت) الركعة (التي شرع في قراءتها مكانها) لأنه لا يمكنه استدراك المتروك لتلبسه، بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته (وقبله) أي: قبل الشروع في قراءتها (يعود فيأتي به) أي: يلزمه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به؛ لأنه ركن لا يسقط بسهو ولا غيره، (و) يأتي (بما بعده) لأنه قد أتى به في غير محله؛ لأن محله بعد الركن المنسي. فلو ذكر الركوع وقد جلس، أتى به وبما بعده (و) إن لم يذكر ما تركه إلا (بعد السلام (٤) فـ) ـذلك (كترك ركعة) كاملة، فيأتي بركعة، ويسجد للسهو قبل السلام. نص عليه (٥) في رواية حرب (٦) إن لم يطل فصل، أو يحدث، أو يتكلم؛ لأن الركعة بترك ركنها لغت فصار وجودها كعدمها،

стр. 263

فكأنه سلم عن ترك ركعة. (وإن نهض) مصلٍّ (عن) ترك (تشهد أولٍ ناسيًا) لما تركه (لزمـ) ـه رجوعه) إليه إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا؛ ليتدارك الواجب، ويتابعه مأموم ولو اعتدل (وكره) رجوعه (إن استتم قائمًا) لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا، فلا يجلس، وليسجد سجدتين" رواه أبو داود وابن ماجه (١) وأقل أحوال النهي الكراهة. (وحرم) رجوعه (وبطلت) صلاته (إن) رجع بعد أن (شرع في القراءة) و (لا تبطل) برجوعه (إن نسي أو جهل) تحريم رجوعه؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (٢) ومتى علم تحريم ذلك وهو في التشهد، نهض ولم يتمه (ويتبع مأموم) إمامًا في قيامه ناسيًا؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣) ولما قام ﷺ عن التشهد، قام الناس معه (٤)، وفعله جماعة

стр. 264

من أصحابه (١). ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه، وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع، تشهدوا لأنفسهم ولم يتابعوه، لتركه واجبًا عمدًا، وإن رجع قبل شروعه في القراءة، لزمهم متابعته ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعدها؛ لخطئه، ويَنْوُوْنَ مفارقته. (ويجب السجود لذلك مطلقًا) أي: في جميع الصور المذكورة؛ لما تقدم من أن السجود لترك الواجب سهوًا واجب (٢). تتمة: لو أحرم بالعشاء مثلًا، ثم سلم من ركعتين، ظنًّا أنهما من التراويح، أو سلم من ركعتين من ظهر ظنًّا أنهما جمعة، أو فجرًا فاتته ثم ذكرها، أعاد فرضه ولم يَبْنِ نصًّا (٣)؛ لأنه قد قطع نية الأولى باعتقاده أنه في أخرى؛ لأن استصحاب حكم النية واجب. وسئل أحمد عن إمام صلى بقوم العصر، فظن أنها الظهر فطول القراءة، ثم ذكر، فقال: يعيد ويعيدون (٤). (ويبني على اليقين -وهو الأقل- من شك في ركن) بأن تردد في فعله وتركه، فيجعل كمن تيقن تركه؛ لأن الأصل عدمه، وكما لو شك في أصل الصلاة (أو) شك في (عدد) ركعات، فإذا شك أصلى ركعة أو ركعتين بنى على ركعة، وثنتين أو ثلاثًا، بنى على ثنتين وهكذا، إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا؟

стр. 265

فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى أربعًا كانتا ترغيمًا (١) للشيطان" رواه أحمد ومسلم، (٢)، وحديث ابن مسعود -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، وليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين" رواه الجماعة إلا الترمذي (٣)، فتحري الصواب فيه هو استعمال اليقين؛ لأنه أحوط، وجمعًا بين الأخبار. تتمة: لا يرجع مأموم ليس معه غيره إلى فعل إمامه؛ لأن قول الإمام لا يكفي في مثل ذلك، بدليل ما لو شك إمام فسبح به واحد، بل يبني على اليقين كمنفرد، ولا يفارقه قبل سلامه؛ لأنه لم يتيقن خطأه، فإذا سلم إمام، أتى مأموم بما شك فيه مع إمامه ليخرج من الصلاة بيقين وسجد للسهو وسلم، ولا يسجد إن شك في ترك واجب؛ لأنه شك في سبب وجوب (٤) السجود، والأصل عدمه، أو شك في زيادة بأن شك هل زاد ركوعًا أو سجودًا، أو شك في تشهده الأخير: هل صلى أربعًا أو خمسًا ونحوه؟ لأن الأصل عدم الزيادة إلا إن شك في الزيادة، وقت فعلها، بأن شك في سجدة وهو فيها: هل هي زائدة أم لا؟ فيسجد؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها أو زائدًا عليها، فضعفت النية، واحتاجت للجبر بالسجود.

стр. 266

ولو شك من أدرك الإمام راكعًا بعد أن أحرم معه: هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة، وسجد للسهو؛ لاحتمال أن تكون زائدة. وإن شك هل دخل مع الإمام في الركعة الأولى مثلًا أو في الثانية، جعله في الركعة الثانية؛ لأنه المتيقن، وسجد للسهو. ومن شك في عدد الركعات أو غيره فبنى على يقينه، فزال شَكُّهُ، وعلم أنه مصيب فيما فعله، لم يسجد مطلقًا (١). ومن سجد لشك ظنًّا أنه يسجد له، ثم تبين له أنه لم يكن عليه سجود لذلك الشك، سجد وجوبًا، لكونه زاد في صلاته سجدتين غير مشروعتين. وليس على مأموم دخل مع إمامه من أول الصلاة، إن سها دون إمامه، سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه، فعليه وعلى من خلفه" رواه الدارقطني (٢). ولو كان المأموم مسبوقًا، وسها الإمام فيما لم يدركه فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى مثلًا، وأدركه في الثانية أو بعدها، كفي التشهد الأخير قبل سلامه، فإنه يتابعه في السجود وجوبًا، فلو قام بعد سلام إمامه ظانًّا عدم سهوه، فسجد إمامه، رجع فسجد معه، فإن استتم قائمًا، فالأولى أن لا يرجع، كمن قام عن التشهد الأول، ولا يرجع إن شرع في القراءة، لأنه تلبس بركن مقصود، فلا يرجع إلى واجب، ويسجد إذا فرغ من قضاء ما فاته في آخر صلاته.

стр. 267

فصل في صلاة التطوع والتطوع في الأصل: فعل الطاعة (١). وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة (٢). والنفل والنافلة: الزيادة (٣)، والتنفل: التطوع (٤)، وأفضلها ما سن جماعة، فلذلك قال: (آكد صلاة تطوع) صلاة (كسوف) لأنه ﷺ فعلها، وأمر بها، في حديث أبي (٥) مسعود المتفق عليه (٦) (فاستسقاء) لأنه ﷺ كان يستسقي تارة، ويترك أخرى، بخلاف الكسوف، فلم تترك صلاته عنده فيما نقل عنه، لكن ورد ما يدل على الاعتناء بالاستسقاء، حديث أبي داود عن عائشة: "أمر بمنبر فوضع له ووعد الناس يومًا يخرجون فيه" (٧) (فتراويح) لأنها تسن في الجماعة (فوتر) لأنه يشرع له الجماعة بعد التراويح. وهو سنة مؤكدة. روي عن أحمد: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة (٨). وليس هو بواجب. قال في رواية حنبل: الوتر ليس

стр. 268

بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه (١). وذلك لحديث طلحة بن عبيد اللَّه: أن أعرابيًا قال: يا رسول اللَّه ماذا فرض اللَّه على عباده من الصلاة؟ قال: "خمس صلوات في اليوم والليلة". قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" متفق عليه (٢). وأما حديث: "الوتر حق" (٣) ونحوه (٤)، فمحمول على تأكيد استحبابه، جمعًا بين الأخبار، إلا على النبي ﷺ ، فكان الوتر واجبًا عليه، للخبر (٥) (ووقته من صلاة العشاء) ولو مع جمع تقديم في وقت المغرب (إلى الفجر) الثاني، لحديث معاذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "زادني ربي

стр. 269

صلاة، وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد (١)، ولمسلم: "أوتروا قبل أن تصبحوا" (٢) وحديث: "إن اللَّه قد أمركم بصلاة، وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فصلوها فيما بين العشاء وطلوع الفجر" رواه أبو داود وغيره (٣). والوتر آخر الليل لمن يثق بنفسه أنه يقوم أفضل، لحديث: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم (٤). (وأقله) أي: الوتر (ركعة) لحديث ابن عمر وابن عباس -مرفوعًا-: "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم (٥)، ولقوله ﵊: "من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وغيره (٦).

стр. 270

ولا يكره الوتر بركعة لما تقدم (١)، ولثبوته -أيضًا- عن عشرة من الصحابة ﵃ ومنهم: أبو بكر (٢)، وعمر (٣)، وعثمان (٤)، وعائشة (٥). (وأكثره) أي: الوتر (إحدى (٦) عشرة) ركعة (مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين (ويوتر بواحدة) لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة" (٧). وله أن يسرد عشرًا ثم يجلس، ويتشهد، ولا يسلم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهد ويسلم. نص عليه الإمام (٨)، والأولى أفضل، لأنها أكثر عملًا، لزيادة النية، والتكبير، والتسليم. وإن أوتر بتسع، تشهد بعد ثامنة ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم -كما تقدم؛ لحديث عائشة -وسئلت عن وتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: "كنا نُعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه

стр. 271

ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه" (١). وإن أوتر بسبع ركعات أو بخمس سردهن، فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث ابن عباس في صفة وتره ﷺ : "ثم توضأ، ثم صلى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم (٢). وعن أم سلمة: "كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام وكلام" رواه أحمد ومسلم (٣). (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث) ركعات (بسلامين) بأن يصلي ثنتين ويسلم، ثم ركعة ويسلم؛ لأنه أكثر عملًا، وكان ابن عمر: "يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته" (٤). ويجوز أن يصلي الثلاث بسلام واحد، قال أحمد: إن أوتر بثلاث، لم يسلم فيهن، لم يضيق عليه عندي (٥). يقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي بن كعب: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ بهن في وتره"

стр. 272

رواه أبو داود (١). (ويقنت) في الأخيرة من وتره (بعد الركوع ندبًا) لأنه صح عنه ﷺ من رواية أبي هريرة (٢)، وأنس (٣) وابن عباس (٤). وعن عمر وعلي أنهما كانا يقنتان بعد الركوع. رواه أحمد والأثرم (٥). ولو كبر ورفع يديه بعد القراءة وقنت قبل الركوع جاز -أيضًا- لحديث أُبيّ بن كعب مرفوعًا: "كان يقنت في الوتر قبل الركوع" رواه أبو داود (٦)، وعن ابن مسعود -مرفوعًا- مثله رواه أبو بكر

стр. 273

الخطيب (١). (٢) وروى الأثرم عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر، وكان إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه، ثم قنت، فيرفع يديه إلى صدره مبسوطتين وبطونهما نحو السماء" (٣) ولو كان مأمومًا؛ لحديث سلمان -مرفوعًا-: "إن اللَّه يستحي أن يبسط العبد يديه، يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" رواه الخمسة إلا النسائي (٤)، وعن مالك بن يسار -مرفوعًا-: "إذا سألتم اللَّه، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه أبو

стр. 274

داود (١). ويقول جهرًا: اللهم إنا نستعينك ونسهديك، ونستغفرك -أي نطلب منك العون والهداية والمغفرة- ونتوب إليك، ونؤمن؛ أي: نصدق بك- ونتوكل عليك -أي: نعتمد ونظهر عجزنا- ونثني عليك الخير -أي: نصفك به كله ونمدحك، والثناء في الخير خاصة، وبتقديم النون على الثاء يستعمل في الخير والشر (٢) - ونشكرك ولا نكفرك -أي لا نجحد نعمتك ونسترها لاقترانه بالشكر- اللهم إياك نعبد -قال البيضاوي (٣): العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولا يستحقها (٤) إلا اللَّه، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده لمولاه- ولك نصلي ونسجد -لا لغيرك وإليك نسعى ونحفد -بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة، أي نسرع ونبادر (٥) - نرجوا -أي نؤمل- رحمتك -أي سعة عطائك- ونخشى عذابك -أي نخافه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ (٦) - إن عذابك الجد -بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب (٧) - بالكفار ملحق -بكسر الحاء على المشهور، أي: لاحق، وبفتحها على معنى أن اللَّه يلحقه الكفار (٨).

стр. 275

قال الخلال: سألت ثعلبًا (١) عن مُلحِق ومُلحَق؟ فقال: العرب تقولهما جميعًا (٢). وهذا القنوت من أوله إلى هنا مروي عن عمر، وفي أوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وفي آخره: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" (٣) وهما سورتان في مصحف أبي. قال ابن سيرين (٤): كتبهما أبي في مصحفه (٥). إلى (٦) قول: "ملحق" زاد غير واحد: ونخلع ونترك من يكفرك (٧). (اللهم اهدني في من هديت) أي: ثبتني على الهداية أو زدني منها، وهي: الدلالة والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ

стр. 276

مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) وأما قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فهي من اللَّه التوفيق والإرشاد (٣). (وعافني في من عافيت) من الأسقام والبلايا (٤)، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك. (وتولني في من توليت) الولي: ضد العدو (٥). من تليت الشيء إذا اعتنيت به، [ونظرت فيه] (٦) كما ينظر الولي في مال اليتيم؛ لأن اللَّه ينظر في أمر وليه بالعناية، ويجوز أن يكون من: وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه تعالى حتى يصير في مقام المراقبة (٧) والمشاهدة (٨)، وذلك مقام الإحسان (٩). (وبارك لي) البركة: الزيادة أو حلول الخير الإلهي في الشيء (١٠) (فيما

стр. 277

أعطيت) أي: أنعمت به. والعطة: الهبة (١). (وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك) أي: أنه لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، ولفظه له، وتكلم فيه أبو داود، ورواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي قال: علمني النبي ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني. . . " إلى "وتعاليت" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" (٢) ورواه البيهقي وأثبتها فيه (٣) وجَمَعَ، والرواية بالإفراد، ليشارك الإمام المأموم (٤) ويعِز بكسر العين، قال بعضهم (٥): وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا ... يعزُّ يا ربِّ مَنْ عاديتَ مكْسُورا (اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك) أظهر العجز والانقطاع، وفزع إليه منه، فاستعاذ به منه.

стр. 278

(لانحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقه. (أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء، ورَدٌّ إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلًا. ورى الخمسة عن علي ﵁ أن النبي ﷺ يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ورواته ثقات (١). قال الترمذي: لا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا (٢)، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة. قال المجد: فقد صح عن عمر: "أنه كان يقنت بقدر مائة آية" (٣) (ثم يصلي على النبي ﷺ ) لحديث الحسن بن علي السابق، وفي آخره: "وصل اللَّه على محمد" رواه النسائي (٤).

стр. 279

وعن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ " رواه الترمذي (١). (ويؤمن مأموم) على قنوت إمامه إن سمعه؛ لحديث ابن عباس (٢) (ويجمع إمام الضمير) فيقول: اللهم إنا نستعينك، اللهم اهدنا. . . إلخ، ويفرد منفرد كما تقدم (٣) (ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقًا) في الوتر وغيره، كخارج الصلاة، لعموم حديث عمر: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي (٤)، ولقوله ﵊ في حديث ابن عباس: "فإذا فرغت فامسح بهما وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه (٥).

стр. 280

ويرفع يديه إذا أراد السجود نصًّا، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة، ذكره القاضي (١). وكره قنوت في غير وتر حتى فجر، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء (٢)، لحديث مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: "أي بني مُحْدَث" قال الترمذي: حسن صحيح. رواه أحمد وابن ماجه والنسائي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (٣). وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" رواه الدارقطني (٤). وأما حديث أنس: "ما زال رسول اللَّه ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه أحمد وغيره (٥)، ففيه. . . . . . . .

стр. 281

مقال (١)، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا (٢). فإن نزل بالمسلمين نازلة سوى الطاعون فيسن أن يقنت إمام الوقت خاصة، وهو الإمام الأعظم، واختار جماعة: أو نائبه (٣)، في جميع الصلوات سوى الجمعة، فيكفي الدعاء في آخر الخطبة، ويجهر بالقنوت في صلاة جهرية. وأما الطاعون فلا يقنت لنزوله، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس (٤) ولا غيره، ولأنه شهادة (٥) فلا يسأل رفعه.

стр. 282

تتمة: من ائتم بمن يرى القنوت في فجر تابعه؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (١) وأمَّن لدعائه إن سمعه، وإلا قرأ الفاتحة أو سورة -إن كان قد قرأ الفاتحة- إن كان القنوت قبل الركوع، فإن كان بعده لم يقرأ، ويؤمِّن إن سمع قنوت إمامه، وإلا سكت. (و) صلاة (التراويح) سنة مؤكدة، سميت بذلك لأنهم كانوا يصلون أربعًا ويتروحون ساعة -أي يستريحون- (٢) وهي (عشرون ركعة برمضان) لحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" بإسناده (٣). وعن يزيد بن رومان: "كان الناس في زمن عمر بن الخطاب -رضي

стр. 283

اللَّه عنه- يتروحون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة" رواه مالك (١)، ولعل من زاد على ذاك فعله زيادة تطوع. وفي الصحيحين من حديث عائشة: "أنه ﷺ صلاها ليالي، فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" (٢). وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح (٣). ويسلم من كل اثنتين ندبًا، بنية أول كل ركعتين، لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٤) فينوي أنهما من التراويح، أو من قيام رمضان. ويستراح بين كل أربع ركعات (٥) بلا دعاء، ولا بأس بزيادة على العشرين، ولا بالدعاء بعدها، ولا بالطواف في خلالها، ولا بالتعقيب بعدها وبعد وتر -وهو التطوع في جماعة- سواء طال الفصل أم لا (٦). فتسن التراويح (و) يسن (الوتر معها جماعة) لحديث أبي ذر أن النبي

стр. 284

- ﷺ جمع أهله وأصحابه، وقال: "إن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" رواه أحمد والترمذي (١)، ومعلوم أن الإمام لا ينصرف حتى يوتر. (ووقتها) أي: التراويح (بين سُنَّةِ عشاء ووتر) لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فإتباعها بها أولى وأشبه، والتراويح لا يكره مدها وتأخيرها بعد نصف الليل، فهي بالوتر أشبه، فلا تصح قبل العشاء، وله فعلها بعد العشاء قبل سنتها، لكن الأفضل بعدها. والتراويح بمسجد أفضل منها ببيت، لأنه ﷺ جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية كما روته عائشة (٢)، وكان أصحابه يفعلونه في المسجد أوزاعًا في جماعة متفرقة في عهده عن علم منه بذلك وإقرار عليه (٣)، ولم يداوم عليها خشية أن تفرض (٤)، وقد أمن ذلك بموته ﷺ . والأفضل لمن له تهجد أن يوتر بعده، لحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه (٥). وإن أحب متابعة إمامه قام إذا سلم إمامه من وتره فشفعها بأخرى،

стр. 285

ثم يوتر بعد تهجده، وإن أوتر ثم أراد التهجد صلى ولم ينقضه، ولم يوتر بعده، لحديث: "لا وتران في ليلة" رواه أحمد وأبو داود (١). وصح أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين (٢)، وسئلت عائشة عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد وغيره (٣). (ثم الراتبة) وهي السنن التي تفعل مع الفرائض، وهي عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لحديث ابن عمر: حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات في بيته، "ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،
следующие страницы →