← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مقال (١)، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا (٢). فإن نزل بالمسلمين نازلة سوى الطاعون فيسن أن يقنت إمام الوقت خاصة، وهو الإمام الأعظم، واختار جماعة: أو نائبه (٣)، في جميع الصلوات سوى الجمعة، فيكفي الدعاء في آخر الخطبة، ويجهر بالقنوت في صلاة جهرية. وأما الطاعون فلا يقنت لنزوله، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس (٤) ولا غيره، ولأنه شهادة (٥) فلا يسأل رفعه.

стр. 282

تتمة: من ائتم بمن يرى القنوت في فجر تابعه؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (١) وأمَّن لدعائه إن سمعه، وإلا قرأ الفاتحة أو سورة -إن كان قد قرأ الفاتحة- إن كان القنوت قبل الركوع، فإن كان بعده لم يقرأ، ويؤمِّن إن سمع قنوت إمامه، وإلا سكت. (و) صلاة (التراويح) سنة مؤكدة، سميت بذلك لأنهم كانوا يصلون أربعًا ويتروحون ساعة -أي يستريحون- (٢) وهي (عشرون ركعة برمضان) لحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" بإسناده (٣). وعن يزيد بن رومان: "كان الناس في زمن عمر بن الخطاب -رضي

стр. 283

اللَّه عنه- يتروحون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة" رواه مالك (١)، ولعل من زاد على ذاك فعله زيادة تطوع. وفي الصحيحين من حديث عائشة: "أنه ﷺ صلاها ليالي، فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" (٢). وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح (٣). ويسلم من كل اثنتين ندبًا، بنية أول كل ركعتين، لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٤) فينوي أنهما من التراويح، أو من قيام رمضان. ويستراح بين كل أربع ركعات (٥) بلا دعاء، ولا بأس بزيادة على العشرين، ولا بالدعاء بعدها، ولا بالطواف في خلالها، ولا بالتعقيب بعدها وبعد وتر -وهو التطوع في جماعة- سواء طال الفصل أم لا (٦). فتسن التراويح (و) يسن (الوتر معها جماعة) لحديث أبي ذر أن النبي

стр. 284

- ﷺ جمع أهله وأصحابه، وقال: "إن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" رواه أحمد والترمذي (١)، ومعلوم أن الإمام لا ينصرف حتى يوتر. (ووقتها) أي: التراويح (بين سُنَّةِ عشاء ووتر) لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فإتباعها بها أولى وأشبه، والتراويح لا يكره مدها وتأخيرها بعد نصف الليل، فهي بالوتر أشبه، فلا تصح قبل العشاء، وله فعلها بعد العشاء قبل سنتها، لكن الأفضل بعدها. والتراويح بمسجد أفضل منها ببيت، لأنه ﷺ جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية كما روته عائشة (٢)، وكان أصحابه يفعلونه في المسجد أوزاعًا في جماعة متفرقة في عهده عن علم منه بذلك وإقرار عليه (٣)، ولم يداوم عليها خشية أن تفرض (٤)، وقد أمن ذلك بموته ﷺ . والأفضل لمن له تهجد أن يوتر بعده، لحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه (٥). وإن أحب متابعة إمامه قام إذا سلم إمامه من وتره فشفعها بأخرى،

стр. 285

ثم يوتر بعد تهجده، وإن أوتر ثم أراد التهجد صلى ولم ينقضه، ولم يوتر بعده، لحديث: "لا وتران في ليلة" رواه أحمد وأبو داود (١). وصح أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين (٢)، وسئلت عائشة عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد وغيره (٣). (ثم الراتبة) وهي السنن التي تفعل مع الفرائض، وهي عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لحديث ابن عمر: حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات في بيته، "ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،

стр. 286

وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح" وكانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها. حدثتني حفصة أنه: "كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين" متفق عليه (١)، وللترمذي مثله عن عائشة -مرفوعًا-، وقال: صحيح (٢). وآكد الرواتب ركعتا الفجر، فلذلك قال: (وهما آكدها) لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه (٣)، وقال ﷺ : "صلوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" رواه أحمد وأبو داود (٤). وسن تخفيفهما، وأن يقرأ فيهما بعد الفاتحة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٥) الآية، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية (٦). (٧) وسن اضطجاع بعدها على جنبه الأيمن قبل صلاة الفرض، لقول

стр. 287

عائشة: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع" وفي رواية: "إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع" متفق عليه (١). ثم يلي سنة فجر في الأفضلية سنة مغرب؛ لحديث أحمد عن عبيد مولى رسول اللَّه ﷺ قال: سُئل: أكان رسول اللَّه ﷺ يأمر بصلاة بعد المكتوبة سوى المكتوبة؟ قال: نعم بين المغرب والعشاء (٢) ويقرأ فيهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣). ثم بقية الرواتب في الأفضلية سواء. وهذه الرواتب العشر يكره تركها، وتسقط عدالة من داوم على تركها، قال أحمد: لا يداوم على تركها إلا رجل سوء (٤)، ولا يُمنع من فعلها مع الفرض زوجة ولا ولد ولا عبد ولا أجير. والسنن غير الرواتب عشرون ركعة: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، لحديث أم حبيبة: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه اللَّه على

стр. 288

النار" صححه الترمذي (١)، ولحديث علي في صفة صلاته ﷺ ذكر فيه "أنه كان يصلي أربعًا قبل العصر" رواه ابن ماجه (٢)، وحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيهن بسوء عُدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة" رواه الترمذي. وفي إسناده عمرو بن أبي خثعم، ضعفه البخاري (٣)، وعن عائشة: "ما صلى رسول اللَّه ﷺ العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات" رواه أبو داود (٤). وفعل السنن كلها ببيت أفضل من فعلها بالمسجد؛ لحديث: "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" رواه مسلم (٥)، لكن ما شرع له جماعة مستثنى، قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى": وكذا ينبغي أن يستثنى نفل المعتكف. انتهى (٦). وسن فصل بين فرض وسنة -قبلية كانت أو بعدية- بكلام أو قيام، لقول معاوية: "إن النبي ﷺ أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة حتى نخرج أو

стр. 289

نتكلم" رواه مسلم (١). وتجزئ سنة صلاة عن تحية مسجد لا عكسه، فلا تجزئ تحية عن سنة، لأنه لم ينوها بخلاف التحية، لأن القصد منها أن يبدأ الداخل بالصلاة وقد وجد، وإن نوى بركعتين التحية والسنة حصلا، أو نوى بصلاة التحية والفرض حصلا، كما لو اغتسل ينوي الجنابة والجمعة، ولا تحصل تحية بركعة، ولا بصلاة جنازة، وسجود تلاوة وشكر. (وتسن صلاة الليل بتأكد) لحديث: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، وتكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" رواه الحاكم وصححه، وقال: على شرط البخاري (٢) (وهي أفضل من صلاة النهار) في النفل المطلق، لحديث مسلم عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (٣) ولأنها أبعد عن الرياء، وأشق على النفس، ولأن الليل محل الغفلة، وعمل السر أفضل من عمل العلانية، وفيه ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه. ونصفه الأخير أفضل من الأول، لحديث مسلم: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه. . . إلخ" (٤) قال ابن حبان في صحيحه: يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا وفي بعضها هكذا (٥).

стр. 290

ونصفه الأخير أفضل من ثلثه الأوسط، والثلث بعد النصف أفضل مطلقًا، نصًّا (١)، لحديث: "أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" (٢). وفي حديث ابن عباس في صفة تهجده ﷺ : "أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ" فوصف تهجده، قال: "ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن" (٣). ويسن افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٤). ويسن نيته عند النوم، لحديث أبي الدرداء -مرفوعًا-: "من نام ونيته أن يقوم كتب له ما نوى، وكان نومه عليه صدقة" حديث حسن، رواه أبو داود والنسائي (٥). وكان قيام الليل واجبًا على النبي ﷺ ولم ينسخ (٦).

стр. 291

ووقت قيام الليل من الغروب إلى طلوع الفجر الثاني. ولا يقوم الليل كله، لحديث عائشة: "ما علمت رسول اللَّه ﷺ قام ليلة حتى الصباح" (١) وظاهره حتى ليالي العشر الأخيرة من رمضان، واستحبه الشيخ تقي الدين، وقال: قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة (٢). ويستحب إحياء ليلتي العيدين، قال الشيخ منصور: وفي معناهما ليلة النصف من شعبان، للخبر (٣).

стр. 292

وصلاة ليل ونهار مثنى، فيسلم من كل ركعتين، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "صلاة الليل والنهار مثنى" رواه الخمسة (١)، واحتج به الإمام أحمد (٢)، ولا يعارضه حديث: "صلاة الليل مثنى" متفق عليه (٣)، لأنه وقع جوابًا لسؤال سائل عنه. وإن تطوع نهارًا بأربع فلا بأس، حديث أبي أيوب -مرفوعًا-: "كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" رواه أبو داود وابن ماجه (٤).

стр. 293

وكون الأربع بتشهدين كالظهر أولى من كونها سردًا، لأنه أكثر عملًا، يقرأ في كل ركعة من الأربع سورة مع الفاتحة، كسائر التطوعات. وإن زاد على أربع نهارًا أو ثنتين ليلًا، ولو جاوز ثمانيًا صح ذلك، لأنه ﷺ قد صلى الوتر خمسًا وسبعًا وتسعأ بسلام واحد (١)، وهو تطوع فألحق به سائر التطوعات. وعن أم هانئ -مرفوعًا-: "صلى يوم الفتح الضحى ثماني ركعات، لم يفصل بينهن" (٢) ولا ينافيه ما روي عنها -أيضًا-: "أنه سلم من كل ركعتين" (٣) لإمكان التعدد. وكره الزيادة على الأربع نهارًا، والثمان ليلًا، للاختلاف فيه (٤). قال

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 295

الشيخ منصور: قلت إلا في الوتر والضحى لوروده (١). ويصح التطوع بركعة أو نحوها، قياسًا على الوتر، قال في "الإقناع" (٢): مع الكراهة (٣). ولا تصح صلاة مضطجع غير معذور، ولو في نفل، لأنه لم ينقل. وأجر صلاة قاعد نصف أجر صلاة قائم، لحديث: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم" متفق عليه (٤)، إلا المعذور فأجره قاعدًا كأجره قائمًا للعذر. وسن تربع مصل جالسًا بمحل قيام لحديث عائشة: "رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا" رواه النسائي وغيره (٥).

стр. 296

ويسن له ثني رجليه في حال ركوعه وسجوده، رُويَ ذلك عن أنس (١)، وهو مخير في الركوع إن شاء من قيام وإن شاء من قعود، لأنه ﵊ فعل الأمرين (٢). وكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام، في غير ما ورد عن النبي ﷺ تطويله، كصلاة كسوف؛ لحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٣) وأمر النبي ﷺ بالاستكثار من السجود في غير حديث (٤)،

стр. 297

ولأنه في نفسه أفضل وآكد، لأنه مجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحال إلا للَّه تعالى، بخلاف القيام. والتطوع سرًّا أفضل. ولا بأس بالجماعة في النفل، إلا أن يتخذ عادة وسنة، قاله المجد وغيره (١). وتسن صلاة الضحى، حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وغيرهما (٢)، غِبًا، بأن يصليها في بعض الأيام دون بعض، لحديث أبي سعيد الخدري: "كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها" رواه أحمد، والترمذي، وقال: حسن غريب (٣). ولأنها دون الفرائض والسنن المؤكدة فلا تُشَبَّهُ بهما، وأقلها ركعتان، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلاها دونهما، وفي حديث أبي هريرة: "وركعتي الضحى" (٤) وصلاها ﷺ أربعًا، كما في حديث عائشة. رواه أحمد ومسلم (٥)، وستًّا، كما في حديث جابر بن عبد اللَّه. رواه البخاري في

стр. 298

"تاريخه" (١). وأكثرها ثمان، لحديث أم هانئ: "أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" (٢). ووقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح؛ لحديث: "قال اللَّه : ابن آدم، اركع أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٣)، إلى قبيل الزوال، وأفضله إذا اشتد الحر، لحديث: "صلاة الأوَّابين حين ترمض الفصال" رواه مسلم (٤). وتسن صلاة الاستخارة، ولو في خير: كحج، وعمرة، ونكاح، وتجارة، وغير ذلك؛ لحديث جابر: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري. -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري. -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به"

стр. 299

ويسمي حاجته، رواه البخاري (١). ويقول مع العافية، ولا يكون وقت الاستخارة عازمًا على الأمر ولا على عدمه، فإنه خيانة في التوكل (٢)، ثم يستشير من يثق به، فإذا ظهرت المصلحة في شيء فعله، فينجح مطلوبه -إن شاء اللَّه تعالى-. وتسن صلاة الحاجة إلى اللَّه تعالى أو إلى آدمي؛ لحديث عبد اللَّه بن أبي أوفى-مرفوعًا-: "من كان له حاجة إلى اللَّه ، أو إلى أحدٍ من بني آدم، فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصلي ركعتين، ثم ليثن على اللَّه تعالى، وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، لا إله إلا اللَّه العلي العظيم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها، يا أرحم الراحمين" رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب (٣). وتسن صلاة التوبة؛ لحديث: "ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر اللَّه، إلا غفر له، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) إلى آخر الآية رواه أبو داود، والترمذي

стр. 300

وحسنه، وفي إسناده مقال (١). وتسن الصلاة عقب الوضوء؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" فقال: ما عملت عملًا أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب اللَّه لي أن أصلي" متفق عليه، ولفظه للبخاري (٢). (و) يسن (سجود تلاوة) لقوله : ﴿نَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾ (٣) وحديث ابن عمر: "كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته" ولمسلم "في غير صلاة" (٤). وليس بواجب؛ لحديث زيد بن ثابت "قرأت على النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها" رواه الجماعة (٥)، وللدارقطني "فلم يسجد منا

стр. 301

أحد" (١) وروى البخاري: أن عمر قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة، نزل فسجد فسجد الناس. حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: "يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه" ولم يسجد عمر. ورواه مالك في "الموطأ" وقال فيه: "إن اللَّه لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا" (٢) وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكروا، فكان إجماعًا (٣)، والأمر به محمول على الندب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ (٤) المراد به التزام السجود واعتقاده، فإن فعله ليس شرطًا في الإيمان. إجماعًا (٥)؛ ولذلك قرنه بالتسبيح. ويكرر السجود بتكرار التلاوة؛ لأنها سببه فتكرر بتكرُّرها، كركعتي الطواف، ويسن السجود لها مع قصر فصل بين التلاوة أو الاستماع وبين السجود، حتى في طواف، ويتيمم محدث للسجود بشرطه، وهو تعذر الماء لعدم أو ضرر باستعماله، بخلاف الوضوء فلا يسجد بعده لطول الفصل بينه بين التلاوة لقارئ ومستمع لآية السجدة، لما تقدم. ولا يسن السجود لسامع من غير قصد الاستماع، روي عن عثمان، وابن عباس، وعمران بن حصين. قال عثمان: "إنما السجدة على من استمع" وقال ابن مسعود وعمران: "ما جلسنا

стр. 302

لها" (١) وما روفي عن ابن عمر: "إنما السجدة على من سمعها" (٢) محمول على ما إذا قصد، ويعتبر لاستحباب السجود لمستمع كون القارئ يصلح إمامًا له، ولو في نفل، فلا يسجد مستمع إن لم يسجد قارئ، ولا أمامه، ولا عن يساره مع خلو يمينه، ولا خلفه إذا كان فذًّا، لعدم صحة الائتمام به إذًا. ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى، ويسجد لتلاوة أُمِّيٍّ، وزَمنٍ (٣)، ومميز لصحة إمامته في النفل. والسجدات أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف (٤)، وفي الرعد عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٥)، وفي النحل عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)، وفي الإسراء عند: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٧)، وفي مريم عند:

стр. 303

﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١)، وفي الحج ثنتان، الأولى عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢) والثانية عند ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وفي الفرقان عند: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٤)، وفي النمل عند: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥)، وفي الم السجدة ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦)، وفي فصلت: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧)، وفي آخر النجم (٨)، وفي الانشقاق ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٩)، وآخر اقرأ (١٠). (ويكبر) في سجود التلاوة تكبيرتين، سواء كان في الصلاة أو خارجها، تكبيرة (إذا سجد و) تكبيرة (إذا رفع) كسجود صلب الصلاة والسهو (ويجلس) خارج الصلاة بعد رفعه ليسلم جالسًا (ويسلم) وجوبًا، فيبطل بتركه عمدًا وسهوًا، لعموم حديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (١١) ولا يتشهد؛ لأنه لم ينقل فيه، ويرفع يديه إذا أراد السجود ندبًا، ولو في صلاة، نصًّا (١٢). وكره جمع آيات السجود في وقت؛ ليسجد لها. (وكره لإمام قراءتها) (١) أي: آية السجدة (في) صلاة (سرية) كظهر

стр. 304

وعصر؛ لأنه إن سجد لها خلط على المأمومين، وإلا ترك السنة. (و) كره (سجوده) أي: الإمام (لها) أي: التلاوة، في صلاة سر؛ لما فيه من التخليط على من معه، وردّه في "المغني" لفعله ﷺ (١). (وعلى مأموم) أي: يلزمه (متابعته) أي: الإمام، في سجود تلاوة (في غيرها) أي: السرية (٢)، لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣) وأما صلاة السر فإن المأموم (٤) ليس فيها بتال ولا مستمع، بخلاف الجهرية. وسجود تلاوة عن قيام أفضل، تشبيهًا له بصلاة النفل، و [قد] (٥) روى إسحاق عن عائشة ﵂ "أنها كانت تقرأ في المصحف فإذا انتهت إلى السجدة قامت فسجدت" (٦). والتسليمة الأولى ركن، وتجزئ نصًّا (٧). تتمة: يجوز للمستمع إذا سجد أن يرفع قبل القارئ في غير الصلاة، لأنه ليس إمامًا له حقيقة، بل بمنزلته. (و) يسن (سجود شكر) اللَّه تعالى (عند تجدد نعم و) عند (اندفاع نقم)

стр. 305

مطلقًا، لحديث أبي بكرة: "أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسر به، خر ساجدًا" رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما (١)، وعلم من قوله: تجدد نعم، أنه لا يسجد لدوامها، لأنه لا ينقطع (وتبطل به) أي سجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) وأما الجاهل والناسي فلا تبطل صلاتهما به، كما لو زاد فيها سجودًا كذلك (وهو كسجود تلاوة) في صفته وأحكامه، فيكبر إذا سجد وإذا رفع، ويقول فيه: سبحان ربي الأعلى، ويجلس إذا رفع، ويسلم. ويستحب سجود شكر -أيضًا- عند رؤية مبتلى في دينه أو بدنه، لكن إن كان في بدنه فلا يسجد بحضوره (٢). فائدة: تباح قراءة القرآن في الطريق، لما روي عن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق" (٣) وتباح -أيضًا- قائمًا

стр. 306

وقاعدًا ومضطجعًا وراكبًا وماشيًا، ومع حدث أصغر، ونجاسة بدن وثوب حتى فم، لأنه لا دليل على المنع. وحفظ القرآن فرض كفاية إجماعًا (١)، ويبدأ الرجل ابنه بالقرآن ليتعود القراءة، ويعلمه إياه كله، إلا أن يعسر عليه حفظه كله فما تيسر منه. ويتعين حفظ ما يجب في صلاة، وهو الفاتحة فقط على المذهب، ثم يتعلم من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه وجوبًا. وتسن القراءة في المصحف لاشتغال حاسة البصر بالعبادة، وكان الإمام أحمد لا يكاد يترك القراءة فيه كل يوم سبعًا (٢). ويسن الختم كل أسبوع مرة، لقوله ﷺ لابن عمرو: "اقرأ القرآن في كل سبع، ولا تزد على ذلك" (٣) ولا بأس به كل ثلاث، لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رسول اللَّه إن لي قوة. قال: "اقرأه في ثلاث" رواه أبو داود (٤)، ولا بأس به فيما دون ذلك أحيانًا (٥)، وفي الأزمنة والأمكنة الفاضلة، كفي رمضان، خصوصًا أوتار عشره الأخيرة، وفي مكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب إكثار القراءة إذن، اغتنامًا للزمان والمكان.

стр. 307

وقال بعضهم (١): يقدر بالنشاط وعدم المشقة، لأن عثمان كان يختمه في ليلة، وكذلك تميم الداري، وسعيد بن جبير، ومجاهد (٢)، والشافعي (٣)، وغيرهم، وختم سليم (٤) قاضي مصر في خلافة معاوية ﵁ ثلاث ختمات (٥)، وقال الصالح الإمام [أبو عبد الرحمن السلمي] (٦) ﵀ (٧): سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي (٨) يقول: كان

стр. 308

ابن الكاتب (١) -رحمه اللَّه تعالى- يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات. هذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة، انتهى من كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" (٢) للإمام محى الدين النواوي -رحمه اللَّه تعالى-. وكره تأخير ختم فوق أربعين يومًا، لأن تأخيره أكثر يفضي إلى نسيانه والتهاون به، قال أحمد: ما أشد ما جاء في من حفظه ثم نسيه (٣). وقال في "التبيان" (٤) -أيضًا-: ومن آداب حامل القرآن أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالًا للقرآن، وأن يكون متصونًا (٥) عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعًا على الجفاة والجبابرة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا (٦) الخيرات، لا تكونوا عيالًا على الناس" (٧). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "ينبغي لحامل القرآن أن

стр. 309

يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفرطون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون" (١). وعن الفضيل بن عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم. وعنه -أيضًا-: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيمًا لحق القرآن (٢). انتهى. فائدة: ينبغي للقارئ إذا أراد القراءة أن يكون على طهارة، ويراعي الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضر في قلبه أن يناجي اللَّه تعالى، ويقرأ على حال من يرى اللَّه تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن اللَّه تعالى يراه. ويستحب له أن يستقبل القبلة، فقد جاء في الحديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٣) ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، كجلوسه بين يدي معلمه. فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ، فقال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والترتيل، وإذا مر بآية رحمة سأل اللَّه تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ باللَّه من غضبه وعذابه، وإذا مر بآية تنزيه نزهه سبحانه

стр. 310

وتعالى، ونحو ذلك. فإن قطع القراءة قطع ترك وإهمال أعاد التعوذ إذا رجع إليها، وإن قطعها لعذر عازمًا على إتمامها إذا زال، كرد سلام وإجابة سائل ونحو ذلك؛ كفاه التعوذ الأول. ويختم في الشتاء أول الليل لطوله، وفي الصيف أول النهار لذلك، روي عن ابن المبارك (١)، وكان يعجب أحمد (٢)؛ لا روى طلحة بن مصرف قال: أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم أول الليل وأول النهار يقولون: إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يصحي، وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، ورواه الدارمي (٣) عن سعد بن أبي وقاص بإسناد حسن (٤). ويجمع أهله وولده عند الختم، رجاء عود نفع ذلك وثوابه إليهم، وعن ابن عباس: أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس، فيشهد ذلك (٥). وروى ابن أبي داود (٦) بإسنادين صحيحين عن قتادة عن أنس: "كان

стр. 311

أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا" (١). ويستحب إذا فرغ من الختم أن يشرع في أخرى، لحديث أنس: "خير الأعمال: الحلُّ والرِّحله" قيل: وما هما؟ قال: "افتتاح القرآن وختمه" (٢). ويدعو بعد الختم نصًّا (٣)؛ لما روى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال: "من قرأ القرآن ثم دعا أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك" (٤). وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر من ذلك.

стр. 312

ويستحب أن يكبر من غير تهليل ولا تحميد لختمه كل سورة من آخر الضحى إلى آخره، لأنه روي عن أبي بن كعب: "أنه قرأ على النبي ﷺ فأمره بذلك" رواه القاضي في "الجامع" بإسناده (١). ولا يكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمس آيات من أول سورة البقرة عقب الختم، لأنه لم يبلغ فيه أثر صحيح. وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره (٢). وتكره القراءة في المواضع القذرة، وفي حال خروج الريح، فإذا خرجت أمسك عن القراءة حتى تنقضي.

стр. 313

ويستحب الاستماع للقرآن والإنصات له، لأنه يشارك القارئ في أجره. ويكره الحديث عنده بما لا فائدة فيه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (١). وكره أحمد السرعة في القراءة (٢)، وتأوله القاضي: إذا لم يبين الحروف (٣)، وتركها أكمل لما تقدم. وحكى الشيخ عن أكثر أهل العلم أن قراءة الإدارة حسنة، كالقراءة مجتمعين بصوت واحد (٤). ولو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه: وأي لشيء أحسن منه؟ (٥) وكره أحمد والأصحاب قراءة الألحان، وقال: هي بدعة (٦)، فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفًا، حرم. ولا يكره الترجيع (٧) وتحسين القرآن، بل ذلك مستحب، لحديث أبي

стр. 314

هريرة: "ما أذن اللَّه لشيء كإذنه لنبيٍ يتغنى بالقرآن يجهر به" رواه البخاري (١)، وقال ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (٢). ويكره رفع الصوت بقراءة تغلط المصلين.

стр. 315

فصل في أوقات النهي (وأوقات النهي) عن الصلاة فيها (خمسة): أحدها: (من طلوع فجر ثان إلى طلوع الشمس)، لحديث: "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" (١) احتج به أحمد، ورواه هو وأبو داود، من رواية ابن (٢) عمر (٣)، ولا يعارضه حديث [أبي] (٤) سعيد وغيره. ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (٥)، لأنه دليل خطاب، فالمنطوق (٦) أولى منه. (و) الثاني: (من صلاة العصر) تامة ولو كانت مجموعة مع الظهر وقت الظهر (إلى) الأخذ في (الغروب)، فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وإن صلى غيره، وكذا لو أحرم بها، ثم قطعها أو قلبها نفلًا، ومن صلاها فليس له التنفل وإن صلى وحده، لحديث أبي سعيد وغيره: "لا صلاة بعد صلاة

стр. 316

العصر حتى تغرب الشمس" (١) وتفعل سنة ظهر بعدها، ولو في جمع تأخير، لحديث أم سلمة المتفق عليه (٢)، لكن ليس فيه أنه كان جمع، فلذلك صحح الشارح أن الراتبة تقضى بعد العصر (٣). (و) الثالث: (عند طلوعها) أي الشمس (إلى ارتفاعها) لحديث أبي سعيد: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس" متفق عليه (٤)، وأول هذا الوقت ظهور شيء من قرص الشمس، ويستمر إلى ارتفاعها (قدر رمح) في رأى العين. (و) الرابع: (عند قيامها حتى تزول). (و) الخامس: (عند غروبها حتى يتم)، لحديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع (٥)، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف (٦) للغروب -يعني تميل- حتى تغرب" رواه مسلم (٧). (فيحرم ابتداءُ نفل فيها) -أي الأوقات الخمسة- حتى صلاة على قبر

стр. 317

وعلى ميت غائب (مطلقًا) سواء كان عالمًا بالتحريم أو جاهلًا به، أو بكونه وقت النهي، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وظاهره أنه لا يبطل تطوع ابتدأه قبله بدخوله، لكن يأثم بإتمامه حتى ماله سبب: كسجود تلاوة، وشكر، وصلاة كسوف، وقضاء سنة راتبة، وتحية مسجد، أو سنة وضوء، لعموم ما سبق (١)، و (لا) يحرم (قضاء فرض) أو فرائض، لعموم حديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه (٢)، ولحديث: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" متفق عليه (٣). (و) لا يحرم (فعل ركعتي طواف) باليت الحرام في الأوقات الخمسة لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الأثرم، والترمذي وصححه (٤)، ولأنهما تبع له، وهو جائز كل وقت. (و) يجوز (إعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد)، لحديث أبي ذر

стр. 318

مرفوعًا: "صلِّ الصلاة فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي" رواه أحمد، ومسلم، وابن حبان، والحاكم (١)، ولتأكدها للخلاف في وجوبها (٢)، فإن لم يكن في المسجد لم يستحب له الدخول ليعيدها فيه (و) لا تحرم (سنة فجر أداءً قبله) (٣) -أي قبل صلاة فجرٍ- فلا تجوز بعدها حتى ترتفع الشمس قيد (٤) رمح. (و) تحرم (صلاة جنازة بعد فجر وعصر)، لحديث عقبة بن عامر (٥) وذكره للصلاة مقرونًا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة، ولأنها تشبه النوافل لكونها من غير الخمس، وأبيحت في الوقتين الطويلين لطول مدتهما، فالانتظار يخاف منه عليها، وإن خيف عليها في الأوقات القصيرة صلى عليها للعذر. ولا تحرم تحية مسجد حال خطبة جمعة مطلقًا، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "نهي عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود (٦).

стр. 319

فصل في صلاة الجماعة وأحكامها وما يبيح تركها وما يتعلق بذلك (تجب الجماعة للـ) ـصلوات الى (خمس) الواجبات على الأعيان لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف فمع الأمن أولى، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (٢) متفق عليه، ولقوله ﷺ لما استأذنه أعمى لا قائد له أن يصلي في بيته: "هل تسمع النداء؟ فقال: نعم. قال: فأجب" رواه مسلم (٣). وعن ابن مسعود قال: "لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى (٤) بين الرجلين، حتى يقام في الصف" رواه الجماعة، إلا البخاري (٥)، والترمذي، (على الرجال) لا

стр. 320

النساء ولا الخناثى متعلق بـ: تَجِبْ. (الأحرار) دون العبيد والمبعضين (القادرين) دون ذوي الأعذار حتى في السفر وفي شدة الخوف، لعموم الآية السابقة. وليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، نصًّا (١)، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٢) رواه الجماعة، إلا النسائي، وأبا داود، ولا يصح حمله على المعذور، لأنه يكتب له من الأجر ما كان يفعله لولا العذر، للخبر (٣)، فتصح الصلاة من منفرد لا عذر له، ويأثم. وفيها فضل لما تقدم (٤)، ولا ينقص أجر المصلي منفردًا لعذر كما سبق (٥). وتنعقد الجماعة باثنين فأكثر، لحديث أبي موسى مرفوعًا: "الاثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ماجه (٦)، وقوله ﷺ لمالك بن الحويرث:
следующие страницы →