← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

العصر حتى تغرب الشمس" (١) وتفعل سنة ظهر بعدها، ولو في جمع تأخير، لحديث أم سلمة المتفق عليه (٢)، لكن ليس فيه أنه كان جمع، فلذلك صحح الشارح أن الراتبة تقضى بعد العصر (٣). (و) الثالث: (عند طلوعها) أي الشمس (إلى ارتفاعها) لحديث أبي سعيد: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس" متفق عليه (٤)، وأول هذا الوقت ظهور شيء من قرص الشمس، ويستمر إلى ارتفاعها (قدر رمح) في رأى العين. (و) الرابع: (عند قيامها حتى تزول). (و) الخامس: (عند غروبها حتى يتم)، لحديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع (٥)، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف (٦) للغروب -يعني تميل- حتى تغرب" رواه مسلم (٧). (فيحرم ابتداءُ نفل فيها) -أي الأوقات الخمسة- حتى صلاة على قبر

стр. 317

وعلى ميت غائب (مطلقًا) سواء كان عالمًا بالتحريم أو جاهلًا به، أو بكونه وقت النهي، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وظاهره أنه لا يبطل تطوع ابتدأه قبله بدخوله، لكن يأثم بإتمامه حتى ماله سبب: كسجود تلاوة، وشكر، وصلاة كسوف، وقضاء سنة راتبة، وتحية مسجد، أو سنة وضوء، لعموم ما سبق (١)، و (لا) يحرم (قضاء فرض) أو فرائض، لعموم حديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه (٢)، ولحديث: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" متفق عليه (٣). (و) لا يحرم (فعل ركعتي طواف) باليت الحرام في الأوقات الخمسة لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الأثرم، والترمذي وصححه (٤)، ولأنهما تبع له، وهو جائز كل وقت. (و) يجوز (إعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد)، لحديث أبي ذر

стр. 318

مرفوعًا: "صلِّ الصلاة فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي" رواه أحمد، ومسلم، وابن حبان، والحاكم (١)، ولتأكدها للخلاف في وجوبها (٢)، فإن لم يكن في المسجد لم يستحب له الدخول ليعيدها فيه (و) لا تحرم (سنة فجر أداءً قبله) (٣) -أي قبل صلاة فجرٍ- فلا تجوز بعدها حتى ترتفع الشمس قيد (٤) رمح. (و) تحرم (صلاة جنازة بعد فجر وعصر)، لحديث عقبة بن عامر (٥) وذكره للصلاة مقرونًا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة، ولأنها تشبه النوافل لكونها من غير الخمس، وأبيحت في الوقتين الطويلين لطول مدتهما، فالانتظار يخاف منه عليها، وإن خيف عليها في الأوقات القصيرة صلى عليها للعذر. ولا تحرم تحية مسجد حال خطبة جمعة مطلقًا، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "نهي عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود (٦).

стр. 319

فصل في صلاة الجماعة وأحكامها وما يبيح تركها وما يتعلق بذلك (تجب الجماعة للـ) ـصلوات الى (خمس) الواجبات على الأعيان لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف فمع الأمن أولى، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (٢) متفق عليه، ولقوله ﷺ لما استأذنه أعمى لا قائد له أن يصلي في بيته: "هل تسمع النداء؟ فقال: نعم. قال: فأجب" رواه مسلم (٣). وعن ابن مسعود قال: "لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى (٤) بين الرجلين، حتى يقام في الصف" رواه الجماعة، إلا البخاري (٥)، والترمذي، (على الرجال) لا

стр. 320

النساء ولا الخناثى متعلق بـ: تَجِبْ. (الأحرار) دون العبيد والمبعضين (القادرين) دون ذوي الأعذار حتى في السفر وفي شدة الخوف، لعموم الآية السابقة. وليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، نصًّا (١)، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٢) رواه الجماعة، إلا النسائي، وأبا داود، ولا يصح حمله على المعذور، لأنه يكتب له من الأجر ما كان يفعله لولا العذر، للخبر (٣)، فتصح الصلاة من منفرد لا عذر له، ويأثم. وفيها فضل لما تقدم (٤)، ولا ينقص أجر المصلي منفردًا لعذر كما سبق (٥). وتنعقد الجماعة باثنين فأكثر، لحديث أبي موسى مرفوعًا: "الاثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ماجه (٦)، وقوله ﷺ لمالك بن الحويرث:

стр. 321

"وليؤمَّكما أكبركما" (١) إلا في جمعة وعيد لاشتراط [العدد] (٢) فيهما، ولو (٣) كانت الجماعة بأنثى، والإمام رجل، [أو خنثى أو أنثى] (٤) أو كانت بعبد والإمام حر أو عبد، لعموم ما سبق. ولا تنعقد بصبي في فرض والإمام بالغ، لأنه لا يصلح (٥) الصبي إمامًا في الفرض، ويصح في النفل، لأنه ﷺ أمَّ ابن عباس وهو صبي في التهجد (٦). وتسن الجماعة في المسجد للأخبار (٧)، ولإظهار الشعار، وكثرة الجماعة. وقال بعضهم: وقريب منه إقامتها بالربط والمدارس ونحوهما، وله فعلها ببيت وصحراء، لحديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٨)، لكن فعلها بالمسجد أفضل، لما تقدم. ولو كان إذا صلى في المسجد صلى منفردًا، وببيته صلى جماعة، تعين فعلها ببيته، ولو دار الأمر بين فعلها في [المسجد في] (٩) جماعة يسيرة، وفي

стр. 322

بيته في جماعة كثيرة كان فعلها في المسجد أولى. وتسن الجماعة لنساء منفردات عن الرجال، سواء أمهن رجل أو امرأة، لفعل عائشة، وأم سلمة، ذكره الدارقطني (١)، وأمر ﷺ أم ورقة "بأن تجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها تؤم أهل دراها" رواه أبو داود والدارقطني (٢). ويكره لمرأة حسناء حضورها مع رجال خشية الافتتان بها، ويباح لغيرها كعجوز ونحوها. والأفضل في حق المصلي من المساجد: المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره، لأنه [يعمره] (٣) بإقامة الجماعة فيه، قال الموفق، والشارح (٤) وغيرهما من الأصحاب: وكذلك إن كانت تقام فيه مع غيبته، إلا أن في صلاته في غيره كسر قلب إمامه، أو جماعته، فجبر قلوبهم أولى، فالمسجد الأقدم، لأن الطاعة فيه أسبق (٥)، فالأكثر جماعة، لأنه أعظم أجرًا.

стр. 323

وأبعد مسجدين قديمين أو جديدين، سواء اختلفا في كثرة الجمع وقلته، أو استويا، أولى من أقرب، لحديث أبي موسى مرفوعًا: "أعظم الناس في الصلاة أجرًا أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه البخاري (١). (وحَرُمَ أن يُؤمَّ قبل) إمام (راتب) في مسجد؛ لأنه بمنزلة صاحب البيت وهو أحق بالإمامة ممن سواه، لحديث: "لا يُؤمَّنَّ الرجل في بيته إلا بإذنه" (٢) ولا يحرم أن يؤَم بعد الراتب قال في "الإقناع" (٣): ويتوجه إلا لمن يعادي الإمام (إلا بإذنه) أي الإمام الراتب، فيباح للمأذون له أن يؤم. (أو عذره) أي الإمام بنحو غيبة، أو مرض، (أو عدم كراهته) لصلاة غيره عند غيبته، أو ضيق الوقت، فيصلون حينئذ بلا كراهة، "لأن الصدِّيق ﵁ صلى بالناس، حين غاب النبي ﷺ في بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم" متفق عليه (٤). وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ مرة فقال النبي ﷺ : "أحسنتم" رواه مسلم (٥). وإن لم يُعلم عذر الإمام الراتب وتأخر عن وقته المعتاد رُوسل مع قربه، وعدم المشقة في الذهاب إليه، وسعة الوقت، ليحضر، أو يأذن أو يعلم عذره، ولا يجوز أن يتقدم غيره قبل ذلك، وإن بعد محله أو قرب وفيه مشقة، أو لم يظن حضوره، صلوا جماعة، لأنهم معذورون، وقد أسقط حقه بالتأخر.

стр. 324

وفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع، ومن صلى الفرض منفردًا أو في جماعة، ثم أقيمت الصلاة سُن أن يعيد مع الجماعة، وكذا إن دخل مسجدًا في غير وقت نهي لغير قصد الإعادة، وقد أقيمت الصلاة، سن له أن يعيد -أيضًا- إلا المغرب، فلا تسن إعادتها، لأن المعادة تطوع ولا يستحب التطوع بوتر، إلا في الوتر خاصة، والأولى من الصلاتين فرضه دون المعادة. وتكره إعادة الجماعة في مسجدي مكة والمدينة، وعلله أحمد (١) بأنه أرغب في توفير الجماعة، لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الأول، ولا تكره إعادة الجماعة فيهما لعذر. (ومن كبَّر) مأمومًا (قبل تسليمة الإمام أدرك الجماعة)، فيبني ولا يجدد إحرامًا، لأنه (٢) أدرك جزءًا من الصلاة مع الإمام فأشبه ما لو أدرك ركعة فيحصل له فضل الجماعة، وإن كبَّر بين التسليمتين لم تنعقد صلاته. (ومن أدركه) أي الإمام (راكعًا) بأن اجتمع معه فيه، بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول إمامه عن قدر الإجزاء منه، (أدرك الركعة)، ولو لم يدرك الطمأنينة معه، ويطمئن ثم يتابع إمامه، لكن ذلك (بشرط إدراكه راكعًا) كما تقدم، (وعدم شكه فيه) أي في إدراكه راكعًا (و) بشرط (تحريمته قائمًا) وقد تقدم ذلك. (وتسن) تكبيرة (ثانية للركوع)، وإلا لو اقتصر على تكبيرة الإحرام لأجزأته عن تكبيرة الركوع، روي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر (٣)،

стр. 325

ولم يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل، وأحدهما ركن فسقط به، كطواف الحاج للزيارة عند خروجه من مكة يجزئه عن طواف الوداع، فإن نوى بتكبيرته الانتقال مع الإحرام أو وحده لم تنعقد، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، كما تقدم (١). (وما أدركـ) ـه مأموم (معه) أي مع إمامه فهو (آخرها) أي صلاته (وما يقضيه) مما فاته بعد سلام إمامه فهو (أولها)، لحديث أبي هريرة وفيه: " فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". رواه أحمد، والنسائي (٢). (ويتحمل) إمام (عن مأموم قراءة) الفاتحة، فتصح صلاة مأموم بدون قراءة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٣)، وحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٤) رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه مسلم، وأحمد في رواية الأثرم، فلولا أن القراءة لا تجب على المأموم بالكلية لما أمر بتركها من أجل سنة الاستماع. (و) يتحمل إمام عن مأموم -أيضًا- (سجود سهو) وتقدم في بابه (٥)، (و) يتحمل عنه سجود (تلاوة) إذا قرأ في صلاته آية سجدة ولم يسجد إمامه، (و) يتحمل عنه (سترة) الصلاة وتقدم، (و) يتحمل عنه (دعاء قنوت) حيث سمعه، فيؤمن فقط وتقدم، (و) يتحمل عنه (تشهدًا (٦) أول)،

стр. 326

وجلوسًا (١) له، (إذا سُبق المأموم بركعة) من رباعيته وتقدم (٢). (لكن يسن أن يقرأ) مأموم (في سكتاته) أي إمامه وهي ثلاث: قبل الفاتحة في الركعة الأولى فقط، وبعدها في كل ركعة، وبعد فراغ القراءة، فيستفتح ويتعوذ في السكتة الأولى عقب إحرامه، ويقرأ الفاتحة في الثانية بعد فراغ الإمام منها، ويقرأ سورة في الثالثة بعد فراغه منها أيضًا. ويسن لمأموم أيضًا أن يستفتح ويتعوذ ويقرأ الفاتحة (و) سورة حيث شرعت في صلاة (سرية) كالظهر، لحديث جابر: "كنا نقرأ في الظهر والعصر، خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب" رواه ابن ماجه (٣)، ويقرأ الفاتحة في الأخيرة من مغرب، وفي الأخيرتين من العشاء. (و) يسن لمأموم أيضًا أن يقرأ (إذا لم يُسْمِعُه) أي الإمام (لبُعْد) عنه (لا) لطرش (٤)، فيقرأ الأطرش متى شاء، إن لم يشغل من إلى جنبه من المأمومين، لأنه لا يحصل له مقصود استماع القراءة أشبه البعيد. (وسن له) أي الإمام (التخفيف) للصلاة (مع الإتمام) لها، لحديث أبي هريرة يرفعه: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" رواه الجماعة (٥)

стр. 327

وتكره سرعة تمنع مأموم فعل ما يسن له فعله، كقراءة السورة، وما زاد على مرة في تسبيح ركوع، وسجود ونحوه. وقال الشيخ تقي الدين: تلزمه مراعاة الماموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، وينبغي (١) أن يفعل غالبًا ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا (٢)، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص أحيانًا، انتهى (٣)، فإن اختار المأمومين، (٤) كلهم التطويل، لم يكره، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير. (و) سن لإمام وغيره (تطويل) قراءة الركعة (الأولى على) قراءة الركعة (الثانية)، لحديث أبي قتادة -مرفوعًا-: "كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الصبح" متفق عليه (٥)، إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني، بأن كان العدو في غير جهة القبلة، وقسم الإمام المأمومين طائفتين، فالثانية أطول من الأولى لانتظار الطائفة التي تأتي لتأتم به، ويأتي توضيح ذلك -إن شاءالله تعالى- (٦) وإلا إذا كان تطويل قراءة الثانية عن الأولى يسيرًا، كما إذا قرأ بسبح والغاشية لوروده (٧)،

стр. 328

(و) سن لإمام (انتظار داخل) معه أحس به في ركوع ونحوه، لأن الانتظار ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف لإدراك الجماعة، ولحديث [ابن] (١) أبي أوفى "كان النبي ﷺ يقوم في الركعة الأولى، من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم" رواه أحمد، وأبو داود (٢)، ولأنه تحصيل مصلحة بلا مضرة (ما لم يشق) انتظاره على مأموم، لأن حرمة من معه أعظم، فلا يشق عليه لنفع الداخل. ومن استأذنته امرأته أو أمته إلى المسجد كره منعها لحديث: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" (٣). وتخرج غير متطيبة، ولا لابسة ثوب زينة، وبيتها خير لها، لقوله ﷺ : "وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" (٤) رواه أحمد، وأبو داود (٥). ولأب، ثم ولي محرم، منع موليته من خروج من بيتها، إن خشي بخروجها فتنة، أو ضررًا.

стр. 329

فصل في الإمامة ومعرفة الأولى بها (الأقرأ العالمُ فِقْهَ صلاِته، أولى من الأفقه) فقط، لجمعه بين المزيتين في القراءة والفقه، ثم يليه الأجود قراءة الفقيه لحديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه تعالى" (١) ثم يليه الأقرأ جودة، وإن لم يكن فقيهًا، إن كان يعرف فقه صلاته حافظًا للفاتحة، للحديث المذكور، ولحديث ابن عباس: "ليؤذن لكم خياركم، وليؤمَّكم أقرؤكم" (٢) رواه أبو داود. وإنما قُدِّمَ الأقرأ جودة على الأكثر قرآنًا، لأنه أعظم أجرًا لحديث: "من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة" (٣) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه (٤). ثم مع الاستواء في الجودة يُقدَّم الأكثر قرآنًا الأفقه، لجمعه

стр. 330

الفضيلتين، ثم يليه الأكثر قرآنًا الفقيه، ثم يليه قارئ أفقه، ثم يليه قارئ فقيه، ثم قارئ عالم فقه صلاته من شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومبطلاتها ونحوها، ثم قارئ لا يعلم فقه صلاته، بل يأتي بها عادة فتصح إمامته، ثم إن استووا في عدم القراءة (١) قُدِّم أفقه وأعلم بأحكام الصلاة، ثم إن استووا في القراءة والفقه قُدِّم أكبر سنًّا، لحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" متفق عليه (٢). ولأنه أقرب إلى الخشوع، وإجابة الدعاء، ثم مع الاستواء في السن -أيضًا- أشرف، وهو القرشي، إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى، ولقوله ﷺ : "الأئمة من قريش" (٣) وقوله: "قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّمُوها" (٤)، فتقدم بنو هاشم على غيرهم، لمزيتهم بالقرب من النبي ﷺ . ثم مع الاستواء في الشرف -أيضًا- الأقدم هجرة بنفسه، لحديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًّا، ولا يؤمنَّ الرجل الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على

стр. 331

تكرمته إلا بإذنه" (١) رواه مسلم. وسبق بإسلام، كسبق بهجرة. ثم مع الاستواء فيما تقدم، يقدم الأتقى والأورع، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، ولأن مقصود الصلاة الخضوع، ورجاء إجابة الدعاء، والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك، قال القشيري (٣) في "رسالته" (٤): الورع: اجتناب الشبهات. ثم يقرع، إن استووا في كل ما تقدم، وتشاحوا، فمَنْ قرع صاحبه فهو أحق، قياسًا على الأذان. وصاحب البيت الصالح للإمامة ولو عبدًا، أحق بالإمامة ممن حفره في بيته، لقوله ﷺ : "لا يُؤَمَّنَّ الرجل في بيته" (٥). وإمام المسجد الراتب الصالح للإمامة ولو عبدًا، أحق بالإمامة فيه. ولا تكره إمامة عبد في غير جمعة وعيد، وحر أولى بالإمامة من عبد، ومبعَّض أولى من عبد، وحاضر، وبصير، وحضري، ومتوضئ، أولى من ضدهم. وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه غير إمام مسجد راتب، وصاحب بيت فتحرم. (ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق)، سواء كان فسقه بالاعتقاد، أو الأفعال المحرمة، لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا

стр. 332

يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (١)، وحديث ابن ماجه عن جابر -مرفوعًا-: "لا تَؤمَّنَّ امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سطوته وسيفه" (٢)، وسواء أعلن فسقه، أو أخفاه. وتصح خلف نائبه العدل، ولا يؤم فاسق فاسقًا، ويعيد من صلى خلف فاسق مطلقًا، (إلا في جمعة وعيد، تعذرًا خلف غيره) أي: الفاسق، بأن تتعذر (٣) أخرى خلف عدل للضرورة، وإن خاف -إن لم يصل خلف فاسق- أذى صلى خلفه، وأعاد نصًّا (٤)، فإن وافقه في الأفعال منفردًا ولم ينو الاقتداء به، أو وافقه بإمام عدل خلفه، لم يعد؛ لأنه لم يقتد بفاسق. وتصح صلاة فرض ونفل خلف أعمى أصم، وأقلف (٥) غير مفتوق، أو مفتوق إذا غسل ما تحتها، وخلف أقطع يدين أو رجلين، أو أحدهما (٦)، إذا أمكنه القيام وإلا فبمثله، وكذا مقطوع أنف فتصح إمامته كغيره، وتصح خلف كثير لحن لمن لم يحل المعنى، كجرِّ دال الحمد، وضم هاء للَّه، ونحوها. (ولا) تصح (إمامة من حدثه دائم) كرعاف، وسلس، وجرح لا يرقأ (٧) دمه، إلا بمثله؛ لأن في صلاته خللًا غير مجبور ببدل، وإنما تصح

стр. 333

لنفسه ولمن مثله، للضرورة. (و) لا تصح إمامة (أمِّي) -نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، وقيل: إلى أمة العرب- وأصله لغة: من لا يكتب (١)، (وهو) عرفًا (من لا يحسن الفاتحة) أي لا يحفظها، (أو يدغم فيها حرفًا لا يدغم)، كإدغام هاء للَّه في راء ربّ، وهو الأرتّ (٢)، أو يبدّل منها (حرفًا) لا يُبدل وهو الألثغ (٣)، لحديث: "ليؤمكم أقرؤكم" (٤) رواه البخاري. إلا ضاد "المغضوب"، وضاد "الضالين" بظاء، فلا يصير به أميًّا سواء علم الفرق بينهما لفظًا ومعنى أم لا، (أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى) عجزًا عن إصلاحه، ككسر كاف "إياك" وضم تاء "أنعمت" وكسرها، لأنه عاجز عن فرض القراءة، فلا تصح إمامته (إلا بمثله)، فلا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول، بعاجز عن نصفها الأخير، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها. فإن تعمد غير الأميِّ إدغام ما لا يدغم، أو إبدال ما لا يبدل، أو اللحن المحيل للمعنى، أو قدر أمي على إصلاحه فتركه، أو زاد على فرض القراءة، وهو عاجز عن إصلاحه عمدًا، لم تصح صلاته، لأنه أخرجه بذلك عن كونه قرآنًا فهو كسائر الكلام. وإن أحال المعنى في قراءة ما زاد على الفاتحة، سهوًا أو جهلًا صحت صلاته. ومن اللحن المحيل للمعنى فتح همزة اهدنا، لأنه من أهدى الهدية، لا طلب الهداية.

стр. 334

(وكذا) لا تصح إمامة (من به سلس بول) إلا بمثله (و) كذا (عاجز عن ركوع) أ (وسجود أو قعود ونحوها)، كاعتدال (أو اجتناب نجاسة، أو استقبال) إلا بمثله، (ولا عاجز عن قيام بقادر) في فرض، لأنه عاجز عن ركن الصلاة، كالعاجز عن القراءة، (إلا) إمامًا (راتبًا) بمسجد عجز عن القيام لعلة إذا (رُجِيَ زوال علته) فيجلسون خلفه ولو مع قدرتهم على القيام، لحديث عائشة: "صلى النبي ﷺ في بيته وهو شاكٍ فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم: أن اجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى أن قال: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" (١) متفق عليه. وتصح صلاتهم خلفه قيامًا، لأن القيام هو الأصل، ولم يأمر النبي ﷺ من صلى خلفه قائمًا بالإعادة. (ولا) تصح إمامة (مميز لبالغ في فرض)، وتصح في النفل، كما تقدم. (ولا) تصح (إمامة امرأة لرجال) لما روى ابن ماجه عن جابر -مرفوعًا-: "لا تؤمن امرأة رجلًا" (٢) ولا تؤم خنثى -أيضًا- لاحتمال أن يكون ذكرًا، (و) لا تصح إمامة (خناثى) لرجال؛ لاحتمال أن يكونوا إناثًا. (ولا) تصح الصلاة (خلف محدث) حدثًا أصغر أو أكبر يعلم ذلك (أو نجس) أي من ببدنه أو ثوبه أو بقعته نجاسة غير معفو عنها، يعلم ذلك (فإن جُهلا) -أي الإمام والمأموم- (حتى انقضت) الصلاة (صحت لمأموم) فقط دون إمام. (وتكره إمامة لحَّان) لحنًا لم يحل المعنى كما تقدم. (و) تكره إمامة الـ (فأفاء) بالمد وهو الذي يكرر الفاء، (ونحوه)

стр. 335

كالتمتام الذي يكرر التاء (١)، وكمن لا يفصح ببعض الحروف، أو يصرع أحيانًا. وإن ترك الإمام ركنًا، أو شرطًا مختلفًا فيه مقلدًا، صحت صلاته، ومن صلى خلفه معتقدًا بطلان صلاته أعاد، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد. ومن اقتدى بمن لا يعرف حاله، لم يجب البحث عن كونه قارئًا، عملًا بالغالب، فإن قال بعد سلامه: سهوت عن الفاتحة، لزمه ومن معه الإعادة. وكره أن يؤم رجل امرأة أجنبية فأكثر، لا رجل فيهن ولا ذات محرم، لنهيه ﷺ عن خلوة الرجل بالمرأة (٢)، أو أن يؤم قومًا وهم له كارهون بحق، لخلل في دينه أو فضله، لحديث أبي أمامة: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" (٣) رواه الترمذي. فإن كرهوه بغير حق لم يكره أن يؤمهم. ولا تكره إمامة ولد زنا، أو لقيط (٤)، أو منفي بلعان، وخصي، وجندي، وأعرابي، إذا سلم دينهم وصلحوا لها، لعموم حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه" (٥)، وقالت عائشة في ولد الزنا: "ليس عليه من وزر أبويه شيء" قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ

стр. 336

أُخْرَى (١)﴾ (٢) ولا بأس أن يأتم متوضئ بمتيمم لأنه متطهر، والمتوضئ أولى، ويصح ائتمام مؤدي صلاة بقاضيها وعكسه، إذا اتفقتا في الاسم، لا مفترض بمتنفل، ويصح العكس، لحديث: "ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه" (٣). (وسن وقوف المأمومين) اثنان فأكثر (خلف الإمام) لأنه ﵊ كان إذا قام إلى الصلاة تقدم، وقام أصحابه خلفه (٤)، إلا إمام العراة، فيقف بينهم وسطًا وجوبًا، إن لم يكونوا عميًا أو في ظلمة، وإلا امرأة أمت نساءً، فتقف وسطًا بينهن ندبًا، روي عن عائشة (٥)، ورواه سعيد عن أم سلمة (٦)، ولأنه أستر لها. (والواحد) يقف (عن يمينه) أي: الإمام (وجوبًا) "لإدارته ﷺ ابن عباس، وجابرًا إلى يمينه لما وقفا عن يساره" رواه مسلم (٧). قال في "المبدع" (٨): ويندب تخلفه قليلًا، خوفًا من التقدم، ومراعاة للمرتبة، فإن

стр. 337

بان عدم مصافته له، لم تصح صلاته. (والمرأة) تقف (خلفه) أي الإمام ندبًا، لحديث أنس: "أن جدَّته مُلَيْكةَ دعتْ رسول اللَّه ﷺ لطعام صنعته، فأكل ثم قال: قوموا لأصلِّي لكم. فقمت إلى حصير قد اسودَّ من طُول ما لبث، فنضحته بماء، فقام عليه رسول اللَّه ﷺ وقمت أنا واليتيم وراءه، وقامت العجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف" (١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وإن أمَّ خنثى امرأة وقفت خلفه، لاحتمال أن يكون ذكرًا، فإن أمت أنثى أنثى، فعن يمينها، وإن وقفت المرأة عن يمين الإمام، صحت صلاتها، وصلاة من خلفها من الصفوف إن كان. (ومن صلى) مأمومًا (عن يسار الإمام مع خُلُوِّ يمينه، أو) صلى (فذًّا ركعة) فأكثر (لم تصح صلاته)، لأنه خالف موقفه، "لإدارته ﷺ ابن عباس وجابرًا، لما وقفا عن يساره" (٢)، فإن كان عن يمينه أحد صحت عن يساره -أيضًا-. وأما الفذ (٣) فلا تصح صلاته، سواء كان عالمًا أو جاهلًا أو ناسيًا أو عامدًا، لحديث وابصة بن معبد: "أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" (٤) رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه،

стр. 338

[ورواه] (١) ابن ماجه، ورجاله ثقات. وعن علي بن شيبان -مرفوعًا-: "لا صلاة لفرد خلف الصف" (٢) رواه أحمد وابن ماجه، وإن ركع فذًّا لعذر كخوف فوت الركعة، ثم دخل الصف قبل سجود الإمام صحت صلاته، أو ركع فذًّا لعذر، ثم وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت أيضًا، لأن أبا بكرة -واسمه نفيع- ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، فقال له النبي ﷺ : "زادك اللَّه حرصًا ولا تعد" (٣). رواه البخاري، وفعله زيد بن ثابت، وابن مسعود (٤)، فإن لم يكن له عذر لم تصح، لأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره. (وإذا جمعهما) أي: الإمام والمأموم (مسجدٌ، صحت القدوة مطلقًا)، سواء رأى الإمام، أو رأى من وراءه، أو لم يره (بشرط العلم بانتقالات الإمام) ليتمكن من متابعته، وإن لم يجمعهما مسجد، كما إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، أو بالعكس (شرط رؤية الإمام أو) رؤية (مَنْ وراءه أيضًا)، فلا يكفي سماع التكبير إذًا، (ولو) كانت الرؤية للإمام، أو مَنْ وراءه (في بعضها) أي: الصلاة. وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، لم تصح، أو كان بينهما طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت [فيه] (٥) كجمعة، وعيد،

стр. 339

وجنازة، ونحوها، للضرورة، لم تصح، للآثار (١)، فإن اتصلت الصفوف حيث صحت فيه، صحت، أو كان المأموم في غير شدة خوف في سفينة، وإمامه بأخرى غير مقرونة بها، لم يصح الاقتداء. (وكره علو إمام على مأموم) لحديث أبي داود، عن حذيفة -مرفوعًا-: "إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقومنَّ في مكان عال أرفع من مكانهم" (٢) ومحل الكراهة إذا كان ارتفاعه (ذراعًا فأكثر) لا دونه، كدرجة منبر، فلا يكره، لحديث سهل بن سعد: "أن النبي ﷺ جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى، فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: يا أيها الناس إنما فعلت ذلك؛ لتأتموا بي ولتتعلموا صلاتي" متفق عليه (٣). (ولا بأس) بالعلو (لمأموم، ولو كان كثيرًا) كما لو صلى على سطح والإمام تحته، لما روى الشافعي عن أبي هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام (٤)، (ولا) يضر (قطع الصف) خلف الإمام وعن يمينه (إلا) إذا كان (عن يساره، بقدر مقام ثلاثة) رجال فتبطل صلاته. قلت: ظاهر عبارات الأصحاب أن ذلك إذا كان عن يسار الإمام في الصف الذي يقف فيه الإمام، بخلاف قطع الصف الذي خلفه من يساره فلا يضر، ولم أقف على من صرح بذلك. (و) كره (صلاته) أي: الإمام (في محراب يمنع مشاهدته) روي ذلك

стр. 340

عن ابن مسعود، وغيره (١)، فيقف عن يمين المحراب، نصًّا (٢)، إن لم يكن حاجة، وإن لم يمنع مشاهدته لم يكره. (و) كره (تطوعه) أي: الإمام (موضع المكتوبة) نصًّا (٣)، لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "لا يصلِّ الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة، حتى يتنحى عنه" (٤) رواه أبو داود، ولأن في تحوله إعلامًا بأنه صلى، فلا ينتظر. (و) كره لإمام (إطالته الاستقبال بعد السلام) إن لم يكن ثَم نساء، لحديث عائشة: "كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" (٥) رواه مسلم، ويستحب للمأموم أن لا ينصرف قبله؛ للخبر (٦). (و) كره (وقوف مأموم بين سوار تقطع الصفوف عرفًا) لقول عمر: "كنا نتقي هذا على عهد رسول اللَّه ﷺ " (٧) رواه الإمام أحمد، وغيره، قال

стр. 341

أحمد: لأنه يقطع (١). فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين، لم يكره (إلا لحاجة في الكل) من قوله: (وكره علو إمام) إلى هنا. (وينحرف إمام إلى مأموم) بعد صلاته استحبابًا؛ لحديث سمرة: "كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة، أقبل علينا بوجهه" (٢) رواه البخاري، (جهة قصده) إن قصد جهة (وإلا عن يمينه) فتلي يساره القبلة. (و) كره (حضور مسجد و) حضور (جماعة لمن رائحته كريهة، من بصل أو غيره)، كثوم، وكراث، (وفجل حتى يذهب ريحه) للخبر (٣)، ولو لم يكن بالمسجد أحد لتأذي الملائكة، ويستحب إخراجه. وفي معناه من به نحو صُنان (٤) أو جُذام (٥). ومن الأدب وضع إمام نعله عن يساره، ومأموم بين يديه، لئلا يؤذي.

стр. 342

فصل في صلاة أهل الأعذار (ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) لأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس" (١) متفق عليه، وكذا خائف حدوث مرض، لأنه في معنى المريض، وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها راكبًا أو محمولًا (و) يعذر بترك جمعة وجماعة (مدافع أحد الأخبثين): البول والغائط، لأنه يمنعه من كمال الصلاة، وخشوعها (ومن بحضرة طعام يحتاج إليه) أي: الطعام، وله الشبع، نصًّا (٢)؛ لخبر أنس في الصحيحين: "ولا تعجلنّ حتى تفرغ منه" (٣) (وخائف ضياع ماله) كغلة ببيادرها أو فواته، كشرود دابته، وإباق عبده، وسفر نحو غريمه، أو ضرر فيه، كاحتراق خبز ونحوه، أو يخاف ضررًا في مال استؤجر لحفظه، أو (موت قريبه أو رفيقه) في غيبته عنه (أو) خائف (ضررًا من سلطان) يأخذه، (أو) ضررًا من (مطر ونحوه)، كوحل (٤) -بفتح الحاء- وثلج، وجليد، وريح، شديدة باردة بليلة مظلمة، لحديث ابن عمر: "كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة صلوا في رحالكم" (٥) رواه ابن ماجه، أو

стр. 343

يخاف أذى بتطويل إمام. ولا يعذر بترك جمعة ولا جماعة من عليه حد للَّه تعالى. أو كان بطريقه إلى المسجد منكر. أو كان بالمسجد منكر، كدعاء لبغاة، فلا يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة، نصًّا (١)، وينكر المنكر بحسب قدرته. (أو) خائف من (ملازمة غريم) له (ولا وفاء له) لأن حبس المعسر ظلم (أو) خائف (فوت رفقته) بسفر مباح (ونحوهم) أي: المريض وما عطف عليه، فيعذرون بترك الجمعة والجماعة لذلك.

стр. 344

فصل في صلاة المريض (يصلي المريض) المكتوبة (قائمًا) إن قدر عليه، ولو كراكع، أو معتمدًا إلى شيء، أو مستندًا إليه (فإن لم يستطع) القيام، أو شق عليه، لضرر يلحقه به، أو زيادة مرض، أو بطء برء (فقاعدًا) على قياس ما سبق، ولو معتمدًا، أو مستندًا (فإن لم يستطع) القعود (فعلى جنب) يصلي، لقوله ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١) رواه الجماعة إلا مسلمًا، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا" (٢) (و) الجنب (الأيمن أفضل) لحديث علي (٣). (وكره) صلاة المريض (مستلقيًا) على ظهره، ورجلاه إلى القبلة (مع قدرته) على الصلاة (على جنب) فإن لم يقدر على الصلاة على جنب (وإلا تعين) أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، لحديث علي مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع، فقاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ إيماءً، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، صلى على جنبه الأيمن مُستقبلَ القبلة، فإن لم يستطع، صلى مستلقيًا، ورجلاه مما يلي القبلة" (٤). رواه الدارقطني.

стр. 345

(ويؤمئ بركوع وسجود) عاجز عنهما (ويجعله) أي: السجود (أخفض) للخبر (١)، وللتمييز، وإن سجد على شيء رُفع له وانفصل عن الأرض، كُره، وأجزأه، نصًّا (٢)، لأنه أتى بما أمكنه منه، أشبه ما لو أومأ، ولا بأس بسجود على وسادة ونحوها بلا رفع، واحتج بفعل أم سلمة (٣)، وابن عباس (٤)، وغيرهما (فإن عجز) عن الإيماء بركوع وسجود (أومأ بطرْفه) أي عينِه (ونوى بقلبه، كأسير خائف) أن يعلموا بصلاته، [فإن عجز فبقلبه مستحضر القولِ والفعلِ] (٥) لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٦). (ولا يسقط فعلها) أي: الصلاة عن المكلف (ما دام عقله ثابتًا) ولا ينقص أجر مريض عجز عن قيام، أو قعود، إذا صلى على ما يطيقه، لخبر أبي موسى مرفوعًا: "إذا مرض العبد، أو سافر، كُتب له ما كان يعمل، مقيمًا صحيحًا" (٧). (فإن طرأ عجز) لقادر (أو) طرأ (قدرة) لعاجز (في أثنائها) أي الصلاة (انتقل) إليه، لتعينه عليه، والحكم يدور مع علته (وبنى) على ما تقدم من صلاته.

стр. 346

ومن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود، أومأ بركوع قائمًا، وسجود قاعدًا، ليحصل الفرق بين الإيمائين. ومن قدر أن يقوم منفردًا، أو يجلس في جماعة، خُيّر. قال في "الشرح" (١): لأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا. وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا منفردًا، لأن القيام ركن، بخلاف الجماعة. ولمريض ولو أرمد يطيق قيامًا، الصلاة مستلقيًا، لمداواة، بقول طبيب مسلم ثقة، لأنه أمر ديني، فلا يقبل فيه كافر، ولا فاسق، كغيره من أمور الدين. ولا تصح مكتوبة في سفينة قاعدًا لقادر على قيام، كمن بغير سفينة، ويدور إلى القبلة، كلما انحرفت في فرض. وتصح مكتوبة على راحلة، واقفةً أو سائرة، لتأذٍّ بوحل، ومطر، ونحوه، لحديث يعلى بن أمية: "أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلَّةُ من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم النبي ﵊ فصلى بهم -يعني إيماءً- يجعل السجود أخفض من الركوع" (٢) رواه أحمد، والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. فإن قدر على نزول بلا مضرة، لزمه، وقام وركع، كغير حالة المطر. وتصح مكتوبة على راحلة -أيضًا- لخوف انقطاع عن رفقة بنزوله، أو خوف على نفسه من عدو، ونحوه، أو عجزه عن ركوب إن نزل. والمرأة إن خافت تبرزًا (٣) وهي خفرة (٤)، صلت على الراحلة.

стр. 347

وعلى مصل على الراحلة لعذر: الاستقبال، وما يقدر عليه من ركوع، أو سجود، أو إيماء بهما، وطمأنينة، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). ومن أتى بكل فرض، وشرطٍ لصلاة، وصلى على راحلة، أو بسفينة، ونحوها، سائرة أو واقفة، صحت صلاته، ولو بلا عذر. ومن بماء وطين، لا يمكنه الخروج منه، يومئ بركوع وسجود، كمصلوب، ومربوط. ويسجد غريق على متن الماء، ولا إعادة في الكل، ويعتبر المقر لأعضاء السجود، لحديث: "أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم" (٢) فلو وضع جبهته على قطن منفوش ونحوه، مما لا تستقر عليه الأعضاء، لم تصح صلاته، وتصح على ما منع صلابة الأرض، كفراش محشو بنحو قطن.

стр. 348

فصل في القصر وهو جائز إجماعًا (١) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية، وقول يعلى (٣) لعمر بن الخطاب ﵄: ما لنا نقصر وقد أمنّا! فقال: سألت رسول اللَّه ﷺ فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٤) رواه مسلم. (ويسن قصرُ) الصلاة (الرباعية) وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين، ولا تقصر صبح ولا مغرب (في سفر طويل) يبلغ ستة عشر فرسخًا تقريبًا، برًّا أو بحرًا، وهي يومان قاصدان، بسير الأثقال، ودبيب الأقدام. والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية. وبأميال بني أمية: ميلان ونصف، والميل الهاشمي: اثنا عشر ألف قدم، وهي: ستة آلاف ذراع، بذراع اليد. والذراع: أربعة وعشرون إصبعًا، معترضة، معتدلة، عرض كل إصبع ست حبات شعير، بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون. وهو بالبرد أربعة، لحديث ابن عباس -مرفوعًا-: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أبيبعة بُرد، من مكة إلى عسفان" (٥) رواه الدارقطني. وروي موقوفًا عليه (٦). قال الخطابي (٧): هو أصح الروايتين عن ابن

стр. 349

عمر (١). وقول الصحابي حجة، خصوصًا إذا خالف القياس (مباح) أي ليس بحرام، ولا مكروه، واجبًا كان، كحج، وجهاد متعينين، أو مسنونًا، كزيارة رحم، أو مستوي الطرفين، كتجارة، ولو كان نزهة، أو فرجة، أو قَصَدَ مشهدًا، أو قبر نبي (٢)، أو مسجدًا غير الثلاثة، ونحوه. أو عصى في سفره. وعلم منه: أنه لا يقصر من خرج في طلب آبق، أو ضالة، ولو جاوز المسافة، لأنه لم ينوه، وأن من نواه وقصر، ثم رجع قبل استكماله، فلا إعادة عليه، لأن المعتبر نية المسافة، لا حقيقتها. وقِنٌّ سافر مع سيده، وزوجة سافرت مع زوجها، وجندي سافر مع أمير، يكونون تبعًا لسيد، وزوج، وأمير في سفر، ونيته. ومحل جواز القصر إذا فارق بيوت قريته العامرة، أو خيام قومه، إن استوطنوا الخيام (ويقضي) من فاته صلاة (صلاة سفر في حضر) تامة، (وعكسه) كمن فاته صلاة في حضر، وأراد أن يقضيها في سفر، فإنه يقضيها (تامة) لأنه الأصل. (ومن نوى إقامة مطلقة بموضع) أي غير مقيدة بزمن، ولو في نحو مفازة، أو نوى إقامة ببلد (أو) مفازة (أكثر من أربعة أيام) أو نوى إقامة لحاجة، وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة (أو ائتم بمقيم) أو بمن يلزمه الإتمام، سواء ائتم به في كل الصلاة، أو بعضها، علمه مقيمًا، أم لا (أتم) في الجميع. أو مر بوطنه، أو ببلد تزوج فيه، أتم، لأنه صار في سورة المقيم، وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أو دخل وقت صلاة عليه حضرًا، ثم سافر، أو أوقع بعضها في الحضر، بأن أحرم بالصلاة مقصورة بنحو

стр. 350

سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، أتم، تغليبًا لحكم الحضر، لأنه الأصل. ولا يكره إتمام رباعية لمن له قصرها، لحديث عائشة: "أتمَّ النبي ﷺ وقصر" (١) رواه الد ارقطني، وصححه. والقصر أفضل من الإتمام، نصًا (٢)، لأنه ﷺ وخلفاؤه داوموا عليه. وروى أحمد، عن عمر: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" (٣). (وإن حبس ظلمًا) أو حبس بمطر، أو بمرض، ونحوه (أو لم ينو إقامة) أو أقام لحاجة بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي (قصر أبدًا) لأن النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يَقْصُر الصلاة (٤). رواه أحمد، "وأقام ﷺ بمكة حين فتحها تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" (٥) رواه البخاري، وقال أنس: "أقام أصحاب النبي ﷺ برامَهُرْمُز (٦) تسعة أشهر، يَقْصرونَ الصلاة" (٧) رواه البيهقي، بإسناد حسن.

стр. 351

فصل في الجمع (ويُباح له) أي لمن أبيح له القصر، فلا يكره ولا يستحب (الجمع بين الظهرين والعشائين) أي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، (بوقت أحدهما) لحديث معاذ، مرفوعًا: "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر، حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء" (١) رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حسن غريب. وعن أنس معناه (٢)، متفق عليه، وسواء كان نازلًا، أو سائرًا، في الجمعين. (و) يُباح الجمع (لمريض) لحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ جمع من غير خوف، ولا مطر". وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" (٣) رواهما مسلم، ولا عذر بعد ذلك إلا لمرض (ونحوه) أي نحو المريض، كمرضع لمشقة كثرة النجاسة، وكمستحاضة، وذي سلس، وجرح لا يرقأ دمه، وعاجز عن طهارة، أو تيمم لكل صلاة، وعاجز عن معرفة وقت، كأعمى ومطمور، وعذر أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة (يلحقه) أي المريض، وما في معناه (بتركه) أي الجمع (مشقة) فإن لم يكن ثَمَّ مشقة لم يبح إلا للمسافر فقط (و) يباح الجمع (بين العشائين فقط، لمطر، ونحوه) كثلج، وجليد (يَبُلُّ

стр. 352

الثوبَ) أي المطر (وتوجد معه مشقة) لأن السنة لم ترد بالجمع لذلك إلا في المغرب والعشاء (١)، رواه الأثرم. وروى البخاري بإسناده: "أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة" (٢) وفعلها أبو بكر، وعمر، وعثمان، ﵃ (٣)، وأمر ابن عمر مناديه في ليلة باردة، فنادى: الصلاة في الرحال (٤)، و (لِوَحَلٍ) بفتح الحاء (وريح شديدة باردة، لا باردة فقط) لأنه لا يجمع للبرد وحده (إلا) إذا حصل ريح باردة ظاهرة، أو شديدة (بليلة مظلمة) فإنه يجمع لذلك (والأفضل فعل الأرفق) به (من تقديم) العصر وقت الظهر، أو العشاء وقت المغرب (أو تأخير) الظهر إلى وقت العصر، أو المغرب إلى العشاء، فإن استويا، فالأفضل التأخير، لأنه أحوط، خروجًا من الخلاف، سوى جمع عرفة، فالتقديم فيه مطلقًا أفضل، اتباعًا لفعله ﷺ (٥). ويشترط لجمع ترتيب مطلقًا (وكره فعله) أي الجمع (في بيته ونحوه بلا عذر) لعموم حديث: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٦)،

стр. 353

وهذا على خلاف ما في "الإقناع" (١)، و"المنتهى" (٢) من عدم تقييدهم عدم الكراهة في الصلاة في البيت بعذر، أو غيره، وهو الصحيح، فيباح الجمع مع هذه الأعذار المتقدمة، حتى لمن يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد طريقه تحت ساباط (٣)، ولمقيم في المسجد، ونحوه، كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة، وعدمها. ويشترط لجمع تقديم نية الجمع عند إحرامها؛ لأنه محل النية، كنية الجماعة، ووجود العذر عند افتتاحهما، واستمراره إلى فراغ الثانية. ويشترط لجمع تأخير نيته بوقت أولى، ما لم يضق الوقت عن فعلها، لفوات فائدة الجمع، وهي التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين، ولأن تأخيرها إلى ضيق الوقت عن فعلها حرام، فينافي الرخصة، وهي الجمع، وبقاء العذر إلى دخول وقت ثانية فقط، فلو صلاهما خلف إمامين، أو خلف من لم يجمع، أو أحدهما منفردًا، والأخرى جاعة، أو صلى بمأموم الأولى، وبآخر الثانية، أو صلى إمامًا بمن لم يجمع، صح، لعدم المانع. (ويبطل جمع تقديم براتبة بينهما) أي المجموعتين (وبتفريق) بينهما (بأكثر من وضوء خفيف وإقامة) لأن معنى الجمع المقارنة والمتابعة، ولا يحصل مع تفريق بأكثر من ذلك، ولا يضر كلام يسير، لا يزيد على ذلك، ولو غير ذكر، ولا سجود سهو.

стр. 354

فصل في صلاة الخوف (وتجوز صلاة الخوف) والخوف ضد الأمن، ومشروعيتها بالكتاب، والسنة. وتخصيصه ﷺ بالخطاب لا يقتضى اختصاصه بالحكم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وأجمع الصحابة ﵃ على فعلها (٢)، وصلاها علي (٣)، وأبو موسى (٤)، وحذيفة (٥). فتجوز (بأي صفة صحت عن النبي ﷺ ) في قتال مباح؛ لأنها رخصة، فلا تباح بالقتال المحرم، ولو حضرًا لأن المبيح الخوف، لا السفر (وصحت) عنه ﷺ (من ستة أوجه) قال الإمام أحمد: صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة. وفي رواية أخرى: من ستة أوجه، أو سبعة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره (٦). وهي صلاته ﷺ في غزوة ذات الرقاع (٧)، وهو إذا كان العدو بغير جهة القبلة، أو بها ولم يُر، أو رؤي وخيف كَمِينٌ، قسمهم الإمام طائفتين: كل طائفة تكفي العدو، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم

стр. 355

فرارها (١) طائفة منهم تذهب حِذاء العدو، وتحرس المسلمين، وهي مؤتمة بالإمام حكمًا، في كل صلاته، لأنها من حين ترجع من الحراسة، وتحرم، لا تفارقه حتى يسلم بها. قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى" (٢): والمراد بعد دخولها معه، لا قبله. كما نبه عليه الحجاوي (٣) في "حاشية التنقيح"، فتسجد معه لسهوه، ولو في الأولى قبل دخولها، لا لسهوها إن سهت، لتحمل الإمام له. وطائفة يحرم بها، ويصلي بها الركعة الأولى من صلاته، وهي مؤتمة به فيها فقط؛ لأنها تفارقه بعدها، فتسجد لسهوه فيها إذا أتمت صلاتها، فإذا استتم الإمام قائمًا إلى الركعة الثانية نوت المفارقة، وأتمت لنفسها منفردة، وسلَّمت، ومضت تحرس، وإن فارقته قبل قيامه إلى الركعة الثانية بلا عذر، بطلت صلاتها. ويطيل قراءته، حتى تحضر الطائفة الأخرى، التي كانت تحرس، فتُحرمُ، وتصلي معه الركعة الثانية، ويكفي إدراكها الركوع، ويكره تأخير القراءة إلى مجيئها، وإذا فرغ منها، وجلس للتشهد، قامت لتأتي ببقية صلاتها، وانتظرها، يُكرِّر التشهد، حتى تأتي بركعة، وتشهُّد، فيُسلِّم بها، ولا يسلم قبلهم، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٤) فيدل على أن صلاتهم كلها معه. وتحصل المعادلة بينهما، فإن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام،
следующие страницы →