← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فصل في المواقيت جمع ميقات، وهو لغة: الحد (١)، وعرفًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة من حج وغيره (٢)، والكلام هنا في الحج والعمرة. (وميقات أهل المدينة) المنورة ذو (الحُليفة) بضم الحاء وفتح اللام، أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة (٣)، وبينها وبين مكة عشر مراحل، وتعرف الآن بالإحساء. (و) ميقات أهل (الشام ومصر والمغرب الجُحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية جامعة على طريق المدينة، خَرِبَة قرب رابغ، على يسار الذاهب لمكة، تعرف الآن بالمقابر، وكان اسمها مَهْيَعَة، فجحف السيل بأهلها، فسميت بذلك، وتلي ذا الحُليفة في البُعد، وبينها وبين مكة ثلاث مراحل، أو أربع، وبينها وبين المدينة ثمان مراحل (٤). ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير. (و) ميقات أهل (اليمن يلملم) بينه وبين مكة مرحلتان، ثلاثون ميلًا (٥). (و) ميقات أهل (نجد) الحجاز، وأهل نجد اليمن، وأهل الطائف (قَرْن) بفتح القاف وسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب،

стр. 562

على يوم وليلة من مكة (١). (و) ميقات أهل (المشرق) أي العراق وخراسان وباقي المشرق (ذات عِرْق) منزل معروف، سمي بذلك لعرق فيه -أي جبل صغير- أو أرض سبخة تنبت الطَّرفاء (٢). وهذه المواقيت لأهلها المذكورين، ولمن مر بها من غير أهلها، كالشامي يمر بالمدينة (ويحرم من بمكة لحج منها) للخبر (٣)، ويصح أن يحرم من الحل له، ولا دم (و) يحرم من بمكة (لعمرة من الحلِّ) لأمره ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم (٤). متفق عليه (٥). ولأن أفعال العمرة كلها من الحرم، فلم يكن بد من الحل، ليجمع في إحرامه بينهما، بخلاف الحج، فإنه يخرج إلى عرفة، فيحصل الجمع، ويصح إحرامه من مكة لعمرة، وعليه دم، لتركه واجبًا، كمن جاوز ميقاتًا بغير إحرام، وتجزئه عن عمرة الإسلام، لأن الإحرام من الحل ليس شرطًا لصحتها. ومن لم يمر بميقات، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا، إذا علم أنه حاذى

стр. 563

أقربها منه، لقول عمر: انظروا حذوها من قُديد (١). رواه البخاري. وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الوجوب، فإن لم يحاذ ميقاتًا، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين. (وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) منها يوم النحر، كما تقدم. تنبيه: لا يحل لمكلف حر مسلم أراد مكة، أو أراد نسكًا، تجاوز ميقات بلا إحرام، لأنه ﷺ وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز ميقاتًا بلا إحرام. وعلم منه أنه يجوز الإحرام من أول الميقات ومن آخره، لكن أوله أولى. إلا إن تجاوزه لقتال مباح، لدخوله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر (٢)، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرمًا ذلك اليوم، أو تجاوزه لخوف، أو حاجة تكرر، كحطاب وحشاش، ونحو ذلك، ثم إن بدا لمن لم يلزمه الإحرام أن يحرم، أو بدا لمن لم يرد الحرم،

стр. 564

كقاصد عُسفَان (١) أن يحرم، فمن موضعه يحرم، لأنه حصل دون الميقات على وجه مباح، فأشبه ذلك المكان، ولا دم عليه، لأنه لم يجاوز الميقات حال وجوب الإحرام عليه بغير إحرام. ومن تجاوزه يريد نسكًا بلا إحرام، أو كان النسك فرضًا، ولو كان جاهلًا أنه الميقات، أو ناسيًا، لزمه أن يرجع إلى الميقات، فيحرم منه، حيث أمكن، كسائر الواجبات، إن لم يخف فوت حج، أو غيره، كعلى نفسه، أو ماله، ولا دم عليه، نصًّا (٢)، فإن خاف، لم يلزمه رجوع، ويحرم من موضعه، ويلزمه دم، لما روى ابن عباس مرفوعًا: "من ترك نسكًا فعليه دم" (٣). وقد ترك واجبًا، وسواء كان لعذر، أو غيره. ولا يسقط الدم إن أفسد النسك، نصًّا (٤)؛ لأنه كالصحيح نصًّا (٥)، كدم محظور. (ومحظورات) أي ممنوعات (الإحرام) أي المحرمات بسببه (تسعة: ) أحدها: (إزالة شعر) من بدن كله، ولو من أنفه، بلا عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٦) وألحق بالحلق: القلع، والنتف، ونحوه، وبالرأس: سائر البدن، بجامع الترفه. (و) الثاني: (تقليم أظفار) من يد، أو رجل أصلية أو زائدة، أو قصه، ونحوه، لأنه إزالة جزء من بدن يترفه به، أشبه الشعر بلا عذر، فإن زال شعره، أو ظفره، لعذر، لم يحرم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ

стр. 565

بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)، ولحديث مسلم، عن كعب بن عُجْرة وفيه: وكأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. فقال: "فاحلقه واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين" (٢)، فإن أزاله لأذاه، كما لو خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره، فأزالهما؛ فلا فدية، لأنه أزيل لأذاه، أشبه قتل الصيد الصائل عليه، أو زال الشعر والظفر مع غيرهما، كقطع جلد عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا يفدي، لأنهما بالتبعية لغيرهما، والتابع لا يفرد بحكم. ومن طُيِّب، أو حُلق رأسه مثلًا، أو قلم ظفره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ولو بغير أذنه، أو حلق رأس نفسه، أو قلم ظفره كرهًا، فعليه الفدية دون الفاعل، ولو محرمًا، لأنه تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس، مع أن العادة أن غيره يحلقه، ولأن المفعول به ذلك مفرط بسكوته، وعدم نهيه. وإن حلق رأسه مكرهًا بيد غيره، أو نائمًا، فالفدية على حالق، وكذا من طيَّب غيره مكرهًا، أو ألبسه ما يحرم عليه، ولا فدية بحلق محرم شعر حلال، أو تطييبه بلا مباشرة طيب. ويباح لمحرم غسل شعره بسدر، ونحوه، نصًّا (٣) في حمام، وغيره، بلا تسريح، وله -أيضًا- حك بدنه، ورأسه برفق، ما لم يقطع شعرًا. (و) الثالث: (تغطية رأس ذكر) إجماعًا (٤)، لنهيه ﷺ عن لبس العمائم والبرانس (٥) وقوله في المحرم الذي وقصته (٦) ناقته: "ولا تخمروا

стр. 566

رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (١). متفق عليهما. وتقدم أن الأذنين من الرأس (٢)، وكذا البياض فوقهما، فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد، كبرنس، وعمامة، أو غيره، ولو بقرطاس به دواء، أو لا، أو غطاه بطين، أو نورة، أو حناء، أو عصبة، ولو بسير، حرم بلا عُذْر، وفدى، لقوله ﷺ : "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" (٣). ونهى أن يشد الرجل رأسه بالسير، ذكره القاضي (٤)، وكذا يحرم ستره بغير لاصق، كأن يستظل بمحمل، ونحوه، أو بثوب، ونحوه، كخوص، وريش يعلو الرأس ولا يلاصقه، راكبًا أو لا، بلا عذر، ويفدي، أشبه ما لو ستره بشيء يلاصقه، بخلاف نحو خيمة. ولا يحرم أن يحمل على رأسه شيئًا، كطبق، ومكتل، أو نصب حياله شيئًا يستظل به، لأنه لا يقصد استدامته، أشبه الاستظلال بحائط، أو شجرة، أو بيت، لحديث جابر في حجة الوداع: وأمر بقبة من شر فضربت

стр. 567

له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس (١). رواه مسلم. وكذا لو غطى وجهه لم يحرم ولا فدية، لأنه لم يتعلق به سنة التقصير، فلم يتعلق به سنة التخمير. قلت: ومثل حمله على رأسه شيئًا، كما لو وضع رأسه على نحو وسادة، فالظاهر أنه لا يحرم ولا فدية، ولم أقف على من صرح بذلك. (و) الرابع: (لبسُه) أي الذكر (المخيط) في بدنه أو بعضه، وهو ما عُمل على قدر ملبوس، ولو درعًا منسوجًا، أو لبدًا (٢) معقودًا، ونحوه (إلا سراويل لعدم إزار و) إلا (خفين لعدم نعلين) لحديث ابن عباس: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" (٣) متفق عليه، ولا فدية عليه، لظاهر الخبر. ولا يعقد محرم عليه رداء ولا غيره ولا يخله (٤) بنحو شوكة، ولا يزره في عروته، ولا يغرزه في إزاره، فإن فعل أثم، وفدى، لأنه كمخيط، ولقول ابن عمر لمحرم: ولا تعقد عليك شيئًا (٥)، رواه الشافعي، والأثرم. وقال الإمام أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقد، ويدخل بعضها في بعض (٦). إلا إزاره، فله عقده، لحاجته ليستر عورته، وإلا

стр. 568

مِنطقة (١)، أو همِيانًا (٢) فيهما نفقته، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك (٣). وروي معناه عن ابن عمر وابن عباس (٤)، فله عقدها، فإن ثبت هميان بغير عقد، بأن أدخل السيور بعضها في بعض، لم يعقده، لعدم الحاجة. ويتقلد محرم بسيف لحاجة، لقصة صلح الحديبية، رواها البخاري (٥)، ولا يجوز بلا حاجة، نصًّا (٦)، ويحمل محرم جرابه وقربة الماء في عنقه، لا في صدره، نصًّا (٧)، فلا يدخل حبلها في صدره، وله أن يتزر بقميص، وأن يلتحف به، وأن يرتدي به. وإن طرح على كتفه قباء (٨)، ولو لم يدخل يديه في كمه، فدى، لنهيه ﷺ عن لبسه للمحرم (٩). رواه البخاري، عن علي. وإن غطى خُنثى مشكل وجهه ورأسه؛ فدى، أو غطى وجهه، ولبس

стр. 569

مخيطًا، فدى، لا إن لبسه، ولم يغط وجهه، أو غطى وجهه وجسده بلا لبس مخيط للشك. (و) الخامس من محظورات الإحرام: (الطيب) إجماعًا (١)، لقوله ﷺ : "ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران" (٢)، وأمْره يعلى بن أمية بغسل الطيب (٣)، وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تحنطوه" (٤) متفق عليه، ولمسلم: "لا تمسوه بطيب" (٥). فمتى طيَّب محرم ثوبه، أو بدنه، أو شيئًا منهما، حرم، وفدى، وكذا إن استعمله في أكل، أو شرب، أو ادِّهان، أو اكتحال، أو استعاط، أو احتقان، أو قصد شم دهن مطيب، أو مسك، أو كافور، أو عنبر، أو زعفران، أو ورس، أو عود، أو ما ينبته آدمي لطيب، ويتخذ منه كورد، وبنفسج، وياسمين، ونحوه، لا إن شم شيئًا من ذلك بلا قصد، أو مس ما لا يعلق به، كقطع عنبر، وكافور، لأنه غير مستعمل للطيب، أو شم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح، أو أترج، أو نبات صحراء، كشيحٍ ونحوه، وما ينبته آدمي لا لطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودارصيني (٦).

стр. 570

(و) السادس: (قتل صيد البر) إجماعًا (١)، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، أو اصطياده، وإن لم يقتله، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣)، وهو الوحشي المأكول، والمتولّد منه ومن غيره، وغير المأكول، كسبع، تغليبًا للتحريم، والاعتبار في كونه وحشيًّا أو أهليًّا بأصله، كحمام، وبط، وهو الأوز، ولو استأنس، يحرم قتله، واصصياده، ويجب جزاؤه، وإن توحش أهلي من إبل وبقر ونحوها، لم يحرم أكله، ولا جزاء فيه. قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها (٤)، لأن الأصل فيها الإنسية. فمن أتلف شيئًا من صيد البر الوحشي المأكول، أو المتولد منه، ومن غيره، وهو محرم، أو أتلف بعضه بمباشرة، أو سبب، ولو بجناية دابة متصرف فيها، أو بإشارة لمريد صيده، أو دلالته إن لم يره، أو إعانته، حرم وفدى. وإن دلَّه، أو أشار إليه بعد رؤية صائدٍ له، أو ضحك، أو استشرف عند رؤية الصيد، ففطن له غيره، أو أعاره آلة لغير صيد، فاستعملها فيه، فلا إثم، ولا ضمان. ولا تحرم دلالة محرم على طيب ولباس، لأنه لا ضمان فيهما بالسبب. وإن دل محرمٌ محرمًا على صيد فقتله، فالجزاء بينهما، لأنهما اشتركا في التحريم، فكذا في الجزاء. ولو دل حلال حلالًا على صيد بالحرم، فقتله،

стр. 571

فكدلالة محرم محرمًا، فالجزاء بينهما، نصًّا (١). وحرم أكل المحرم من ذلك كله، وكذا ما ذُبح له، أو صِيد لأجله، نصًّا (٢)، لحديث الصحيحين: أن الصعب بن جثَّامة أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قار: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم (٣) "، وكذا ما أخذ من بيض الصيد، أو لبنه لأجله. ويلزم المحرم بأكل ما صيد لأجله، الجزاء. وما حرم عليه لدلالته، أو إعانة عليه، أو صيد لأجله، لا يحرم على محرم غيره، كما لا يحرم على حلال، لما روى مالك، والشافعي: أن عثمان أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: ألا تأكل. فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي (٤). وإن نقل محرم بيض صيد سليمًا ففسد، أو حلب صيدًا، ضمنه بقيمته مكانه (٥)، نصًّا (٦). ومن قتل صيدًا صائلًا عليه دفعًا عن نفسه، وهو محرم، لم يحل، ولم يضمنه، ولا تأثير لحرم وإحرام في تحريم حيوان إنسي، كبهيمة الأنعام، ودجاج، لأنه ليس بصيد، ولا في محرم الأكل، ككلب، وخنزير، وذئب، ونحو ذلك. ويحرم بإحرام قتل قمل وصيبانه من رأسه، أو بدنه، أو ثوبه، ولو

стр. 572

برميه، لما فيه من الترفه بإزالته، أشبه قطع الشعر، ولا جزاء فيه، لأنه لا قيمة له، أشبه البراغيث، ولا يحرم قتل براغيث وقراد (١) ونحوهما، لأن ابن عمر قرد (٢) بعيره بالسقيا (٣) ورماه (٤)، وهذا قول ابن عباس (٥). ويسن قتل كل مؤذٍ في الحل والحرم، غير الآدمي، لحديث عائشة: أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" (٦) متفق عليه. وفي معناها: كل مؤذٍ. وأما الآدمي، غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى الثلاث، للخبر (٧). ويباح للمحرم وغيره -لا بالحرم- صيد ما يعيش في الماء كسمك (٨)،

стр. 573

ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١)، وأما البحريَ في الحرم، فيحرم صيده، لأن التحريم فيه للمكان، فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر، وطير بري، لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده، وفيه الجزاء، ويضمن جراد إذا أتلفه محرم بقيمته، لأنه غير مثلي. ولمحرم احتاج إلى فعل محظور، فعله، ويفدي، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٢) الآية، وحديث كعب بن عجرة (٣). وألحق بالحلق باقي المحظورات. ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد، لبس، وفدى، نصًّا (٤)، وكذا لو اضطر إلى ذبح صيد، فله ذبحه، وأكله، وهو ميتة في حق غيره، فلا يباح، إلا لمن يباح له أكلها. (و) السابع: (عقد نكاح)، فيحرم، ولا يصح من محرم، فلو تزوج محرم، أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم يصح، نصًّا (٥)، تعمَّده، أو لا، لحديث مسلم، عن عثمان مرفوعًا: "لا ينكحُ المحرم ولا يُنكح" (٦). ولمالك، والشافعي: أن رجلًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه (٧). وعن علي، وزيد معناه (٨)، ورواه أبو بكر النيسابوري.

стр. 574

ولأن الإحرام يمنع الوطء، ودواعيه، فمنع عقد النكاح، كالعدة، إلا في حق النبي ﷺ ، فليس محظورًا، لحديث ابن عباس: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم (١). متفق عليه، وهذا الحديث له معارض (٢)، فإن ثبت

стр. 575

فهو من خصائصه ﷺ . ولا فدية في عقد المحرم، لأنه عقد فاسد، للإحرام، كشراء الصيد، وسواء كان الإحرام صحيحًا، أو فاسدًا، والاعتبار بحالة العقد، فلو وكل حلالًا، صح عقده بعد حل موكله. وتكره خطبة محرم، لحديث عثمان يرفعه: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" (١) كما يكره له حضور نكاح بين حلالين، وشهادة فيه، ولا تكره رجعته لمطلقته الرجعية، لأنها إمساك، ولا شراء أمة للوطء، لأن الشراء واقع على عينها، وهي تراد للوطء، وغيره. (و) الثامن: (جماع) وهو تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدمي أو غيره، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ (٢)، قال ابن عباس: هو الجماع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٣) وهو يفسد النسك قبل التحلل الأول، حكاه ابن المنذر إجماعًا (٤)، ولو بعد وقوف، نصًّا (٥)، لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج، ولم يستفصلوا، وحديث: "من وقف بعرفة فقد تم حجه" (٦)

стр. 576

أي قاربه، وأمن فواته. ولا فرق بين عامد وجاهل، وناس وعالم، ومكره وغيره، وعلى الواطئ والموطوءة المضي في فاسده، ولا يخرج منه بالوطء، روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس (١)، وحكمه كالإحرام الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)، وروي مرفوعًا أمر المجامع بذلك (٣)، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله، من وقوف، وغيره، ويجتنب ما يجتنبه قبله، ويفدي لمحظور فعله بعده. ويقضي من فسد نسكه بالوطء، كبيرًا كان أو صغيرًا، فرضًا كان الذي أفسده أو نفلًا، لقول ابن عمر: فإذا أدركت قابلًا حج واهد (٤). وعن ابن عباس مثله (٥) رواه الدارقطني، والأثرم. إن كان المفسد نسكه مكلفًا، لأنه لا عذر له في التأخير، وإلا فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا، لزوال عذره. ويحرم من أفسد نسكه في القضاء من حيث أحرم أولًا، إن كان إحرامه

стр. 577

به قبل ميقات، لأن القضاء يحكي الأداء، وإلا فمنه. ومن أفسد القضاء قضى الواجب الذي أفسده أولًا فقط، ونفقة قضاء نسك مطاوعة عليها، ومكرهة على مكره، ولو طلقها، لإفساده نسكها. وسن تفرق واطئ وموطوءة في قضاء من موضع وطء، فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط، أو نحوه، إلى أن يحلا من إحرام القضاء، لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيدبت المسيب، أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي ﷺ فقال لهما: "أتما حجكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما، فأحرما، وتفرقا ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، واهديا" (١) وروى سعيد، والأثرم، عن عمر، وابن عباس نحوه (٢). والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه، لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل (٣)، رواه مالك، ولا يعرف له مخالف من الصحابة. وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي إلى الحل، فيحرم منه، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، ليطوف للزيارة محرمًا، لأن الحج لا يتم إلا به، لأنه ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى قبلُ

стр. 578

وتحلل. وعمرة وطئ فيها كحج فيما سبق تفصيله، فيفسدها وطء قبل تمام سعي، لا بعده وقبل حلق، وعليه بوطئه في عمرة شاة، لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخولها فيه إذا جامعته، سواء وطئ قبل تمام السعي، أو بعده قبل حلق، ولا فدية على مكرهة في وطء في حج أو عمرة لحديث: "وعما استكرهوا عليه" (١)، ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يفدي عنهما. (و) التاسع: (مباشرة) الرجل للمرأة (فيما دون فرج) لشهوة، لأنها تنافي الإحرام، ولا تفسد المباشرة النسك، ولو أنزل، لأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الواطئ في الفرج، لأن نوعه يوجب الحد، ويأتي تفصيل ما يجب فيها. (فـ) يجب (في أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل) كبعضه (طعام مسكين) ففي شعرة، أو بعضها طعام مسكين، وفي شعرتين، طعام مسكينين، وفي ظفر أو ظفرين أو بعض ظفر كذلك (وفي الثلاث) من الشعر (فأكثر) أو الثلاثة من الأظفار فأكثر (دم) أي فدية شاة ويأتي بيانها. (وفي تغطية الرأس بلاصق) أولى (ولُبس مخيط، وتطيب في بدن، أو ثوب، أو شمِّ) طيب (أو دَهن) بمطيب (الفدية) ويأتي تفصيلها. (وإن قتل محرم صيدًا مأكولًا) لا يحرم الأكل (بريًّا أصلًا) أي وحشيًّا، لا إنسيًّا، ولو توحش كما تقدم (٢)، فعليه -أي القاتل- (جزاؤه) أي

стр. 579

الصيد، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). (والجماع قبل التحلل الأول في حج، وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما) أي الحاج والمعتمر، كما تقدم (مطلقًا) أي سواء كانا عامدين، أو ساهيين، أو مكرهين، أو جاهلين، لأن من تقدم من الصحابة قضوا بفساد النسك، ولم يستفصلوا. (وفيه) أي الجماع قبل التحلل الأول (لحجٍّ بدنة) لقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة (٢). سواء كان قارنًا، أو مفردًا، فإن لم يجدها صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من عمل الحج، كدم المتعة، (و) فيه العمرة) قبل فراغ سعيها (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى، لنقص العمرة عن الحج (ويمضيان) أي الحاج والمعتمر (في فاسده) أي: النسك (ويقضيانه مطلقًا إن كانا مكلفكين فورًا) لأنهما لا عذر لهما في التأخير (وإلا) يكونا مكلفين فـ (بعد التكليف و) بعد (حجة الإسلام) يقضيان (فورًا) لزوال عذرهما، كما تقدم (٣). (ولا يفسُدُ النسك بمباشرة) دون فرج (ويجب بها بدنة إن أنزل) نقله الجماعة (٤)، لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، فأوجبتها، كالجماع في الفرج، ولم يفسد نسكه، لعدم الدليل، فإن كرر النظر فأمنى، أو قبَّل فأمنى، أو لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى، فعليه بدنة قياسًا على الوطء (وإلا) ينزل، وإن أمذى بذلك، أو أمنى بنظرة واحدة، فعليه (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى. ولا يفسد النسك (بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل) التحلل

стр. 580

(الثاني لكن يفسُد) به (الإحرام فيحرم من الحل) التنعيم، أو غيره، ليجمع بين الحل والحرم (ليطوف للزيارة في إحرام صحيح، ويسعى إن لم يكن سعى) وتحلل، لأن الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وليس هذا عمرة حقيقة، والإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج (وعليه شاة) لعدم إفساده الحج، كوطء دون الفرج بلا إنزال، ولخفة الجناية فيه. والقارن كالمفرد، لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر. (وإحرام امرأة كـ) إحرام (رجل) فيما يحل ويحرم، فيحرم عليها إزالة شعر، وظفر، وطيب، وقتل صيد، وغيره، مما تقدم، إلا فيما استثناه بقوله: (إلا في لُبس مخيط) فيحرم على الرجل، ولا يحرم عليها، وكذا تظليل محمل، لأنها عورة إلا وجهها (وتجتنب البرقع والقفازين)، لحديث: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" (١) رواه البخاري، وغيره، وتجتنب (تغطية الوجه) لحديث: "ولا تنتقب المرأة". فتسدل أي تضع الثوب فوق رأسها، وترخيه على وجهها، للحاجة، كمرور أجانب قريبًا منها، لحديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا (٢). رواه أبو داود، والأثرم. قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل. قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها (٣)، ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها. وتحرم تغطية وجه المحرمة (فإن غطته بلا عذر فدت) ويباح لها من

стр. 581

حلي: خلخال، وسوار، ونحوه، لحديث ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب. وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي (١). ويسن لها خضاب بحناء عند إحرام، لحديث ابن عمر "من السنة أن تدلك المرأة يدها في حناء" (٢)، ولأنه من الزينة، فاستحب لها، كالطيب، وكره بعده، ما دامت محرمة، لأنه من الزينة، أشبه الكحل بالإثمد، ولا يكره الاكتحال بالإثمد لغير الزينة كوجع عين لرجل وامرأة، ولهما لبس معصفر. وكحلي، وكل مصبوغ بغير ورس وزعفران، لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما اتجار، وعمل صنعة، ما لم يشغلا عن واجب، أو مستحب، لقول ابن عباس: كانت عكاظ، ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) في مواسم الحج (٤) رواه البخاري، ولهما نظر في مرآة لحاجة، وتكره لزينة. ولا يصلح المحرم شعثًا، ولا ينفض عنه غبارًا، لحديث أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر مرفوعًا "إن اللَّه تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة، انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" (٥) رواه أحمد.

стр. 582

وللرجل المحرم لبس خاتم مباح من فضة أو عقيق، روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم (١)، وفي رواية: رخص للمحرم في الهميان والخاتم. وله -أيضًا- ختان، وبط جرح (٢)، وقطع عضو عند حاجة، وحجامة. ويجتنب المحرم والمحرمة الرفث، وهو الجماع، كما تقدم (٣)، والفسوق، أي: السباب، وقيل: المعاصي. والجدال، وهو: المراء، روي عن ابن عمر (٤)، قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه (٥). وسن قلة كلامهما إلا فيما ينفع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٦) متفق عليه، وعنه مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٧) رواه الترمذي، وغيره وقال: حديث حسن.

стр. 583

فصل في الفدية وبيان أقسامها وأحكامها وهي مصدر فدى يفدي فداء (١). وشرعًا: ما يجب بسبب نسك، كدم تمتع أو قران، وواجب، بفعل محظور في إحرام، أو ترك واجب، أو بسبب حرم، كصيد الحرم المكي ونباته. وهي قسمان: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب. وقد ذكر الأول بقوله: (يخيّر بـ) ين (فدية حلق) شعر ثلاث فأكثر، أو إزالته (وتقليم) أظفار، ثلاثة فأكثر (وتغطية رأس) رجل، ووجه امرأة، ولبس رجل مخيطًا (وطيب، بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين) لـ (كل مسكين مدُّ بُر، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير) أو أقط، ومما يأكله أفضل. وينبغي أن يكون بأدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) وأو للتخيير، وقوله ﷺ لكعب بن عجرة: العلك آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة" (٣) متفق عليه. وخصت الفدية بالثلاثة، لأنها جمع، واعتبرت في مواضع بخلاف ربع الرأس، وقيس على الحلق باقي المذكورات، لأن تحريمها فيها (٤) للترفه، أشبهت الحلق، وغير المذكور ثبت الحكم فيه بطريق التشبيه تبعًا له (٥).

стр. 584

النوع الثاني: جزاء الصيد، وقد ذكره بقوله: (وفي جزاء صيد) أي: يخير في جزاء صيد (بين) ذبح (مثل مثلي) من النعم، وإعطائه لفقراء الحرم، أي وقت شاء، فلا يختص بأيام النحر، ولا يجزئه أن يتصدق به حيًا (أو تقويمه) أي المثل، بمحل التلف، أو بقربه (بدراهم يشتري بها) أي الدراهم، التي هي قيمة المثل (طعامًا) نصًّا (١)، لأن كل مثلي قوم إنما يقوم مثله، كمالِ الآدمي. ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم، لأنه ليس من المذكورات في الآية (يجزئ) إخراجه (في فطرة) كواجب في فدية أذى، وكفارة، وهو البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وله أن يخرج من طعام عنده يعدل ذلك (فيطعم كل مسكين مُدَّ بر أو نصف صاع من غيره) مما ذكر (أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٢)، وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملًا، لأن الصوم لا يتبعض، ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، نصًّا (٣)، لأنه كفارة واحدة، كباقي الكفارات (و) يخير (بين إطعام أو صيام في) ما اشتراه بقيمته صيد (غير مثلي) إذا قتله، كما تقدم، لتعذر المثل. القسم الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا. وهو ثلاثة أنواع: أحدها دم المتعة والقران، فيجب هدي لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، وقيس عليه القارن،

стр. 585

وتقدم (١)، (وإن عدم متمتع أو قارن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج والأفضل جعل آخرها) أي الثلاثة (يوم عرفة) نصًّا (٢)، فيقدم الإحرام، ليصومها في إحرام الحج، واستحب له هنا صوم يوم عرفة لموضع الحاجة، وله تقديمها قبل إحرامه بالحج، فيصومها في إحرام العمرة، لأنه أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم فيه، كإحرام الحج، ولجواز تقديم الواجب على وقت وجوبه، إذا وجد سبب الوجوب، كالكفارة بعد الحلف قبل الحنث، وسبب الوجوب هنا قد وُجد، وهو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وعلم منه: أنه لا يجوز صومها قبل إحرام عمرة. ووقت وجوب صوم الثلاثة كوقت وجوب هدي، لأنها بدله، وهو يجب بطلوع فجر يوم النحر (و) صام (سبعة) أيام (إذا رجع لأهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣)، وإن صام السبعة قبل رجوعه إلى أهله، بعد إحرام بحج، وفراغه منه. أجزأه صومها. والأفضل إذا رجع إلى أهله، لكن لا يصح صوم شيء منها أيام منى، نصًّا (٤)، لبقاء أعمال من الحج. قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من عمل الحج (٥). ومن لم يصم الثلاثة إلا بعد أيام التشريق، صام بعد ذلك عشرة كاملة، وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، كتأخير رمي جمار عنها، سواء كان لعذر، أو غيره، وكذا إن أخَّر الهدي عن أيام النحر بلا عذر، فيلزمه دم بتأخيره ذلك. ولا يلزم تتابع، ولا تفريق في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة، ولا

стр. 586

بين الثلاثة والسبعة إذا قضاها، وكذا لو صام الثلاثة أيام منى، وأتبعها السبعة، ولأن الأمر بها مطلق، فلا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا. ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صوم انتقال عنه، شرع فيه، أولًا، اعتبارًا بوقت الوجوب، فقد استقر الصوم في ذمته، فإن أخرج الهدي إذن (١) أجزأه، لأنه الأصل. النوع الثاني: المحصَر، وقد ذكره بقوله: (والمحصَر) يلزمه هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) فـ (إذا لم يجده) أي الهدي (صام عشرة أيام) قياسًا على هدي التمتع، بنية التحلل (ثم حل) وليس له التحلل قبل ذلك، ولا إطعام فيه. النوع الثالث: فدية الوطء. يجب به بدنة في حج، قبل التحلل الأول، كما تقدم (٣)، فإن لم يجدها، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، كدم المتعة، لقضاء الصحابة به. تتمة: من كرر محظورًا من جنس، غير قتل صيد، كأن حلق شعرًا، وأعاده، أو قلَّم أظفاره، وأعاده، ونحو ذلك، قبل التكفير عن أول مرة، فعليه كفارة واحدة للكل، لأن اللَّه تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع دفعة أو دفعات، وإن كفر للأول، ثم فعله ثانيًا، لزمه كفارة ثانية، كما لو حلف، وحنث، وكفر، ثم حلف، وحنث. وإذا لبس وغطى رأسه، ولبس الخف، فعليه فدية واحدة، لأن الجميع جنس واحد، وإن كان المحظور من أجناس، فعليه لكل جنس فداء، وعليه في الصيود جزاء بعددها، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا

стр. 587

قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). ويكفِّر وجوبًا من حلق ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو قلَّم أظفاره كذلك، أو وطئ أو باشر كذلك، وتقدم (٢)، أو قتل صيدًا ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا. قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة (٣) (وتسقط) الفدية (بنسيان) أو جهل، أو إكراه (في لُبس وطيب و) في (تغطية رأس)، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤) ولأنه يقدر على رد هذه الإزالة، بخلاف الأول، لأنها إتلاف، ومتى زال عذره أزاله في الحال، لحديث يعلى بن أمية، وفيه: "اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق (٥) -أو قال أثر الصفرة- واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك" (٦). متفق عليه، ولم يأمره بالفدية مع سؤاله عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدل على أنه عُذر بجهله، والناسي في معناه. (وكل هدي أو إطعام) يتعلق بحرم، أو إحرام، كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب، أو لفوات حج، أو فعل محظور، كلبس ووطء (فـ) هو (لمساكين الحرم). قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة (٧). وكذا هدي تمتع وقران،

стр. 588

ومنذور، ونحوها، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، وقيس عليه الباقي. ويلزم ذبحه في الحرم. قال أحمد: مكة ومنى واحد (٣). واحتج الأصحاب (٤) بحديث جابر مرفوعًا: "كل فجاج مكة طريق ومنحر" (٥). رواه أحمد، وأبو داود. ويجب تفرقة لحمه، أو إطلاقه لمساكين الحرم، لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة عليهم، ولا يحصل بإعطاء غيرهم، وكذا الإطعام. قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة (٦). ولأنه ينفعهم كالهدي، وهم -أي مساكين الحرم-: المقيم به، والمجتاز، من حاج، وغيره، ممن له أخذ زكاة لحاجة، ولو تبين غناه بعد ذلك، فكزكاة، والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى، ونحر ما وجب بعمرة بالمروة، خروجًا من خلاف مالك (٧)، ومن تبعه (٨).

стр. 589

والعاجز عن إيصاله إلى الحرم بنفسه، أو بمن يرسله معه، ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١) (إلا فدية أذى) وفدية طيب (و) نحوهما: كفدية (لبس [ونحوها]) (٢) وتغطية رأس (فحيث وجد سببها) لأنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية، بالحديبية (٣) وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي ﵄ رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسقيا (٤). رواه مالك، والأثرم وغيرهما. وله تفرقتها -أيضًا- في الحرم كسائر الهدايا، ودم إحصار حيث أحصر، من حل أو حرم، نصًّا (٥) (ويجزئ الصوم) والحلق (بكل مكان)

стр. 590

لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا فائدة في تخصيصه بالحرم، ولعدم الدليل عليه. (والدم) المطلق (شاة) تجزئ في أضحية: جذع ضأن له ستة أشهر، أو ثني معز له سنة (أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة) لقوله تعالى في التمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، قال ابن عباس: شاة، أو شِركٌ في دم (٢). فإن ذبح كاملة فهو أفضل، وتجب كلها، لأنه اختار الأعلى، لأداء فرضه. وتجزئ بدنة أو بقرة عن سبع شياه مطلقًا، في جزاء الصيد، أو غيره، لحديث جابر: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر، كل سبعة منا في بدنة (٣). رواه مسلم. (ويُرجع) بالمبني للمجهول (في جزاء صيد) وهو: ما يستحق بدله، على متلف بفعل، أو سبب (إلى ما قضت فيه الصحابة) ﵃، فيجب ما أوجبوا فيه، لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب. وفي الخبر "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (٤). وفيه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٥). ومما قضت فيه الصحابة: في

стр. 591

النعامة بدنة. روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، ومعاوية (١)؛ لأنها تشبهها. وفي حمار الوحش: بقرة، روي عن عمر (٢). وفي بقرة: بقرة. روي عن ابن مسعود (٣). وفي إيَّل (٤) -بوزن قنّب- وهو ذكر الأوعال. ذكره في "الإنصاف" (٥): بقرة عن ابن عباس (٦). وفي تيتل -بوزن جعفر- الوعل المسن (٧): بقرة. وفي وعل -بفتح الواو مع العين وكسرها وسكونها- تيس الجبل، كما ذكره في "القاموس" (٨)، وقال في "الصحاح" (٩): هو الأروى: بقرة. يروى عن ابن عمر: في الأروى بقرة (١٠). وقضى به عمر، وابن عباس (١١).

стр. 592

وفي الضبع كبش. قال الإمام (١): حكم فيها رسول اللَّه ﷺ بكبش (٢). وفي الغزال شاة. روي عن علي، وابن عمر (٣)، وروي عن جابر مرفوعًا: "في الظبي شاة" (٤) قاله صاحب "المنتهى" في شرحه (٥). وفي وبر -بسكون الباء- جدي، وهو دويبة كحلاء، دون السنور، لا ذنب له (٦). وفي الضب: جدي، قضى به عمر (٧). والجدي الذكر من أولاد المعز، له ستة أشهر.

стр. 593

وفي يربوع: جفرة لها أربعة أشهر، روي عن عمر، وابن مسعود، وجابر (١). وفي الأرنب: عناق، وهي الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة. يروى ذلك عن عمر (٢). وفي الحمامة، وهي: كل ما عبّ الماء، أي وضمع منقاره فيه، وكرع (٣)، كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة، كالدجاج والعصافير، وهدر، أي: صوّت، فيدخل فيه قمري، وفواخت، وراشين، وقطا، ونحو ذلك: شاة، نصًّا (٤)، قضى به عمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، ونافع بن عبد الحارث (٥) في حمام الحرم، وقيس [عليه] (٦) حمام الإحرام. روي عن ابن عباس أنه قضى به في حمام الإحرام (٧). (و) يرجع (فيما لم تقض فيه) الصحابة (إلى قول عدليْن) لقوله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٨) (خبيريْن) ليحصل المقصود بهما، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة، ولا يشترط كونهما، أو أحدهما، فقيهًا، لظاهر الآية. ويجوز كون القاتل أحدهما، أو هما، فيحكمان على أنفسهما بالمثل، لعموم الآية، ولقول عمر:

стр. 594

احكم يا أربد فيه (١). أي: الضب، الذي وطئه أربد. قال ابن عقيل: إنما يحكم القاتل إذا قتله خطأ، أو لحاجة أكله، أو جاهلًا تحريمه. انتهى. (وما لا مِثْلَ له) من النعم، وهو باقي الطير (تجب قيمته مكانه) أيَ: الإتلاف، كإتلاف مال الآدمي، ولو كان أكبر من الحمام، كأوزٍّ، ونحوه. وإن أتلف جزءًا من صيد، فاندمل، وهو ممتنع، وله مثل من النعم، ضمن الجزء المتلف بمثله من مثله لحمًا، وإلا يكن له مثل، فإنه يضمنه بنقصه من قيمته. وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد: جزاء واحد. روي عن عمر، وابنه، وابن عباس (٢)، سواء كفروا بالصيام، أو غيره، للآية. ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرح، وقبل الموت. (وحرم مطلقًا) على المحرم، وغيره، قتل (صيد حرم مكة) إجماعًا (٣)، لخبر ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام، بحرمة اللَّه تعالى إلى يوم القيامة. . ." الحديث، "وفيه: "ولا ينفر صيدها" (٤). متفق عليه. وصغير، وكافر، كغيرهما في الضمان. ويحرم صيد بحري الحرم، ولا جزاء فيه، لعدم وروده، وإن أرسل حلال كلبه من الحل على صيد بالحل فقتله أو غيره بالحرم، أو فعل ذلك بسهمه، فشطح، فقتل صيدًا بالحرم، لم يضمن، لأنه لم يرم، ولم يرسل كلبه على صيد بالحرم، ولا يحل ما وجد سبب موته، بالحرم تغليبًا للحظر.

стр. 595

(و) حرم (قطع شجره) أي حرم مكة، الذي لم يزرعه آدمي، إجماعًا (١)، لقوله ﷺ : "ولا يعضد شجرها" (٢) (و) حرم قطع (حشيشه) أي الحرم، لقوله ﷺ : "ولا يحش حشيشها" (٣)، حتى الشوك، ولو ضر، لعموم "لا يختلى شوكها" (٤)، وحتى السواك، ونحوه، والورق، لدخوله في مسمى الشجر، إلا اليابس ممن شجر وحشيش، لأنه كميت، و (إلا الإذخر)، لقول العباس: يا رسول اللَّه، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم. قال: "إلا الإذخر" (٥) وهو نبت طيب الرائحة، والقين الحداد، وإلا الكمأة، والفقع، لأنهما لا أصل لهما، وإلا الثمرة، لأنها تستخلف، وإلا ما زرعه آدمي من زرع، وبقل ورياحين، إجماعًا (٦)، نصًّا (٧)، حتى من الشجر، لأنه أنبته آدمي، كزرع، ولأنه مملوك الأصل، كالأنعام، وقوله ﷺ : "لا يقطع شجرها" المراد: لا يملكه أحد، لأن هذا يضاف إلى مالكه. ويباح رعي حشيشه، لدعاء الحاجة إليه، أشبه قطع الإذخر، بخلاف الاحتشاش لها (وفيه) أي قطع الشجر والحشيش (الجزاء) فتضمن شجرة قطعت، أو كسرت، صغيرة، عرفًا بشاة، ويضمن ما فوقها، ببقرة، لقول

стр. 596

ابن عباس "في الدوحة (١) بقرة، وفي الجزلة شاة" (٢) قال (٣): والدوحة الشجرة العظيمة. والجزلة: الصغيرة. ويخير بين ذبحها، وتفرقتها، أو إطلاقها، لمساكين الحرم، وبين تقويمها بدراهم، ويفعل بقيمته كجزاء صيد، بأن يشتري طعامًا، يجزئ في فطرة، فيطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا. ويُضمن حشيش، وورق بقيمته، نصًّا (٤)، لأنه متقوم، ويفعل بقيمته كما سبق. ويُضمن غصن بما نقص، كأعضاء الحيوان. ويُضْمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم، أو بعض أصله بالحرم، لتبعيته لأصله. وكره إخراج تراب الحرم، وحجارته إلى الحل، نصًّا (٥)، قال: لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر، وابن عباس (٦). ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والإخراج أشد كراهة. ولا يكره إخراج ماء زمزم، لما روى الترمذي -وقال: حسن غريب- عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله (٧)، ولأنه يستخلف، كالثمرة. وقال أحمد: أخرجه كعبٌ (٨). ولم يزد عليه.

стр. 597

ولا يكره وضع الحصى بالمساجد كما في مسجده ﷺ زمنه، وبعده، ويحرم إخراج تراب المساجد، وإخراج طيبها، في الحل والحرم، لتبرُّك وغيره، لأنه انتفاع بالموقوف في غير جهته. قال أحمد: إذا أراد أن يستشفي بطيب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (١). تتمة: حد حرم مكة مات كل جهة عليه أنصاب، لم تزل معلومة، فلا حاجة لتسميتها. ويستحب المجاورة بمكة. وهي أفضل من المدينة لحديث عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "واللَّه إنك لخير أرض اللَّه وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (٢). رواه أحمد، وغيره. وقال الترمذي: حسن صحيح. قال ابن عقيل: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي ﷺ فيها فلا واللَّه. ولا العرش، وحملته، والجنة، لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح (٣). وتضاعف الحسنة والسيئة، بمكان فاضل، وزمن فاضل، لقول ابن عباس (٤). وسئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا،

стр. 598

إلا بمكة، لتعظيم البلد، ولو أن رجلًا بعدن وَهَمَّ أن يقتل عند البيت، أذاقه اللَّه من العذاب الأليم (١). (و) حرم (صيد حرم المدينة) المشرفة، وتسمى طابة وطيبة (٢)؛ للخبر (٣)، والأولى ألا تسمى يثرب، وإن صاده وذبحه؛ صحت تذكيته،

стр. 599

جزم به في "الإقناع" (١). (و) حرم (قطعُ شجره وحشيشه) لحديث: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" (٢). متفق عليه (لغير حاجة علف وفتب ونحوهما) كالمساند، والحرث، مما تدعو إليه الحاجة، لحديث أحمد، عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا أصحاب عمل، وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّص لنا. فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسدّ (٣)، وأما غير ذلك فلا يعضد" (٤) رواه أحمد. والقائمتان اللتان تنصب البكرة عليهما، والعارضة هي التي بين القائمتين، والمسدّ عود البَكَرة.

стр. 600

وعن علي مرفوعًا: "المدينة حرمها ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره" (١) رواه أبو داود. ومن أدخلها صيدًا، فله إمساكه، وذبحه، نصًّا (٢)، لحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " (٣) -بالغين المعجمة- هو طائر صغير، كان يلعب به، متفق عليه (ولا جزاء) فيما حرم من ذلك. قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ، ولا أحدًا من أصحابه، حكموا فيه بجزاء (٤). وحرمها: بريدٌ في بريد، نصًّا (٥)، وهو ما بين ثور، وهو: جبل صغير، يضرب لونه إلى الحمرة، بتدوير، وهو خلف أحد من جهة الشمال. وعَير، وهو: جبل مشهور بالمدينة، لحديث علي المتقدم (٦)، وذلك ما بين لابتيها، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بين لابتيها حرام" (٧) متفق عليه، واللابة الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود.
следующие страницы →